ونذكر بعد هذا الحور في العينين، وهو شدة بياض البياض وسواد الكحل، وكلّ ذلك عندهم ممدوح. وقد أكثر الشعراء من وصف ذلك حتى لو تركنا ذكره لشهرته لكان لنا فيه عذر، على أنّا نلمّ ببعض ما قيل في ذلك، وأمّا ما يزهّد فيه من ذلك، ويقلّ ذكره في أشعارهم فالزّرق؛ على أنه قد جاء في حديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: «الزرق في العينين يمن».
[ ١ / ٢٧٧ ]
وقال معاوية لصحار العبديّ: إنك أحمر، قال: والذهب أحمر، قال: إنك لأزرق، قال: والبازي أزرق.
ولبعض أصحابنا: [الطويل]
أحبّك أن قالوا بعينيك زرقة كذاك عتاق الطير زرق عيونها
وقال الصّنوبريّ: [المنسرح]
قالوا به زرقة، فقلت لهم بذاك تمت خصاله البهجه
ما كحل العين مثل زرقتها كم بين ياقوتة إلى سبجه
وقال آخر: [مخلع البسيط]
ما مثل ذا الظّبي في الظّباء الأزرق الأزرق القباء
يجول في مقلتيه طرفي في زرقة الماء والسماء
بأبي الشّقر ما عليهم من ذلك النّور والبهاء
شقرة شعر على بياض شعاع شمس على هواء
وكلّ هذا اعتذار جاء على وفق مدح سواد الألوان، ولسواد الألوان في التاسعة فصل مستطرف فقف عليه.
واختلفوا في الحور، فقال أبو عبيدة: الحوراء: الشديدة بياض بياض العين في شدّة سواد سوادها.
وقال أبو عمرو: الظبية الحوراء: السوداء العين الّتي ليس في عينها بياض، ولا يكون هذا في الإنس إنما يكون في الوحوش.
وقال يعقوب: الحور سعة العين وكبر المقلة وكثرة البياض.
وقال قطرب: الحوراء: الحسنة المحاجر، صغرت العين أم كبرت.
واشتقاق «ح ور» يدل على صحة قول يعقوب وأبي عبيدة؛ لأنهم إنما يوقعونه في الغالب على البياض مثل الدقيق الحواريّ للدرمك الشديد البياض ونحوه، وقلّما يتفق شدة بياض العين إلّا مع شدة سوادها، ألا ترى أن بياضها مع الزّرق ليس هناك في النقاء، وقال القاضي التنوخيّ في أحور: [الكامل]
حور بعينيه أطال تحيّري ترك الدموع بخدّي المتعصفر
غصن تأوّد فوق غصن من نقا ليل تبلّح عن نهار مسفر
كالشّمس إلا أنه متنفّس عن مسكة متبسّم عن جوهر
والبلج: أن يكون ما بين الحاجبين نقيّا من الشعر، وهو من علامات السيادة عند
[ ١ / ٢٧٨ ]
العرب، ويتمدّح به ويتيمن بصاحبه، ويتطيّر بمقرون الحاجبين؛ ويقال: أبلج وأبلد، وهي البلجة والبلدة، قال كثير: [الطويل]
جميل المحيّا أبلج الوجه واضح حليم إذا ما زلزلته الزّلازل
الفلج: أن يكون بين منابت الأسنان تباعد، وقد فلج ثغره فلجا، وهو مستحبّ في الثغر. قال وجيه الدولة: وهو مما يليق بهذا الموضع لذكره أوصافا ذكرها الحريري ﵀ هنا: [الطويل]
إذا عدم الرّوض المنوّر ناظري أرانيه ظبي فاتر الطّرف أدعج
فصدغاه ريحاني وعيناه نرجسي ومن ثغره لي أقحوان مفلّج
ووا حربا من حسن ورد بخدّه يطيف به من عارضيه بنفسج
الجفون: أغطية العيون، ثم تسمّى العين جفنا مجازا.
والسقم: فتور العين، ومن حسن التشبيه في ذلك قول أبي نواس: [الطويل]
فطب بحديث من نديم مساعد وساقية بين المراهق والحلم (١)
ضعيفة كرّ الطرف تحسب أنّها قريبة عهد بالإفاقة من سقم
وقال أيضا: [البسيط]
وشادن قال لي لما رأى سقمي وضعف جسمي والدّمع الذي انسجما
أخذت دمعك من لفظي، وجسمك من خصرى، وسقمك من طرفي الّذي سقما
وقال ابن الروميّ: [الكامل]
قلبي من الطرف السقيم سقيم لو أنّ من أشكو إليه رحيم
وقال ابن الزّقاق: [الوافر]
ومقلة شادن أودت بجسمي كأنّ السّقم لي ولها لباس
يسلّ اللّحظ منها مشرفيّا لقتلي ثم يغمد النّعاس
ولأبي العلاء بن زهر في مثل ذلك: [البسيط]
يا راشقي بسهام ما لها غرض إلّا فؤادي وما منها له عوض
وممرضي بجفون كلّها سقم صحّت وفي طبعها التمريض والمرض
امنن ولو بخيال منك يؤنسني فقد يسدّ مسدّ الجوهر العرض
_________________
(١) البيتان في ديوان أبي نواس ص ٣٢.
