وأما الكميت الشاعر، فهو ابن زيد الأسديّ، وهو شاعر مجيد مكثر جدّا، وديوان شعره مستعمل مشهور؛ ولمّا قال قصائده الهاشميّات قصد البصرة، فأتى الفرزدق فقال:
يا أبا فراس، أنا ابن أخيك، فقال: ومن أنت؟ فانتسب له، قال: صدقت، وما حاجتك؟
قال: أنت شيخ مضر وشاعرها، وأحببت أن أعرض عليك ما قلت، فإن كان حسنا أمرتني بإذاعته، وإن كان غير ذلك أمرتني بستره: قال: يا ابن أخي، أحسب شعرك على قدر عقلك، فقل راشدا، فأنشده: [الطويل]
طربت وما شوقا إلى البيض أطرب ولا لعبا منّي وذو الشّيب يلعب (١)!
قال: بلى، فالعب، فأنشده: [الطويل]
_________________
(١) البيت للكميت في جواهر الأدب ص ٣٩، وخزانة الأدب ٤/ ٣١٣، ٣١٤، ٣١٥، ٣١٩، ١١/ ١٢٣، والدرر ٣/ ٨١، وشرح شواهد المغني ص ٣٤، والمحتسب ١/ ٥٠، ٢/ ٢٠٥، ومغني اللبيب ص ١٤، والمقاصد النحوية ٣/ ١١٢، وبلا نسبة في الدرر ٥/ ١١٢، وهمع الهوامع ٢/ ٦٩.
[ ١ / ١٥٣ ]
ولم يلهني دار ولا رسم منزل ولم يتطرّبني بنان مخضّب (١)
قال: ما يتطرّبك إذا؟ فقال: [الطويل]
لا أنا ممّن يزجر الطير همّه أصاح غراب أم تعرّض ثعلب
قال: أنت ممّن؟ ويحك! وإلى من تسمو؟ قال: [الطويل]
ولا السانحات البارحات عشيّة أمرّ صحيح القرن أم مرّ أعضب
قال: أمّا هذا فقد أحسنت فيه، قال: [الطويل]
ولكن إلى أهل الفضائل والنّهى وخير بني حوّاء والخير يطلب
قال: فمن هم ويحك! فقال: [الطويل]
إلى النّفر البيض الّذين بحبّهم إلى الله فيما نابني أتقرّب
فقال: أرحني ويحك! من هؤلاء؟ فقال: [الطويل]
بني هاشم رهط النّبيّ فإنّني بهم ولهم أرضى مرارا وأغضب
فقال: لله درّك يا بنيّ! فقد أصبت وأحسنت، إذ عدلت عن الزّعانف والأوباش، إذا لا يصرد سهمك (٢)، ولا يثلب قولك. ثم مرّ فيها، فقال: أظهر وأشهر، فأنت أشعر من مضى، وأشعر من بقي.
فحينئذ قدم المدينة، فأتى عبد الله بن الحسين، فأنشده، فقال: يا أبا المستهلّ، إنّ لي ضيعة أعطيت فيها أربعة آلاف دينار وهذا كتابها، وقد أشهدت لك بها شهودا، فقال:
بأبي أنت وأمي! كنت أقول الشعر لغيركم أريد به الدنيا والمال، ولا والله ما قلت فيكم شيئا إلا لله، وما كنت لآخذ في شيء جعلته لله ثمنا. فلما أبى عليه أخذ مئزره، فدفعه إلى أربعة غلمان، فجعل يدور به دور بني هاشم، ويقول: هذا الكميت، قال فيكم الشعر حين صمت الناس عن فضلكم، وعرّض دمه لبني أميّة، فأثيبوه بما قدرتم. فاجتمع له من حلى النساء ومن الدنانير والدراهم ما قيمته مائة ألف درهم، فجاء بها إلى الكميت، وقال: يا أبا المستهلّ أتيناك بجهد المقلّ، ونحن في دولة عدوّنا، فاستعن بهذا على دهرك، فقال: بأبي أنت وأمي، قد أكثرتم وأطنبتم، وما أردت بمدحي إيّاكم إلا الله، فأردده إلى أهله. فجهد به بكل حيلة، فأبى، فقال: أما إذا أبيت أن تقبل، فإن رأيت أن تقول شعرا تغضب به بين النزاريّة واليمنيّة لعل فتنة تحدث، فنخرج بين أضغانها، فقال قصيدته التي أولها: [الوافر]
_________________
(١) البيت في شرح هاشميات الكميت ص ٤٣، ولسان العرب (طراب)، وتاج العروس (طرب)، وأساس البلاغة (طرب).
(٢) أصرد السهم: أخطأ.
[ ١ / ١٥٤ ]
ألا حيّيت عنّا يا مدينا وهل بأس بقول مسلمينا (١)!
فعرّض فيها، وصاح باليمن فيما كان من أمر الحبشة وغيرهم؛ مثل قوله: [الوافر]
لنا قمر السماء وكلّ نجم تشير إليه أيدي المهتدينا
وما ضربت هجان بني نزار هوائج من فحول الأعجمينا
وما حملوا الحمير على عتاق مضمّرة فيلفوا مبلغينا
ومشت في العرب، فافتخرت نزار على اليمن واليمن على نزار، وثارت العصبية في البادية والحاضرة، وتحزّب الناس، فتعصّب مروان بن محمد لقومه من نزار على اليمن، فانحرفت عنه إلى الدعوة العباسية وكان الكميت سبب ذلك.
