وإذ قد فرغت من شرح ألفاظه في إنجاز الوعد في المثل، وما اتّصل به، فلنذكر مذاهبهم في ذلك.
فأكثرهم على إنجاز الوعد، وقد ذكر فيما هو مستقبل: [المتقارب]
* وبع آجلا منك بالعاجل*
وقال: وإذا خيّرت بين ذرّة منقودة، ودرّة موعودة فمل إلى النقد وقال جرير:
[الطويل]
إنّي لأرجو منك خيرا عاجلا والنّفس مولعة بحبّ العاجل (١)
قال آخر: [الطويل]
ولا شكّ أنّ الخير منك سجيّة ولكنّ خير الخير عندي المعجّل
وقال آخر: [الطويل]
أتى زائرا من غير وعد وقال لي: أجلّك عن تعذيب قلبك بالوعد
وبعضهم يرى أن يكون بين الوعد الإنجاز مهلة؛ ومنه أنّ منصور بن زياد كلّم يحيى
_________________
(١) البيت في ديوان جرير ص ٤٩٥.
[ ١ / ١٠١ ]
ابن خالد في حاجة رجل، فقال له: عده عنّي قضاءها، فقال منصور بن زياد: وما يدعوك إلى العدة مع القدرة! فقال: هذا قول من لا يعرف موقع الصنائع من القلوب، إنّ الحاجة إذا لم يتقدّمها وعد ينتظر به نجحها، لم تتحدّث النفس بسرورها؛ إنّ الوعد مطعم والإنجاز طعام، وليس من فاجأه طعام كمن وجد رائحته وتطعّمه ثم طعمه، فدع الحاجة تختمر بالوعد، ليكون لها عند المصطنع حسن موقع ولطف محلّ.
قال ابن الكلبيّ لهشام بن عبد الملك: يا أمير المؤمنين، لا تصنع إليّ معروفا حتى تعدني به، فإنه لم يأتني منك سيب على غير وعد إلّا هان عليّ قدره، وقلّ منّي شكره، فقال له: لم قلت ذلك، وقد قال سيّد قومك أبو مسلم الخولانيّ: إنّ أنجح المعروف في القلوب، وأبرده على الأكباد معروف غير منتظر بوعد لا يكدّره مطل.
ووعد المهديّ عيسى بن دأب جارية ثم وهبها له، فأنشده عبد الله بن مصعب الزّبيريّ [قول مضرّس الأسديّ] [الطويل]
ولا تيأسن من صالح أن تناله وإن كان قدما بين أيد تبادره
فقال: يدفع لعبد الله جارية أخرى، فقال الزّبيريّ:
وأنجز خير الناس من قبل وعده أراحك من مطل ومن طول كدّه
فقال له عيسى بن دأب: ما صنعت شيئا! هلّا قلت: [الرجز]
حلاوة الفضل بوعد ينجز لا خير في العرف كنهب ينهز
فقال المهديّ: [مجزوء الكامل]
الوعد أحسن ما يكو ن إذا تقدّمه ضمان
وقال بعض البلغاء: دع الوعد يركض ثلاثا، فإن كثير العطاء قبل الوعد قليل، وجليله حقير.
وقال يحيى بن خالد: من لم يبت مسرورا بوعد، لم يجد للصنيعة مطعما وفيه يقول أبو قابوس النّصرانيّ: [البسيط]
رأيت يحيى أتمّ الله نعمته عليه يأتي الذي لم يأته أحد
ينسى الّذي كان من معروفه أبدا إلى الرجال ولا ينسى الذي يعد
وقال الحارثيّ: [الطويل]
وما روضة داريّة أسديّة منمنمة زهراء ذات ثرى صعد
بأحسن من حرّ تضمّن حاجة لحرّ، فأوفى بالنّجاح مع الوعد
وقال ابن رشيق: [السريع]
[ ١ / ١٠٢ ]
أحسنت في تأخيرها منّة لو لم تؤخّر لم تكن كامله
وكيف لا يحسن تأخيرها بعد يقيني أنها حاصله!
