ذكر أبو محمد الحريري في هذا الموضع من المقامات أوصاف الخمر وفضلها ومنافعها، وذهابها بالهموم والأسقام، وذكر أنها من أفضل الأشياء وأن بيع أشرف الأعلاق فيها سداد، وأن ترك الإصغاء فيها إلى العذل رشاد؛ وأن كمال لذّتها مع السقاة الحسان، والتطريب بأنواع الغناء والألحان، إلى غير ذلك مما أشار إليه، ونبّه عليه، وأنا أسوق هنا في وصف الخمر فصلا من كلام الحكماء والأدباء وسائر الأفاضل من الملوك ومهرة الشعراء، جريا معه في أغراضه، حسبما فعلناه في العاشرة في أوصاف الغلمان، وفي الحادية عشرة في فضائل أهل الأديان وأكثر اعتمادي في هذا الفصل على اختيارات انتقيتها من كتاب قطب السرور، وضممت إليها ما يلائمها من غيره، وهو فصل بديع في بابه.
ذكر مؤلفه في منافع الخمر وفضائلها قول الله تعالى: وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا [النحل: ٦٧] وقال تعالى في الجنة: فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى [محمد: ١٥، ١٦] فلم يذكر الماء واللبن إلا بالسّلامة من التغيّر، والعسل إلا بأنه مصفّى، وجعل الخمر لذّة للشّاربين، فكان هذا من التفضيل. وقال تعالى: يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ [الواقعة: ١٨، ١٩]، فنفى عنها عيوب خمر الدنيا، وهي ذهاب العقل بالسكر والصداع بالخمار وذهاب المال، كما قال تعالى في فاكهتها: لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ [الواقعة: ٣٢، ٣٣]، فنفى عنها عيوب فاكهة الدنيا التي تأتي في وقت وتنقطع
[ ١ / ٣٥٣ ]
في آخر وتمنع إلا بالثمن، وقال تعالى: وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْسًا كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا [الإنسان: ١٧].
وأما ما ذكره تعالى من أنّ فيها منافع للناس، فإنّ منافعها لا تحصى كثرة، فمن منافعها ما يصيب النّاس من أثمانها، ولو لم تعصر الأعناب لبارت على أهلها ومنها صلاح الجسم لأنها تروّق الدم وتفتق اللسان، وتزيد في الهمّة، وتهوّن الرزيّة، وتمدّ في الأمنية، قال جالينوس: الخمر تدرّ الدم وتصفّي اللون، وتقوّي المنعة، وتبعث النشاط.
وقال أفلاطون: إنما كان النبيذ يثمر السرور، ويولّد الضحك، ويطيّب النفس لشبهه بالدم، وأنّه يفعل في الجسد إذا اعتدل فعله، لأنه أحمر حارّ رطب والدم أحمر حارّ رطب، فإذا صحّ جوهره، وتمّت أجزاؤه ولّد في النفس السرور والضحك والنشاط.
الحارث بن كلدة. طبيب العرب: الطّلاء (١) مصلحة للبدن ومطيبة للنفس، تفتح له العروق أفواهها، كما تفتح الفراخ أفواهها للطعام.
بعث قيصر إلى قسّ بن ساعدة، فسأله: أيّ الأشربة أفضل؟ فقال: ما صفا في العين، ولذّ على الذوق، وطابت رائحته في الأنف من شراب الكرم، قال: ما تقول في مطبوخه؟ قال: مرعى ولا كالسّعدان، قال: فما تقول في نبيذ الزبيب؟ قال: ميّت أحيا، وفيه بعض المنفعة، وما يكاد يحيا من مات مرّة، قال: ما تقول في نبيذ العسل؟ قال:
نعم شراب الشيخ للأبردة (٢) والمعدة الفاسدة.
قال: فنبيذ التمر؟ قال: أوساخ تدعو إليها ضرورات تذمّ عاقبتها في الأبدان، قال:
فما الّذي يذهب بالهموم عند الشراب؟ قال: جوهر فيه لا تبلغه عقول العباد، قال: فما أصلح أوقات الشراب؟ قال: أوّل النهار، ألا ترى أنّ الدواء يبكّر به، والمسافر يدلج لحاجته! لأنّ العقول أول النهار أذكى والفطن أصحّ، قال: فمن أيّ شيء يكون الخمار؟
قال: من ضعف قوة الجوارح عن جذب ما يصعد إلى الدماغ من البخار حتى يفشيه الهواء قليلا قليلا، قال: فالصّرف أفضل أم الممزوج؟ قال: الصّرف سلطان جائر، والممزوج سلطان عادل، والعادل مصلح، والجائر مفسد، قال: أفتشربه أنت؟ قال: نعم، ولا أبلغ ما يغيّر عقلي، قال: ولم؟ قال: أصونه لسؤال مثلك.
أمر الوليد بن يزيد بحمل ابن شرّاعة من الكوفة، فلما قدم عليه، قال: يا بن شراعة، والله ما أرسلت إليك، أسألك عن كتاب الله ولا عن سنة نبيه، قال: يا أمير المؤمنين لو سألتني عنهما لوجدتني حمارا، قال: أرسلت إليك أسألك عن القهوة، قال:
دهقانها الحكيم وطبيبها الرفيق العليم، فاسأل عمّا بدا لك، قال: فأخبرني عن الماء،
_________________
(١) الطلاء: من أسماء الخمر.
(٢) الإبردة، بكسر الهمزة والراء: علة من غلبة البرد والرطوبة.
[ ١ / ٣٥٤ ]
قال: لا بدّ لي منه والكلب والحمار شركائي فيه، قال: فما تقول في اللبن، قال: ما رأيته إلا استحييت من أميّ لطول ما أرضعتني إياه، قال: فالسّويق؟ قال: شراب المحرور والعجلان والمسافر، قال: فنبيذ التمر؟ قال: سريع الامتلاء، سريع الانفشاش، قال: فما تقول في نبيذ الزبيب؟ قال: حومة حاموا بها على الشراب، فلم يصيبوه، قال: فما تقول في الخمر؟ قال: تلك صديقة روحي، جلت عن المثل، تلك التي تزيد النفس إشراقا، قال: فأنت يا ابن شراعة صديقي، اجلس، أيّ الطعام أحبّ إليك؟ قال: يا أمير المؤمنين، ليس لصاحب الشراب على الطعام حكم، غير أنّ أنفعه أدسمه وأشهاه أمرؤه، قال: فأيّ المجالس أحبّ إليك أن يكون شربنا فيه؟ قال: ما لم تخف الشمس أن تحرقه، أو السماء أن تغرقه، ولا تشرب إلّا على وجه السّماء، فو الله يا أمير المؤمنين ما نادم الناس أصبح من وجهها، قال: فابرز بنا. فلم ير بعد ذلك يشرب إلا تحت السماء.
كان أبو للسّائب فقيها ورعا ظريفا فسأله بعض المجّان، فقال: يا أبا السائب ما تقول في نبيذ الجرّ؟ قال: اشربه حتى تجرّ قال: فنبيذ الدّنّ، قال: اشربه حتى تجنّ، قال: فالدّاذي؟ (١) قال: أحلى من العسل الماذي، قال: فنبيذ الزبيب والعسل؟ فرفع يديه، وقال: العظمة لله، قال: فما تقول في الخمر؟ قال: لا أشربها قال: ولم؟ قال:
أخاف ألّا أؤدّي شكرها فتنزع مني.
