قوله «ألق»، أي اجعل فيها ليقة، تقول: لقت الدواة فهي مليقة، وألقتها فهي ملاقة، وجمع اللّيقة ليق. ويقال للصّوفة قبل أن تبلّ بالمداد: البوهة والموارة، فإذا بلّت بالمداد سمّيت ليقة، وقد يقال لها: ليقة قبل أن تبلّ، سميت بما تؤول إليه، كما قيل للكبش: ذبيح، وللصيد: رميّة، فإن كانت قطنة فهي العطبة والكرسفة، وكرسفت الدواة كرسفة، والقطن كلّه يقال له: العطب والكرسف.
ويقال للمداد: نقس ونقس، والكسر أفصح، وقيل: الفتح مصدر نقستها، جعلت فيها نقسا، والحبر من المداد بالكسر لا غير، والحبر بالفتح والكسر: العالم. وقال بعضهم: سمّي المداد حبرا باسم العالم، كأنهم أرادوا مداد حبر، فحذفوا، ولو كان ما قالوه صحيحا لقالوا للمداد: حبر بالفتح، والأشبه أن يسمّى حبرا لأنه يحسّن الكتابة، من قولهم: حبرت الشيء إذا حسّنته. ويقال للجمال: حبر وسبر، فمداد حبر، كقولك مداد زينة وجمال، أو يكون من الحبر والحبار، وهو الأثر، فيسمّى بذلك لتأثيره في الكتاب.
ويقال: مددت الدواة أمدّها مددا، إذا جعلت فيها مدادا، فإن كان فيها مداد فزدت عليه قلت: أمددتها، فإذا أمرته أن يأخذ من المداد بالقلم قلت: استمدد، فإن سألته أن يعطيك على القلم مدادا، قلت: أمدد لي من دواتك، واستمددته أنا؛ سألته أن يمدّني. وقال الخليل: مدّني وأمدّني: أعطني من مداد دواتك، وكلّ شيء زاد في شيء فهو مداد له، وأمهت الدّواة وموّهتها؛ إذا جعلت فيها ماء، والأمر من ذلك كلّه أمه وموّه دواتك.
_________________
(١) البيت الأول لسويد بن كراع في لسان العرب (بوب)، وتاج العروس (بوب)، والأغاني ١٢/ ٣٩٩، والشعر والشعراء ص ٦٣٩، والبيت الثاني لسويد بن كراع في مقاييس اللغة ٢/ ٤٧٦، والشعر والشعراء ص ٦٣٩، وبلا نسبة في لسان العرب (ربد)، وتهذيب اللغة ١٤/ ١٠٩، وجمهرة اللغة ص ٢٩٧، والمخصص ٧/ ٩١، وتاج العروس (ربد).
[ ١ / ١٦٨ ]
واشتقاق الدّواة من الدّواء، لأن بها إصلاح أمر الكتّاب، وبعض الشعراء اشتقّها من دوي الرجل يدوي دويّا، إذا صار في جوفه الداء، قال: [البسيط]
أمّا الدواة فأدوى حملها جسدي وحرّف الخطّ تحريف من القلم (١)
ووزنها «فعلة» تحرّكت الياء وقبلها فتحة، فقلبت ألفا، وتجمع دويات؛ كقناة وقنوات، ودوى كقناة وقنا. ويقال: أدويت فأنا مدو: اتّخذت دواة، ويقال للذي يبيعها:
دوّاء كخيّاط وإذا أمرت من يتخذها قلت: أدو دواء، ويقال لمن يحملها ويمسكها:
دوّاء، ويقال لها: الدواة والرقيم والنون.
ويقال: هو القلم المزبر بالزاي والمزبر من زبرت وذبرت، أي كتبت، ومن فرقّ بينهما قال: زبرت بالزاي، أي كتبت، وذبرت، أي قرأت. وسمّي قلما لأنه قلم، أي قطع وسوّى، كما يقلّم الظفر، وكلّ عود قطع وحزّ رأسه وأعلم بعلامة فهو قلم، قال الله تعالى: إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ [آل عمران: ٤٤]، وكانت سهاما فيها أسماؤهم مكتوبة. ويقال للذي يقلم به: مقلم، وللذي يبرى به: مبرى، ولما سقط عن البرى والتّقليم: القلامة والبراية. وقيل لأعرابيّ: ما القلم؟ ففكّر ساعة، وجعل يقلّب أصابعه، ثم قال: لا أدري؛ فقيل له: توهّمه في نفسك، قال: هو عود قلّم من جوانبه كتقليم الأظفار. ويقال لعقدة: الكعوب، واحدها كعب، ولما بينها الأنابيب، واحدها أنبوب، ويستعملان في الرّمح، وفي كلّ عود فيه عقد، والعقدة التي تشينه تسمّى الأبنة وجمعها أبن، فإن كان في العود أو القصبة تأكّل، قيل فيه: قادح ونقد، ويقال لباطنه:
الشحمة، ولظاهره اللّيط، فإن قشرت منه قشرة قلت: ليّطت من القلم ليطة، فإن أخذت شحمته بالسّكين قيل: شحمته أشحمه، فإن أفرطت في أخذها، قلت: بطّنته تبطينا فهو مبطّن، وحفرته فهو محفور، فإن تركت شحمته، قلت: أشحمته إشحاما. ويقال لغشائه الذي عليه: الغلاف واللّحاء والقشر، فإذا نزعتها عنه قيل: قشرته ولحوته وقشوته وسحوته، ويقال في ثلاثتها بالياء، ووسّقته ونقّحته، مشدّدان. ويقال لطرفيه اللّذين يكتب بهما: السّنّان والشّعيرتان، واحدهما سنّ وشعيرة، فإذا قطع طرفه وهيئ للكتابة قيل:
قططته أقطّه قطّا، وقصمته أقصمه قصما، والمقطّ بالكسر: ما يقطّ عليه، وبالفتح الموضع الذي يقط من رأسه، فإن جعلت إحدى سنّيه أطول من الأخرى قلت: قلم محرّف، وقد حرّفته تحريفا، فإن سوّيتهما قلت: قلم مبسوط، فإن سمع له صوت عند الكتابة، فذلك الصريف والصرير والرشيق ويقال للقصب: اليراع والأباء، الواحد يراعة وأباءة، وقيل:
الأباء أطراف القلم، أي القصب، ويقال للقطن الذي يوجد في بطنها: البيلم والقيصف والقيسع، واحدته بيلمة وقيصفة وقيسعة، فإن كان في القصب تأكّل قيل فيه: قادح ونقد،
_________________
(١) البيت بلا نسبة في تاج العروس (دوي).