وجنّة الفردوس يدعى بها آجله للمرء، لا عاجله
وقال رجل لأبي عمرو بن العلاء: وعدتني بأمر فلم تنجزه! فقال أبو عمرو: من أولى منّا بالعتب؟ أنا وإلا أنت! قال: أنا؛ قال أبو عمرو: لا والله بل أنا، قال: وكيف؟
قال: لأبي وعدتك وعدا فأنت تفرح بالوعد، فبتّ ليلتك جذلان مسرورا وبتّ أنا بهمّ الإنجاز، فبتّ ليلتي مفكرا مغموما بما عاق الدّهر من بلوغ الإرادة فيه، فلقيتني مدلّا ولقيتك مستحييا.
واعتذر بعض الرؤساء لأبي عليّ البصريّ من تأخّر وعد، فقال: في شكر ما تقدّم من إحسانك شاغل عن استبطاء ما تأخّر منه.
***
فنشأت لي من فكاهته نشوة غرام، سهّلت عليّ ائتناف اغترام، فجرّدت دينارا آخر وقلت له: هل لك في أن تذمّه، ثمّ تضمّه؟ فأنشد مرتجلا وشدا عجلا:
***
قوله: «فنشأت»، أي ظهرت وبدت. فكاهة: مزاح. نشوة غرام: سكرة شوق، والغرام: الحبّ المعذّب للقلب. ائتناف: استقبال. اغترام: غرم. ثم ذكر أن يذمه ثم يضمّه، وقد نظمهما الزاهد بن عمران في قوله: [الكامل]
إنّ المئونة والحساب كلاهما قرنا بهذا الدّرهم المذموم
كلف الأنام بذمّه وبضمّه فتعجّبوا لمذمّم مضموم
وقال ابن شرف في الدينار والدرهم: [الطويل]
ألا ربّ شيء فيه من أحرف اسمه نواه لنا عنه وزجر وإنذار
فتنّا بدينار وهمنا بدرهم وآخر ذا هم، وآخر ذا نار
وقال ابن رشيق: [المجتث]
صحّفت دالين من دين ار يلوح ودرهم
فقال لي ذلكم «ذي نار» وذا قال: «ذرهم»
وابن رشيق وابن شرف أديبا القيروان، يجمعهما البلد والزّمان، وكانا مرّة يتصاحبان، ومرّة يتباغضان.
وقال ابن رشيق في مدح الدينار والدرهم: [الوافر]
[ ١ / ١٠٣ ]
صديق المرء كالدينار طبعا وكيف يفارق المرء الطباعا!
تراه إذا أقام يقيم جاها وإن فارقته أجدى انتفاعا
أخذه من قول كشاجم: [الرمل]
ومريد من أباه ومهين من أجلّه (١)
فهو كالدّينار لا يك رم إلا من أذلّه
وقال آخر: [البسيط]
النار آخر دينار نطقت به والهمّ آخر هذا الدّرهم الجاري
والمرء ما لم يفد من غيره ورعا مقسّم القلب بين الهمّ والنّار
قوله: «مرتجلا»، أي من غير تفكّر. شدا: ابتدأ الغناء وطرّب بنشيده [الرجز]
***
تبّا له من خادع مماذق أصفر ذي وجهين كالمنافق
يبدو بوصفين لعين الرّامق زينة معشوق ولون عاشق
وحبّه عند ذوي الحقائق يدعو إلى ارتكاب سخط الخالق
لولاه لم تقطع يمين سارق ولا بدت مظلمة من فاسق
ولا اشمأزّ باخل من طارق ولا شكا الممطول مطل العائق
ولا استعيذ من حسود راشق وشرّ ما فيه من الخلائق
أن ليس يغني عنك في المضايق إلّا إذا فرّ فرار الآبق
واها لمن يقذفه من حالق ومن إذا ناجاه نجوى الوامق
قال له قول المحقّ الصّادق: لا رأى في وصلك لي ففارق
***
تبا: أي خسرا. مماذق: لا يصفو ودّه لصاحبه، وقد مذق ودّه، إذا لم يخلصه، ومذق اللبن: خلطه بالماء، والمذيق: المخلوط. أصفر ذي وجهين، قال أبو هريرة ﵁: قال رسول الله ﷺ: «شرّ النّاس ذو الوجهين، يأتي هؤلاء بوجه، وهؤلاء بوجه» (٢).
_________________
(١) البيتان في ديوان كشاجم ص ١٥٣.
