والفرزدق اسمه همام بن غالب بن صعصعة، دارميّ من أشراف تميم، والفرزدق لقّب به لجهومة وجهه وغلظه، والفرزدق: قطعة العجين، وقيل: الرغيف الضخم.
وخبره مع النوّار بنت أعين المجاشعيّ، أنه خطبها رجل من قريش أو من دارم، فبعثت إلى الفرزدق أن يكون وليّها إذا كان ابن عمها، فقال: إنّ بالشّام من هو أقرب إليك مني ولاء، وأنا حذر من أن يقدم منهم قادم، فينكر ذلك عليّ، فاشهدي أنك جعلت أمرك إليّ. فجعلت له أمرها أن يزوّجها ممن يرى، وأشهدت له بذلك، فقال لها:
أرسلي إلى القوم أزوّجك ممّن خطبك. فلما غصّ مسجد بني مجاشع ببني تميم جاء الفرزدق، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: قد علمتم أن النّوار ولّتني أمرها، وأشهدكم أنّي قد زوّجتها من نفسي، فنشزت عليه ونافرته من البصرة إلى عبد الله بن الزبير بمكّة حين أعياها أمراء البصرة، أن يطلقوها منه. وأعياها الشهود أن يشهدوا لها اتقاء من شرّه، فلم يقدر أحد على حملها، حتى تحمّلها قوم من بني عديّ، يقال لهم بنو نسير إلى مكة، فصحبتهم النّوار، فقال الفرزدق: [الطويل]
وقد سخطت منّي النّوار الذي ارتضى به قبلها الأزواج، خاب رحيلها (٢)
أطاعت بني أمّ النّسير فأصبحت على شارف ورقاء صعب ذلولها
وإن امرأ يسعى ليفسد زوجتي كساع إلى أسد الشّرى يستبيلها
ومن دون أبوال الأسود بسالة وبسطة أيد يمنع الضيم طولها
وإنّ أمير المؤمنين لعالم بتأويل ما وصّى العباد رسولها
ثم ارتحل في أثرها حتى وصلا مكة، فنزلت النّوار على بنت منظور بن زبّان زوجة
_________________
(١) البيت لابن السليماني في شرح ديوان الحماسة للتبريزي ٢/ ١٣٥، وللحماسي في تاج العروس (سند).
(٢) الأبيات في ديوان الفرزدق ص ٦٠٤، ٦٠٥.
[ ١ / ٢٥٦ ]
عبد الله بن الزبير ﵁، ونزل الفرزدق على ابنه حمزة، وقال: [الكامل]
أصبحت قد نزلت بحمزة حاجتي إن المنوّه باسمه الموثوق (١)
بأبي عمارة خير من وطئ الحصى وجرت له في الصالحين عروق
بين الحواريّ الأغرّ وهاشم ثم الخليفة بعد والصّدّيق
فكان كلّ ما أصلح حمزة بن عبد الله من شأن الفرزدق نهارا أفسدته بنت منظور ليلا، حتى غلبت النّوار، وقضى ابن الزبير عليه، فقال: [البسيط]
أمّا البنون فلم تقبل شفاعتهم وشفّعت بنت منظور بن زبّانا (٢)
ليس الشفيع الذي يأتيك مؤتزرا مثل الشفيع الذي يأتيك عريانا
فلما سمع ابن الزبير شعره، توقّف في أمره، فلقيه يوما بباب المسجد، فضمّه إلى الحائط، حتى كادت تزهق نفس الفرزدق. وكان الزبير في غاية من القوّة، ثم هزّه وتركه خائفا، ثم دخل على النّوار، فقال لها: إمّا أن تتمّي زواج ابن عمّك وإلا قتلته، وأرحت المسلمين من شرّ لسانه، فقالت له: ولا بدّ أن تقتله؟ قال: ولا بدّ، فعطفها عليه رحم القرابة، وقالت: لا والله لا أدعه للقتل، قد رضيته. فتزوّجها، فحكم عليه ابن الزبير بمهر مثلها عشرة آلاف درهم، فسأل: هل بمكة أحد يعينه؟ فدلّ على سلم بن زياد، وكان ابن الزبير قد حبسه، فقال: [الطويل]
دعي مغلقي الأبواب دون فعالهم ومرّي بمسرى لي هبلت إلى سلم (٣)
إلى من يرى المعروف سهلا سبيله ويفعل أفعال الكرام التي تنمي
ثم دخل على سلم؛ وأنشده القصيدة، فقال: هي لك ومثلها لنفقتك، فقبض عشرين ألفا، فدفع مهرها، فدخل بها، وأحبلها قبل أن تخرج من مكة، ثم خرج بها، وهما عديلان في محمل، وكانت أبدا تخالفه وتسبّه، لأنها كانت صالحة الدّين، وكان هو رديء الدين، زانيا قاذفا للمحصنات، فكانت تكرهه.
ومن ملح أخبارها أنه راود امرأة شريفة على نفسها، فامتنعت عليه، فتهدّدها بالهجاء، فاستعانت بالنّوار، فقالت: واعديه ليلة؛ ثم أعلميني. ففعلت، وجاءت النّوار، ودخلت الحجلة مع المرأة، فلما دخل الفرزدق البيت، أمرت الجارية فأطفأت السراج، وبادر الحجلة والنّوار فيها، وهو لا يشكّ أنها صاحبة الدار، فواقعها. فلما فرغ قالت: يا عدوّ الله، يا فاسق! فعرفها، وعلم أنه قد خدع، فقال لها: وأنت هي! يا سبحان الله! ما أطيبك حراما، وأبردك حلالا! فلم تزل تؤذيه بلسانها حتى أبغضها.
_________________
(١) الأبيات في ديوان الفرزدق ص ٥٧٠.
(٢) الأبيات في ديوان الفرزدق ص ٨٧٣.
(٣) البيتان في ديوان الفرزدق ص ٧٧٥.
[ ١ / ٢٥٧ ]
فحدّث أبو معقل راويته، قال: قال لي الفرزدق يوما: امض بنا إلى حلقة الحسن، فإني أريد أن أطلّق النّوار، فقلت: إني أخاف أن تتبعها نفسك، ويشهد عليك الحسن وأصحابه، قال: امض بنا، فجئنا حتى وقفنا على الحسن فقال: كيف أصبحت يا أبا سعيد؟ قال: بخير، كيف أصبحت يا أبا فراس؟ قال: لتعلمنّ أن النّوار طالق مني ثلاثا، فقال الحسن وأصحابه: قد سمعنا، قال: فانطلقنا، فقال الفرزدق: يا هذا، إنّ في قلبي من النوّار شيئا، فقلت: قد حذّرتك، فقال: [الوافر]
ندمت ندامة الكسعيّ لمّا غدت منّي مطلقة نوار (١)
وكانت جنّتي فخرجت منها كآدم حين أخرجه الضّرار
ولو أني ملكت يدي ونفسي لأصبح لي على القدر اختيار
وكنت كفاقئ عينيه عمدا فأصبح ما يضيء له نهار
وتوفيّ سنة عشر ومائة. وفيها مات جرير وابن سيرين والحسن، فقالت امرأة بصريّة: كيف يفلح بلد مات فقيهاه وشاعراه، وأضافت جريرا إلى البصرة لكثرة قدومة إليها، ومسكنه باليمامة. وأخباره تطول، وإنما ذكرنا منها ما تعلّق بالنّوار معه.