[ ١ / ١٦٩ ]
وكذلك العود والسنّ والقرن، فإن كان فيها عوج فذلك الدّرء.
قوله: «خذ أداتك»، أي قلمك. وقال ابن طاهر لكاتب له: ألق دواتك، وأطل سنّ قلمك، وفرّق بين السطور، وتوسط بين الحروف.
وقال ابن عبد ربه: ينبغي للكاتب أن يصلح آلته التي لا بدّ له منها، وأداته التي لا تتمّ صناعته إلا بها، وهي دواته، فلينعم ربّها إصلاحها، ثم ليختر من أنابيب القصب أقلّها عقدا، وأكثفها لحما، وأصلبها قشرا، وأعدلها استواء، ويجعل لقرطاسه سكينا حادّا ليكون عونا له على برى أقلامه، ويبريها من ناحية نبات القصب.
واعلم أنّ محل القلم من الكاتب محل الرّمح من الفارس، نظم أحد الشعراء فقال:
[الرمل]
يمسك الفارس رمحا بيد وأنا أمسك فيها قصبه
فكلانا فارس في شأنه إنما الأقلام رمح الكتبة
وقال أبو الفتح البستي: [البسيط]
إن هزّ أقلامه يوما ليعملها أنساك كلّ كميّ هزّ عامله
وإن أقرّ على رقّ أنامله أقرّ بالرّقّ كتّاب الأنام له
رأى جعفر بن يحيى خطّا فاستحسنه، فقال: الخطّ خيط الحكمة، ينظم فيه منثورها، وتفصّل فيه شذورها.
ومن كتاب جعفر بن يحيى إلى محمد بن الليث: أما بعد، فليكن قلمك محرّفا. لا متينا ولا رقيقا، ضيّق القلب، فأبره بريا مستويا كمنقار الحمامة، وأعطف بطنه، ورقّق شفرتيه، وليكن قرطاسك رقيقا مستوى النّسج، مخرج السّحاءة (١)، مستويا من أحد الطرفين إلى آخره، فليست تستقيم السّطور إلا فيما كان كذلك، وليكن أكثر مطّك في أطراف القرطاس الذي فيه يسارك، وأقلّه في الوسط، ولا تمطّ في الطرف الآخر، والمطّ نصف الخطّ، ولا يقوى عليه إلا العاقل.
قال العتابيّ: سألني الأصمعيّ في دار الرشيد أيّ الأنابيب للكتابة أصلح، وعليها أصبر؟ فقلت له: ما نشف بالهجير ماؤه، وستره من تلويحه غشاؤه، من الدّرّية الظهور، النيّرة القشور، الفضّيّة الكسور؛ قال: فأيّ نوع من البري أصوب وأكتب؟ فقلت له:
البريّة المستوية القطّة، التي عن يمين سنها قرنة (٢)، تأمن معها المجّة عند المدّة والمطّة، للهواء في شقّها صفيق، وللرّيح في جوفها خريق، والمداد في خرطومها رقيق. قال العتابيّ: فبقي الأصمعيّ شاخصا إليّ لا يحير جوابا.
_________________
(١) السحاءة: أي القشرة.
(٢) القرنة: الطرف المائل من كل شيء.
[ ١ / ١٧٠ ]
وقال الحسن بن وهب: يحتاج الكاتب إلى خلال: جودة بري القلم، وإطالة جلفته، وتحريف قطّته، وحسن التأتّي لامتطاء الأنامل، وإرسال المدّة بعد إشباع الحروف، واستواء الرسوم، وحلاوة المقاطع.
وقال بعض الكتّاب: عطّروا دفاتركم بجيّد الحبر، فإنّ الكتب غوان والحبر غوال.
وقال بعض الكتاب أيضا: [الوافر]
وما روض الربيع وقد زهاه ندى الأسحار يأرج بالغداة
بأضوع أو بأسطع من نسيم تؤدّيه الأفاوه من دواة
كأنّ هذا من قول الآخر: [الوافر]
دعيّ في الكتابة ليس منها له فكر يعدّ ولا بديه
كأنّ دواته من ريق فيه تلاق، فريحها أبدا كريه
ونظر جعفر بن محمد إلى فتى على ثيابه أثر مداد، وهو يستره، فقال له: [الكامل]
لا تجزعنّ من المداد فإنه عطر الرجال وحلية الكتّاب
ولبعضهم يهجو كاتبا: [الوافر]
حمار في الكتابة يدّعيها كدعوى آل حرب في زياد
فدع عنك الكتابة لست منها ولو لطّخت نفسك بالمداد
وقال كشاجم لورّاق يدّعي الكتابة: [الكامل]
وزعمت أنّك في الكتابة مدرك شأوي، فقلت: رماحنا أقلام (١)
هيهات تلك صناعة ممزوجة فيها ضياء واضح وظلام
هذا الحديد سلاح أبطال الوغى وبه يمج دماءنا الحجّام
وقال أبو العيناء: كنت عند إبراهيم بن العباس، وهو يكتب كتابا، فنقطت من القلم نقطة مفسدة، فمسحها بكمّه؛ فتعجّبت، فقال: لا تعجب، المال فرع والقلم أصل، والأصل أحوج إلى المراعاة من الفرع، وبهذا السواد جاءت هذه الثياب، ثم أطرق قليلا وقال: [الوافر]
إذا ما الفكر ولّد حسن لفظ وأسلمه الوجود إلى العيان
ووشّاه فنمنمه جواد فصيح في المقال بلا لسان
ترى حلل البيان منشّرات تجلّى بينها صور المعاني
_________________
(١) الأبيات في ديوان كشاجم ص ١٦٠.
