والسليك، هو ابن السّلكة، معروف بأمّة، وكانت أمة سوداء شديدة السواد، وكان
[ ١ / ٢٧٠ ]
هو أسود، وأبوه عمرو بن سنان بن الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم السعديّ التميميّ.
وكان يسبق الخيل على رجليه، وكان من العدّائين ومن رجلي العرب- وهم الذين يسعون على أقدامهم، ويسبقون الخيل، فيستغنون بأرجلهم عنها- وكان من أشجع الناس، وكان لا يغير إلّا وحده، وكان يقال له: الرئبال:
وسأل عمر بن الخطاب ﵁ عمرو بن معد يكرب، فقال: أيّ العرب كان أبغض لك أن تلقاه؟ فقال: أمّا من معدّ فعديّ بن فزارة ومرّة بن ذبيان وكلاب بن عامر وشيبان بن بكر وشقّ بن عبد القيس والأراقم من تغلب، ثم لم جلت بفرسي على مياه سعد ما خفت هيج أحد؛ ما لم يلقني حرّاها أو عبداها، قال: أما حرّاها فعامر بن الطفيل وعتيبة بن الحارث بن شهاب، وأما عبداها فعنترة الفوارس وسليك المقانب.
وأما عدوته المذكورة، فيقال: إنه أحاط به عدوّه فنزا نزوة عدّ فيها أربعا وعشرون خطوة، وعدّ أيضا في نزوة للشّنفري إحدى وعشرون خطوة.
ويقال في المثل: أعدى من الشّنفرى، وأعدى من السليك.
فأما الشّنفرى فإنه أغار على بجيلة مع تأبّط شرّا وعمرو بن براق، فرصدتهم بجيلة على الماء، فقال تأبّط شرّا: إنّ بالماء رصدا، فقالا: ليس عليه أحد، ولا بدّ من وروده، فورد الشّنفرى ثم عمرو، فقال تأبّط شرّا: القوم إنما يريدونني، فلذلك لم يعرضوا لكما، وإذا وردت أنا الماء فسيشدّون عليّ، ويأسرونني، فاذهب يا شنفرى، كأنك تهرب، وكن في أصل ذلك القرن، فإذا سمعتني أقول: خذوا خذوا، فتعال فأطلقني، وقال لعمرو:
إنّي سآمرك أن تستأسر لهم، فلا تبعد ولا تمكّنهم من نفسك. ثم ورد الماء، فشدّوا عليه، وكتفوه، وفعلا ما أمرهما، فقال: تأبّط شرّا: يا معشر بجيلة، هل لكم في أن تيسّروا فداءنا ونستأسر لكم ابن براق؟ قالوا: نعم. فقال يا عمرو: هل لك في أن تستأثر ويباشرونا في الفداء؟ قال: حتى أروّض نفسي شوطا أو شوطين، فجرى الأوّل كالريح، والثاني كالخيل، ثم أراد أن يجري ثالثا، فجعل يقع ويقوم فشلا؛ يطمعهم بذلك، فقال لهم تأبّط شرّا: خذوا خذوا، فأسرعوا إليه بأجمعهم، وهوى الشّنفرى كالريح فقطع وثاقه، ثم أحضروا ثلاثتهم، فنجوا، فقال تأبّط شرّا من قصيدة: [البسيط]
ليلة صاحوا وأغروا بي سراعهم بالعيكتين لدى عمرو بن برّاق (١)
لا شيء أسرع منّي غير ذي عذر أو ذي جناح بجنب الرّيد خفّاق
_________________
(١) البيتان لتأبط شرّا في ديوانه ص ١٣٢. والبيت الأول في لسان العرب (عيك)، ومجمل اللغة ٢/ ٤٣٠، وتاج العروس (برق)، (عيك)، وشرح اختيارات المفضل ص ١٠٨، ومعجم البلدان (العيكتان)، والمرصع ص ١٣٢، ويروى «معدى بن برّاق» بدل «عمرو بن برّاق».
[ ١ / ٢٧١ ]
فالثلاثة عدّاءون، والمثل مقصور على الشّنفرى.
