وعديّ هو أبو زيد بن مالك، ينتمي إلى معاوية بن الحارث، وينسب إلى الرقاع وهو جدّ جده. وكان شاعرا مقدما عند بني أمية، مدّاحا لهم، خاصا بالوليد بن عبد الملك، ومنزله بدمشق، وهو من حاضرة الشعراء لا من باديتهم، وكان من أوصف الناس للمطية، وكذا ذكره صاحب الأغاني في ترجمته وقال نوح بن جرير لأبيه: من أنسب الناس؟ قال: ابن الرقاع في قوله: [الكامل]
لولا الحيا وأن رأسي قد عسا فيه المشيب لزرت أمّ القاسم (١)
وكأنها بين النساء أعارها عينيه أحور من جآذر جاسم
وسنان أقصده النّعاس فرنّقت في عينة سنة وليس بنائم
***
أقرّ الحريري هنا للبديع بالفضل، وجعله سبّاقا للغايات، وما أحسن هذا الأدب منه، مع علمه بفضل مقاماته على مقامات البديع، ومن أدل دليل على ذلك أنه منذ ظهرت مقامات الحريري لم تستعمل مقامات البديع، ثم إنه طبق استعمالها آفاق الأرض،
_________________
(١) الأبيات في ديوان عدي بن الرقاع ص ٩٩، والأغاني ٣/ ٣٧٤، ٩/ ٣٠٤، ٣٠٧، وأمالي المرتضى ١/ ٥١١، ولسان العرب (جسم)، (عتا)، ومعجم البلدان (جاسم).
[ ١ / ٢٧ ]
إلا أنه أسرّ هنا شيئا، لأنه ختم كلامه، بأن البديع فضله بالتقدّم؛ وهذا منه مذهب مستحسن، ألا تراه كيف بدأ بتجريد الفضل للبديع وحده، ثم لم ير لنفسه قدرا في قوله:
«وإن لم يدرك الظالع شأو الضليع»؛ فجعل نفسه كالفرس الأعرج الذي جريه إذا أجتهد دون مشي الصحيح، وجعل البديع كالفرس العتيق الكامل القوة ثم لما بلغ إلى هذا الموضع بعد أسطار صرّح في الظاهر للسامع بأن البديع سباق غايات، وصاحب آيات، وأومى لمن فطن أنه إنما فضله بتقدم الزمان. ثم خلط الكلام في الخلفاء بين المتقدمين والمتأخرين، ثم تناسى ذلك إلى آخر الكتاب في السابعة والأربعين، وصرّح هناك بتفضيل المتأخر على المتقدم وتفضيله نفسه على البديع، حيث يقول: [الرجز]
إن يكن الإسكندريّ قبلي فالطلّ قد يبدو أمام الوبل
* والفضل للوابل لا للطّلّ*
ولو كان غيره من العلماء المنسوبين إلى سوء الأدب، ورأى فضل مقاماته، لذم البديع ونقص كتابه فكان ينعكس الذم عليه: وكذا رأينا في الغالب من ادّعى لنفسه فضلا، وازدرى غيره، أنه قلّما يكون إلا ممقوتا، فلما أظهر الحريري مدح البديع ووفاه قسطه من التفضيل والترفيع، ولم ينظر إلى نفسه إلا بطرف خفي قل من يتفطن له، ستر الله عليه ورفع صيته، ووضع لكتابه القبول عند الخاصة والعامة. [الطويل]
فشرّق حتى لم يجد ذكر مشرق وغرّب حتى لم يجد ذكر مغرب
فلا يذم كتابه إلا أحد الرجلين فذين ذكرهما؛ إما جاهل، أو حاسد.
***
ومذهب الناس في تفضيل الحديث على القديم؛ وأكثرهم على تفضيل القديم، وقد أحسن حبيب حيث يقول: [الكامل]
نقّل فؤادك حيث شئت من الهوى ما الحبّ إلا للحبيب الأول
كم منزل في الأرض يألفه الفتى وحنينه أبدا لأول منزل
وقال: [الكامل]
لا زلت من شكري في حلّة لابسها ذو سلب فاخر
يقول من تقرع أسماعه: ما ترك الأوّل للآخر
وذكر ابن شرف علة ذلك فقال: [الكامل]
أولع النّاس بامتداح القديم وبذمّ الحديث غير الذّميم
ليس إلا لأنهم حسدوا الحيّ ومالوا إلى العظام الرّميم
[ ١ / ٢٨ ]
وللمتأخرين شعر كثير في تفضيلهم أنفسهم على المتقدمين؛ من أحسنه قول المعريّ: [الخفيف]
وإنّي وإن كنت الأخير زمانه لات بما لم تستطعه الأوائل
وقال ابن عمار: [الطويل]
أنا ابن عمار لا أخفى على أحد إلا على جاهل بالشمس والقمر
إن كان أخّرني دهري فلا عجب فوائد الكتب يستلحقن في الطّرر
والذي ذكر أبو العباس في الكامل هو الحق، قال: وليس لقدم العهد يفضل القائل، ولا لحداثة العهد يهضم المصيب، ولكن يعطى كلّ ما يستحقّ