ونذكر في هذه المقامة من أوصاف الحسن والجمال ما أمكن، ونضيف إلى ذلك ما قيل في العلمان من الأشعار الحسان ممّا يليق بهذا المكان وندعها من كلّ مقامة يقع فيها ذكر العلمان. قال ابن عبد ربه: الحسن أحمر، وقد تضرب فيه الصّفرة مع طول المكث في الكنّ والتضمّخ بالطيب كما تضرب في بيضة الأدحيّ. وقال أعرابيّ: [البسيط]
وما تطيّبت من صفراء خالية كالعاج صفّرها الأكنان والطّيب
وقال آخر: [الرجز]
كأنّ لون البيض في الأدحيّ لونك لولا صفرة الجاديّ (٢)
يريد أنها تضمّخ بالجاديّ، وهو الزعفران، وصفرة النعمة لا تبلغ صفرته.
وقالوا: إن الجارية الحسناء تتلون بلون الشمس، فهي بالضّحى بيضاء، وبالعشى
_________________
(١) الأبيات في ديوان دعبل بن علي ص ١٤٤.
(٢) الرجز لأبي النجم في المخصص ١١/ ٢٦١.
[ ١ / ٢٦٢ ]
صفراء، قال الأعشى: [مجزوء الكامل]
بيضاء ضحوتها وصف راء العشية كالعراره (١)
العرار: البهار.
وقال الحريريّ في الدرّة: فأما قولهم في الحسن: أحمر، فمعناه أنه لا يكتسب ما فيه من الجمال إلا بتحمّل مشقة يحمرّ منها الوجه، كما قالوا: السّنة الحمراء للمجدبة، وكنوا عن الأمر المستصعب بالموت الأحمر، وأما قوله: [الطويل]
هجان عليها حمرة في بياضها تروق لها العينان والحسن أحمر
فإنه عنى به الحسن في حمرة اللّون مع البياض، دون غيره من الألوان.
وقالوا: في الجارية: جميلة من بعيد، مليحة من قريب، فالجميلة الّتي تأخذ بصرك جملة، فإذا دنت منك لم تكن كذلك، والمليحة التي كلما كرّرت بصرك فيها زادتك حسنا.
وقيل: الجميلة السمينة؛ من الجميل، وهو الشحم، والمليحة البيضاء من الملحة، وهي البياض، والصّبيحة كذلك من الصبح لبياضه.
وقالوا: إن الوجه الرّقيق البشرة الصافي الأديم إذا خجل يحمرّ، وإذا فرق يصفرّ، ومنه قولهم: ديباج الوجه، يريدون تلوّنه من رقّته.
وقال عديّ بن زيد في تلوّن الوجه: [الخفيف]
حمرة خلط صفرة في بياض مثل ما حاك حائك ديباجا
وقال ابن عبد ربه في ذلك: [الكامل]
يا لؤلؤا يسبي العقول أنيقا ورشا بتقطيع القلوب رفيقا
ما إن رأيت ولا سمعت بمثله درّا يعود من الحياء عقيقا
وإذا نظرت إلى محاسن وجهه ألفيت وجهك في سناه غريقا
يا من تقطّع خصره من رقّة ما بال قلبك لا يكون رقيقا!
وأعاد معنى: «درّا يعود من الحياء عقيقا»، في بيت آخر فقال وأحسن: [الكامل]
كم سوسن لطف الحياء بلونه فأصاره وردا على وجناته
قالت امرأة خالد بن صفوان لخالد: لقد أصبحت جميلا، قال: وكيف ذاك وما فيّ
_________________
(١) البيت في ديوان الأعشى ص ٢٠٣، ولسان العرب (عرر)، وفي الديوان واللسان «بيضاء غدوتها» بدل «بيضاء ضحوتها».
[ ١ / ٢٦٣ ]
رداء الحسن ولا عموده ولا برنسه! قالت: وما ذاك؟ قال: عموده الشّطاط (١)، ورداؤه البياض، وبرنسه سواد الشعر.
وقالوا: الحلاوة في العينين، والجمال في الأنف، والحسن في الوجه، والملاحة في الفم.
وقال بعضهم: الظرف في القدّ، والبراعة في الجيد، والرّقة في الأطراف والخصر، والشأن كلّه في الكلام، والمدار على العقل.
وقال عليّ بن عبيد الريحانيّ: الحسن تناسب الصورة، وزينته اعتدال الحركة؛ ثم ما لا يحسن اللسان الترجمة عنه من خفّة الروح والقبول.
وسئل عن اختياره من الحسن، فقال: أمّا ما يمكن نعته فخلّتان وثلاثة بينهما، ليست من صفة اللسان تعجبني صورة أكثر نعتها الملاحة، وبراعة بفصاحة، والخلّة الثالثة نسميها مراح الروح وشكل النّفس وملهبة الشوق، وبمقدار تمكّن الثالثة من القلب يستحكم سلطان الهوى على العقل، فهذه زبدة هذا الباب.