[ ١ / ١٧١ ]
وكتب سليمان بن وهب بقلم صلب، فاعتمد عليه اعتمادا شديدا، فصرّ القلم في يده، فأنشد: [الطويل]
إذا ما التقينا وانتضينا صوارما يكاد يصمّ السامعين صريرها
تساقط في القرطاس منها بدائع كمثل اللآلي نظمها ونثيرها
تقود أبيات البيان بفطنة تكشّف عن وجه البلاغة نورها
تظلّ المنايا والعطايا شوارعا تدور بما شئنا وتمضي أمورها
إذا ما خطوب الدهر أرخت ستورها تجلّت بنا عما يسرّ ستورها
وأتى رجل وكيعا، فقال: رجل يمتّ إليك بحرمة! فقال له: وما حرمتك؟ قال له:
كنت تكتب بمحبرتي عند الأعمش. فوثب وكيع إلى منزله، ثم أخرج منه دنانير لنفقته، وقال له: اعذرني فما أملك غيرها، ودفعها إليه.
وقال أبو الحسن بن لبّال في محبرة آبنوس: [الكامل]
وخديمة للعلم في أحشائها كلف بجمع حلاله وحرامه
لبست رداء اللّيل ثم توشّحت بنجومه وتتوّجت بهلاله
وحدثني عن شيخي الفقيه أبي عبد الله بن زرقون ابنه الفقيه أبو الحسين، قال:
حدّثني أبي أنه كان بسبتة أيام الشبيبة والطلب، في مجلس جمع من طلبة الأدب، فتعرّض لهم رجل بمحبرة صنعها، وأراد أن يقصد بها الوالي على حسنها، وكانت محبرة آبنوس بحلية صفراء مذهبة، فأطرقوا يروّون، فبادرهم أبو الطالب بن أبي ركب فقال: [الكامل]
جاءتك من غرر العلا زنجيّة في حلّة من حلية تتبختر
سوداء صفراء الحليّ كأنّها ليل تطرّزه نجوم تزهر
فاستحسنهما من حضر، ورأوا أنه قد أربى على الغاية فيما عنه صدر، فكتبا للرجل في رقعة، فبعد ما سار بها قليلا، رجع فأبرز منها قلم صفر مذهبا، ورغب أن يضمّن ذكره في منظوم يضاف إلى البيتين، فأطرقوا يروّون في ذلك، فبادرهم أبو طالب المذكور فقال: [الكامل]
كملت بأصغر من نجار حليّها تخفيه أحيانا، وحينا يظهر
خرسان إلا حين يرضع ثديها فتراه ينطق ما يشاء ويذكر
وقال آخر يصف دواة وأقلاما: [الخفيف]
قد بعثنا إليك أمّ العطايا والمنايا زنجيّة الأحساب
في حشاها من غير حرب حراب وهي أمضى من نافذات الحراب
[ ١ / ١٧٢ ]
وأحسن ما قيل في القلم قول حبيب يصف قلم محمد بن عبد الملك الزيّات:
[الطويل]
لك القلم الأعلى الّذي بسنانه تصاب من المرء الكلى والمفاصل (١)
له الجلوات اللاء لولا نجيّها لما احتفلت للملك تلك المحافل
لعاب الأفاعي القاتلات لعابه وأرى الجنى اشتارته أيد عواسل
له ديمة طلّ، ولكنّ وقعها بآثاره في الشرق والغرب وابل
فصيح إن استنطقته وهو راكب وأعجم إن خاطبته وهو راجل
إذا ما امتطى الخمس اللّطاف وأفرغت عليه شعاب الفكر وهي حوافل
أطاعته أطراف القنا وتقوّضت لنجواه تقويض الخيام الجحافل
إذا استغزر الذّهن الذكيّ وأقبلت أعاليه في القرطاس وهي أسافل
وقد رفدته الخنصران وسدّدت ثلاث نواحيه الثّلاث الأنامل
رأيت جليلا شأنه وهو مرهف ضنى، وسمينا خطبه وهو ناحل
وقال أبو الفتح البستي: [الطويل]
إذا أقسم الأبطال يوما بسيفهم وعدّوه مما يكسب المجد والكرم
كفى قلم الكتاب مجدا ورفعة مدى الدهر أنّ الله أقسم بالقلم
وقال البحتريّ: [البسيط]
تعنو له وزراء الملك خاضعة وعادة السّيف أن يستخدم القلما (٢)
وقال أبو العباس التنوخيّ: [البسيط]
إن يخدم القلم السّيف الّذي خضعت له الرقاب ودانت خوفه الأمم
فالموت والموت لا شيء يقابله ما زال يتبع ما يجري به القلم
بذا قضى الله للأقلام مذ بريت أنّ السيوف لها مذ أرهفت خدم
وناقضه أبو الطيب المتنبي فقال: [البسيط]
حتى رجعت وأقلامي قوائل لي: المجد للسيف ليس المجد للقلم (٣)
أكتب بنا أبدا بعد الكتاب به فإنّما نحن للأسياف كالخدم
وقال الصوليّ: فاخر صاحب سيف صاحب قلم، فقال صاحب القلم: أنا أكتب بلا
_________________
(١) الأبيات في ديوان أبي تمام ص ٢٥٧.