قيل لأبي نواس: صف لنا الأشربة، قال: أمّا الماء فيعظم خطره بقدر تعزّزه، وأمّا السويق فبلغة العجلان، ورويّ الظمآن، وأمّا العسل فنبيل المنظر، سخيف المخبر، وأمّا الخمر فهي شقيقة الرّوح وصديقة النفس ما ارتضعت ممزوجة، وصرفها غير مأمون على نهك البدن وغرس السّقم المؤدّي إلى العطب.
قالت الهند: إنّ الشراب مبارك، يزيد في الدّم بحرارته، ويكسر البلغم بحدته، ويشهي الطعام بلطافته، وأما السكر فمحرّم في كلّ ملّة، وسبيل من سبل الضلالة، واسم من أسماء الوسوسة، قبيح الأفعال، مذموم الأحوال.
وقالت الحكماء: من فضائل الشراب؛ أنّ كل مشروب وإن راق وصفا وحلا وعذب، فأوّله طيّب، ثم يعود في نقصان حتى يعود مكروها إلا الشراب، فإنّك كلّما ازددت منه ازددت فيه رغبة وحبّا، وكان أوسطه إليك أعجب، وآخره أطرب، حتى إذا سرا في العروق برقّته، وعمّ البدن بلطافته، ودبّ في الأعضاء والمفاصل دبيب النمل في نقا الرمل، وخادع عقلك فامتلأت بهجة وسرورا، وعدت ملكا محبورا، تضرب في الخلافة بأوفر سهم، ثم أسلمك إلى النّوم الذي هو حياتك وصحّتك، فاجتذبت النفس ما
_________________
(١) الداذي: شراب معروف بكثرة إسكاره.
[ ١ / ٣٥٥ ]
شاكلها من لطيفه، وأخذ كلّ عضو قوّته من كثيفه، ثم لا يزال الهواء يخرج بالأنفاس متصعّدا ببخاره، ويجذب ما تحت الدماغ من أستاره، فحينئذ تهبّ بجذل ونشاط، كأنما أنشطت من رباط، وذلك تقدير العزيز العليم.
وقالوا: الشراب مصباح الظّلام، وشفاء الأسقام، وإذا تمشّى في عظامك جعلك خالي الذّرع؛ فسيح الباع، رخىّ البال، قليل الاشتغال، رحب الهمّة، واسع النعمة، فهو أخو الصبوة، وقسيم الشهوة، ولو لم يكن من مننه عليك إلّا أنه إذا مزجته بروحك، وخلطته بدمك، بغّض إليك الحرص ونصبه، والشّره وتعبه، وحبّب إليك المروءة والسماح، وحسّن لك الفكاهة والمزاح.
وقالوا: الشراب يلذّ لك في السفر كلذته في الحضر، ويطيب استعماله في الصحو، كما يطيب في المطر؛ فهو أصل اللّذات الذي عليه تتفرّع، وعنصرها الذي عنه تنبع، وبه تتصل، وإليه ترجع، يردّ الشيوخ في طمع الشبّان، ويدعو الشبّان إلى نشاط النشوان، وقال أبو نواس في ذلك: [السريع]
ما العيش إلا في جنون الصّبا فإن تولّى فجنون المدام
راح إذا ما الشيخ والى بها خمسا تردّى برداء الغلام
فلله درّ من استنبطه ودلّ عليه، وسقيا لمن بحث عنه واهتدى إليه، ماذا أثار وأيّ شيء أظهر! .
قالوا: ومدار قوامه على اثني عشر شيئا: المواد الثلاث، والقوى الأربع، والحواس الخمس. فالثلاث: هي نسيم الهواء، وعذوبة الماء، ومألوف الأهواء والأربع هي القوة الجاذبة التي تطيّب الطعام وتبرّده، والماسكة التي تمسكه وتجذبه، والهاضمة التي تهديه وتنضجه، والدافعة التي تدفع إلى كلّ عضو سهمه من جوهره، فتخرج عنه ثقله، والحواس الخمس: البصر والسمع والشم والذوق واللّمس. وكلّ شيء من ذلك تدخله الزيادة والنقص فلا يستغني عمّا يقويه في حال ضعفه، ويصفّيه من أوساخه، فلم يجد أهل التجارب الماضون لذلك سببا أبين أثرا، ولا أخفّ محملا، ولا ألطف دبيبا في الأبدان من ماء الكرم، فاستعملوه لذلك استعمالا دائما، فهو ريحانة النفس وترياقها، فيشرب في كل حين، وينفع كل حاسة، وتحيد عنه النوازل والأحزان، وحقّ للنّفس أن تألفه، وللطبيعة أن تلائمه؛ إذ كان حبيبها وشقيق روحها، فتراه يحدث في النفس الشجاعة والتكرّم والأناة والتحلّم.
ومن علامات الكريم إذا أخذ فيه الشراب الاستحياء والتودّد واللهو والسرور والبذل لما في يديه، وكسوة جليسه من أنفس ثيابه، وإذا بلغ المدى في شربها توسّد يساره، ونام حميدا كريما.
ومن علامات اللئيم المماراة والسّفه، وفتل الشارب والتلفّت إلى العربدة وشدة
[ ١ / ٣٥٦ ]
الغضب، وربما بكى وعوى عواء الذئاب، ونبح نباح الكلاب، فشرب الماء يحرم مع مثل هذا، فكيف الشراب! .
ومن فضائله أنه يلائم الطبائع المعتادة في كلّ زمان من فصول السنة، يشربه المحرور ممزوجا فيبرده، والمقرور صرفا فيسخّنه، واليابس معتدلا فيرطّبه، والمرطوب صرفا فيجفّفه، فمن شربه في الصيف فيستحبّ له أن يشربه على خضرة الجنان وتحت الظلال، وعلى المياه وعلى الورد والياسمين والبنفسج والآس والسفرجل والتفاح. وإن كان في الشتاء، فبخلاف ذلك، من الجلوس في الأكنان واستعمال الكوانين، ولبس الأحمر والممشّق (١) وشمّ فتيت المسك والعنبر والمرزنجوش (٢).
وأمّا الربيع والخريف فبين ذلك، لأخذهما من رطوبة الشتاء وحرارة الصيف وإذا اجتمع مع الشراب نغم وألحان على صنوف الملاهي والعيدان، تعاونا على إذهاب الغموم والأحزان، فلله درّ من استنبطه، ماذا أثار وعلى أيّ شيء دلّ! .
ولم لم يكن الشراب أغلب شيء على العقول، وأقربه للقلوب، وألطف محلا في النفوس، وأشدّ ملاءمة للأجسام، وأجمعه لمحمود الخلال حتى لا تقاربه لذة، ولا تساويه شهوة، ولا تعدله خصلة من خصال المسرّات- لما حملت الأشراف وذوي العقول أنفسهم على معاقرته، لا يردّهم ما ينالهم فيه عن معاودته، من شنيع الأقوال ولوم العذّال، فيما أنفقوا عليه من الذخائر، وبذلوا من الأموال.