وأحسن الحسن، ما لم يجلب بتزيين وتضييق، وتحلية وتزويق، وأطيب الطيب أنفاس عبقة من كبد سليمة، ومزاج معتدل، وثغر نقيّ، قال امرؤ القيس: [الطويل]
أم تراني كلّما جئت طارقا وجدت بها طيبا وإن لم تطيّب (٢)
ويحكى أن سيبويه كان يقرأ على الخليل بن أحمد منتقبا، لئلا يشغله بحسنه عن تعليمه. ومعنى «سيبويه» بالفارسية رائحة التفاح، وكان يقال: إنه أطيب الناس رائحة ومع تحفّظ الخليل وورعه، فكان إذا استأذن عليه سيبويه يقول: مرحبا بزائر لا يملّ.
وكان أبو حاتم السجستاني يختم القرآن في كل أسبوع، ويتصدّق كلّ يوم بدينار، ومع هذا الفضل كان يميل بحبّه إلى أبي العباس المبرّد، وكان أبو العباس يلزم حلقته وهو غلام وسيم، فقال فيه: [مجزوء الكامل]
ماذا لقيت اليوم من متمجّن خنث الكلام
وقف الجمال بوجهه فسمت له حدق الأنام
حركاته وسكونه يجنى بها ثمر الأثام
فإذا خلوت بمثله وعزمت فيه على اغترام
لم أعد أفعال العفا ف، وذاك آكد للغرام
نفسي فداؤك يا أبا ال عباس يا جلّ اعتصامي
_________________
(١) الشطاط: الطول وحسن القوام.
(٢) البيت في ديوان امرئ القيس ص ٤١، والأشباه والنظائر ٨/ ٨٥، ولسان العرب (ندل)، (محل).
[ ١ / ٢٦٤ ]
فارحم أخاك فإنه نزر الكرى بادي السّقام
وأنله ما دون الحرا م فليس يرغب في الحرام
والولوع في الجمال سجيّة ركبها الله في الأولياء وأكابر العلماء، فمن دونهم من السّوقة والغوغاء. وعلى قدر ذكاء الأرض يطيب زرعها، وعلى قدر طيب التربة يطيب تبعها، فمنها العذب والأجاج وما بينهما، وعلى قدر شرف النفس يكون حبّها، فمنه المستحسن ومنه المستقبح. [الطويل]
* وكلّ إناء بالذي فيه ينضح*
في كتاب الوشاح: العشق إذا تزيّن بالعفاف فهو معنى شريف، ويتلو قوله تعالى:
الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف: ٦٧]؛ فمن اتقى الله فهو خليل.
وذهبت طائفة من المتكلّمين البغداديين إلى أن الله تعالى إنما امتحن الناس بالهوى، ليأخذوا أنفسهم بطاعة من يهوونه، وليشقّ عليهم سخطه، ويسرّهم رضاه؛ فيستدلّوا بذلك على قدر طاعة الله تعالى لأنه لا مثل له ولا نظير، وهو خالقهم غير محتاج إليهم، ورازقهم مبتدئ المنن عليهم، فإذا أوجبوا على أنفسهم طاعة لسواه كان هو تعالى أولى أن يتّبع رضاه.
قالوا: ولا ينبغي للعاقل ولا للجاهل أن ينكر علاقة شخص بشخص، وحنين شكل إلى شكل، ومؤالفة إلف إلى إلف، فالقلوب صافية قابلة، والعيون إليها ناقلة.
وقالوا: لا عاشق على الأغلب إلا موفور النّعماء، مكفى كدّ المعيشة؛ لأنه من فراغ نفسه ورقّة حاشيته.
وقد قيل: إن جميلا وبثينة لو قعدا ليلتين دون غداء وعشاء لبزق كلّ واحد منهما في وجه صاحبه.
ومن شرط المعشوق أن يكون ممّن يؤيس ويطمع، ويستتر ويلمع، ويبدو ويحجب، ويلين ويصعب، ويرضى ويسخط، ويقرب ويشحط، كما قال أبو الطيب: [الكامل]
وأحلى الهوى ما شكّ في الوصل ربّه في الهجر فهو الدّهر يرجو ويتّقي (١)
وبين الرّضا والسخط والقرب والنّوى مجال لدمع المقلة المترقرق
والحسن أول سعادة المرء، ورائد اليمن، وسائق النّجح؛ لأن الله تعالى بلطف الحكمة، وبشرف الإبداع والصنعة، لم يخلق الصورة مختارة الصفات، سليمة من الآفات، إلّا عن فضل الاحتفاء، ولم يطابقها من الأخلاق إلّا بما يناسب جمالها من
_________________
(١) البيتان في ديوان المتنبي ٢/ ٣٠٤.
