وخفّا حنين، يضرب بهما المثل للخائب الخاسر، واختلف في حنين، فقال يعقوب: إنه كان رجلا مدّعيا، فجاء إلى عبد المطلب، وعليه خفّان، فقال: يا عم إني من ولد هاشم، فأنعم النّظر فيه، وقال: لا وعظام هاشم، ما أرى فيك شمائل هاشم، فارجع خائبا خاسرا.
وقيل: كان رجلا مغنّيا، فدعاه قوم من أهل الكوفة. ليطربهم في نزهة، فخرجوا به إلى الصحراء، فضربوه وسلبوا ثيابه، وتركوا عليه خفيّه؛ فلما رجع إلى زوجته- وكانت تنتظر رجوعه على عادته بما يفضل من أطعمة النزهة- ورأته على تلك الحالة قالت لكل من سألها: رجع حنين بخفّيه.
_________________
(١) البيت للحصين بن الحمام في المفضليات ١٢.
(٢) البيت ليس في ديوان كعب بن زهير.
[ ١ / ٣٠٨ ]
وقيل: إنه كان صانعا، فساومه أعرابيّ بخفّين، وماكسه حتى أخرجه. فلما ارتحل الأعرابيّ، أخذ حنين إحدى الخفين فوضعها على الطريق، ثممشى وألقى الأخرى في موضع آخر على الطريق، وكمن له، فلما مرّ الأعرابيّ بالخفّ قال: ما أشبه هذه بخفّ حنين؛ ولو كان معها الأخرى لأخذتها. فلمّا انتهى إلى الأخرى، ندم على ترك الأولى، فأناخ راحلته، وأخذها ورجع إلى الأولى؛ فلما غاب عمد حنين إلى راحلته بما عليها فركبها، ومضى بها، ورجع الأعرابيّ إلى قومه بخفّين، فكان إذا سئل عن حاله قال:
رجعت بخفّي حنين فصار مثلا.
وقيل: كان حنين لصّا حقيرا فأخذ وصلب، فجاءته أمّه وعليه خفّان فانتزعتهما ورجعت، فقيل: رجعت بخفّين حنين، أي رضيت منه بذلك.
***
فتبصّر ولا تشم كلّ برق ربّ برق فيه صواعق حين
واغضض الطّرف تسترح من غرام تكتسي فيه ثوب ذلّ وشين
فبلاء الفتى اتّباع هوى النّف س وبذر الهوى طموح عين
قال الراوي: فمزّقت رقعته شذر مذر، ولم أبل أعذل أم عذر.
***
قوله «تبصر»: أي أحسن النظر. حين: هلاك. والصاعقة: نار ترسل مع الرعد والبرق، وجمعها صواعق، وصعق الرجل إذا أصابته، وصعق إذا مات، وقيس تقول:
صاعقة، وبنو تميم صاقعة؛ وقد صقع. غرام: عذاب الحب. شين: عيب. والبذر: زرع الحبّ في الأرض.
طموح: ارتفاع يريد أن أصل العشق مداومة النظر، ألمّ فيه بقول عيسى ﵇: «لا يزني فرجك ما غضضت بصرك»؛ وقد تقدّم: من كثرت لحظاته دامت حسراته.
وقال سابق البربريّ في اتباع الهوى: [الطويل]
وهجر الهوى للمرء فاعلم سعادة وطول الهوى رين على القلب رائن
فكن دافنا للشّرّ بالخير تسترح من الشرّ إنّ الخير للشرّ دافن
وقال آخر: [الطويل]
إذا أنت لم تعص الهوى قادك الهوى إلى كلّ ما فيه عليك مقال
وقال المتنبي: [الطويل]
[ ١ / ٣٠٩ ]
عزيز أسى من داؤه الأعين النّجل عناء به مات المحبّون من قبل (١)
فمن شاء فلينظر إليّ فمنظري نذير إلى من ظنّ أنّ الهوى سهل
وما هي إلا لحظة بعد لحظة إذا نزلت في قلبه رحل العقل
وقال ابن زيدون: [البسيط]
من يسأل الناس عن حالي فشاهده محض العيان الّذي يغني عن الخبر (٢)
أما الضّنى فجنته نظرة عنن كأنّها والرّدى جاءا على قدر
فهمت معنى الهوى من وحي طرفك لي إن الحوار لمفهوم من الحور
وقال العبّاس بن الأحنف: [الكامل]
الحبّ أوّل ما يكون لجاجة تأتي به وتسوقه الأقدار (٣)
حتى إذا اقتحم الفتى لجج الهوى جاءت أمور لا تطاق كبار
فهذا كله يبيّن بيت الحريريّ.
قوله: «مزقت»: قطعت. شذر مذر: قطعا متفرقة في كلّ جهة، وأصل الشّذر قطع الذهب، ومذر اتباع لها.
لم أبل: أي لم أبال. عذل: لام. عذر: قبل العذر.
_________________
(١) الأبيات في ديوان المتنبي ٣/ ١٨٠.
(٢) الأبيات في ديوان ابن زيدون ص ٢٥١.
(٣) البيتان في ديوان العباس بن الأحنف ص ١١٦.
[ ١ / ٣١٠ ]