وأما السّليك، فرأته طلائع جيش لبكر بن وائل، جاءوا مجرّدين ليغيروا على تميم، فقالوا: إن علم السليك بنا أنذر قومه، فبعثوا إليه فارسين على جوادين، فلمّا صافحاه خرج يمحص (١) كأنه ظبي، فطارداه يوما أجمع، ثم قالا: إذا كان الليل أعيا فنأخذه، ووجدا أثر بوله قد خدّ (٢) في الأرض، فقالا: قاتله الله! ما أشدّ متنه! فتبعاه ليلتهما: فلما أصبحا وجداه قد عثر بأصل شجرة، فندر منها كمكان قدمه، وسقطت قوسه في جريه فانخطمت، فوجدا قطعة منها قد ارتزّت (٣) بالأرض، فقالا: ما بعد هذا شيء، والله لاتبعناه بعد هذا. ومرّ السليك إلى أهله، فأنذرهم، فكذّبوه لبعد الغاية، فقال: [الطويل]
يكذّبني العمران: عمرو بن جندب وعمرو بن سعد والمكذّب أكذب (٤)
ثكلتكما إن لم أكن قد رأيتها كراديس يهديها إلى الحيّ موكب
كراديس فيها الحوفزان وحوله فوارس همّام متى يدع يركبوا
فصدّقه قوم، فنجوا، وكذّبه آخرون، فورد عليهم الجيش فاكتسحهم.
ومن شعر السليك يرثي فرسه- وكان يقال لها النحّام- وأنشدها المبرّد في باب التشبيه من الكامل: [الوافر]
كأن قوائم النّحّام لمّا تحمّل صحبتي أصلا محار (٥)
على قرماء عالية شواه كأنّ بياض غرّته خمار
وما يدريك ما فقري إليه إذا ما القوم ولّوا أو أغاروا
_________________
(١) يمحص: يسرع.
(٢) خدّ في الأرض: شقها.
(٣) ارتزّت: أثبتت.
(٤) الأبيات في الأغاني ٢٠/ ٣٥٣.
(٥) البيت الأول للسليك بن السلكة في ديوانه ص ٢٨، ولسان العرب (حور)، (خرم)، (نحم)، وجمهرة اللغة ص ٥٧٣، وتاج العروس (حور)، (نحم)، وبلا نسبة في جمهرة اللغة ص ٦٦٣، والبيت الثاني لبشر بن أبي خازم في ديوانه ص ٧٧، وللسليك بن السلكة في الكتاب ٤/ ٢٥٨، ولسان العرب (تأد)، (فرم)، ولتأبط شرا في معجم ما استعجم ٢/ ٤٩١، وليس في ديوان السليك، وبلا نسبة في أدب الكاتب ص ٥٩١، وجمهرة اللغة ص ١٢٣٣، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٤٣١، ولسان العرب (قرم)، والبيت الثالث للسليك بن السلكة في ديوانه ص ٥٣، ولسان العرب (ركب)، وتاج العروس (ركب)، والكامل ص ٩٧٠، ويروى عجز البيت: إذا ما الركب في نهب أغاروا والبيت الرابع للسليك في ديوانه ص ٥٣، والكامل ص ٩٧٠، وبلا نسبة في جمهرة اللغة ص ١٣١٧.
[ ١ / ٢٧٢ ]
ويحضر فوق جهد الحضر نصّا يصيدك نافلا والمخّ رار
أي: يصيد لك. ونافلا: ثانيا، ورار: ذائب من الهزال؛ وحكاية السّليك، عن أبي عبيدة، وحكاية الشّنفري عنه وعن الشيبانيّ؛ وكلتاهما على اختصار.
ونزل على جماعة من كنانة ضيفا، فأكرموه، وجمعوا له إبلا كثيرة، وأعطوه إياها، وكان قد كبر وشاخ، وذهبت قوّته، وانتقص عدوه، فقالوا له: إن رأيت أن ترينا ما بقي من عدوك! قال: نعم، ابغوا لي أربعين شابا، وأتوني بدرع ثقيلة عظيمة، فأتوا بها واختاروا من شبانهم أربعين أقوياء عدّاءين، فلبس سليك الدرع، ثم قال للشبّان:
الحقوني، ثم عدا عدوا وسطا، وعدا الشبان وراءه جهدهم، فلم يلحقوه حتى غاب عنهم، ثم كرّ راجعا حتى عاد إلى قوم وحده يخطر، والدرع عليه، وسبق الشبّان.