كان بالبصرة رجل ذو ضياع فأنفق ماله في الشراب، فباع ضيعته، فلمّا تمّ البيع قال له المشتري: تأتيني بالعشيّ، أدفع لك المال، وأشاهدك، فقال: لو كنت ممّن يرى بالعشي ما بعت الضيعة.
قال محمود بن الحسن الكاتب: بعت داري فأصابني مثل هذا، فقلت: [مجزوء الكامل]
أتلفت مالي في العقار وخرجت فيها عن وقاري
حتّى إذا كتب الكتا ب وجاءني رسل التّجار
قالوا: الشّهادة بالعشيّ ونح ن في صدر النّهار
فأجبتهم ردّوا الكتا ب ولا تعنّوا بانتظاري
لو كنت أظهر بالعشيّ لم اسمحت ببيع داري
وقال ابن الرومي: [الخفيف]
أنا أهوى ذات الخمار على الجي ب وذات الوشاح والدّملجين
_________________
(١) الممشّق: أي المصبوغ.
(٢) المرزنجوش، وقيل: المردقوش، معرب مردكوش: هو الزعفران.
[ ١ / ٣٥٧ ]
وأرى في النّبيذ رأي صواب لشيوخ العراق والكوفتين
وإذا ما الغناء خاض ذوو الألب اب فيه اعتصمت بالحرمين
كلّما جاءت الرّخائص فيه كان أخذي له بكلتا اليدين
وقال العطويّ: [مجزوء الخفيف]
جارة لي أجارها ال حسن من كلّ عائب
فهي بين النّساء كال بدر بين الكواكب
سألتني هل النبي ذ حلال لشارب؟
قلت: إي والّذي يري نيك دون الرّقائب
فاشربيه فإن في هـ لإحدى العجائب
ينبت الورد في ريا ض خدود الكواعب
ولبعض المتقدّمين: [البسيط]
من ذا يحرّم ماء المزن خالطه في جوف خابية ماء العناقيد
إني لأكره تشديد الرّواة لنا فيها ويعجبني قول ابن مسعود
وقال ابن الرومي: [الطويل]
أحلّ العراقيّ النبيذ وشربه وقال: الحرامان المدامة والسّكر
وقال الحجازيّ الشرابان واحد فحلّت لنا بين اختلافهما الخمر
سآخذ من قوليهما طرفيهما وأشربها حلّا وللوازر اوزر
خرج الحسن بن هانئ، ومعه مطيط صاحبه، حتى أتيا دير خمّار، فقال الحسن لمطيط: ادخل بنا نتماجن على هذا الخمّار، فدخلا فسلّما، فردّ ﵉، فقال له الحسن: أعندك خمر عتيقة [يا خمار].
قال: عندي منها أجناس، فأيّ جنس تريد؟ قال: التي يقول فيها الشاعر: [الخفيف]
حجبت خيفة وصينت فجاءت كجلاء العروس بعد الصّيان
وكأنّ الأكفّ تصبغ من ضو ء سناها بالورس والزّعفران
فملأ له الخمّار قدحا من خمرة صفراء، كأنها ذهب محلول، فشربه الحسن، وقال: أحسن من هذا أريد، فقال له الخمّار: من أيّ جنس تريد؟ قال: التي يقول فيها الشاعر: [الخفيف]
رقّقتها أيدي الهواجر حتّى صيّرت جسمها كجسم الهواء
فهي كالنّور في الإناء وكالنّا ر إذا ما تصير في الأحشاء
[ ١ / ٣٥٨ ]
فملأ له الخمّار قدحا من خمرة كأنها العقيق، فشربه، وقال: ارفع من هذا أريد، قال: أي نوع تريد؟ قال: التي يقول فيها الشاعر: [الكامل]
فإذا حسا منها الوضيع ثلاثة سمح الوضيع كفعل ذي القدر
في لون ماء المزن إلا أنّها بين الضّلوع كواقد الجمر
فملأ له الخمّار قدحا من خمرة بيضاء، كأنها ماء المزن، فشرب الحسن، وقال للخمّار: أتعرفني؟ قال: إي والله يا سيّدي، أنا أعرف الناس بك، قال: فمن أنا؟ قال:
أنت الذي يسكر من غير وزن، فضحك الحسن، وقال لمطيط: ادفع إليه ما معك من النّفقة، فأعطاه مائة درهم وانصرف.
وقال أبو عثمان الناجم: دخلت على أبي العباس عبد الله بن المعتزّ، وهو مخمور طيّب النفس، فقال: يا أبا عثمان، أنشدني ما شئت حتى أعارضك بأحسن منه أو مثله، فأنشدته لأبي نواس: [البسيط]
وعاشق دنف نبّهته سحرا فقام للرّاح والتذكار مصطبحا
ودارت الخمر من صهباء صافية فما احتسى قدحا حتى بكى فرحا
ففكّر ساعة، وضحك وقال: [البسيط]
وقهوة كشعاع الشمس صافية مثل السّراب ترى في قعره شبحا
إذا تعاطيتها لم تدر من لطف راحا بلا قدح أعطيت أم قدحا
وقالوا: ما دراريع الخزّ والسّمور بأدفأ من الشراب للمصرور والمقرور.
وقال بعضهم: كنت في منتزه لي، وإذا شيخ منيخ على علوة معه صبيّ في يوم بارد، فكنت أسمع الصبيّ يقول للشيخ: أعطني فروتي، فيناوله شيئا لا أتبيّنه، فبعثت غلامي ينظر إليه. فإذا عند الشيخ قنّينة، كلّما طلب الصبيّ فروته سقاه قدحا.
قال: وأنشدوا للهدهد الأصبهانيّ: [السريع]
إنّا أناس حسن ديننا لبيعنا الآجل بالعاجل
إذا شربنا خمسة خمسة فقد لبسنا الفرو من داخل
وقال عمرو الضبابي: [الرجز]
أعددت للّيل إذا الليل برد خابيتين من طلاء قد ركد
* فتطرد الهمّ وتكفيك الصّرد*
وقال آخر: [الطويل]
إذا هبّت الأرواح فاجعل دثارها إذا التحف الأقوام دكن المطارف
[ ١ / ٣٥٩ ]
ثلاثة أرطال شرابا معتقا تكنّ آمنا منها ولست بخائف
فإنّ دثار المرء من تحت جلده أخفّ وأدنى من دثار الملاحف
قال الجاحظ: جلست عجوز من العرب إلى فتيان يشربون، فسقوه قدحا فطابت نفسها، ثم سقوها آخر فاحمرّ وجهها وضحكت، ثم سقوها قدحا ثالثا، فقالت: خبروني عن نسائكم بالعراق، أيشربن من هذا الشراب؟ قالوا: نعم، قالت: زنين وربّ الكعبة، والله لا يدري أحدكم من أبوه.
وسقي أعرابيّ قدحا من شراب، ولم يكن يعرفه، فحرّكته الأريحيّة، فسألوه عنها، فقال: والله ما أدري ما. هي! غير أنّي أراكم تحبّبون إليّ وأراني أسرّ بكم، وما وهب إليّ أحد منكم شيئا.