(٢) أخرجه البخاري في المناقب باب ١، والأدب باب ٥٢، والأحكام باب ٢٧، ومسلم في البر حديث ٩٨، ٩٩، وأبو داود في الأدب باب ٣٤، والترمذي في البر باب ٧٨، ومالك في الموطأ كتاب الكلام، حديث ٢١، وأحمد في المسند ٢/ ٢٤٥، ٣٠٧، ٣٣٦، ٤٥٥، ٤٦٥، ٤٩٥، ٥١٧، ٥٢٥.
[ ١ / ١٠٤ ]
ووقع هذا في نثر البديع، قال في مخاطبة أبي الفتح عيسى: أظعنا تريد؟ قلت: إي والله، قال: أخصب رائدك، ولا ضلّ قائدك، فمتى عزمت؟ قلت: غداة غد، فقال:
[الوافر]
صباح الله لا صبح انطلاق وطير الوصل لا طير الفراق
وقال السّعد لا يعدوك دأبا يصاحبكم إلى يوم التّلاقي
فأين تريد؟ قلت: الوطن، قال: بلّغت الوطن، وقضيت الوطر، فمتى العود؟
قلت: القابل، فقال: طويت الرّيط (١)، وثنيت الخيط، فأين أنت من الكرم؟ قلت: بحيث أردت، فقال: إذا رجعك الله سالما من هذا الطريق؛ فاستصحب لي عدوّا في ثياب صديق، من نجار الصّفر، يدعو إلى الكفر، ويرقص على الظّفر، كدارة العين، يحطّ ثقل الدين، وينافق بوجهين. فعلمت أنه يلتمس دينارا، فقلت: ذلك لك نقدا، ومثله وعدا، فأنشأ يقول: [مخلع البسيط]
رأيك ممّا خطبت أعلى لا زلت للمكرمات. أهلا
صلبت عودا، ودمت فردا وطبت فرعا وطبت أصلا
يا واحد الدهر والمعالي لا لقي الدّهر منك ثكلا
قوله: «عدوّا في ثياب صديق» من قول أبي نواس: [الطويل]
إذا امتحن الدّنيا لبيب تكشّفت له عن عدوّ في ثياب صديق (٢)
قوله: «الرامق» أي الناظر، ورمقت الشيء رمقا أتبعت النظر إليه. وزينة المعشوق التي في الدينار: نقشه وتزيينه، ولون العاشق: صفرته، فالناظر في الدينار يرى في الظاهر زينته فيهواه، فيقع على ما وقع عليه باطن العاشق من العذاب والغرام، ويدلّ على ذلك صفرته الظّاهرة عليه. وقال ابن ظفر: زينة المعشوق غرور مدعاة إلى التهوّر في الغرام، ولون العاشق وهو الأصفر دليل على ما أسرّ من شاغف الكلف، فالغافل ينظر من الدينار مثل زينة المعشوق مجرّدة عن عاقبتها، فيصيده الهوى، والعاقل ينظر منه إلى لون العاشق، فيستدلّ على باطن الجوى ذوي الحقائق، يعني أهل الرشد والعلم، والذين ينظرون إلى ما في الدنيا بعين الحقيقة.
ثم لولا حبّ الدنيا ما سرق السارق، فيستوجب قطع يده، أو بعض أعضائه، واليد يجب قطعها بربع دينار ذهب. ومن ملح السّرقة أن الجاحظ حكىأن رجلين كان أحدهما أيمن، والآخر أعسر، فكان الأيمن يفخر على الأعسر، فأخذا في سرقة، فقطعت أيمانهما، فكان الأعسر يعمل بيساره أعماله كلها، والأيمن لا يستطيع أن يعمل بيساره
_________________
(١) الريط: جمع ريطة، وهي الملاءة.
(٢) البيت في ديوان أبي نواس ص ١٩٢.
[ ١ / ١٠٥ ]
شيئا، ففخر الأعسر عليه بذلك، فقال له الأيمن: ما علمت أنّ للأعسر فضيلة إلا أن يسرق فيؤخذ فتقطع يمينه.
الفاسق: الخارج عن الطاعة إلى ركوب المعصية أو عن الإيمان إلى الكفر، أخذ من فسقت الرطبة، إذا خرجت من قشرها. وقال قوم: الفاسق الجائر، واحتجوا بقوله تعالى: إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ [الكهف: ٥٠]، أي جار، عنه قال رؤبة: [الرجز]
يهوين في نجد وغور غائرا فواسقا عن قصدها جوائرا (١)
اشمأزّ: انقبض. باخل: شحيح، وبخيل أكثر من باخل. طارق: قاصد بليل.