(٢) البيت في ديوان البحتري ص ٢٠٤٨.
(٣) البيتان في ديوان المتنبي ٤/ ١٥٩، ١٦٠.
[ ١ / ١٧٣ ]
غرر، وأنت تقتل على خطر، فقال صاحب السيف: القلم خادم السّيف إن تمّ مداده، وإلا فإلى السيف معاده.
قال الصوليّ: وقال بعض اليونانيين: الدين والدنيا تحت شيئين: سيف وقلم، والسيف تحت القلم.
وفي ذلك يقول جرير النّميريّ: [الوافر]
أتحقرني ولست لذاك أهلا وتدنى الأصغرين من الخوان
جهابذة وكتّاب وليسوا بفرسان الكتيبة والطّعان
ستذكرني وتعرفني إذا ما تلاقي الحلقتان من البطان
وقال كشاجم: [الطويل]
هنيئا لأصحاب السيوف بطالة تقضّي بها أيامهم في التنعّم
وكم فيهم من دائم الأمر لم يرع بحرب ولم ينهد لقرن مصمّم
وكلّ ذوي الأقلام في كلّ ساعة سيوفهم ليست تجفّ من الدّم
وقال آخر: [البسيط]
قوم إذا أخذوا الأقلام من قصب ثم استمدوا بها ماء المنيّات
نالوا بها من أعاديهم وإن بعدوا ما لا ينال بحدّ المشرفيّات
وقال البحتريّ يصف كلام الحسن بن وهب وأقلامه: [الكامل]
وإذا تألّق في العيون كلامه ال محمود خلت لسانه من عضبه (١)
وإذا دجت أقلامه ثم انتحت برقت مصابيح الدّجى في كتبه
فاللفظ يقرب فهمه في بعده منّا، ويبعد نيله من قربه
حكم، فسائحها خلال بنانه متدفّق، وقليبها في قلبه
فكأنّها والسّمع معقود لها شخص الحبيب بدا لعين محبّه
وقال عليّ بن الجهم في رقعة جاءته بخط جارية: [السريع]
ما رقعة جاءتك مثنيّة كأنّها خدّ على خدّ
نبذ سواد في بياض كما ذرّ فتيت المسك في الورد
ساهمة الأسطر مصروفة عن وجهة الهزل إلى الجدّ
يا كاتبا أسلمني عتبه إليه، حسبي منك ما عندي
_________________
(١) الأبيات في ديوان البحتري ص ١٦٤.
[ ١ / ١٧٤ ]
وقال البحتري في ابن الزيات: [الخفيف]
قد تصرّفت في الكتابة حتّى عطّل الناس ذكر عبد الحميد (١)
في نظام من البلاغة ما ش ك أمرؤ أنّه نظام فريد
وبديع كأنه الزّهر الضا حك في رونق الرّبيع الجديد
ما أعيرت منه بطون القراطي س وما حملت ظهور البريد
حزن مستعمل الكلام اختيارا وتجنّبن ظلمة التّعقيد
كالعذارى غدون في الحلل الصّف ر إذا رحن في الخطوب السّود
قال المأمون لمحمد بن داود: إن شاركناك في اللّفظ فقد تاركناك في الخطّ، فقال:
يا أمير المؤمنين، إنّ من أعظم آيات النبيّ ﷺ أنه أدّى عن الله تعالى رسالته، وحفظ وحيه، وهو أميّ لا يعرف من فنون الخطّ فنّا، ولا يقرأ من حروفها حرفا، وبقي عمود ذلك في أهله، فهم يشرفون بالشّرف الكريم في نقص الخطّ، كما يشرف غيرهم بزيادته، وإنّ أمير المؤمنين أخصّ الناس برسول الله ﷺ، والوارث لموضعه، والمتقلّد لنهيه ولأمره، فتعلّقت به المشابهة الجليلة، وتناهت إليه الفضيلة. فقال المأمون: يا محمد، لقد تركتني لا آسي على الكتابة ولو كنت أميّا.
قد ذكرنا من آلات الكتابة نثرا ونظما ما فيه كفاية وفي السادسة والعشرين من النظم في أوصاف الكتّاب ما يستحسن وينتظم بما أوردنا هنا.
وإنما أخرج الحريريّ رسالته الخيفاء من هذه الأوصاف المنظومة في الرسائل التي قدّمناها آنفا لما ذكره من أنّ جميع الكتّاب قطب لإنشائها وتاب، لما فيها من لزوم نقط لفظة وترك أخرى؛ وهي على ما بها من التكلّف، رائقة المعاني، أنيقة المباني، ولو غيره تعاطاها لأظلمت معانيها، وتداعت مبانيها، فلله هو! لقد كان منقادا له صعب الكلام بأيسر مرام! وما هو في محاولة البلاغة إلا كما قال حبيب في سليمان بن وهب: [الخفيف]
سرح نطقه إذا ما استمرّت عقدة العيّ في لسان الخطيب (٢)
ومصيب شواكل الأمر فيه مشكلات ملكن لبّ اللبيب
لا معنى بكلّ شيء ولا ك لّ عجيب في عينه بعجيب
***
الكرم- ثبّت الله جيش سعودك- يزين، واللّؤم- غضّ الدّهر جفن حسودك يشين، والأروع يثيب، والمعور يخيب، والحلاحل يضيف، والماحل يخيف،
_________________
(١) الأبيات في ديوان البحتري ص ٦٣٦.
(٢) الأبيات في ديوان أبي تمام ص ٣٧.