ومرّ أعرابيّ بقوم يشربون، فدعوه، فنزل وعقل بعيره. وشرب معهم، فلمّا أخذ منه الشراب، قام إلى بعيره فنحره، وشوى لهم من كبده وسنامه، ثم رفع عقيرته يتغنّى: [الوافر]
علّلاني إنما الدّنيا علل واسقياني، عللا بعد نهل
بادرا باللهو يوما صالحا ودعاني من عتاب وعذل
وانشلا ما اغبّر من قدريكما واسقياني أبعد الله الجمل
وقال إسحاق الموصليّ: سقيت أعرابيّا نبيذا، فقال: ما على هذا شيء، يطيّب النفس، ويطرد الحزن، ويمنّي الخير، ويعد الغنى، ثم أنشأ يقول: [الوافر]
ألا خذها كماء الزّعفران رمتها بالنّحول يد الزّمان
تصوغ إذا علاها الماء طوفا من الياقوت فصّل بالجمان
وتترك من أراد الشرب منها صحيح الجسم منكسر اللّسان
كأنّ الشمس طالعة بكفّي إذا أخذت زجاجتها بناني
ومرّ الفرزدق بالحكم بن المنذر بن الجارود؛ فاستسقاه ماء، فقال: هلّا لبنا يا أبا فراس؟ قال: ذلك إليك، فملأ له عسّا من خمر، وأمر فحلبت عليه لقحة، فصعدت الرّغوة فوق الشراب، وأتاه به، فشربه حتى صكّ بالعسّ جبهته، وانتفخت أوداجه، واحمرّت عيناه، فمسح سباله، وقال: جزاك الله خيرا، فإنك ما زلت تخفي الصّدقات ونعمّا هي! .
ودخل الأخطل على عبد الملك، فقال: ليت شعري، ما يعجبك من إدمان الخمر، وأوّلها التقطيب والكراهة، وآخرها السّكر والسفاهة! فقال: ولكن بينهما حالة ما يسرّني بها ملكك، هذا نظمه الشاعر، فقال: [الخفيف]
إن يكن أول المدام كريها ويكن آخر المدام صداعا
[ ١ / ٣٦٠ ]
فلها بين ذا وذاك هناة وصفها بالسرور لن يستطاعا
وأنشد ابن قتيبة لأبي محجن الثقفي: [الطويل]
إذ متّ فادفنّي إلى جنب كرمة تروّي عظّامي بعد موتي عروقها
ولا تدفننّي بالفلاة فإنني أخاف إذا ما متّ ألّا أذوقها
قال: فأخبرني من رأى قبره بأرمينية، أنه بين شجرات الكروم، والفتيان يشربون عندها، وينشدون شعره، وإذا جاء قدحه صبّوه على قبره.
ومنع عمر بن الخطاب ﵁ أهل الشام شرب الخمر. فقال شاعرهم: [الطويل]
ألم تر أنّ الدّهر يعثر بالفتى ولا يملك الإنسان صرف المقادر
صبرت ولم أجزع وقد مات إخوتي وما أنا عن شرب المدام بصابر
رماها أمير المؤمنين بحتفها فخلّانها يبكون حول المعاصر
ورأى ذؤيب السّلمي خمرا أهراقها السلطان، فقال: [الخفيف]
يا لقومي لما أتى السلطان لا يكن للذي أهانوا هوان
سكبوا في التّراب من حلب الكرو م عقارا كأنّها الزعفران
سكبت في مكان نحس لقد صا دف سعد السّعود ذاك المكان
كيف صبري عن بعض نفسي وهل يص بر عن بعض نفسه إنسان!
ولمّا انهمك الوليد بن يزيد في الشّراب والتبذّل مع الندماء، اجتمع وجوه بني أميّة، فلاموه وعنّفوه، فقال لهم اسمعوا ما عندي: [الخفيف]
أشهد الله والملائكة الأب رار والعابدين أهل الصّلاح
أنني أشتهي السماع وشرب الرّا ح والعضّ في الخدود الملاح
والنّديم الكريم والخادم الفا ره يسعى عليّ بالأقداح
وظريف الحديث والكاعب الطّف لة ترتجّ في سموط الوشاح
انصرفوا، فيئسوا منه، فدبّروا في إفساد دولته.
ودخل على المأمون عمرو بن مسعدة ورجل من الفقهاء، وبين يديه جام زجاج فيه رطل شراب، فمدّ به يده المأمون إلى الرجل، فقال: يا أمير المؤمنين، والله ما شربتها ناشئا فلا تسقنيها شيخا، فردّ يده إلى عمرو، فأخذها منه، وقال: الله الله يا أمير المؤمنين، إني آليت في الكعبة ألّا أشربها؛ ففكر طويلا والكأس في يد عمرو، ثم قال: [الكامل]
ردّا عليّ الكأس إنّكما لا تعلمان الكأس ما تجدي
لو ذقتما ما ذقت ما مزجت إلا بدمعكما من الوجد
[ ١ / ٣٦١ ]
ما مثل نعماها إذا اشتملت إلا اشتمال فم على خدّ
خوّفتماني الله ربكما وكخيفتيه رجاؤه عندي
إن كنتما لا تشربان معي خوف العقاب شربتها وحدي
وقال الحسن بن هانئ وهو الإمام في الخمريات: [البسيط]
ساع بكأس إلى ناس على طرب كلاهما عجب في منظر عجب
قامت تريني، وأمر الليل مجتمع صبحا تولّد بين الماء والعنب
كأن صغرى وكبرى من فواقعها حصباء درّ على أرض من الذهب
وله أيضا: [الكامل]
قال ابغني المصباح قلت له اتّئد حسبي وحسبك ضوأها مصباحا
فسكبت منها في الزّجاجة شربة كانت له حتى الصّباح صباحا
من قهوة جاءتك قبل مزاجها عطلا فألبسها المزاج وشاحا
شقّ البزال فؤادها فكأنّها أهدت إليك بريحها تفّاحا
فأتتك في صور تداولها البلى فأزالهنّ وأثبت الأرواحا
وقال ابن المعتز: [الطويل]
ونار قدحناها سراعا بسحرة متى ما يرق ماء عليها توقّد
يجول حباب الماء في جنباتها كما جال دمع فوق خدّ مورّد
وقال ابن وكيع: [الطويل]
وصفراء من ماء الكروم كأنّها فراق عدوّ أو لقاء صديق
كأنّ الحباب المستدير بطوقها كواعب درّ في سماء عقيق
الطّوق: حاشية الكأس.