وكان لامتداحه بني هاشم وتعريضه ببني أمية، يطلبه خلفاء بني أميّة، فهرب منهم عشرين سنة، فجدّ هشام بن عبد الملك في طلبه ولم يجده، ولم يستقرّ للكميت قرار من خوفه. وكان لمسلمة بن عبد الملك حاجة عند هشام يقضيها له، لا يردّه فيها، فخرج مسلمة لبعض صيوده، فأتاه الناس يسلّمون عليه، وأتاه الكميت- ومسلمة لا يعرفه- فقال: السّلام عليك ورحمة الله وبركاته، أما بعد: [مجزوء الكامل]
قف بالدّيار وقوف زائر وتأيّ إنّك غير صاغر (٢)
حتى انتهى إلى قوله: [مجزوء الكامل]
يا مسلم بن أبي الولي د لميّت إن شئت ناشر
علقت حبالي من حبا لك ذمّة الجار المجاور
فالآن صرت إلى أميّ ة والأمور لها مصاير
والآن كنت به المصي ب كمهتد بالأمس حائر
فقال مسلمة: سبحان الله! من هذا الذي أقبل من أخريات الناس ثم بدأنا بالسلام، ثم قال: أما بعد ثم الشعر؟ قيل: الكميت، فأعجب بفصاحته، فسأله عمّا كان فيه من طول غيبته، فذكر له سخط هشام عليه، فضمن له أمانه وتوجّه به حتى أدخله على هشام، وهشام لا يعرفه، فقال الكميت: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، فقال هشام: نعم الحمد لله، من هذا؟ قال الكميت: مبتدئ الحمد ومبتدعه، الذي خصّ بالحمد نفسه، وأمر به ملائكته، وجعله فاتحة كتابه، ومنتهى شكره، وكلام أهل جنّته.
أحمده حمد من علم يقينا، وأبصر مستبينا، وأشهد بما شهد به لنفسه، قائما بالقسط
_________________
(١) البيت في ديوان الكميت ٢/ ١١٤، ولسان العرب (عجز)، والفاخر ص ٢، وخزانة الأدب ١/ ١٧٩.
(٢) البيت للكميت في ديوانه ١/ ٢٢٣، وإصلاح المنطق ص ٣٠٤، ولسان العرب (أيا)، وكتاب العين ٨/ ٤٠١، وبلا نسبة في الممتع في التصريف ٢/ ٥٨٤، والمنصف ٢/ ١٤٢.
[ ١ / ١٥٥ ]
وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده العربيّ ورسوله النبيّ الأميّ، الذي أرسله والناس في هبوات (١) حيرة ومدلهمّات ظلمة، عند استمرار أبّهة الضلالة. فبلّغ عن الله ما أمر به، حتى أتاه اليقين ﷺ. ثم إني يا أمير المؤمنين تهت في حيرة، وحرت في سكرة، أهاب بي داعيها، فأجابه غاويها، فاقطوطيت (٢) في الضّلالة حائدا عن الحق، قائلا بغير الصدق، فهذا مقام العائذ بك، ومنطق التائب، ومبصر الهدى بعد طول العمى. يا أمير المؤمنين، كم من عاثر أقلتم عثرته، ومجترم عفوتم عن جرمه!
فقال هشام- وقد علم أنه الكميت: من سنّ لك هذا الغواية، وأهاب بك في العماية؟ قال: الذي أخرج آدم من الجنة فنسى ولم يجد له عزما، وأنت يا أمير المؤمنين، أضاء الله بك الظلمة الداجية بعد العموس فيها فبصرت، وحقن بك دماء قوم أشرب خوفك قلوبهم؛ فهم يبكون لما يعلمون من حزمك وعزمك وبصيرتك، وعزّ بأسك.
وثبات جأشك. وأنت مستغن برأيك عن رأي ذوي الألباب؛ برأي أريب، وحلم مصيب.
فأطال الله لأمير المؤمنين البقاء، وأتمّ عليه النّعماء، ودفع به الأعداء.
فرضي عنه وأمر له بمال كثير.
فهذه منزلة الكميت من الشعر والخطابة خلافا لمن يقول: القافية جلبته في المقامات؛ وغيره من الشعراء كان أولى بموضعه.
***
قوله: «حاكها»، أي نسجها. يريد أن الكميت ممن يصنع الشعر ولا يقوله على طبعه، فلذلك قال: «حاكها». وسأل بعض الخلفاء جريرا عن النابغة وزهير، فقال:
ينيّران الشعر ويسديانه، والعلماء بالشعر يسمون صنّاع الشعر عبيد الشعر، مثل زهير وابنه كعب والحطيئة وعديّ بن الرقّاع والكميت.
قوله: «تخذتها»، أي اتخذتها، يقال: تخذ يتخذ بمنزلة اتّخذ يتخذ، وخفّف عنه، حذفوا ألف الوصل من اتخذ، والتاء الأولى الساكنة، التي هي فاء الفعل، فبقي تخذ، ومثله تقي يتقي واتّقى يتّقي، حذفت ألفه وتاؤه الأولى، وليس يطّرد هذا التخفيف، وإنما جاء في اتّخذ واتّقى وأتجه واتّسع، فقالوا: تقي وتخذ وتجه وتسع وصلة أي موصّلة.
تعافيتها: تكارهتها، وهي تفاعلت من عفت الشيء أعافه عيافا، أي كرهته. حالت:
تغيّرت. أحو: أجمع. مهّد: اقبل وسهّل. أجرمت: أذنبت لنفسي، جنيت: أذنبت لغيري، أراد: إن كان عذري بيّنا فأقبله، وإن كنت ظالما فتجاوز واسمح. أودع: ضمّن وجعل فيه. الغضى: شجر جمره يثبت في النار.
_________________
(١) هبوات: أي غبرات.
(٢) اقطوطيت: أي قاربت في المشي إسراعا.
[ ١ / ١٥٦ ]