وهذا الشعر مستحسن القوافي، ومثله في ذلك قول الزاهد ابن عمران، وكثيرا ما كان يستمد في شعره من أدب المقامات: [الكامل]
تبّا لذي جهل دعا لمبرّة وأجبته برّا به فأذاعها
منّا وقد كافأته بهباته وذخرتها عندي له، فأضاعها
فأقل اللّئام من الرجال ولا تجب مهما دعوك وجنّبن أوضاعها
وقال آخر: [مجزوء الكامل]
يا من يضيّع عمره متماديا في اللهو أمسك
واعلم بأنّك لا محا لة ذاهب كذهاب أمسك
_________________
(١) يروى البيت: يا قابض الروح عن جسم عصى زمنا وغافر الذنب زحزحني عن النار وهو في ملحق ديوان ذي الرمة ص ١٨٧٥، ولسان العرب (زحح)، وتاج العروس (زحح).
(٢) البيت لجرير في ديوانه ص ٨١٩، ولسان العرب (عرد)، وتاج العروس (عرد)، ويروى «صنعوا تبابا» بدل «عملوا تبابا».
[ ١ / ٤٩ ]
ولمنصور الفقيه في الشعر المردف: [المتقارب]
إذا كنت تزعم أنّ الفراق فراق الحياة قريب قريب
وأن المقدّم ما لا يفوت على ما يفوت مصيب مصيب
وأنت على ذاك لا ترعوي فأمرك عندي عجيب عجيب
وقال القاضي أبو حفص عمر في معنى شعر الحريريّ في ذم الدنيا: [مخلع البسيط]
يا راكضا في طلاب دنيا ليس لمن تصرع انتعاش
لم تخش نار هوى لظاها بمن له نحوها انحياش
أعذر منك الفراش حالا علمت ما يجهل الفراش
نطلبها لا تنام عين عنها ولا يستقرّ جاش
من لك بالرّيّ من شراب يشتدّ من شربه العطاش
دعها فطلّابها رعاع طاشت بألبابهم فطاشوا
لم يردوها فهم رواء وواردوها هم العطاش
فاظمأ لتروى، وكن كقوم سقوا بها غبّة فعاشوا
كأنّ آمالنا ظباء ونحن من حيرة خداش
إن لآمالنا انبساطا به لأعمارنا انكماش
كأن رجالنا صقور ونحن من تحتها خشاش
ولابن الرومي رحمه لله: [الطويل]
لعمرك ما الدّنيا بدار إقامة إذا زال عن عين اللبيب غطاؤها
فكيف بقاء الناس فيها وإنما ينال بأسباب الفناء بقاؤها
وقال آخر: [الطويل]
ومن يحمد الدنيا لعيش يسرّه فسوف لعمري عن قريب يلومها
إذا أدبرت كانت على المرء حسرة وإن أقبلت كانت كثيرا همومها
ولابن سارة رحمه الله تعالى: [الوافر]
بنو الدّنيا بجهل عظّموها فجلّت عندهم وهي الحقيره
يهارش بعضهم بعضا عليها مهارشة الكلاب على العقيره
***
ثمّ إنّه لبّد عجاجته، . وغيّض مجاجته، واعتضد شكوته. وتأبّط هراوته فلمّا
[ ١ / ٥٠ ]
رنت الجماعة إلى تحفّزه، ورأت تأهّبه لمزايلة مركزه، أدخل كلّ منهم يده في جيبه، فأفعم له سجلا من سيبه، وقال: اصرف هذا في نفقتك، أو تفرّقه على رفقتك، فقبله منهم مغضيا، وانثنى عنهم مثنيا، وجعل يودّع من يشيّعه، ليخفي عليه مهيعه، ويسرّب من يتبعه، لكي يجهل مربعه.