وقال ابن المعتز في الحباب وتشبيهه له أحسن من تشبيهه بجميعه: [مجزوء الكامل]
أسقي مخدّرة الدّنا ن سلاف خمر قرقفا
راحا تخال حبابها درّا يجول مجوّفا
وقال الحسن: [مجزوء الرمل]
بنت عشر لم تعاين غير نار الشمس نارا
ثم سحّت فأدارت فوقها طوقا فدارا
كاقتران الدّرّ بالدرّ صغارا وكبارا
فإذا ما اعترضته الس عين من حيث استدارا
[ ١ / ٣٦٢ ]
خلته في جنبات الك أس واوات صغارا
وله أيضا في مثل ذلك: [مجزوء الكامل]
والكأس أهواها وإن رزئت بلغ المعاش وقلّلت فضلي
ذخرت لآدم قبل خلقته فتقدّمته بخطوة القبل
فأتاك شيء لا تلامسه إلا بحسن غريزة العقل
فإذا علاها الماء ألبسها نمشا كمثل خلاخل الحجل
حتى إذا سكنت جوانحها كتبت بمثل أكارع النمل
خطين من شتى ومجتمع غفل من الإعجام والشكل
وقال ابن المعتز: [البسيط]
كأنّ في كأسها والماء يقرعها أكارع النمل أو نقش الخواتيم
وقال حبيب: [الكامل]
صعبت وراض المزج سيّئ خلقها فتعلّمت من حسن خلق الماء (١)
خرقاء يلعب بالعقول حبابها كتلاعب الأفعال بالأسماء
وضعيفة فإذا أصابت فرصة قتلت، كذلك قدرة الضعفاء
وكأنّ بهجتها وبهجة كأسها نار ونور قيّدا بوعاء
أو درّة بيضاء بكر أطبقت حبلا على ياقوتة حمراء
وقال ابن البال: [الكامل]
ومدامة لبست غلالة نرجس وتنفست في الكأس أيّ تنفس
باكرتها والورد يوقظه النّدى وتبلّ خدّيه عيون النّرجس
والشمس تنظر من وراء غمامة لبست من الكافور أحسن ملبس
نبّهتها بيد المزاج فأصبحت ترنو إليّ بأعين لم تنعس
وتورّدت حتى توقّد كأسها فحسبتها في الكفّ جذوة مقبس
[مجزوء المتقارب]
***
ولا كان ساق دهائي الرّفاق
لأرض العراق بحمل السّبح
_________________
(١) الأبيات في ديوان أبي تمام ص ٣٨.
[ ١ / ٣٦٣ ]
فلا تغضبن ولا تعجبن
ولا تعتبن فعذري وضح
ولا تعجبن لشيخ أبنّ
بمغنى أغنّ ودنّ طفح
فإنّ المدام تقوّي العظام
وتشفي السّقام وتنفي التّرح
***
قوله: «دهائي»، أي تشيطني ومكري، السّبح، جمع سبحة، وقد تقدمت تصخبن:
ترفعنّ صوتك بالصياح. تعتبن: تلومنّ، وضح: ظهر، أبنّ: أقام. مغنى: منزل، أغنّ:
كثير الأشجار، فإذا هبّت الريح فيها سمعت لها غنّة، ومن هذا قولهم: روضة غنّاء، لأن صوت الرّيح يخرج من بين أشجارها، وعشبها أغنّ.
ومن فسّرها بأن الذباب يغني فيها، فهو صحيح في المعنى فاسد في التصريف، لأن يغني أصله (غ ن ى) وأغنّ أصله (غ ن ن) فيريد بالمغنى الأغنّ منزلا كثير الأشجار.
وفسّره بعضهم كثير الأهل، والأول أولى.
طفح: امتلأ خمرا، المدام: الخمر، وقوله: «تقوّي العظام، وتسفي السّقام» وقد تجاوز هنا قوم حتى جعلوها من العاهات؛ قال الأقيشر- ويروي لأبي نواس: [الطويل]
ومقعد قوم قد مشى من شرابنا وأعمى سقيناه ثلاثا فأبصرا
كميت كأن العنبر الورد ريحها إذا شمّها الحاني من الدّن كبّرا
توقّد في أيدي السقاة كئوسها إذا ما رآها صائم القوم أفطرا
وقال آخر: [الطويل]
أبا هاشم هل لي سبيل إلى التي أرى شربة منها قواما لأحدب
وقوله: «وتنفي الترح»، أي تزيل الحزن.
وقال الحسن بن هانئ في أن الخمر تزيل الحزن والهم: [البسيط]
دع عنك لومي فإنّ اللوم إغراء وداوني بالتي منها بي الدّاء
صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها لو مسّها حجر مسّته سرّاء
قامت بإبريقها والليل معتكر فظل من وجهها في البيت لألاء
وأرسلت من فم الإبريق صافية كأنّما أخذها بالعقل إعفاء
رقّت عن الماء حتى لا يلائمها لطافة وجفا عن شكلها الماء
[ ١ / ٣٦٤ ]
فلو مزجت بها نورا لمازجها حتى تولّد أنوار وأضواء
وقال البحتريّ: [الكامل]
فاشرب على زهر الرياض يشوبه زهر الخدود وزهرة الصّهباء (١)
من قهوة تنسي الهموم وتبعت الشّوق الّذي قد ظلّ في الأحشاء
يخفي الزجاجة لونها، فكأنّها في الكأس قائمة بغير إناء
وقال حبيب: [الكامل]
بمدامة يغدو الفتى لكئوسها حولا على السّرّاء والضّرّاء (٢)
راح إذا ما الراح كنّ مطيّها كانت مطايا الشّوق في الأحشاء
عنبيّة ذهبية سبكت لها ذهب المعاني صاغة الشّعراء
[مجزوء المتقارب]
***
وأصفى السّرور إذا ما الوقور
أماط ستور ال حيا واطّرح
وأحلى الغرام إذا المستهام
أزال اكتتام ال هوى وافتضح
فبح بهواك وبرّد حشاك
فزند أساك به قد قدح
وداو الكلوم وسلّ الهموم
ببنت الكرو م الّتي تقترح
وخصّ الغبوق بساق يسوق
بلاء المشوق إذا ما طمح
***
قوله: «أماط»، أي أزال، اطّرح: رمى بها، وهذا منتزع من قول عليّ بن الخليل:
[مجزوء الكامل]
لا تكمل اللّذّات إلا بالقيان وبالخمور
هتّك الستور فإنّما الّ لذات في هتك السّتور
_________________
(١) الأبيات في ديوان البحتري ص ٦.
(٢) الأبيات في ديوان أبي تمام ص ٣.
[ ١ / ٣٦٥ ]
فدع العواذل لا يق فن عليك من دون الصّدور
واعلم بأنّك راجع حقّا إلى ربّ غفور
قوله: «الغرام»، شدة الحب، المستهام: الذي حمله الحبّ على أن يهيم، أي يذهب ولا يدري أين يتوجه. افتضح: اشتهر، يقول: أصفى ما يكون السرور إذا أزال الوقور ثياب الحياء واطرحها عنه، وأحلى ما يكون العشق إذا أزال العاشق الكتم وشهر نفسه به، ومن هذا قول أبي نواس: [الطويل]
ألا فاسقني خمرا وقل لي هي الخمر ولا تسقني سرّا إذا أمكن الجهر
ويح باسم من تهوى ودعني من الكنى فلا خير في اللّذات من دونها ستر
قوله: «زند أساك»، الزند: الذي يقدح به النار، والأسى: الحزن، يقول: يردّ قلبك بذكر من تهوى، فإنك إن رمت كتمه قدح به زند حزنك.
ونحو هذا ما يحكى أن أبا الفضل الدّارميّ، كان له هوى بغلام، فإذا رآه أنكر حبّه، والغلام يعرف شدّة وجده به، فدمعت يوما عينا أبي الفضل، فقال له الغلام: دمعك شاهد عليك، فقال: [الطويل]
وهبني قد أنكرت حبّك جملة وآليت أني لا أروم محطّها
فمن أين لي في الحبّ جرح شهادة سقامي أملاها، ودمعي خطّها!