[ ١ / ١٧٥ ]
والسّمح يغذي، والمحك يقذي، والعطاء ينجي، والمطال يشجي، والدّعاء يقي، والمدح ينقي، والحرّ يجزي والإلطاط يخزي، واطّراح ذي الحرمة غيّ، ومحرمة بني الآمال بغي، وما ضنّ إلّا غبين، ولا غبن إلّا ضنين، ولا خزن إلّا شقيّ، ولا قبض راحه تقيّ. وما فتئ وعدك يفي، وآراؤك تشفي، وهلالك يضي، وحلمك يغضي، وآلاؤك تغني، وأعداؤك تثني، وحسامك يفني، وسؤددك يبني، ومواصلك يجتني، ومادحك يقتني، وسماحك يغيث، وسماؤك تغيث، ودرّك يفيض، وردّك يغيض، ومؤمّلك شيخ حكاه فيء، ولم يبق له شيء. أمّك بظنّ حرصه يثب، ومدحك بنخب مهورها تجب، ومرامه يخفّ، وأواصره تشفّ، وإطراؤه يجتذب، وملامه يجتنب، ووراءه ضفف، مسّهم شظف؛ وحصّهم جنف، وعمّهم قشف، وهو في دمع يجيب، ووله يذيب؛ وهمّ تضيّف، وكمد نيّف، لمأمول خيّب، وإهمال شيّب، وعدوّ نيّب، وهدوّ تغيّب، ولم يزغ ودّه فيغضب، ولا خبث عوده فيقضب، ولا نفث صدره، فينفض، ولا نشز وصله فيبغض، وما يقتضي كرمك نبذ حرمه؛ فبيّض أمله، بتخفيف ألمه، ينثّ حمدك بين عالمه. بقيت لإماطة شجب، وإعطاء نشب، ومداواة شجن، ومراعاة يفن، موصولا بخفض، وسرور غضّ، ما غشي معهد غنيّ، أو خشي وهم غبيّ، والسلام.
***
قوله: «غضّ الدهر جفن حسودك»، يقال: غضّ جفنه، أي سدّ عينيه، دعاء عليه بالعمى، يقول: الكرم يزيّن صاحبه. واللؤم- وهو البخل- يشينه ويعيبه، ثم دعا له بدوام السّعد وثبوته، وبعمى عين الحسود حتى لا يبصر ما أعطي الممدوح من النّعم، فيأخذها بالعين. الأروع: السيد الكريم، وهو الذي قصد، وقيل: الأروع الحديد النفس، وقيل: الذي يروعك بجماله. يثيب: يجازي قاصده. والمعور: البادي العورة، وهو الفارس يظهر في طعنه خلل، وأراد به الناقص الخلق الكثير السفاهة، ومن جملة عيوبه البخل حتى يخيب قاصده، لأنه قابل به الأروع، وهو التامّ الجسيم، الجهير الصوت، قال الشاعر: [الطويل]
يواخي لئيم النّاس كلّ ملائم وينطق بالعوراء من كان معورا (١)
_________________
(١) يروى صدر البيت: يروم أذى الأحرار كلّ ملّام وهو بلا نسبة في لسان العرب (لأم)، وتاج العروس (لؤم).
[ ١ / ١٧٦ ]
الحلاحل: السيّد الذي يحلّ به الناس كثيرا. يضيف: ينزل الأضياف ويكرمهم.
والماحل: البخيل، شبّه بالبلد الماحل، وهو الجدب، فكأنّ الماحل الذي لا يوجد عنده خير، يقال: أمحل البلد، وبلد ماحل وذو محل، مثل لابن وتامر، والماحل النّمّام، يقال: محل به إلى السلطان إذا وشى به، وهو الذي يخيف على الحقيقة، والماحل أيضا: المخاصم، وقد ما حلته وما حلني. يغذي: يطعم. والمحك: اللّجوج، وهو مقابل السّمح الخلق. يقذي: يجعل في العين قذى، أي يضرّ قاصده ويؤلمه. ينجي:
يخلّص صاحبه من الذمّ، وتقدّم المطال. ينقي: يغسل العيب. والإلطاط: الامتناع من فعل الخير، ويقال: لطّ وألطّ، إذا ذهب، ولطّ الشيء وألطّه، إذا ستره. يخزي: يهين.
اطّراح: ترك. ذي الحرمة، أي صاحبها، والحرمة ما لا يحلّ انتهاكه، ومن قصدك فقد دخل في حرمك، فتركه ليس من المروءة. غيّ: فساد وضلال. محرمة: منع. بنى الآمال: أهل الرجل الذين يرجون خيره ويأملونه. بغى: ظلم. ضنّ: بخل. غبين:
مخدوع في رأيه. ضنين: بخيل، يقول: ما يضنّ بماله من هو سديد النظر ولا المصيب الرأي إنما يبخل به من هو فاسد النظر مغبون في رأيه. خزن: حبس ماله: قبض راحه:
ضمّ كفه على ما فيها، وهذه كناية عن المنع والبخل. والتقيّ: الذي يقي نفسه من العذاب بعمله الصالح، من وقيت نفسي أقيها، واختلف في وزنه فقيل «فعول» وأصلها «وقوى»، فأبدلوا من الواو تاء لقرب مخرجيهما، ومن الواو الثانية ياء وأدغموها في الياء، وكسروا القاف لتصحّح الياء، والاختيار أن يكون وزنه «فعيلا» وأصله «تقي»، فأدغموا الياء في الياء، والدليل على صحته جمعهم له على أتقياء، كوليّ وأولياء، ومن قال: إنه «فعول» قال: لمّا أشبه «فعيلا» جمع جمعه.
قوله: «ما فتئ»، أي ما زال. يفي: يصدق ويكون وفيّا. آراؤك: جمع رأى.
