وقد تمادى إنكار أدباء وقتنا تشبيه العين بهذا النوّار الأصفر المعروف عندنا بالنرجس، فأكثرهم ينكر أن يكون يقع به تشبيه لأجل صفرته، وإن ذكرته لأحد قال:
وأيّ صفرة في العين إلّا أن يكون بصاحبها علّة اليرقان! ويستهجن موضع التشبيه جدّا.
وقد سألت عنه بعض أشياخي في صغري، وأنا أقرأ عليه كتاب «الجمل» وكان أديبا شاعرا، فأنكر وقوع التشبيه بهذا النّور الأصفر، وقال لي: النّرجس عندهم بالمشرق نور يشبه نوّار القول، وأكثر من لقيته يستبعد التشبيه بهذا الأصفر، لأجل لونه، وذلك لقلّة تحصيلهم معرفة كلام العرب وتشبيهاتها، والعرب توقع تشبيهاتها على الصورة دون المعنى، وعلى المعنى دون الصورة، وعليهما جميعا؛ وهو أكمل وجوه التشبيه. وانظر أقسام التشبيه في الثالثة والعشرين تقع على علم هذا وغيره بإذن الله تعالى.
[ ١ / ٧٥ ]
وتشبيه العيون بالسيوف والسّهام، إنّما المراد به المضاء والقطع، ولا يلتفت في ذلك إلى اللون، وكذلك تشبيه العيون بالنّرجس الأصفر إذا قصد ما فيه من الفتور واقع متمكّن في التشبيه، ألا ترى ابن المعتزّ التفت إلى الفتور وحده حين قال: [الكامل]
وسنان قد خدع النّعاس جفونه فحكى بمقلته ذبول النّرجس (١)
والنّرجس الذي يشبّه به أهل المشرق العيون، هو نبات له قضبان خضر في رءوسها أقماع، يخرج منها نور ينبسط منه على الأقماع ورق أبيض، في وسط البياض دائرة قائمة من ورق صغير. هذه الصفة التي تقع في أشعارهم إذا ذكروا النّرجس، وبذلك وصفه كسرى أنوشروان، فقال: النّرجس ياقوت أصفر، بين درّ أبيض على زمرّد أخضر، أخذه بعضهم فقال فيه: [الطويل]
وياقوتة صفراء في رأس درّة مركبّة في قائم من زبرجد
كأنّ بهيّ الدرّ عقد نظامها فريد أنيق قد أطاف بعسجد
وأنشد أبو عون الكاتب في كتاب التشبيه له، فقال: من جيّد ما قيل في النرجس ما أنشده المبرّد رحمه الله تعالى: [السريع]
نرجسة لاحظني طرفها تشبه دينارا على درهم
وقال عبيد الله بن عبد الله فيه: [المنسرح]
ترنو بأبصارها إليك كما ترنو إذا خافت اليعافير
مثل اليواقيت قد نظمن على زمرّد فوقهنّ كافور
كأنّها والعيون ترمقها دراهم وسطها دنانير
وقال أبو نواس: [الطويل]
لدى نرجس غضّ القطاف كأنه إذا ما منحناه العيون عيون
مخالفة في شكلهنّ وصفرة مكان سواد والبياض جفون
أجاد التشبيه، وكشف بذكر المخالفة قناع الشبهة، وبين مواقع التشبيه غاية البيان.
وقال أبو عبد الملك بن فرج في كتاب الحاسّ والمحسوس، له: وأحسن بيت أنشدنيه أبو جعفر البغداديّ ﵀: [الطويل]
مداهن درّ بين أوراق فضّة على قيس شبر أخضر كالزّبرجد
وقال أبو الفرج الببغاء: [السريع]
[ ١ / ٧٦ ]
ونرجس لم يعد مبيضّه ال كأس ولا أصفره الرّاحا
تخال أحقاق لجين حوت من أصفر العسجد أقداحا
كأنما يهدي المحيّي به لطفا إلى الأرواح أرواحا
يغني عن الورد إذا مارنا ويخلف الورد إذا فاحا
وقال ابن المعتزّ: [الطويل]
كأنّ عيون النّرجس الغضّ بيننا مداهن درّ بينهنّ عقيق
إذا بلهنّ القطر خلت دموعه بكاء عيون كحلهنّ خلوق
وقال النّاشيّ: [مجزوء المتقارب]
أخصّ الصفات التي تناولها من كتب
عيون بلا أوجه لها حدق من ذهب
وقال ابن الروميّ: [الكامل]
يا نرجس الدّنيا ترى أبدا للافتراج ودائم النّخب
ذهب العيون إذا مثلن لنا درّ الجفون زبرجد القصب
وهذه الصفة التي أثبتها أهل المشرق للنّرجس، هي التي يصف بها أهل المغرب البهار، قال ابن أبي عامر في جارية اسمها بهار: [الكامل]
حدق الحسان تقرّ لي وتغار وتظلّ في صفة البهار تحار
طلعت على قضبي عيون كمائمي مثل العيون تحفّها الأشفار
وأخصّ شيء بي إذا شبّهتني درّ تمنطق سلكه دينار
أهدى لنا قضب الزّبرجد ساقه وحباه أنفس عطره العطّار
أنا نرجس حقّا بهرت عقولهم ببديع تركيبي فقيل بهار
بيّن أن البهار عندنا، هو الذي تسميه أهل المشرق نرجسا.