[ ١ / ٢٧٩ ]
الشمم: ارتفاع في لين الأنف، وهو من علامات الجمال والسؤدد، قال الفرزدق:
[البسيط]
بكفّه خيزران ريحه عبق من كفّ أروع في عرنينه شمم (١)
يغضي حياء ويغضى من مهابته فلا يكلم إلا حين يبسم
وقال آخر: [السريع]
في باعه طول وفي وجهه نور وفي العرنين منه شمم
وقال النابغة: [البسيط]
* شمّ العرانين ضرّابون للهام (٢) *
اللهب: اشتعال النار بغير دخان، فشبّه الحمرة في الخدّ وضياءه بحمرة النار، وكني به أبو لهب لجماله.
وقال ابن وكيع؛ فجمع السّقم واللهب: [مخلع البسيط]
واحزني من جفون ظبي أقام عذري بها عذاره
أسقم جسمي بسقم طرف حيّرني في الهوى احوراره
عجبت من جمر وجنتيه يحرقني دونه استعاره
هو اختياري فأبصروه شاهد عقل الفتى اختياره
وله قريب منه: [مخلع البسيط]
_________________
(١) البيت الأول للفرزدق في ديوانه ٢/ ١٧٩، ولسان العرب (خزر)، وتاج العروس (خزر)، وله أو للحزين الكناني في لسان العرب (جنه)، وتاج العروس (جنه)، ولعمرو بن عبد وهيب (الحزين الكناني) في لسان العرب (حزن)، وتاج العروس (حزن)، وبلا نسبة في تهذيب اللغة ٢/ ١٤٠، ومقاييس اللغة ١/ ٤٨٢، ويروى عجز البيت الثاني: فما يكلّم إلا حين يبتسم وهو للحزين الكناني (عمرو بن عبد وهيب) في الأغاني ١٥/ ٢٦٣، ولسان العرب (حزن)، والمؤتلف والمختلف ص ٨٩، وللفرزدق في ديوانه ٢/ ١٧٩، وأمالي المرتضى ١/ ٦٨، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص ١٦٢٢، وشرح شواهد المغني ٢/ ٧٣٢، ومغني اللبيب ١/ ٣٢٠، والمقاصد النحوية ٢/ ٥١٣، ٣/ ٢٧٣، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ١٤٦، وشرح الأشموني ١/ ١٨٣، وشرح المفصل ٢/ ٥٣.
(٢) صدره: مستحقبي خلق الماذيّ يقدمهم والبيت للنابغة الذبياني في ديوانه ص ٨٣، ولسان العرب (حقب)، وتاج العروس (حقب)، وكتاب العين ٣/ ٥٣، وأساس البلاغة (حقب).
[ ١ / ٢٨٠ ]
كأنّ صدغا له تراه وهو على خدّه مدار
بيت من الحسن لي إليه حجّ مدى الدّهر واعتمار
ولابن الزّقّاق: [الرمل]
بأبي من لم يدع لي لحظه في الهوى من رمق منذ رمق
جعلت نكهته في ثغره عبقا في نسق يسبي الحدق
وبدت خجلته في خدّه شفقا في فلق تحت غسق
وقال الخفاجيّ: [السريع]
يا بانة تهتزّ فينانة وروضة تنفح معطارا
كم دمع عين فيك قد أجريته وقلب صبّ فيك قد طارا
كنّي فسمّى قوسه حاجبا رمزا وسمّي النّبل أشفارا
فإن رمى يجرحني طرفه لحظته أجرحه ثارا
فيصبغ الدّرّ عقيقا به وأصبغ الألوان أزهارا
يدير للأعين من وجهه كعبة حسن حيثما دارا
قد طبع الحسن به درهما تسبك منه العين دينارا
فلي به عين مجوسيّة تعبد من وجنته نارا
غيره: [الطويل]
وأغيد تدمى وجنتاه من اللّمح تخلّق إلّا من صدودي بالشّحّ
غدا قاتلي أن ظلت أجرح خدّه متى صار بالقتل القصاص من الجرح!
الثغور: جمع ثغر وهو السنّ. وتقدّم الشنب في الثانية.
