والقول من غير تفكّر وهو عندهم مما يمدح به، وإن كانت الإصابة غالبا في الرويّة وإطالة الفكرة، كما قال عبد الله بن وهب الراسبيّ للخوارج حين عقدوا له: دعوا الرأي حتى يختمر، فلا خير في الرأي الفطير، والقول القصير.
وقال المنصور لكاتبه: لا تبرم أمرا حتى تفكّر، فإن فكرة العاقل مرآته تريه حسنه من قبيحه.
وقال أيضا: الحكمة نور الفكرة، والصواب فرع الرويّة، والتدبير فرع الهمة.
قال ابن الروميّ: [البسيط]
نار الرويّة نار جدّ منضجة وللبديهة نار ذات تلويح
[ ١ / ٨٦ ]
وقد يفضّلها قوم لعاجلها لكنّه عاجل يمضي مع الريح
وقال أشجع في جعفر بن يحيى: [المتقارب]
يريد الملوك مدى جعفر ولا يصنعون كما يصنع
وليس بأوسعهم في الغنى ولكنّ معروفه أوسع
بداهته مثل تفكيره متى تلقه فهو مستجمع
وقال فيه: [الوافر]
بديهته وفكرته سواء إذا التبست على النّاس الأمور
وقال إبراهيم بن العبّاس الصوليّ في الفضل بن سهل: [الكامل]
يقضي الأمور على بديهته وتريه فكرته عواقبه
فيظلّ يوردها ويصدرها فلنعم حاضره وغائبه
ودخل المأمون يوما بعض دواوينه، فرأى غلاما جميل الصورة، على أذنه قلم فقال: من أنت يا غلام؟ فقال: أنا يا أمير المؤمنين الناشئ في دولتك، والمتقلب في نعمتك، والمؤمّل بخدمتك؛ الحسن بن رجاء خادمك. فقال المأمون: أحسنت يا غلام، وبالإحسان في البديهة تفاضلت العقول. ثم أمر أن ترفع مرتبته في الديوان.
***
قوله: «بنزاهته» أي برفعته وبعده من التّهمة بسرقة الشعر. آنس: أبصر استئناسهم:
أنسهم وتركهم الإنكار. طرفة: نظرة، قد طرف طرفا، إذا حرّك جفنيه بعد النظر.
دونكم: إغراء، ومعناه خذوا حذركم واسمعوا. جدّ: تحقّق. البين: الفراق. بنان:
أصابع. الحصر: المنقطع عن الكلام عيّا. ليل؛ أراد به نقابا أسود. صبح: وجه.
أقلّهما: رفعهما. غصن: قد. ضرّست البلّور: الأصابع. الدرر: الأسنان.
والظاهر من سياق هذين البيتين أنه قصد أن يزيدهم استئناسا بأنه غير مدّع في الشعر، ودلّ على هذا ظاهر الكلام قبل البيتين وبعدهما، وهو قد أدرج معنى زائدا في البيت ولم يصرح به لما عليه في ذلك من التقصير عن درجة غيره، وذلك أنه لمّا لم يستوف مقابلة بيت أبي الفرج مرّة ببيتيه المتقدمين، استوفاها في هذا البيت الثاني، لأنه قابل «أمطرت» بساقطت، واللؤلؤ باللؤلؤ، والنرجس بالخاتم، وهما العين والفم، وحمرة الخد بسنا القمر، وبقي عليه زائد من قول أبي الفرج: «وعضت على العنّاب بالبرد» فقابله في هذا البيت بقوله: «وضرّست البلور بالدرر، وجعلها تعضّ على أصابعها وهي بيض، لأنه يصف امرأة شعرت بفراق أحبابها، فتركت الزينة واستعمال الحنّاء، فلمّا حان وقت فراقهم، لبست ثياب الحزن، وأقبلت تودّعهم تلهّفا وتندّما على فراقهم، ووصف الأصابع
[ ١ / ٨٧ ]
باللّين والصبغ، وذلك مذكور في العاشرة، وجعلها لابسة السواد، لأنّ أهل الشرق يلبسونه لحزنهم، وأهل الأندلس يلبسون البياض لحزنهم، قال الشاعر: [الوافر]
ألا يا أهل أندلس فطنتم بلطفكم إلى أمر عجيب
لبستم في مآتمكم بياضا وجئتم منه في زيّ غريب
صدقتم فالبياض لباس حزن ولا حزن أشدّ من المشيب
وأنشد أبو عثمان الأشناندانيّ في أبيات المعاني له: [البسيط]
أرعت مراتع مدراها على عجل صنوين إن أفردا لم يرعيا أبدا
واستبدلت من رياض الحزن مونقة ثوب الأمير الذي في ملكه قعدا
عنى بمراتع مدارها شعرها، وبصنوين مقصّ حلقته به، وبرياض الحزن ثيابا ملوّنة، وبثوب الأمير ثوبا أسود، لأن ملوك بني العباس لباسهم السواد وعارض ابن لبّال الحريريّ في أبياته فقال: [مجزوء الكامل]
ودّعتها ومدامعي تنهلّ بالدّمع الطّليق
فبكت فأذرت أدمعا في صفحة الخدّ الأنيق
ومضت تعضّ بنانها بين التلهّف والشهيق
ورأيت مبيضّ اللّج ين يعضّ محمرّ العقيق
وكما عارض بيت الحريري عارض قول البحتريّ المتقدم: [السريع]
يا بأبى ظبيّ إذا مارنا أثخن قلبي وفؤادي جراح
يفترّ عن طلع وعن جوهر وفضّة أو حبب أو أقاح
فزاد عليه بوصفين.