***
قوله: «ثم إنه لبّد عجاجته»، أي سكّن غبرته المرتفعة حتى لصقت بالأرض غيّض:
جفف. المجاجة: ما يلقي من فيه، وقد مجّ الرجل ريقه إذا سال من حمق أو كبر، وأراد بلبد عجاجته، قطع كلامه الذي كان قد استرسل، وأخذه من قول سليمان بن عبد الملك، وقد تكلّم وفد بين يديه، فلم يصنعوا شيئا وتكلم بعدهم رجل قبيح المنظر فأبلغ، فقال سليمان: كأن كلامه بعد كلامهم سحابة لبّدت عجاجا.
وأراد ب «غيّض مجاجته» ما كان يسيل من عينيه وأنفه عند البكاء. واعتضدها:
جعلها تحت عضده. والشكوة: ركوة الماء تصنع من جلد الثور أو الخروف، وتأبطها:
جعلها تحت إبطه. هراوته: عصاه. رنت: نظرت. تحفزه: تهيؤه وعجلته للانصراف، وتحفّز وانحفز، إذا كان جالسا على عقبيه متهيّئا للقيام، تأهّبه: استعداده، مزايله:
مفارقه. مركزه: موضعه الذي قام به. أفعم ملأ، وفعمت الشيء فعما: ملأته. سجلا:
دلوا. سيبه: عطاؤه، معناه وهب له نصيبا من عطائه. رفقتك: أصحابك. مغضيا:
مستحييا، وأصل «أغضى» كفّ بصره وضم جفنيه، . انثنى: رجع وانعطف عن طريقه، مهيعه: طريقه البيّن. يسرّب: يفرق. فكأنه «تفعّل» من السّرب وهو الطريق، كأنه يردّهم عن تشييعه في طريق مختلفة، أو يكون من لفظ السّرب، وهو الجحر. فكأنه يغيبهم عنه حيث يقصد تعمية طريقه عليهم، أو يكون من لفظ السارب وهو الذاهب في الأرض، وقد سرب سروبا، فكأنه يذهبهم في كلّ ناحية ليجهل مكانه مربعه: منزله في الربيع خاصة. والمربع: المنزل في كل وقت؛ من ربعت بالمكان، أقمت به.
***
قال الحارث بن همّام: فاتّبعته مواريا عنه عيانيّ، وقفوت إثره من حيث لا يراني؛ حتى انتهى إلى مغارة، فانساب فيها على غرارة، فأمهلتهريثما خلع نعليه، وغسل رجليه، ثمّ هجمت عليه، فوجدته محاذيا لتلميذ، على خبز سميذ، وجدي حنيذ، وقبالتهما خابية نبيذ، فقلت له: يا هذا، أيكون ذاك خبرك وهذا مخبرك!
***
مواريا: ساترا. عياني: شخصي، أي تبعته مستخفيا بحيث لا يراني، قفوته: اتبعته من جهة قفاه، انساب: دخل، وأصل الانسياب، جرى الحية على وجه الأرض، أو
[ ١ / ٥١ ]
جرى الماء كذلك، ولا يكون الانسياب إلا على وجه الأرض، لا يقال: انساب في الجحر؛ حدّثني به بعض من لقيت من أصحابنا، وكان أضبط النّاس للسان العرب، قال:
وقول الحريري: «انساب فيها» وهم منه، ولو قال: «انشام فيها» لكان أمثل، يشبّهه بالسيف إذا وضع في غمده. غرارة: غفلة. ريث: قدر. هجمت عليه: دخلت عليه فجأة، ومنه هجم عليه الحرّ، وهجمت عينه: دخلت في رأسه. محاذيا: ملاصقا أو جالسا بحذائه. تلميذ: متعلم الصنعة حنيذ: مشويّ، وحنذ اللحم حنذا: شواه بحجارة محماة. نبيذ، أراد به خمرا، خبرك، أراد به أمرك الذي أنت عليه، مخبرك، أي باطنك وما يختبر منك.
