والمتلمّس، شاعر مشهور، اسمه جرير بن عبد المسيح، وسمّي المتلمّس بقوله: [الطويل]
فهذا أوان العرض جنّ ذبابه زنابيره والأزرق المتلمّس (١)
وهو مأخوذ من تلمّس الرجل الحاجة، إذا طلبها سرّا من غيره، وأصل ذلك من اللّمس باليد، كالذي يلمس بيده في الظلام مواضع خفيّة يطلب منهاشيئا ضاع منه، أو كلمس الأعمى شيئا بيده.
_________________
(١) البيت للمتلمس في ديوانه ص ١٢٣، والاشتقاق ص ٣١٧، وجمهرة اللغة ص ٧٤٧، وخزانة الأدب ٤/ ١٨٥، ١٨٦، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص ٦٦٢، ولسان العرب (لمس)، (عرض)، وبلا نسبة في خزانة الأدب ٦/ ٥٤٦، والخصائص ٢/ ٣٧٧، وسر صناعة الإعراب ٢/ ٥١٠، ويروى «حيّ ذبابه» بدل «جنّ ذبابه».
[ ١ / ٣٠١ ]
ومن كلام عامّتنا: فلان يتلمّس، بسكون التاء، أي يدخل بين الناس باستخفاء ولا يشعر به.
والمتلمّس أحد الثلاثة الذين اتفق العلماء على أنهم أشعر المقلّين في الجاهلية، وهم: المتلمّس والمسيّب بن علس وحصين بن الحمام.
والمتملس، بالميم قبل اللام، هو المتخلّص الذي يطلب السلامة والخلاص بسهولة، وقد أملس إذا خرج من بين القوم هاربا وهم لا يشعرون، وقد أملس الشيء، إذا سقط من يدك ولم تشعر به لملاسته.
والصحيفة: الكتاب. وقصّتها أن المتلمّس وطرفة كانا يتنادمان مع عمرو بن هند ملك الحيرة- وكان سيّئ الخلق شديده، وهو الذي حرّق من تميم مائة رجل، فهجوه، فقال فيه المتلمس- وكان طرده لشيء بلغه عنه: [الكامل]
أطردتني حذر الهجاء ولا واللّات والأنصاب لا تئل (١)
أي لا تنجو.
وقال فيه أيضا: [الكامل]
إن الخيانة والمغالة والخنا والغدر نتركه ببلدة مفسد (٢)
ملك يلاعب أمّه وقطينها رخو المفاصل أيره كالمبرد
فإذا حللت ودون بيتي غاوة فابرق بأرضك ما بدا لك وارعد
وقال طرفة: [الوافر]
فليت لنا مكان الملك عمرو رغوثا حول قبتنا تخور (٣)
لعمرك إنّ قابوس بن هند ليخلط ملكه نوك كثير
في أبيات شهرتها تنبي وتغني عن ذكرها؛ فاستحيا أن يقتلها بحضرته، وبينهما إدلال المنادمة، فكتب لهما بصحيفتين، وختمهما لئلّا يعلما ما فيهما- هو أوّل من ختم الكتاب- وقال لهما: اذهبا إلى عاملي بالبحرين، فقد أمرته أن يصلكما بجوائز. فذهبا
_________________
(١) البيت للمتلمس الضبعي في ديوانه ص ٤٢، ومعجم البلدان (اللات)، والأغاني ٢٤/ ٢٥١، وبلا نسبة في جمهرة اللغة ص ٦٣٠، والاشتقاق ص ٥٤٣.
(٢) الأبيات في ديوان المتلمس ص ١٤٧، والبيت الثالث في لسان العرب (عصد)، (غوي)، وتاج العروس (عصد)، (غوي)، وإصلاح المنطق ص ١٩٣، وهو بلا نسبة في المخصص ١٤/ ٢٢٨.
(٣) البيتان لطرفة بن العبد في ديوانه ص ٤٨، والبيت الأول في لسان العرب (رغث)، (خور)، وتاج العروس (رغث)، ومقاييس اللغة ٢/ ٤١٦، وتهذيب اللغة ٨/ ٩٠، والمخصص ٧/ ٤٩، ١٧٨، ومجمل اللغة ٢/ ٣٩٩، وأساس البلاغة (رغث).