وخرج في ليلة مقمرة يطلب الإغارة، فغلب عليه النوم آخر الليل، فبينما هو ملتفّ بكساء، جثم عليه رجل مثله، شديد البأس، عظيم القوّة، وأمسك على يديه، ومنعه التحرّك، وجعل يلمزه ويؤذيه، ويقول له: استأسر يا خبيث، فاجتهد سليك حتى خلّص إحدى يديه، فضمّ الرجل إليه ضمّة، وعصره عصرة، فضرط، فقال له: أضرطا وأنت الأعلى! فأرسلها مثلا، فلما تخلّص منه، قال له: من أنت؟ قال: أنا رجل افتقرت فقلت: لأخرجنّ ولا أرجع إلى أهلي حتى آتيهم وأنا غنيّ. فقال له السّليك: انطلق معي، فانطلقا فوجدا ثالثا، قصّته قصّتهما، فاصطحبوا حتى أتوا واديا لمراد، فلما أشرفوا عليه إذا فيه نعم، قد ملأ نواحيه من كثرته، فقال لهما السليك: كونا قريبا منّي حتّى آتي الرّعاء، فأعلم علم الحيّ: أهو قريب أم بعيد؟ فإن كان قريبا رجعت، وإن كان بعيدا أوحيت إليكما بقولي فأغيرا. فأتي الرّعاء فاستخبرهم عن الحيّ، فأخبروه ببعد الحيّ، وأنهم إن طلبوا لم يدركوا، فقال للرّعاء: ألا أغنّيكم؟ قالوا: بلى، فرفع صوته فغنّى:
[البسيط]
يا صاحبيّ ألا لا حيّ في الوادي سوى عبيد وآم بين أذواد (١)
أتنظران قريبا ريث غفلتهم أم تغدوان فإن الريح للعادي
فلما سمعا ذلك أتياه، وطردوا الإبل فذهبوا بها، ولم يبلغ الصريخ الحيّ، حتى فاتوا بالإبل.
_________________
(١) البيت الأول للسليك بن السلكة في ديوانه ص ٥١، ولسان العرب (أما)، وتاج العروس (أمو)، والأغاني ١٠/ ٣٩١، والبيت الثاني لتأبط شرّا في ملحق ديوانه ص ٢٤١، ولسان العرب (روح)، والتنبيه والإيضاح ١/ ٢٤٠، ومجمل اللغة ٢/ ٤٤١، وللسليك بن السلكة في ديوانه ص ٥٠، والشعر والشعراء ص ٣٧٣، وجمهرة الأمثال ١/ ١٣٠، وعيون الأخبار ١/ ٢٧١، ومجمع الأمثال ٢/ ١١، وبلا نسبة في مقاييس اللغة ٢/ ٤٦٤.
[ ١ / ٢٧٣ ]
قال ابن الأعرابي: آم مقلوب آئم، وهم العزّاب، جمع أمة.
وكان السّليك من أدلّ الناس بالأرض وأعلمهم بمسالكها، وكان يستودع الماء بيض النعام في الشتاء، ويدفنه في المفاوز العظيمة، فإذا كان الصيف وانقطعت إغارة الخيل أغار على ربيعة، وشرب من ذلك الماء. وكان يقول: اللهم إني أعوذ بك من الخيبة، وأما الهيبة فلا هيبة.
***
قوله: «عدوته»، العدوة بالكسر: الحالة، وبالفتح المرة الواحدة، فيريد الحريريّ، أن إسراعهما إلى الوالي كان كعدوة السليك.
***
فلمّا حضراه، جدّد الشّيخ دعواه واستدعى عدواه فاستنطق الغلام وقد فتنه بمحاسن غرّته، وطرّ عقله بتصفيف طرّته، فقال: إنّها أفيكة أفّاك، على غير سفّاك؛ وعضيهة محتال، على من ليس بمغتال. فقال الوالي للشّيخ: إن شهد لك عدلان من المسلمين، وإلّا فاستوف منه اليمين. فقال الشيخ: إنّه جدّله خاسيا، وأفاح دمه خاليا، فأنّى لي شاهد، ولم يكن ثمّ مشاهد! ولكن ولّني تلقينه اليمين، ليبين لك:
أيصدق أم يمين! فقال له: أنت المالك لذلك؛ مع وجدك المتهالك، على ابنك الهالك!
***
واستدعى عدواه، أي طلب إغاثته وأعداه الحاكم: أغاثه. استنطق: أمره أن ينطق وقد بيّن هذا الاستنطاق في الرابعة والثلاثين عند شراء الغلام قال: «ثم استنطقته عن اسمه، لا لرغبة في علمه، بل لأنظر أين فصاحته من صباحته، وكيف لهجته من بهجته».
وكذلك لم يرد الوالي أن يستنطقه ليقول حجته؛ بل ليعلم حلاوته من صورته التي فتنته.
وقد ذكرنا أنّ فائدة الحسن إنما تدور على اللسان.