وقال العباس بن الأحنف في طيب الفم: [الطويل]
ذكرتك بالتفّاح لمّا شممته وبالرّاح لما قابلت أوجه الشّرب
وتذكّرت بالتّفاح منك سوالفا وبالرّاح طعما من مقبّلك العذب
وقال ديك الجنّ، واسمه عبد السلام: [الكامل]
بأبي فم شهد الضّمير له قبل المذاق بأنه عذب
كشهادة لله خالصة قبل العيان بأنّه الرّبّ
وقال أحمد بن محمد الغسانيّ: [المتقارب]
له مبسم برقه خاطف عقول الرجال إذا ما ابتسم
[ ١ / ٢٨١ ]
أقول له إذ بدا درّه شهدنا لصانعه بالحكم
أرى الدّر تثقبه الناظمون وما ثقبوا إذا فكيف انتظم!
وقال أبو بكر البلويّ: [المنسرح]
تقطف من ثغره ووجنته أنامل الطّرف زهرة عجبا
شقيقها مذهبا يرى خجلا وأقحوانا مفضّضا شنبا
وقال ابن بشر الكاتب: [المنسرح]
ولم نزل، والظلام حارسنا جسمين مستودعين في جسم
ألثمه في الدّجى وبرق ثنا ياه يريني مواقع اللّثم
ثم افترقنا عند الصّباح وقد أثّر فيه كهيئة الختم
وقال الشريف الرضيّ: [البسيط]
بتنا ضجيعين في ثوبي هوى وتقى يلفّنا الشّوق من فرق إلى قدم (١)
وبات بارق ذاك الثّغر يوضح لي مواقع اللّثم في داج من الظّلم
وقال المتنبي: [الطويل]
حسان التثني ينقش الوشي مثله إذا مسن في أثوابهنّ النّواعم (٢)
ويبسمن عن درّ تقلّدن مثله كأنّ التراقي وشّحت بالمباسم
فهذه معان مختلفة في أوصاف الثغر كلها حسان.
***
قوله: «والبنان بالترف»، أي الأصابع باللين والنعمة، وأحسن ما قيل في ذلك قول النابغة: [الكامل]
بمخضّب رخص كأنّ بنانه عنم يكاد من اللّطافة يعقد (٣)
فهذا تشبيه بديع.
وقال امرؤ القيس: [الطويل]
وتعطو برخص غير شثن كأنّه أساريع ظبي أو مساويك إسحل (٤)
_________________
(١) البيتان في ديوان الشريف الرضي ص ٧٢٣.
(٢) البيتان في ديوان المتنبي ٢/ ١١١.
(٣) البيت في ديوان النابغة ص ٣٠.
(٤) البيت في ديوان امرئ القيس ص ١٧، وجمهرة اللغة ص ٣٦٣، ٥٤٣، وحاشية يس ٢/ ٨٥، -
[ ١ / ٢٨٢ ]
وقال غيره: [السريع]
يا قمرا أبصرت في مأتم يندب شجوا بين أتراب (١)
أبرزه المأتم لي كارها من بين رايات وحجّاب
يبكي فيذري الدّرّ من نرجس ويلطم الورد بعنّاب
وقال عكّاشة: [الكامل]
سقيا لمنزلنا الّذي كان به يوم الخميس عشيّة أصحابا
إذ نحن نسقاها شمولا قرقفا تدع الصّحيح بعقله مرتابا
من كفّ جارية كأنّ بنانها من فضّة قد قمّعت عنّابا
وكأنّ يمناها إذا ضربت بها تلقي على يدها الشّمال حسابا
وقال آخر: [الوافر]
وحوراء اللواحظ بين قلبي وبين جفونها حرب البسوس
ترى ماء النّعيم يجول فيها كمثل الخمر في صافي الكئوس
كأنّ بنانها أقلام عاج مرصّعة الرأس بآبنوس
ووصف الخصور بالهيف، وهو الضّمر والرقة، وسنذكر معها ما يستظرف، وقد تقدّم قول ابن عبد ربه: [الكامل]
يا من تقطّع خصره من رقّة ما بال قلبك لا يكون رقيقا
وقال ابن الروميّ: [مجزوء الكامل]
وهبت له عيني الهجوعا فأثابها منه الدّموعا
ظبي كأن بخصره من ضمره ظمأ وجوعا
وقال عبيد الله بن عبد الله: [السريع]
سلمى وما سلمى تفوق المنى والحسن أوصافا وألوانا
وشاحها يحسد خلخالها كجائع يحسد شبعانا
وقال كشاجم في مقلوبه:
مساولة الكلّ غير بطن مثقل فهي عنكبوت
_________________
(١) - وشرح المفصل ٦/ ٩٢، ٧/ ١٤٤، ولسان العرب (سرع)، (سحل)، (شثن)، (ظبا)، والمنصف ٣/ ٥٨، وتاج العروس (سحل)، (شثن)، (ظبا).