وقال المتنبي: [البسيط]
وكاتم الحبّ يوم البين منهتك وصاحب الدّمع لا تخفى سرائره (١)
والشعر في هذا كثير، وكله تبع لقول العباس بن الأحنف: [الخفيف]
لا جزى الله دمع عيني خيرا وجزى الله كلّ خير لساني
نمّ دمعي فليس يكتم شيئا ورأيت اللّسان ذا كتمان
كنت مثل الكتاب أخفاه طيّ فاستدلوا عليه بالعنوان
أما الاشتهار الذي ذكر فإنما يأخذ به أهل التّماجن ومن لا بال له، وأما أهل المروءات والتّصاون، فغايتهم إعلام المحبوب بشأنهم، وكتمه عن النّاس، وذلك شديد، ولا يقوم به إلا من كمل عقله، وأما أن يكتمه عن محبوبه كحكاية أبي الفضل، فأشدّ أحوال هذا الباب أن يكون لمحبوبك أصحاب يألفهم ويألفونه، فيعلمون بشأنك كما فعل أبو الأصبغ بن رشيد المرتكيّ، أنشدنيه الفقيه أبو الحسن بن زرقون: [المتقارب]
أبا قاسم إن قسمت الهوى كئوسا فحظّي أوفى الكئوس
_________________
(١) البيت في ديوان المتنبي ٢/ ١١٥.
[ ١ / ٣٦٦ ]
وبين جفونك با قاتلي وبين فؤادي حرب البسوس
وبين الجوانح نار الجوى كما قد سمعت بنار المجوس
أسارقك اللحظ في خفية كما يتناول قيد الشّموس
فمهما بدوت ومهما رنوت فشغل العيون وشغل النفوس
سررت به بين أصحابه فحدّوا اللحاظ وهزّوا الرءوس
وهذا على خطرة فذّة فكيف لو أني نويت الجلوس
قوله: «داو الكلوم»، يريد جراح قلبه من أنكاد الدهر، ولذلك اتبعه، ب «سلّ الهموم»، لأنه في معنى «داو الكلوم»، وهذا كقول العطويّ:
أعجبتنّ أن أناخ بي الدّهر فخاصمته إلى الأقداح
لا تذاد الهموم أنشبن أظفا را حدادا بشرب ماء قراح
أحمد الله صارت الكأس تأسو دون إخواني الثقات جراحي
قوله: «تقترح» تتمنى. الغبوق: شرب العشي، والمسوق: المحبّ، وطمح: ارتفع بالنظر، يقول: خصّ شرابك بالعشي مع غلام حسن يسقيك ويبيت معك على شرابك، ويكون لإفراط حسنه، يجلب عذاب العاشق إذا نظره.
ومما قيل في السقاة ووصف الخمر من الشعر المستحسن قول أبي نواس:
[الطويل]
إذا عبّ فيها شارب القوم خلته يقبّل في داج من الليل كوكبا
ترى حيثما كانت من البيت مشرقا وما لم تكن فيه من البيت مغربا
يدور بها ساق أغنّ ترى له على مستدار الخدّ صدغا معقربا
سقاني ومنّاني بعينيه منية فكانت إلى نفسي ألذّ وأعجبا
وقال ابن الروميّ فأحسن: [الكامل]
ومهفهف كملت محاسنه حتى تجاوز منية النّفس
تصبو الكئوس إلى مراشفه وتضجّ في يده من الحبس
أبصرته والكأس بين فم منه وبين أنامل خمس
فكأنّها وكأنّ شاربها قمر يقبّل عارض الشمس
وقال ابن المعتز: [البسيط]
ظبي مخلّى من الأحزان أودعني ما يعلم الله من حزن ومن قلق
كأنه وكأن الكأس في يده هلال أوّل شهر غاب في شفق
[ ١ / ٣٦٧ ]
وقال أيضا: [الكامل]
يا حسن أحمد غاديا أمس بمدامة صفراء كالورس
وكأنّ كفيه تقسم في أقداحنا قطعا من الشمس
ولأبي طالب الرّفاء في معنى آخر: [الطويل]
لها في كفّ شاربها شعاع تطرّف منه مبيضّ البنان
ولأبي بكر الخالدي: [البسيط]
تومي إليك بأطراف مطرّفة فيها خضابان للعنّاب والعنب
فهذا في انتقال حمرتها لأصابع حابسها، فإذا انتقلت لخدّ شاربها حدث للشعراء في ذلك معنى بديع صنع البديع يسمّى المطابقة، وهو الوصف بالغروب والطلوع وقال في ذلك الطليق المروانيّ: [الرمل]
أصبحت شمسا وفوه مغربا ويد الساقي المحيّي مشرقا
فإذا ما غربت في فمه أطلعت في الخدّ منه شفقا
ولأبي مطروح بن فتوح: [الكامل]
صهباء تغرب إن بدت من كفّه في فيه ثم تلوح في وجناته
وقال غيره: [السريع]
بدر بدا يشرب شمسا بدت وجدّها في الحسن من جدّه
تغرب في فيه ولكنّها من بعد ذا تطلع في خدّه
وقال آخر: [السريع]
أقول والكأس على فيه وقد صوّبها كالكوكب الصائب
ذا كوكب يغرب في كوكب ويلي على الطّالع والغارب!