[ ١ / ٣٠٢ ]
فمرّا بطريقهما بشيخ يحدث ويأكل من خبز بيده، ويتناول القمل من ثيابه ويقصعه، فقال المتلمّس: ما رأيت شيخا كاليوم أحمق من هذا! فقال الشيخ: ما رأيت من حمقى! أخرج الداء، وآكل الدّواء، وأقتل الأعداء. ويروى: أقتل عدوّا، وأدخل طيّبا، وأخرج خبيثا، أحمق والله منّي من يحمل حتفه بيده.
فاستراب المتلمّس بقوله، وطلع عليهما غلام من أهل الحيرة من كتّاب العرب، فقال له المتلمّس: أتقرأ يا غلام؟ قال: نعم، ففك الصحيفة فإذا فيها: فإذا أتاك المتلمس فاقطع يديه ورجليه وادفنه حيّا: فقال لطرفة: ادفع إليه صحيفتك، فإنّ فيها مثل هذا، فقال طرفة: كلا لم يكن ليجترئ عليّ- وكان غرّا صغير السّنّ- فقذف المتلمس بصحيفته في نهر الحيرة، وقال: [الطويل]
قذفت بها في الثّني من جنب كافر كذلك أقنو كل فظّ مضلّل (١)
رضيت لها بالماء لمّا رأيتها يجول بها التيّار في كل جدول
وأخذ نحو الشأم وقال: [الكامل]
ألقى الصحيفة كيف يخفّف رحله والزّاد حتى نعله ألقاها (٢)
أراد: أنه تخفف للفرار، فألقى ما لا يثقل، وما لا بدّ للسفر منه.
وقال حين نجا: [الكامل]
من مبلغ الشّعراء عن أخويهم خبرا فتصدقهم بذاك الأنفس (٣)
أودى الذي علق الصحيفة منهما ونجا- حذار حبائه- المتلمّس
_________________
(١) يروى البيت الأول: وألقيتها في الثني من جنب كافر كذلك أقنو كلّ قطّ مضلّل وهو في ديوان المتلمس ص ٦٥، ولسان العرب (كفر)، (قنا)، وتهذيب اللغة ٩/ ٣١٤، ٣١٧، والمخصص ١١/ ٧٤، وتاج العروس (كفر)، (قنا)، وكتاب الجيم ٣/ ١٢٢، والبيت بلا نسبة في جمهرة اللغة ص ٧٨٧، وكتاب العين ٥/ ٣٥٧.
(٢) البيت للمتلمس في ملحق ديوانه ص ٣٢٧، وشرح شواهد المغني ١/ ٣٧٠، ولأبي (أو لابن) مروان النحوي في خزانة الأدب ٣/ ٢١، ٢٤، والدرر ٤/ ١١٣، وشرح التصريح ٢/ ١٤١، والكتاب ١/ ٩٧، والمقاصد النحوية ٤/ ١٣٤، ولمروان بن سعيد في معجم الأدباء ١٩/ ١٤٦، وبلا نسبة في أسرار العربية ص ٢٦٩، وأوضح المسالك ٣/ ٣٦٥، والجنى الداني ص ٥٤٧، ٥٥٣، وخزانة الأدب ٩/ ٤٧٢، والدرر ٦/ ١٤٠، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٤١١، وشرح عمدة الحافظ ص ٦١٤، ورصف المباني ص ١٨٢، وشرح الأشموني ٢/ ٢٨٩، وشرح قطر الندى ص ٣٠٤، وشرح المفصل ٨/ ١٩، ومغني اللبيب ١/ ٢٤، وهمع الهوامع ٢/ ٢٤، ٣٦.
(٣) الأبيات في ديوان المتلمس ص ١٨٦، والبيت الثالث في لسان العرب (نقرس)، (أبى)، وتهذيب اللغة ٩/ ٣٩٥، وتاج العروس (نقرس).
[ ١ / ٣٠٣ ]
ألق الصحيفة، لا أبا لك إنّما يخشى عليك من الحباء النّقرس
وأما طرفة فوصل إلى البحرين، فلما قرأ العامل صحيفته، وسأله عن المتلمّس فأخبره بفراره، عفا عنه لصدقه ورعايته لطابع الملك حيث لم يفكّه.
وقيل: إنه سجنه، وبعث إلى عمرو بن هند، وقال له: ما كنت لأقتل طرفة، وأعادي قبيلته، فإذا أردت قتله، فابعث إليه من يقتله. ففعل وخيّر في قتله؛ فاختار أن يسقى الخمر، ويفصد أكحله؛ ففعل به ذلك حتى مات نزفا، ودفن بهجر. وقيل في قتله غير ذلك.