(٢) الأبيات لأبي نواس في ديوانه ص ٣٦١.
[ ١ / ٢٨٣ ]
حجولها الدهر في اضطراب ووشحها كاظم صموت
وقال حبيب: [الطويل]
مها الوحش إلا أن هاتا أوانس قنا الخطّ إلّا أن تلك ذوابل (١)
من الهيف لو أنّ الخلاخيل صيّرت لها وشحا جالت عليها الخلاخل
أخذه القاضي ابن لبّال فقال: [الطويل]
جلوت لنا شيئا من الدّرّ عاطلا بعيشك لم جنّبته الجيد والنّحرا
فقالت ولم تكذب خشيت سقوطه وأومت إليّ فيها نظّمته ثغرا
كذلك إن عضّ السّوار بمعصمي وحاذرت أن يدميه حمّلته الخصرا
وأكثر ما يذكرون الخصر بالرّقة مع ذكر الكفل بالعظم، كما قال ديك الجن:
[الكامل]
وتمايلت فضحكت من أردافها عجبا، ولكنّي بكيت لخصرها
تسقيك كأس مدامة من كفّها ورديّة، ومدامة من ثغرها
وقال القاضي أبو حفص بن عمر:
مشت كالغصن يثنيه النّسيم ويعدوه النّسيم فيستقيم
لها ردف تعلّق من ضعيف وذاك الرّدف لي ولها ظلوم
يعذّبني إذا فكّرت فيه ويتعبها إذا رامت تقوم
وما حبّي لها إلا عذاب عليه من نضارتها نعيم
***
قوله: «سهوا». أي خطأ. والهامة: الرأس. وإلا فرمى الله جفني بالعمش، إنما ذكر العمش والنّمش وما بعده لأنها أضداد لما تقدم، وعند الإشارة لها يتبيّن من الغلام عند الوالي أضدادها، فيزداد حسنا. [الكامل]
* وبضدّها تتبيّن الأشياء (٢) *
والعمش: انتثار شعر العينين. والنّمش: أخفى من البرش. الجلح: الصّلع، وهو
_________________
(١) البيتان في ديوان أبي تمام ص ٢٥٦.
(٢) صدره: ونذيمهم وبهم عرفنا فضله والبيت للمتنبي في ديوانه ١/ ٢٢.
[ ١ / ٢٨٤ ]
انحسار الشعر من النّزعتين، وفعله جلح الرجل واجلخّ، كاسودّ. والطّلع: قد تقدّم في الثانية، وإذا علته خضرة سمّي بلحا. والبهار: نرجس المغرب، وهو أصفر، والورد أحمر، فدعا له بعلّة تذهب جمال وجهه وتصفّر حمرة خده. والبخار: كالبخر: النّتن.
والمسكة: أطيب العطر، فدعا له بتغير الرائحة. وتقدّم أن أطيب الطيب أنفاس عبقة من كبد سليمة.، وتقدّم في الثانية معنى قوله: «ووردتي بالبهار» منظوما، وقال الصابي في أبخر: [الكامل]
نطق ابن نصر فاستطارت جيفة في العالمين لنتن فيه الفاسد
فكأنّ أهل الأرض كلّهم فسوا متواطئين على اتّفاق واحد
وقالت جنان في أبي نواس: [الخفيف]
فإذا ما أردت أن تحمد اللّ هـ على ما أعطى وأولاك شكرا
فليكن ذاك بالضمير فمن سبّ ح بالفسو نال إثما ووزرا
وقال آخر: [السريع]
أهدى زريق قطّه لقمة قد لاكها في فمه الأبخر
فبادر القطّ إلى دفنها يحسبها من بعض ما قد خرى
قوله: «وبدري بالمحاق»، المحاق: أن ينمحق ضوء القمر فلا يبقى منه شيء.
واحتراق الفضة: اسودادها. وشعاعي بالظلام، أي صباحة وجهه ووضاءته بسواد اللحية، أي عاجلني لله بالالتحاء، ويريد بهذا كلّه أن يكسو بياض وجهه سواد الشعر، فيكسد ولا يلتفت إليه.
وقال ابن المعتزّ في مثل هذا الدعاء: [البسيط]
يا ربّ إن لم يكن في وصله طمع وليس لي فرج من طول هجرته
فاشف السّقام الّذي في طرف مقلته واستر ملاحة خدّيه بلحيته
ونقل لفظ احتراق الفضة من قول أبي الحسين الثّغريّ، وهو من شعراء اليتيمة:
[الرمل]
لي حبيب يزهى بحسن عجيب وبقدّ مثل القضيب الرطيب
أحدقت بالسواد فضة خدّي هـ، فقد أحرقت سواد القلوب