***
رجعنا إلى ذكر السقاة- قال ابن المعتز: [الطويل]
تدور علينا الكأس من كفّ شادن له لحظ عين يشتكي السّقم مدنف
كأن سلاف الخمر من ماء خدّه وعنقودها من شعره الجعد يقطف
وقال أبو بكر الخالديّ: [البسيط]
أهلا بشمس مدام من يدي قمر تكامل الحسن فيه فهو تيّاه
كأن حمرتها إذ قام يمزجها من خدّه اعتصرت أو من ثناياه
في وجه فلّ وريحان تراح له منّا قلوب وأبصار وتهواه
[ ١ / ٣٦٨ ]
النّرجس الغضّ عيناه وطرّته بنفسج، وجنيّ الورد خدّاه
ولابن الزّقاق: [الطويل]
وساق يحثّ الكأس وهي كأنّما تلألأ منها مثل ضوء جبينه
سقاني بها صرف الحميّا عشية وثنّى بأخرى من رحيق جفونه
هضيم الحشا ذو وجنة عند ميّة تريك قطاف الورد في غير حينه
فأشرب من يمناه ما فوق خدّه وألثم من خدّيه ما في يمينه
وقال الخوارزمي: [الطويل]
وصفراء كالدينار بنت ثلاثة شمال وأنهار ودهر محرّم
مسرّة محزون وعذر معربد وكنز مجوسيّ وفتنة مسلم
بدور بها ظبي تدور عيوننا على عينه من شرط يحيى بن أكثم
وقال ابن المعتز: [الخفيف]
ونداماي في شباب وشيب أتلفت ما لهم نفوس كرام
بين أقداحهم حديث نضير وهو سحر وما سواه كلام
وغناء يستعجل الرّاح بالرّا ح كما تاح في الغصون الحمام
وكأنّ السقاة بين الندامى ألفات بين السّطور قيام
***
[المتقارب]
وشاد يشيد بصوت تميد
جبال الحديد له إن صدح
وعاص النّصيح الّذي لا يبيح
وصال المليح إذا ما سمح
وجل في المحال ولو بالمحال
ودع ما يقال وخذ ما صلح
وفارق أباك إذا ما أباك
ومدّ الشّباك وصد من سنح
وصاف الخليل وناف البخيل
وأول الجميل ووال المنح
ولذ بالمتاب أمام الذّهاب
[ ١ / ٣٦٩ ]
فمن دقّ باب كريم فتح
***
قوله: «شاد»، أي مغنّ، يشيد: يتقن غناءه ويحكمه. تميد: تميل. صدح: رفع صوته بالغناء، والصداح: الصوت الشديد، يقول: وأحضر الخمر مغنيا تميل الجبال لحسن غنائه، وهذا مثل ما حكى المنجّم، قال: حكي لي أنّ إبراهيم بن المهدي، كان أحسن الناس غناء ببرهان، وذلك أنّي كنت أراه في مجالس الخلفاء مثل المأمون والمعتصم يغنّي المغنون، فإذا ابتدأ هو لم يبق أحد من الغلمان والمتصرفين وأصحاب الصّناعات والمهن الصّغار والكبار، إلا وقد ترك ما في يده، وصار بأقرب موضع يمكنه أن يسمعه، فلا يزال مصغيا إليه، لاهيا عمّا كان فيه ما دام يغنّي، فإذا أمسك وغنّى غيره رجعوا إلى أشغالهم، ولا برهان أقوى من شهادة الفطرة، واتفاق الطبائع على الميل إليه مع اختلافها في غير ذلك.
وقال منصور بن المهدي: غنّى أخي إبراهيم الأمين يوما فقال: [المتقارب]
وكأس شربت على لذة وأخرى تداويت منها بها
لكي يعلم النّاس أني امرؤ أتيت الفتوة من بابها
وكان الأمين مشرفا على حمر الوحش، وهو مخمور، وكان من عادته ألّا يشرب وهو مخمور، فاستوى جالسا وطرب، وقال: أحسنت والله يا عمّ، وأحييت لي طربا، وغنّى يومئذ على أشدّ طبقة ينتهي إليها، وما سمعت مثله قطّ وقد رأيت منه شيئا عجيبا، لو حدّثت به ما صدقته، كان إذا ابتدأ يغنّي أصغت الوحش، ومدّت أعناقها، ولم تزل تدنو منه، حتى تضع رءوسها على الدّكان الذي كنا عليه، فإذا سكت نفر عنّا، حتى تنتهي إلى أبعد غاية يمكنها التباعد فيها عنّا، وجعل الأمين يعجب من ذلك.
قوله: «يبيح»، أي يجعله له مباحا، يقول: أعص من يعذلك في وصل المليح متى سمح بوصله.
وكان أعرابيّ قد طال تعشقه لجارية، فقيل له: ما كنت صانعا لو ظفرت به، ولا يراكما غير الله؟ قال: إذا والله لا أجعله أهون الناظرين، لكني كنت أفعل بها ما كنت أفعله بحضرة أهلها، شكوى وحديث عذب، وإعراض عمّا يسخط الرّبّ، ويقطع الحبّ، فإن تلقّي وصال المليح، إذا سمح بمثل هذا فعصيان النصيح واجب، وأكثر الناس يرى أن الظفر بالمعشوق يسقط نصف عشقه، وأن النكاح يفسد الحب:
وقال المأمون: [مجزوء الكامل]
ما الحبّ إلا قبلة وغمز كفّ وعضد
وكتب فيها رقي أنفذ من نفث العقد
[ ١ / ٣٧٠ ]
من لم يكن ذا حبّه فإنما يبغي الولد
ما الحبّ إلا هكذا إن نكح الحبّ فسد
وقال حبيب في نقيضه وأجاد: [الطويل]
وقالت نكاح الحبّ يفسد شكله وكم نكحوا حبّا وليس بفاسد!
وقالت أمّ الضحاك المحاربية: [الوافر]
شفاء الحب تقبيل وضم وجرّ بالبطون على البطون
ورهز تمهل العينان منه وأخذ بالمناكب والقرون
وقال الحسن: [الوافر]
إذا هجع النّيام فخلّ عني وعمّن كان أيصلح للدّبيب
فإني عالم فطن أريب ولم يخبرك مثل فتى أريب
ألذّ الفعل تأخذه سرورا بمنح الحبّ أو منع الرقيب
وبعد هذا ما يقبح ذكره، وشعر الحسن يكثر في هذا الباب.
وقال ابن الأبّار ﵀- وذكر أنه فعل بمحبوبه وبرقيبه: [الخفيف]
فوثبنا على الغزال وثوبا ودببنا على الرّقيب دبيبا
فهل أبصرت أو سمعت بصبّ ناك محبوبه وناك الرقيبا!
وقال ابن بسّام: لقد ظرف ابن الأبار، واستهتر ما شاء وقدر، وأظنه لو قدر على إبليس الّذي تولى له هذا المذهب لدبّ عليه.
وابن المعتز كنّى ولم يصرح، فقال: [البسيط]
فكان ما كان مما لست أذكره فظنّ خيرا ولا تسأل عن الخبر
أين ما قدمناه لابن الأبار من قول الآخر في ضدّه: [مجزوء الكامل]
ومنعّم غض القطاف عذب لماه للارتشاف
فوردت جنّة نحره ونعيمها دون اقتطاف
وعصيت سلطان الهوى وأطعت سلطان العفاف
وقال ابن الأبار أيضا: [الكامل]
ومعرّض بالغصن في حركاته تسل القلوب العفو من لحظاته
عاطيته كأسا كأنّ سلافها من ريقه المعسول أو وجناته
وأطعت سلطان العفاف تكرّما والمرء مجبول على عاداته
[ ١ / ٣٧١ ]
وقال الشريف الرضيّ فأحسن: [البسيط]
بتنا ضجيعين في ثوبي هوى وتقى يلفّنا الشّوق من فرق إلى قدم
وبات بارق ذاك الثّغر يوضح لي مواقع اللّثم في داج من الظّلم
وباتت الرّيح كالغيرى تجاذبنا على الكثيب فضول الرّيط واللّمم
وأكتم الصبح عنها وهي غافلة حتّى تكلّم عصفور على علم
فقمت أنفض بردا ما تعلقه غير العفاف وراء الغيب والكرم
وقال ابن فرج الجيانيّ: [الوافر]
وطائعة الوصال صددت عنها وما الشّيطان فيها بالمطاع
بدت باللّيل سافرة فباتت دياجي اللّيل سافرة القناع
وما من لحظة إلّا وفيها إلى فتن القلوب لنا دواع
فملّكت الهوى جمحات شوقي لأجري في العفاف على طباعي
كذاك الرّوض ما فيه لمثلي سوى نظر وشمّ من متاع
ولست من السّوائم مهملات فأتخذ الرّياض من المراعي
وقال أيضا فأحسن: [الوافر]
بأيّهما أنا في الشكر بادي أشكر الطيف أم شكر الرّقاد
سرى لي فازدهى أملي، ولكن عففت فلم أنل منه مرادي
وما في النوم من حرج ولكن جريت من العفاف على اعتياد
كأنه لما عفّ في اليقظة جرى على عادته في النوم، وهذا من قول أبي الطيب: [الطويل]
يردّ يدا عن ثوبها وهو قادر ويعصي الهوى في طيفها وهو راقد
وهذا أملك شهوة من التّهامي، وإن كان قد أحسن حيث يقول: [البسيط]
إنّي لأصرف طرفي عن محاسنها تكرّما وأكفّ الكفّ عن لمم
ولا أهمّ ولي نفس تنازعني أستغفر الله إلا ساعة الحلم
وقال ابن طباطبا: [الكامل]
يقظاته ومنامه شرع كلّ بكل منه مشتبه
إن همّ في حلم بفاحشة زجرته عفّته فينتبه
أخذه السّريّ، فكتب إلى صديق له، وكان اتهمه بغلام بعثه إليه: [الوافر]
أبا بكر أسأت الظنّ فيمن سجيته التمنّع والخلاف
وخفت عليه في الخلوات منّي ولم يك بيننا حال تخاف
[ ١ / ٣٧٢ ]
جفوت من الصّبا ما ليس يجفى وعفت من الهوى ما لا يعاف
فلو أني هممت بقبح فعل لدى الإغفاء أيقظني العفاف
قوله: «جل»، تصرف، المحال: المكر. لذ: تعلّق وتستر. المحال: الباطل، وما لا يمكن ثبوته، ودع ما يقال، أي لا تلتفت إلى من ينقصك باتّباع لذّاتك، وخذ ما يوافقك ويصلح بك.