تشفي: تزيل الهمّ عن قلب وليّك، وتبرئ مرض قاصدك من فقره، يصفه بجودة الرأي وحسن النّظر فيما يصلح به أحوال أصحابه وقصاده. هلالك يضيء: يصفه بطلاقة الوجه وإضاءته عند السؤال، قال زهير: [الطويل]
تراه إذا ما جئته متهلّلا كأنّك تعطيه الذي أنت سائله (١)
وكما قال أبو بكر في الطّلاقة: [الكامل]
وإذا نظرت إلى أسرّة وجهه برقت كبرق العارض المتهلّل (٢)
_________________
(١) البيت لزهير بن أبي سلمى في ديوانه ص ١٤٢، وكتاب العين ٣/ ٣٥٢، وتهذيب اللغة ٥/ ٣٦٥، وبلا نسبة في تاج العروس (هلل)، ولسان العرب (هلل).
(٢) البيت لأبي كبير الهذلي في شرح أشعار الهذليين ص ١٠٧٤، وتاج العروس (عرض)، وبلا نسبة في المخصص ١/ ٨٩.
[ ١ / ١٧٧ ]
خلافا لسيّئ الخلق الذي يقطّب وجهه عند اللقاء، واللئيم الذي إذا سئل انزوى وتقبّض.
يغضي: يسمح. آلاؤك: نعمك. أعداؤك تثني: يقول لكثرة المادحين لك والناشرين لفضلك، لم يمكن أعداؤك وحسّادك ذمّك لتكذيب الناس إياهم، فصاروا يثنون عليك مع من يثني؛ ويحكى أنّ أعرابيّا استضاف حاتما، فلم ينزله، فبات جائعا مقرورا، فلما كان في السّحر ركب راحلته، وانصرف، فتقدّمه حاتم، فلما خرج من بين البيوت لقيه متنكّرا، فقال له: من كان أبا مثواك البارحة؟ قال: حاتم، قال: فكيف كان مبيتك عنده؟ قال: خير مبيت، نحر لي ناقة فأطعمني لحما عبيطا، وأسقاني الخمر، وعلف راحلتي، وسرت من عنده بخير حال. فقال له: أنا حاتم، والله لا تبرح حتى ترى ما وصفت، فردّه وقال له: ما حملك على الكذب؟ فقال له الأعرابيّ: إنّ الناس كلّهم يثنون عليك بالجود، ولو ذكرت شرّا كنت أكذب، فرجعت مضطرّا إلى قولهم، إبقاء على نفسي لا عليك. وقد تقدّم قول البحتريّ في هذا المعنى: [الطويل]
أأشكو نداه بعد ما وسع الورى ومن ذا يذمّ الغيث إلا مذمّم (١)!
وقال حبيب: [الطويل]
فإن أنا لم يحمدك عنّي صاغرا عدوّك فاعلم أنني غير حامد (٢)
بسبّاقة تنساق من غير سائق وتنقاد في الآفاق من غير قائد
أفادت صديقا من عدوّ وصيرت أقارب دنيا من رجال أباعد
ومحلفة لمّا ترد أذن سامع فتصدر إلّا عن يمين وشاهد
وهذه القصيدة من كلامه يمدح بها محمد بن الهيثم، يقول: يسمع عدوّك إطنابي في مدحك فيمدحك صاغرا، فكيف وليّك! فأمدك بقصيدة تقطع الأرض، ليست بإبل تساق، ولا بخيل تقاد، فتردّ العدوّ صديقا، والبعيد قريبا، ولا يسمعها أحد إلا ويحلف أنه لم يسمع مثلها، فيشهد له بالصدق.
قوله: «وسوددك يبني»، أي يرفع لك مجدا وشرفا. حسامك يفنى، أي سيفك يقطع ويفني أعداءك. مواصلك يجتنى، أي من زارك وواصلك اجتنى نعمتك ومواهبك.
يقتنى، أي يكتسب. سماؤك تغيث، أي تأتي بالغيث وهو المطر فيستغيث الناس به من الجدب. سماحك يغيث، أي جودك وحسن خلقك يفرّج كرب المهموم، وتقول: غوّث الرجل، أي قال: وا غوثاه، وأغثته أغيثه، إذا فرّجت عنه ما يشتكي منه. درّك يفيض:
عطاؤك يشمل، أي لبنك يملأ الإناء ويفيض عليه، يريد أن عطاءه يكثر لسائله. وردّك
_________________
(١) البيت في ديوان البحتري ص ١٩٨٠.
(٢) الأبيات في ديوان أبي تمام ص ١١٩، ١٢٠.
[ ١ / ١٧٨ ]
يغيض، أي منعك يذهب الرزق، وغاض الماء: غار في الأرض، مؤمّلك: راجيك.
والفيء: الظلّ بعد الزوال، يريد أن عمره قد أدبر، فشبّه نفسه بالفيء الذاهب. أمّك بظنّ، أي قصدك برجاء. وحرصه يثب، أي طمعه يتزايد فيجعله في غاية من القلق.
نخب: مختارة. مهورها: حقوقها، يقول: مدحك بنخب في ملئه، فوجبت حقوقها لحسنها وجودتها. ومما ينظر إلى هذه المعارضة قول الشاعر: [الوافر]
وخذ حمدي بجودك، ذا بهذا كلانا اليوم أربح صيرفيّ
لأصبح من نوالك في رياش وتصبح من مقالي في حليّ
وقال آخر: [مجزوء الرجز]
وحلّة كساها كالحليّ في التهابه
فاستبطنت مديحا كالأري في نصابه
فراح في ثيابي ورحت في ثيابه
وقال ابن شهيد في ضيف له: [الطويل]
وما انفكّ معشوق الثّواء نمدّه ببشر وترحيب وبسط لسان
إلى أن تشهّى البين من ذات نفسه وحنّ إلى الأهلين حنّة حان
فأتبعته ما سدّ خلّة حاله وأتبعني ذكرا بكلّ مكان
وقوله: «مرامه يخفّ»، أي مطلبه يسهل عليك.
