حكى الثعالبيّ في يتيمته، وقد ذكر القاضي التنوخيّ فقال: هو أبو القاسم عليّ بن محمد بن داود بن فهم، من أعيان أهل العلم والأدب، وأفراد ذوي الكرم وحسن الشيم، وكان كما قرأت في فصل للصاحب: إن أردت فإني سبحة ناسك، أو أحببت فإني تفاحة فاتك، أو اقترحت فإني مدرعة راهب، أو اخترت فإنّي نخبة شارب.
وكان تقلّد قضاء البصرة والأهواز بضع سنين، وكان المهلبي وغيره من وزراء العراق يميلون إليه جدّا، ويعدّونه ريحانة الندماء، وتاريخ الظرفاء، يعاشرون منه من تطيب عشرته، وتلين قشرته، وتكرم أخلاقه، وتحسن أخباره، وتسير أشعاره؛ ناظمة حاشيتي البرّ والبحر، وناحيتي الشرق والغرب. وكان من جملة القضاة الذين ينادمون الوزير المهلبيّ، ويجتمعون إليه في الأسبوع ليلتين، على اطّراح الحشمة والتبسّط في القصف والخلاعة، منهم ابن قريعة وابن معروف والقاضي التنّوخي وغيرهم، وما منهم إلا أبيض اللحية طويلها، وكذلك كان المهلبيّ، وإذا تكمّل الأنس، وطاب المجلس، ولذّ السماع، وأخذ الطرب فيهم مأخذه وهبوا ثوب الوقار للعقار، وتقلبوا في أعطاف العيش، بين الخفّة والطيش، ووضع بين يدي كلّ واحد منهم طست من ذهب من ألف مثال مملوء شرابا، فيغمس فيه لحيته، بل ينقعها حتى تشرب أكثره، ويرشّ بعضهم بعضا، ويرقصون بأجمعهم، وعليهم مصبّغات الثياب، ومخانق البرم، ويقولون كلما يكثر شربهم هرهر، وفيهم يقول السريّ: [المنسرح]
_________________
(١) البيت لمتمم بن نويرة في ديوانه ص ١١٧، ولسان العرب (برك)، وتاج العروس (برك)، وبلا نسبة في جمهرة اللغة ص ٣٢٥.
[ ١ / ٣٤٨ ]
مجالس ترقص القضاة بها إذا انتشوا في مخانق البرم
وإذا أصبحوا عادوا لعادتهم في الترهّب والتوقّر والتحفّظ وأبهّة القضاة وحشمة المشايخ الكبراء.
وقال في ابن معروف: كان كما قرأته في فصل للصاحب: شجرة فضل عودها أدب، وأغصانها علم، وثمرها عقل، وعروقها شرف؛ تسقيها سماء الحرّية، وتغذوها أرض المروّة، وفيه يقول الصابي: [البسيط]
أقسمت بالله ما يرجى لمعروف في الحادثات سوى القاضي ابن معروف
ومن شعر ابن معروف: [الكامل]
لو كنت تدري ما الذي صنع الهوى والشّوق في الجسم النّحيل البالي
لهجرت هجري واجتنبت تجنّبي ووصلت من بعد النّعيم وصالي
وقال القاضي التنوخي في غلام جسيم: [الوافر]
له في كل عضو دعص رمل ثقيل الجسم ذو روح خفيف
أأعشق لا عشقت أخا نحول كأني لست ذا الخلق الظّريف
إذا لمسته كفّي لم تلامس سوى جلد على عظم ضعيف
شرب المأمون وعبد الله بن طاهر، ويحيى بن أكثم القاضي، فتعامل المأمون وابن طاهر على سكر يحيى فغمزا به الساقي، فأسكره، وكان بين أيديهم رزم من ورد وريحان، فأمر المأمون، فشق له قبر في الرّزم وصيّر فيه. وعمل بيتي شعر، ودعا قينة فجلست عند رأسه، وغنّت بهما وهما:
ناديته وهو حيّ لا حراك به مكفن في ثياب من رياحين
فقلت: قم، قال: رجلي لا تطاوعني فقلت: خذ، قال: كفي لا تواتيني
فانتبه يحيى لرنة العود فقال: [البسيط]
يا سيّدي وأمير الناس كلّهم قد جار في حكمه من كان يسقيني
إني غفلت عن السّاقي فصيّرني كما تراني سليب العقل والدين
لا أستطيع نهوضا قد وهى قدمي ولا أجيب لداع حين يدعوني
فانظر لنفسك في قاض يكون لكم إني غدوت دفينا في الرّياحين
***
والحالة التي وصف بها أبو زيد خلعت الأمين عن الملك، ونقلته إلى المأمون.
قال الربيع: قعد الأمين يوما للنّاس وعليه طيلسان أزرق، وتحته لبد أبيض، فوقّع على
[ ١ / ٣٤٩ ]
ثمانمائة قصّة، فلقد أصاب فما أخطأ، وأسرع فما أبطأ، ثم قال: يا ربيع أتراني لا أحسن التدبير والسياسة، ولكني وجدت شمّ الآس، وشرب الكأس، والاستلقاء من غير نعاس، أشهى إليّ. وكذلك خلعت قبله الوليد بن يزيد، وبعده المتوكل وغيرهم من الخلفاء والأمراء، ممّن آثر راحة النفس على تعب السياسة.
قوله: «تبهر» أي تسقيه بالبهار، وهو شبه الإبريق، وقيل: تبهر، تغلب العقول بحسنها، يقال: بهر بهرا، إذا غلبه، وبهر القمر السماء: ملأها بنوره تزهر: تضيء.
شموع: مصابيح الشمع. آس: ريحان. عبهر: نرجس، وقيل: ياسمين، قال عليّ ﵁: قال رسول الله ﷺ: «شمّوا النّرجس ولو في اليوم مرّة واحدة، ولو في الشهر مرّة واحدة، ولو في الدّهر مرّة واحدة، فإنّ في القلب حبّة من الجنون والجذام والبرص، لا يقلعها إلا شم النّرجس».
وقال عليّ ﵁: حباني النبيّ ﷺ بالورد، وقال: «أما إنه سيّد ريحان الجنّة بعد الآس».
وقال أردشير بن بابك: الورد درّ أبيض، وياقوت أحمر، على كراسيّ زبرجد أخضر، بوسطه شذور من ذهب أصفر، له رقة الخمر، ونفحات العطر.