المطل: تأخير الحق الواجب، وأصله من مطل القين الحديد في النار، إذا مدّه وطوّله.
العائق: الحابس، وقد عاقه عن الشيء إذا حبسه. راشق: عائن، وأصله الرامي، فجعله للذي يصيب الناس بعينه. واستعيذ: قرئ عليه المعوّذتان، وهما: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ، وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ. الخلائق: الطبائع، واحدتها خليقة. الآبق:
الهارب، وأبق العبد يأبق إباقا: زال عن مولاه، وفي معنى فراق الدينار فوق الأخطل:
[الوافر]
ومعشوق يرقص كلّ يوم ترى في وجهه أبدا كلاما
إذا فارقته أجداك خيرا ولا يجدي عليك إذا أقاما
وهذا من قول الحسن البصريّ، وقد رأى رجلا يقلّب درهما، فقال له: أتحبّ درهمك هذا؟ قال: نعم، قال: فإنه ليس لك حتى يخرج من يدك.
واها: تعجّب، معناه ما أعجب من يقذفه. حالق: جبل أملس منيف. ناجاه: حدّثه سرّا. الوامق: المحبّ، وقد ومق يمق مقة المحقّ: القائل الحق.
***
فقلت له: ما أغزر وبلك! فقال: والشّرط أملك، فنفحته بالدّينار الثّاني، وقلت له: عوّذهما بالمثاني، فألقاه في فمه، وقرنه بتوأمه، وانكفأ يحمد مغداه، ويمدح النّادي ونداه.
***
_________________
(١) الرجز لرؤبة في ملحق ديوانه ص ١٩٠، وأساس البلاغة (فسق)، وللعجاج في ملحق ديوانه ٢/ ٢٨٨، والكتاب ١/ ٩٤، وبلا نسبة في لسان العرب (فسق)، وتهذيب اللغة ٨/ ٤١٤، وتاج العروس (فسق)، وجواهر الأدب ص ٣٣، والخصائص ٢/ ٤٣٢، وشرح التصريح ١/ ٢٨٨، وشرح شذور الذهب ص ٤٣١، والمحتسب ٢/ ٤٣.
[ ١ / ١٠٦ ]
قوله: «ما أغزر ويلك»، أي ما أكثر بلاغتك. وأملك: ألزم وأحقّ، يريد أن شرطك الذي شرطت من إعطائي دينارا آخر إن ذممته، قد لزمك بذمّي له. والشرط أملك مثل، وأول من قاله الأفعى الجرهميّ، وكان حكيما للعرب، فتحاكم إليه خصمان، فاشترط أحدهما وأراد ألّا يلتزمه، فقال الأفعى: الشرط أملك، وتقديره الشرط أملك لأمرك منك.
نفحته: رميته. عوّذهما: رقاهما. والمثاني: أمّ القرآن، سميت بذلك لأنها تثني في الصلاة، واختصّها لأنه أشار عليه أن يحمد الله على أخذ الدينار، فكأنه قال: اقرأ الحمد لله رب العالمين، شكرا لله عليهما وتعويذا لهما.
وهذا كما قال ابن رشيق في غلام جميل: [السريع]
معتدل القامة والقدّ مورّد الوجنة والخدّ
لو وضع الورد على خدّه ما عرف الخدّ من الورد
قل للّذي يعجب من حسنه اقرأ عليه سورة الحمد
وله في مثله: [السريع]
شكوت بالحبّ إلى ظالمي فقال لي مستهزئا: ما هو!
قلت: غرام ثابت، قال لي: اقرأ عليه «قل هو الله»
وقال أبو عبيد: المثاني في كتاب الله ثلاثة أشياء: القرآن، سمّاه الله المثاني في قوله تعالى: كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ [الزمر: ٢٣]، وسمّى الفاتحة «مثاني» في قوله: سَبْعًا مِنَ الْمَثانِي [الحجر: ٨٧] وروى عثمان وابن عباس وابن مسعود عنه ﷺ. «إن المثاني من السور ما دون المئين»، كأنها جعلت مبادئ والتي تليها مثاني.
قوله: «بتوأمه»، أي بأخيه، يعني الدّينار الأول. انكفأ: انقلب وولّى، معناه بكوره وسيره في الغدوّ. النادي ونداه: المجلس وكرم أهله.