ومما ينتظم في هذا النمط حكاية أبي نواس حين رئي في مجلس منصور بن عمار يبكي، فظن الناس أنه قد نسك، فجعلوا يهنئونه، ويقولون: نرجو لك من الله الخير، فقال: أنا أهون على الله من ذلك؛ وليس كما تظنون، ولكن أبكي لبكاء ذلك الغزال- وغلام بالمجلس يبكي من وعظ منصور- ثم قال: [السريع]
لم أبك في مجلس منصور شوقا إلى الجنّة والحور
لكن بكائي لبكا شادن تقيه نفسي كلّ محذور
تنتسب الألسن في وصفه إلى مدى عجز وتقصير
وحضر أيضا مجلس بعض القصاص، فقالوا له: لعلّ الله قد أقبل بك! فقال: إنما حضرت لأجل هذا الغزال، ثم قال: [مجزوء الرمل]
خلّياني والمعاصي ودعا ذكر القصاص
واسقياني الخمر صرفا في أباريق الرّصاص
وعلى وجه غزال طائع ليس بعاصي
بين فتيان كرام قد تواصوا بالمعاصي
وعلى الله- وإن أف رطت في الذنب- خلاصي
***
فزفر زفرة القيظ، وكاد يتميّز من الغيظ؛ ولم يزل يحملق إلي، حتى خفت أن يسطو عليّ، فلمّا أن خبت ناره، وتوارى أواره، أنشد: [المتقارب]
لبست الخميصة أبغي الخبيصة وأنشبت شصّي في كلّ شيصه
وصيّرت وعظي أحبولة أريغ القنيص بها والقنيصه
وألجأني الدّهر حتى ولج ت بلطف احتيالي على اللّيث عيصه
على أنّني لم أهب صرفه ولا نبضت لي منه فريصه
[ ١ / ٥٢ ]
ولا شرعت بي على مورد يدنّس عرضي نفس حريصه
ولو أنصف الدّهر في حكمه لما ملّك الحكم أهل النّقيصه
***
قوله: «فزفر زفرة القيظ» الزفرة: تنفس المهموم أو المغتاظ، والقيظ: شدّة الحرّ، شبّه ما أبداه من شدّة الغيظ بوهج الحر. يتميّز: يتقطع ويتفرّق، يحملق: يحدّ النظر، والحملقة: نظر الغضبان، والحملاق: باطن الجفن. يسطو: يصول ويتناولني بالمكروه، يقال: سطا عليه وبه، يسطو سطوا وسطوة، إذا قهره وأذله، خبت ناره: سكنت حدّة غيظه، توارى: تغطى واستتر. أواره: لهبه ونار غيظه، والأوار: وهج النار الخميصة:
كساء فيه خطوط، وقال يعقوب وأبو عبيد: الخميصة: كساء مربع أسود له علمان.
الخبيصة: نوع من الحلواء، وتسميه عامتنا الخبيز، بالزاي، وكنى به عن لذة العيش، .
الشّصّ: حديدة معوجة يصاد بها الحوت، وتسمى الصنارة، شيصة: ثمرة رديئة؛ ومن ملح قصاص البلدان، أن أبا عبد الله الخواص كان يقول فيقصصه: إنما الناس مثل التمر، فيهم الشيص والبرني، يا رب اجعلنا برنيّا ولا تجعلنا شيصا، وقال قاصّ آخر: إن في الجنة لحم جدي ولحم كلّ شيء بلا عظم مثل الشّيص في بلادنا بلا نوى، يريد أنه لا يحتقر شيئا؛ فكل ما اتخذ له أخذه، أحبولة: آلة يصاد بها، أريغ: أطلب ما يصعب أخذه، كأنه يروغ من كذا، أي عدل عنه ورجع، وهو يخفى رجوعه. قال الفراء: يقال لا للذي يرجع: راغ يروغ، إلا أن يكون مخيفا لرجوعه، قال الله تعالى: فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ [الصافات: ٩٣]، أي رجع إليهم يضربهم مخيفا لرجوعه، ومعنى «باليمين» أي بيمينه الذي حلف في قوله تعالى: وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ [الأنبياء: ٥٧]، أو يريد باليمين القوة، وقال تعالى: فَراغَ إِلى أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ [الذاريات: ٢٦]، أي رجع إليهم في إخفاء منه لرجوعه. القنيص والقنيصة: الذكر والأنثى مما يصاد من الوحش، وهذا مثل، وإنما أراد ما يأخذه من الناس بالحيل، ألجأني: أحوجني. ولجت: دخلت.