أواصره: جمع آصرة وهي صلة الرحم، والأصر: الموضع الحابس، من قولهم:
أصرت فلانا على الشيء آصره أصرا، إذا حبسته عليه وعطفته، ويقال: ما تأصرني على فلان آصرة، أي ما تحبسني عليه حابسة، ولا تعطفني عليه عاطفة. ذكره ابن الأنباريّ.
وذكر الحريري في الدرّة، أن اشتقاق أواصر القرابة والعهد من المأصر، بكسر الصاد، ومعناه الوضع الحابس للمارّ عليه، فسمّيت أواصر، لأنها تعطف على ما يجب رعايته من المودة والرحم. قال: وحكى عبيد الله بن عبد الله بن طاهر، قال: اجتمع عندنا أبو نصر أحمد بن حاتم وابن الأعرابيّ فتحادثا، فحكى أبو نصر أنّ أبا الأسود دخل على عبيد الله بن زياد، وعليه ثياب رثّة، فكساه ثيابا جديدة من غير أن يسأله، أو استكساه، فخرج وهو يقول: [الطويل]
كساك ولم تستكسه فحمدته فتى ماجد يعطى الجزيل وياصر
وإنّ أحقّ الناس إن كنت مادحا بمدحك من أعطاك والعرض وافر
فقال ابن الأعرابيّ: «وناصر» بالنون، فقال له أبو نصر: دعني يا هذا ويا صري وعليك بناصرك؛ يريد ب «ياصر» يعطف.
[ ١ / ١٧٩ ]
قوله: «تشفّ»، أي تزيد وتفضل غيرها، يقول: إن الأسباب التي توجب عطفك وحنانك عليّ كثيرة منها الشّيخ والضعف وكثرة العيال وجودة المدح، والعهود السابقة التي بيني وبينك. إطراؤه يجتذب، أي مدحه يتجاذبه الناس ويحرصون على تحصيله لجودته، وأصل الإطراء المدح في الوجه، فهو بمشاهدته كأنه مدح طريّ، أو ظهرت عليه طراوة. ملامه يجتنب: ذمّه يخاف ويبعد منه، فيرشي عليه، يقول: إنّ الذي رجاك شيخ مسنّ فقير قصدك بيقين لأنك من أهل الكرم، فطمعه لذلك يزيد لما ارتجى من معروفك، وأهدى إليك من مدائحه عرائس وجبت عليك حقوقها، ومرامه سهل عليك، ولديك علق تقوم مقام القرابة، وتزيد على ذلك، وله مدح يرغّب فيه وذم يرهب منه.
ووراءه ضفف، أي خلفه كثرة عيال، من ضفّ الطعام ضفّا إذا كثر القوم عليه، وضفّ العيش اشتدّ. والشّظف: سوء الحال، حصّهم: عرّاهم ونتف ريشهم. جنف:
ميل الدهر عليهم. قشف: بؤس عيش. يجيب: يساعد. وله: همّ وحيرة. يذيب:
يذهب اللحم. تضيّف: نزل به ومال إليه. كمد: حزن قارب الموت. نيّف: زاد على المعهود. لمأمول، أي لمقصود مرجوّ. إهمال: تضييع وتسييب. نيّب: عضّ بأسنانه.
وهدوّ تغيّب، أي سكون وأمن زال عنه. يزغ: يمل. نفث صدره، أي تكلم بشرّ، ونفث: بزق من داء في صدره ومنه المثل: لا بدّ للمصدور أن ينفث. ينفض، أي يضرب ويبعد. نشز: ارتفع وزال. يقتضي: يتضمّن ويلزم. نبذ: طرح. حرمه: جمع حرمة.
بيّض أمله، أي أسعد رجاءه، وردّه أبيض بعطائك الذي يخفف ألمه، ويزيل وجعه.
ينثّ: ينشر. عالمه: ناسه وأهل زمانه. بقيت: عشت وطال بقاؤك. إماطة شجب: إزالة هلاك وتنحيته. نشب: مال. شجن: حزن، والشّجن أيضا الحاجة. مراعاة: حفظ.
يفن: شيخ كبير. موصولا، أي متصلا. بخفض: عيش هنيء. غضّ: ناعم جديد.
غشي: قصد ودخل. معهد: موضع يعهد به جلوسه. وهم غبيّ: غلط جاهل.
***
فلمّا فرغ من إملاء رسالته، وجلّى في هيجاء البلاغة عن بسالته، أرضته الجماعة فعلا وقولا، وأوسعته حفاوة وطولا. ثمّ سئل من أيّ الشّعوب نجاره، وفي أيّ الشّعاب وجاره، فقال: [مجزوء الكامل]
غسّان أسرتي الصّميمه وسروج تربتي القديمة
فالبيت مثل الشّمس إش راقا ومنزلة جسيمة
والرّبع كالفردوس مط يبة ومنزهة وقيمة
واها لعيش كان لي فيها ولذّات عميمة
أيّام أسحب مطرفي في روضها ماضي العزيمة
[ ١ / ١٨٠ ]
أختال في برد الشّبا ب وأجتلي النّعم الوسيمة
لا أتّقي نوب الزّما ن ولا حوادثه المليمة
فلو أنّ كربا متلف لتلفت من كربي المقيمة
أو يفتدى عيش مضى لفدته مهجتي الكريمة
فالموت خير للفتى من عيشه عيش البهيمة
تقتاده ترة الصّغا ر إلى العظيمة والهضيمة
ويرى السّباع تنوشها أيدي الضّباع المستضيمة
والذّنب للأيام لو لا شؤمها لم تنب شيمة
ولو استقامت كانت ال أحوال فيها مستقيمة
***
قوله: «إملاء رسالته»، أي إلقائها عليه ليكتبها جلّى: كشف. الهيجاء: الحرب، وهي من الهيج وهو الحركة والاضطراب. بسالته: شجاعته. أوسعته: كثّرت له. حفاوة:
إكرام. والطّول: الإنعام. الشّعوب: القبائل، وأحدها شعب، بفتح الشين وهو الأب الكبير. ثعلب، الشّعب: الأب الأكبر الذي ينتهون إليه والقبيلة دونه. نجاره: أصله.