[ ١ / ٢٦٥ ]
العقل والصفاء. وقلّما تجد الخلق إلّا تبعا للخلقة، تناسبا يطّرد، وأصلا لا ينعكس، وإجماعا لا ينفرد، وما خلق الله نبيّا قطّ إلا وقد بهر أهل زمانه بحسنه وإحسانه؛ فإذا نظرته لأوّل وهلة رأيته أحسنهم صورة، وأتقنهم بنية، فهو أولى مرتبة، وأعلى منقبة.
وقال النبي ﷺ: «إنّ الله لا يعذّب حسان الوجوه، سود الحدق».
وورد عليه وفد عبد القيس، وفيه غلام وضيء الوجه، فأقعده وراء ظهره، وقال:
إنما أتي أخي داود من النّظر.
وقد أكثر الشعراء في وصف الحسن؛ فمن أحسن ذلك ما قال عليّ بن بسّام؛ وكأنه يصف الفتى الذي ذكره الحريريّ: [الكامل]
يا من تسربل بالملاحة وارتدى فعليه تعتكف العيون إذا بدا
فيرى هلالا زاهرا ويرى قضي با ناضرا ويرى كثيبا أملدا
فإذا نهضت ترجرجا وإذا سفر ت تبلجا وإذا مشيت تأوّدا
فترى الجبين كتاج ملك زانه درّ تراه مفرّقا ومنضّدا
ويجول ذاك الرّشح في أقطاره كالياسمين جرى به قطر النّدى
الوجه فضيّ أحاط بوجنتي ذهب، فأنبت عارضين زبرجدا
وفم عقيقيّ تضمّن لؤلؤا رطبا ونظم فوق ذاك زمرّدا
ولأبي إسحاق الخفاجيّ: [الطويل]
وأغيد أهدى نرجسا من محاجر وثنى فأبدى سوسنا من سوالف
وقد ماج من عطفيه ماء شبيبة تعبّ ولا أمواج غير الرّوادف
تطلّع مثل الرمح بسطة قامة وفتكة ألحاظ ولين معاطف
ولابن وكيع: [الكامل]
يا من إذا لاحت محاسن وجهه غفرت بدائعها جميع ذنوبه
إن كان في تعذيب قلبي راحة لك فاجتهد بالله في تعذيبه
ولأبي إسحاق الخفاجيّ: [الكامل]
يا ربّ وضّاح الجبين كأنما رسم العذار بصفحتيه كتاب
تغرى بطلعته العيون ملاحة وتبيت تعشق عقله الألباب
خلعت عليه من الصبّاح غلالة تندى ومن شفق السّحاب نقاب
ولأبي نواس: [الطويل]
أساء فزادته الإساءة حظوة حبيب على ما كان فهو حبيب
[ ١ / ٢٦٦ ]
يعدّ عليّ الواشيان ذنوبه ومن أين للوجه الجميل ذنوب!
ولأبي إسحاق الخفاجيّ: [الطويل]
تعلقته نشوان من خمر ريقة له رشفها دوني، ولي دونها السّكر
ترقرق ماء مقلتاي ووجهه ويذكى على قلبي ووجنته الجمر
أرقّ نسيبي فيه رقّة حسنه فلم أدر أيّ قبلها منهما السّحر
وطبنا معا ثغرا وشعرا، كأنما له منطقي ثغر، ولي ثغره شعر
***
وقد اعتلق شيخ بردنه، يدّعي أنّه فتك بابنه، والغلام ينكر عرفته، ويكبر قرفته، والخصام بينهم متطاير الشّرار، والزّحام عليهما يجمع بين الأخيار والأشرار، إلى أن تراضيا بعد اشتطاط اللّدد، بالتّنافر إلى والي البلد، وكان ممّن يزنّ بالهنات، ويغلّب حبّ البنين على البنات، فأسرعا إلى ندوته، كالسّليك في عدوته.
***
قوله: «وقد اعتلق شيخ بردنه»، أي تعلّق بكمه وأطراف ثوبه. فتك: قتل، والفتك: أن تأتي رجلا آمنا منك وتقتله، أو تكمن له في موضع لا يعرف بك، فإذا أتاك قتلته، ثم سمّي من هجم على الأمور العظام فاتكا، فإذا أدخلت رجلا منزلك أو موضعا لا مغيث له فيه، فقتلته فذلك الغيلة، فإن كان رجلا يخافك فأمنته وآنسته حتى آمنك، ثم قتلته فذلك الغدر. عرفته: معرفته. يكبر: يراه أمرا كبيرا قرفته: تهمته، وقد قرفته بذنب، إذا حملته عليه واتّهمته به، وشبّه ما يلحق كلّ واحد منهما من أذى صاحبه بشرر النار اشتطاط اللّدد: اشتداد الخصام. التنافر: التحاكم. يزنّ: بالهنات: يتّهم بالقبائح، والهنات: الدواهي والهن والهنة من الكنايات العامّة التي يكنى بها عن كلّ شيء ولا يقتصر بها على شيء دون شيء.