لطف: رقة، وتلطف، عيصه: بيته، وأصله الشجر الملتفّ. والليث: الأسد. أهب:
أخف، صرفه تقلبه، نبضت: تحركت. فريصة: بضعة في آخر الكتف تتحرك عند الفزع، شرعت: دخلت، وعلى: بمعنى «في» نحو قولك: كان ذلك على عهد فلان، أي في عهده. مورد موضع الماء. يدنّس: يوسخ ويعيب، . عرضي: ذكرى. نفس حريصة:
كثيرة الرغبة والطمع، النقيصة: الخصلة القبيحة يفعلها الرجل فينقص بها.
وقال بعضهم: [الكامل]
غضّي عيونك يا عيون النّرجس منك استحيت بأن أقبّل مؤنسي
نام الحبيب تدبّلت أجفانه وعيونكنّ شواخص لم تنعس
فأجابني تفاح صفحة خده بفصاحة من ألسن لم تخرس
[ ١ / ٥٣ ]
قبّل حبيبك ما اشتهيت فإن من عاداتنا كتمان سرّ المجلس
يا رب إن قدّرته لمقبّل غيري فللمسواك أو للأكؤس
ولئن قضيت لنا بصحبة ثالث يا رب فلتك شمعة في المجلس
ومن أحسن ما قيل في الدهر، قول تميم بن المعز:
يا دهر ما أقساك من متلون في حالتيك وما أقلّك منصفا
أتروح للنّكس الجهول ممهّدا وعلى اللّبيب الحرّ سيفا مرهفا!
وإذا صفوت كدرت شيمة باخل وإذا وفيت نقضت أسباب الوفا
لا أرتضيك وإن كرمت لأنني أدري بأنّك لا تدوم على الصّفا
زمن إذا أعطى استردّ عطاءه وإذا استقام بدا له فتحرّفا
ما قام خيرك يا زمان بشرّه أولى بنا ما قل منك وما كفى
إدريس بن اليمان: [البسيط]
ماذا أقول لدنيا لو ظفرت بها أدّبتها غضبا للعلم والأدب
شجا من أقذية الأيام برّح بي بل بالعوالي وبالهندية القضب
***
ثم قال لي: ادن فكل، وإن شئت فقم وقل. فالتفتّ إلى تلميذه وقلت:
عزمت عليك، بمن تستدفع به الأذى، لتخبرني من ذا؟ فقال: هذا أبو زيد السّروجي، سراج الغرباء، وتاج الأدباء.
فانصرفت من حيث أتيت، وقضيت العجب ممّا رأيت!
***
قول: «أدن» أي أقرب. قل، أي قل ما شئت، التلميذ: الخادم، والجمع التلاميذ، قال لبيد: [المنسرح]
* يجلو التلاميذ لؤلؤا قشبا (١) *
أي يجلو التلاميذ لؤلؤا جديدا، وطلبة العلم: تلاميذ شيخهم، الأذى: الضرر،
_________________
(١) صدره: فالماء يجلو متونهن كما والبيت في ديوان لبيد بن ربيعة ص ٣١، ولسان العرب (قشب)، وتهذيب اللغة ٨/ ٣٣٥، وتاج العروس (قشب).
[ ١ / ٥٤ ]
سراج: مصباح، يريد أنه للغرباء مصباح يفخرون به ويهتدون بحيلته، وللأدباء تاج يتزينون به ويضعونه فوق رءوسهم. انصرفت: رجعت، قضيت العجب؛ أي أتممته، كأنه قال: قضيت حاجتي مما رأيت، ويقال: قضى بحبه من كذا، أي بلغ مراده، وقضى عليه القاضي، أي قطع عليه، والقاضي: القاطع للأمور المحكم لها. وقوله تعالى: فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ [فصلت: ١٢]، أي قطعهنّ وأحكم خلقهن، ويكون «قضى» بمعنى «عمل».
[ ١ / ٥٥ ]