وقال أبو جعفر بن برد: [الطويل]
تأمّل فقد شقّ البهار مغلّسا كمائمه عن نوره الخضل النّدى
مداهن تبر في أنامل فضّة على أذرع مخروطة من زبرجد
وقال القسطليّ: [المتقارب]
بهار يروق بمسك ذكيّ وصنع بديع وخلق عجب
[ ١ / ٧٧ ]
غصون الزّبرجد قد أورقت بها فضة نوّرت بالذّهب
وقال القاضي أبو الحسن بن لبّال: [الرمل]
وبهار يحكى كئوس لجين حملتها أنامل من زبرجد
سامرتها الكواكب الزّهر حتى سمّرت وسطها كواكب عسجد
وأنشدني بعض أشياخنا: [الكامل]
انظر إلى حسن البهار وغنجه يرنو إليك بمقلتي وسنان
فكأنما هي راحة من فضّة قد ضمّنت كأسا من العقيان
وكأنّ نشر نسيمه غبّ النّدى يأتيك بالأنفاس من بغدان
والّذي تسميه أهل المغرب نرجسا يسمّيه أهل المشرق بهارا، ولذلك قال الحريريّ في العاشرة: «ووردتي بالبهار»، دعا فيها على الغلام بالحمّى، وأن ينعكس حمرة خدّه صفرة، وقال حبيب في ذلك: [الخفيف]
إنّ وجه الحمّى لوجه صفيق حين تسطو به نهارا جهارا
لم تشن ورد وجنتيه ولكن صيّرت ورد وجنتيه بهارا
وبلون النرجس يشبّه أهل الأندلس المريض.
وقال أبو بكر الأبيض: [البسيط]
يا شاكيا صدّني عن مسّه ألمي طال اشتياقي به ليلا فلم أنم
تضاءل الدّهر إشفاقا على قمر رقيبه في سماء المجد والكرم
لم أرض قلبي مكانا إذ حللت به حتى خلطتك في سودائه بدمي
أنت البهار ولا أدري متى خلعت عليك أيدي اللّيالي نرجس السّقم
ولابن الزقّاق: [الرمل]
وغزال ذي اعتدال شفّه بعد ما شقّ هواه الأنفسا
جارت الحمّى على وجنته فاستحال الورد منه نرجسا
فثبت بما قدمناه، أنّ نرجسهم بهارنا، وأن بهارهم نرجسنا. وآكد ما يدلّ على صحته اشتراك البيت الذي أنشده أبو الفرج على النّرجس مع بيت ابن برد في لفظ واحد، أخذ ابن برد منه صفة النرجس، فقلبه لاسم البهار حين نظمه.
واعلم أن تشبيه العين بنرجسهم أبين لتعلّقهم بالصورة، وأن تشبيهها بنرجسنا أدون لتعلّقه بالمعنى، وهو مع ذلك متمكّن في باب التشبيه، وأنّاسم النرجس لا بدّ فيه من صفرة.
[ ١ / ٧٨ ]
وقد قال شاعر من المشرق، وهو أحمد بن يونس الكاتب في مناقضة ابن الروميّ في تفضيله النرجس على الورد:
إن كنت تنكر ما ذكرنا بعد ما قامت عليه دلائل وشواهد
فانظر إلى المصفرّ لونا منهما وافطن فما يصفرّ إلا الحاسد
فلولا ما ذكرنا من أشعارهم، لحكمنا بهذا البيت، على أن نرجسهم هو نرجسنا، ومذهب ابن الروميّ تفضيله على الورد، وهو القائل: [المتقارب]
وأحسن ما في الوجوه العيو ن وأشبه شيء بها النّرجس
والنّفوس تتشوّق إلى رؤية نرجسهم، لأنّا لم نعلم نرجسنا غير هذا الأصفر، حتى نعلم بما ذكرناه أنّه هو النوّار المعروف، وهم أيضا يتشوّقون لمنظر نرجسنا.
ويدلّ على ذلك حكاية القاضي الفقيه أبي الحسن بن لبّال، قال: خرجت عشيّة لخارج إشبيليّة أيام حداثتي وقراءتي بها، فجلست في وسط واديها، وبيدي كتاب أنظر فيه، وإذا رجل يحملق حواليّ، فإذا نظرت في الكتاب يأخذ وينشد للأشعار التي بين أيدينا نظائر من بديع الشعر، فذاكرته فوجدته بحر أدب، فسألته عن محفوظه، فقال:
أحفظ خمسة عشر ألف بيت من الشعر، فسألته: هل تنظم شيئا؟ فأنشدني في وصف فرس، وزعم أنه القائل: [الكامل]
منع الحوافر أن تطين به الثّرى فكأنه في جريه متعلّق
وكأنّ أربعة توافق طرفه فتكاد تسبقه إلى ما يرمق
فاستعدت بيته، وراجعته في قوله: «تطين»، فقلت له: إنما هو «تطأن»، فلم يعرف اللفظ، وإنما تكلّم بلا همر على لحن عامته، فجرّبته في غيره، فوجدت شعره من جهة الطبع وكثرة الحفظ، لا من جهة العلم، فسألته عن بلاده، فقال: أنا من العراق، فقلت له: فما السّبب الذي جاء بك إلى الأندلس؟ فقال لي: لأرى النّرجس الأصفر المذكور في أشعاركم عيانا. ودعاني إلى الإطالة في ذكر النّرجس رغبة أن أرفع عن غيري حيرة الشبهة التي أقمت فيها زمانا طويلا، لا أجد من يرفعها عني.