وهذا رأي من اشتهر بالمجون كالحسن في قوله: [الكامل]
دع عنك ما جدّوا به وتبطّل وإذا لقيت أخا الحقيقة فاهزل
لا تركبنّ من الذنوب خسيسها واعمد إذا قاربتها للأنبل
وخطيئة تغلو على مستامها يأتيك آخرها بطعم الأوّل
حلّلت لا حرج علي حرامها ولربّما حلّلت غير محلّل
وقال ابن وكيع: [الكامل]
لا تقبلنّ من الرشيد كلامه وإذا دعاك أخو الغواية فاقبل
ودع الترهّب والتجمّل للورى فالعيش ليس يطيب للمتجمّل
وقال أيضا: [الكامل]
فارقت بعدك عفتي ووقاري وخلعت في طرق المجون عذاري
لا تأمرنّي بالتستّر في الهوى فالعيش أجمع في ركوب العار
لا تكثرنّ عليّ إن أخا الحجا برم يقرب الصاحب المكثار
قوله: «أباك»، أي تمنّع منك، سنح: تيسّر، يقال: سنح الشيء سنوحا، إذا تيسر صاف الخليل، أي أخلص الودّ لصاحب، ناف: باعد. أول الجميل: ألصق المعروف بمن يستحقه، وقد أولاني فلان المعروف: ألصقه بي، وجعله بينه وبيني، وقيل معنى «أولاني» ملكني، من قولهم: هذا وليّ المرأة، أي مالك أمرها. وقيل: معناه عضدني به وقوّاني، من قولهم: بنو فلان ولاة على بني فلان، أي يعينونهم ويعضدونهم، وقيل:
أولاني: أنعم عليّ، من الألاء، وهي النّعم، واحدها إلي وألي، والأصل ولي وولي، أبدل من الواو المكسورة همزة، على حدّ «إساد» وأبدل من الواو المفتوحة همزة على حد أحد وامرأة أناة، وال المنح: تابع العطايا، أمام الذهاب: قدّام الموت، يقول: إذا شخت وأيقنت الموت، فاضرب باب التوبة، فإنه يفتح لك إذ كلّ كريم بابه يفتح.
ابن عباس، قال رسول الله ﷺ: «إن المصلي يقرع باب الملك، وإنه من يداوم قرع الباب يوشك أن يفتح له»، والله تعالى أكرم الكرماء، وبابه باب التوبة. وقال الإلبيريّ: [الوافر]
فلازم قرع باب التّوبة دأبا فإنّ لزومه سبب الدخول
***
[ ١ / ٣٧٣ ]
فقلت له: بخ بخ لروايتك، وأفّ وتفّ لغوايتك، فبالله من أيّ الأعياص عيصك، فقد أعضلني عويصك؟ فقال: ما أحبّ أن أفصح عني، ولكن سأكنّي
[مجزوء الخفيف]
أنا أطروفة الزّما ن وأعجوبة الأمم
وأنا الحوّل الّذي اح تال في العرب والعجم
غير أنّي ابن حاجة هاضه الدّهر فاهتضم
وأبو صبية بدوا مثل لحم على وضم
وأخو العيلة المع يل إذا احتال لم يلم
***
قوله: «بخ بخ»، أي عجب عجب وتثقّل وتخفّف، وهي كلمة تقال عند الإعجاب بالشيء. أفّ وتفّ، الأصمعي: الأفّ وسخ الآذان، والتّف: وسخ الأظفار، ثم استعمل ذلك عند كلّ شيء يضجر منه.
وقال غيره: الأفّ: القلّة، مأخوذ من الأفف وهو القلة ثم نسق التّف عليه. ومعناه كمعناه، ويقال: لمن يدعى عليه بالخيبة: أفّ وتفّ لك. وقال ابن الأنباري: إذا أفردت أفّ، ففيها عشرة أوجه: فتح الفاء، وكسرها وضمّها على قياس مدّ؛ وثلاثتها بالتّنوين على قياس ويل، فنصبه على الدّعاء، ورفعه بالابتداء، وخفضه على التشبيه بالأصوات كمه وصه، وأف كقد، وأفي بضم الهمزة منصوب على الدعاء، وأفي بإضافته إلى نفسه، وأف بضم الهمزة وسكون الفاء تشبيها بالأدوات، نحو: هل وبل.
غوايتك: ضلالتك. الأعياص: الأصول، والعيص: بيت الأسد، ويريد: من أيّ القبائل والبلاد. أعضلني: صعب عليّ، عويصك: صعب أمرك ومشكله. أفصح: أبين.
أكنى أوري، أي أدلّ على نفسي بكلام خفيّ. أطروفة: غريبة. الحول: الكثير الحيلة، هاضه: كسره. اهتضم: ظلم ونقص، الوضم أطروفة خشبة الجزار التي يقطع عليها اللحم. والعيلة: الفقر، وعال الرّجل يعيل عيلة، إذا افتقر، قال الله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً [التوبة: ٢٨]، وقال الشاعر: [الوافر]
وما يدري الفقير متى غناه وما يدري الغنيّ متى يعيل (١)
والمعيل: الكثير العيال، وقد أعال يعيل.
***
_________________
(١) البيت لأحيحة بن الجلاح في لسان العرب (عيل)، وجمهرة اللغة ص ٥٩، ٥٧١، وتاج العروس (عيل)، وجمهرة أشعار العرب ص ٦٥٩، وبلا نسبة في جمهرة اللغة ص ٩٥٢.
[ ١ / ٣٧٤ ]