الشّعاب: الطرق في الجبال. وجاره: جحره، أراد بيته، لأنهم سألوه من أيّ قبيلة هو، وعن مسكنه في أيّ موضع هو.
وقوله: «غسان أسرتي»: أي هذه القبيلة أصلي وقرابتي. الصميمة: الصريحة الخالصة. تربتي. بلدتي. إشراقا: ضياء ونقاء من العيب. جسيمة: عظيمة. الفردوس:
الجنّة، سمّيت بذلك لعرائشها، والفردوس: المعرّش من الكرم. مطيبة، أي سروج مثل الجنة في طيب الهواء، وفي نزهتها وحسنها، وفي قدرها، وأراد بالبيت غسّان، وبالربع سروج، أو يريد بيته في غسان في الشرف كالشمس، ومنزله في سروج كالجنة في طيبها ونزهتها، وقد قال في أخرى: [الرمل]
من رآها قال مرسى جنّة الدنيا سروج
ومثل قوله في البيت مثل الشمس، قول أبي الطّمحان القينيّ: [الطويل]
وإنّي من القوم الذين هم هم إذا مات منهم سيّد قام صاحبه (١)
_________________
(١) البيتان الثاني والثالث، لأبي الطمحان القيني في الأغاني ١٣/ ٩، وأمالي المرتضى ١/ ٢٥٧، وتخليص الشواهد ص ٢٠٢، وخزانة الأدب ٨/ ٩٥، وديوان المعاني ١/ ٢٢، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص ١٥٩٨، وكتاب الصناعتين ص ٣٦٠، ولسان العرب (خضض)، والمقاصد النحوية ١/ ٥٦٧، وهما للقيط بن زرارة في الحيوان ٣/ ٩٣، والشعر والشعراء ص ٧١٥.
[ ١ / ١٨١ ]
نجوم سماء كلّما غار كوكب بدا كوكب تأوي إليه كواكبه
أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم دجى الليل حتّى نظّم الجزع ثاقبه
وقال حسان بن ثابت: [الكامل]
بيض الوجوه مضيئة أحسابهم شمّ الأنوف من الطّراز الأوّل (١)
وزاد عليه في الإضاءة والإشراق حجيّة بن المضرّب فقال: [الطويل]
أضاءت لهم أحسابهم فتضاءلت لنورهم الشمس المنيرة والبدر
وزاد عليه أبو الطيب وعلى الناس في علوّ الهمة وتبعيد منازلها من منازل الكواكب، حيث يقول: [البسيط]
وعزمة بعثتها همّة زحل من تحتها بمكان التّرب من زحل
وزحل أرفع من الشمس ومن سائر الكواكب منزلة، وهذا من غلوّ المتنبّي الذي يخرج به عن الناس حتى يعاب، لأنه لو جعلها مع زحل في منزلة واحدة، كما جعل الحريري منزلته مع الشمس لكان قد بلغ النّهاية، وزاد على غيره، فلم يكتف بذلك حتى جعلها تعلو على زحل، كما يعلو زحل على الأرض. ومن هذا الإفراط في شعره كثير، وأكثر النقاد يعيبون عليه؛ وبعد هذا فمعجزاته في الشعر زاد بها على المتقدّمين والمتأخّرين عند الأكثر فلا يجاري في كثير منها.
واها: تعجّبا، كأنه قال: ما أعجب ما كان عيشي بها! عميمة: كثيرة. أسحب مطرفي: أجرّ ثوبي المعلم في طرفه إعجابا بنفسي. أختال: أمشي الخيلاء متكبّرا. برد الشباب: ثوب الفتوّة. أجتلي: أنظر. الوسيمة: الحسان. والنّوب والحوادث: النوازل والمصائب، كلّها بمعنى واحد، وهي ما ينوب الإنسان: أو يحدث عليه أو ينزل به، أو يصيبه من البلاء بعد العافية. المليمة: التي تأتي بما يلام عليه. كربي المقيمة: همومي الثابتة. مهجتي: نفسي، وأصلها دم القلب. تقتاده: تسوقه. برة: حلقة من صفر تجعل في وترة أنف البعير، يذلّل بها. الصّغار: الذّلّة. العظيمة: داهية يستعظم أمرها.
والهضيمة: المحقّرة لشأنه عند الناس، فيريد بالبهيمة البعير الذي يقاد ويذلّل بالبرة، وبالعظيمة سؤاله الناس، وبالهضيمة احتقارهم له إذا سألهم فيردونه خائبا. والسباع هنا:
الأسود. تنوشها: تتناولها وتخدشها.
_________________
(١) يروى صدر البيت: بيض الوجوه كريمة أحسابهم وهو لحسان بن ثابت في ديوانه ص ١٢٢، ولسان العرب (طرز)، (أنف)، وتهذيب اللغة ١٣/ ١٧٨، ومقاييس اللغة ٣/ ٤٤٦، وتاج العروس (طرز)، (أنف)، وبلا نسبة في جمهرة اللغة ص ٧٠٤.
[ ١ / ١٨٢ ]