وقال البحتري يصدّق ما تقدم: [الكامل]
ولقد سكنت إلى الصدود من النّوى والشّري أري عند طعم الحنظل (١)
وكذاك طرفة حين أوجس ضربة في الرأس هان عليه فصد الأكحل
وقال: وهو في السجن يخاطب قومه: [السريع]
أسلمني قومي ولم يغضبوا لسوءة حلّت بهم فادحه (٢)
كلّ خليل كنت خاللته لا ترك الله له واضحه
كلّهم أروغ من ثعلب ما أشبه اللّيلة بالبارحه!
وقال يخاطب عمرو بن هند في السجن: [الطويل]
أبا منذر كانت غرورا صحيفتي ولم أعطكم بالطّوع مالي ولا عرضي (٣)
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا حنانيك بعض الشّرّ أهون من بعض
وقتل وهو ابن عشرين سنة، والعرب تقول: أشعر الناس ابن العشرين وتعنيه، إلّا أنّ أبا العباس أنشد لأخته ترثيه: [الطويل]
عددنا له ستّا وعشرين حجّة فلما توفيّ واستوى سيّدا ضخما (٤)
_________________
(١) البيتان في ديوان البحتري ص ١٧٤٣.
(٢) الأبيات لطرفة بن العبد في ديوانه ص ١٥، والبيت الثاني في مجمع الأمثال ١/ ٣١٧، وديوان الأدب ٣/ ٢٣١، وتاج العروس (روغ)، وبلا نسبة في لسان العرب (وضح)، ومقاييس اللغة ٦/ ١١٩، وتهذيب اللغة ٥/ ١٥٧، والبيت الثالث في تمثال الأمثال ٢/ ٥٥٠، وجمهرة الأمثال ٢/ ٢٤٧، وجمهرة اللغة ص ٢٧٥، والحيوان ٦/ ٣٠٢، والفاخر ص ٣١٦، وفصل المقال ص ٢٢٧.
(٣) البيتان لطرفة بن العبد في ديوانه ص ٦٦، والبيت الأول في لسان العرب (غرر)، والبيت الثاني في الدرر ٣/ ٦٧، والكتاب ١/ ٣٤٨، ولسان العرب (حنن)، وهمع الهوامع ١/ ١٩٠، وتاج العروس (حنن)، وهو بلا نسبة في جمهرة اللغة ص ١٢٧٣، وشرح المفصل ١/ ١١٨، والمقتضب ٣/ ٢٢٤.
(٤) البيتان في الكامل للمبرد ١/ ٢٥٨.
[ ١ / ٣٠٤ ]
فجعنا به لمّا رجونا إيابه على خير حال، لا وليدا ولا قحما (١)
وهلك المتلمّس في الجاهليّة ببصرى.
***
فإذا فيها مكتوب: [الطويل]
قل لوال غادرته بعد بيني سادما نادما يعضّ اليدين
سلب الشيخ ماله، وفناه لبّه، فاصطلى لظى حسرتين
جاد بالعين حين أعمى هواه عينه فانثنى بلا عينين
خفّض الحزن يا معنى فما يج دي طلاب الآثار من بعد عين
ولئن جلّ ما عراك كما ج لّ لدى المسلمين رزء الحسين
فقد اعتضت منه فهما وحزما واللّبيب الأريب يبغي ذين
فاعص من بعدها المطامع واعلم أنّ صيد الظّباء ليس بهين
لا ولا كلّ طائر يلج الف خّ ولو كان محدقا باللّجين
ولكم من سعى ليصطاد فاصط يد ولم يلق غير خفّي حنين
***
قوله: «غادرته»، أي تركته. يعضّ اليدين: تندما. سادما. متغيّرا، والسادم:
المتغيّر العقل من الغمّ، من قولهم: ماء سدم، ومياه سدم وأسدام، أي متغيّرة، وقيل:
السّديم: الحزين الذي لا يطيق ذهابا ولا مجيئا، من قولهم: بعير مسدّم، إذا منع من الضّراب، فكأنّ الحزين منع من الذهاب والمجيء، فيقول: تركته يعضّ يديه تندما وتلهّفا. اللظى: لهب النار، وقد لظت النار: علا لهبها؛ فيريد أنّ الشيخ أخذ ماله والفتى عقله، فاحترق بنار فجعتين جاد: سمح. العين: الذهب. هواه: تعشّقه وميله: انثنى.
رجع. بلا عينين، أي بغير مال ولا بصر. خفّض: سكّن. معنى: معذّب. يجدي: ينفع، والعين هاهنا: الشخص.
***