وينظر في سراه مع صحبه في سواد الليل إلى قول ابن شهاب: [الخفيف]
وفتوّ أسروا وقد عكف اللّي ل وأقعى مغدودف الأطناب
وكأنّ النجوم لمّا هدتهم أشرقت كالعيون من أهداب
يتفرّون جوز كلّ فلاة جنح ليل جوزاؤه من ركاب
عنّ ذكرى لمدحهم فتناهوا من حديثي في عرض أمر حجاب
همّة في السّماء تسحب ذيلا من ذيول العلا وجدّ الرّكاب
ومما جاء في سرى الليل قول عبد الصّمد بن المعذّل، وهو من حسن الاستعارة:
[المتقارب]
_________________
(١) البيتان في ديوان كثير عزّة ص ٣٨٤، والبيت الثاني في لسان العرب (سوا).
[ ١ / ١١٢ ]
أقول وجنح الدّجى ملبد وللّيل في كلّ فجّ يد
ونحن ضجيعان في مسجد فلله ما ضمن المسجد!
فيا ليلة الوصل لا تبعدى كما ليلة الهجر لا تبعد
ويا غد إن كنت لي راحما فلا تدن من ليلتي يا غد
وقال ابن المعتزّ: [مخلع البسيط]
يا ربّ ليل حالك الجلباب ملتحف خافيتي غراب
وما أحسن قول ابن شهيد في وصف الليل: [الطويل]
وبتنا نراعي اللّيل لم نطو برده ولم يجن شيب الصبح من فرعه وخطا
تراه كملك الزّنج من فرط كبره إذا رام شيئا في تأخّره أبطأ
مطلا على الآفاق والبدر تاجه وقد علّق الجوزاء في أذنه قرطا
وقال حبيب: [الطويل]
إليك هتكنا جنح ليل كأنّه قد اكتحلت منه البلاد بإثمد (١)
وقال ذو الرّمة: [الكامل]
ودويّة مثل السماء اعتسفتها وقد صبغ الليل الحصى بسواد (٢)
وقال أيضا [الطويل]
وليل كجلباب العروس ادّرعته بأربعة والشخص في العين واحد (٣)
أحمّ غدافيّ، وأبيض صارم وأعيس مهريّ، وأروع ماجد
وقال البحتريّ: [الخفيف]
يا خليليّ بالهواجر من مع ن بن عوف وبحتر بن عتود (٤)
اطلبا ثالثا سواي، فإنّي رابع العيس والدّجى والبيد
_________________
(١) البيت في ديوان أبي تمام ص ١٠٣.
(٢) البيت في ديوان ذي الرمة ص ٦٨٥، وشرح شواهد الإيضاح ص ٣٨٢، وهو بلا نسبة في شرح شذور الذهب ص ٤١٥.
(٣) يروى صدر البيت الأول: وليل كأثناء الرّويزيّ جبته والبيتان لذي الرمة في ديوانه ص ١١٠٨، وأساس البلاغة (روز)، وتاج العروس (روز)، والحيوان ٣/ ٢٥٠، ولسان العرب (روز).
(٤) البيتان في ديوان البحتري ص ٦٣٣.
[ ١ / ١١٣ ]
وقال السّلاميّ: [الطويل]
إليك طوى عرض البسيطة عاجلا قطار المطايا أن يلوح لها القصر
وكنت وعزمي في الظّلام وصارمي ثلاثة أشباح كما اجتمع النّسر
وبشّرت آمالي بملك هو الورى، ودار هي الدّنيا، ويوم هو الدّهر
فالبيت الأوّل والثاني نحو بيت البحتريّ، والبيت الثالث نحو بيت ذي الرّمة في التقسيم، وبمثل هذا الكلام يمتدح الملوك وإلّا فلا. ولمّا مدح عضد الدولة بلّغه به من المكانة الغاية القصوى، وفتن بشعره، حتى كان يقول: إذا رأيت السّلاميّ في مجلسي، ظننت أنّ عطاردا نزل من السماء. وسنذكر من شعره ما يحسن.
***
فحين مللنا السّرى، وملنا إلى الكرى، صادفنا أرضا مخضلّة الرّبا، معتلّة الصّبا، فتخيّرناها مناخا للعيس، ومحطّا للتّعريس، فلمّا حلّها الخليط، وهدأ بها الأطيط والغطيط، سمعت صيّتا من الرّجال، يقول لسميره في الرّحال: كيف حكم سيرتك، مع جيلك وجيرتك؟ .
***
قوله: «السرى»، أي السير بالليل. الكرى: النوم. مخضلّة: مبتلّة بالنّدى. الرّبا:
الكدى، واحدها ربوة. معتلّة الصّبا، أي ليّنة الريح. مناخا: منزلا العيس: الإبل يخالط بياضها حمرة. محطّا: منزلا تحطّ به الأحمال. التعريس: النزول بالليل في آخره، وهذا التخيّر الذي ذكر لهذه الأرض، منتزع من حديث ابن عباس ﵄، عن النبيّ ﷺ أنه قال: «إذا كانت أرض مخصبة فتقصّدوا في السير وأعطوا الركاب حقّها، فإن الله رفيق يحبّ الرفق، وإذا كانت مجدبة فألحّوا عليها، وعليكم بالدّلجة، فإنّ الأرض تطوى بالليل، وإياكم والتّعريس على ظهر الطريق، فإنه مأوى الحيّات ومدارج السباع» (١).
الخليط: الأصحاب. هدأ: سكن. الأطيط: أصوات الإبل، والغطيط: أصوات الناس النّيام. صيّتا: جهير الصوت. سميره: رفيقه الذي يسمر معه بالحديث. الرّحال: منازل المسافرين، سمّيت رحالا باسم الرّحال التي توضع فيها، والرّحل: اسم لما يحمله البعير من حمله وقتبه وما يوطّأ به تحت الحمل. سيرتك: عادتك. جيلك: أهل عصرك. جيرتك: جيرانك.
***
فقال: أرعى الجار، ولو جار، وأبذل الوصال لمن صال وأحتمل الخليط،
_________________
(١) أخرجه ابن ماجة في الطهارة باب ٢١، ومالك في الاستئذان حديث ٣٨، برواية: «إياكم والتعريس على جوادّ الطريق».
[ ١ / ١١٤ ]
ولو أبدى التّخليط، وأودّ الحميم، ولو جرّعني الحميم، وأفضّل الشّفيق، على الشّقيق، وأفي للعشير، وإن لم يكافئ بالعشير، وأستقلّ الجزيل، للنّزيل، وأغمر الزّميل، بالجميل. أنزّل سميري، منزلة أميري، وأحلّ أنيسي، محلّ رئيسي، وأودع معارفي، عوارفي، وأولي مرافقي، مرافقي، وألين مقالي، للقالي، وأديم تسآلي، عن السّالي، وأرضى من الوفاء، باللفاء وأقنع من الجزاء، بأقلّ الأجزاء، ولا أتظلّم، حين أظلم، ولا انقم، ولو لدغني الأرقم.
***
قوله: «أرعى»، أي أحفظ. جار: تعدّى ومال عن الحق، قال ﷺ: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورّثه» (١). أبذل: أعطي. صال: صاح مخوّفا. الخليط:
الصاحب، ويقع على الواحد والاثنين والجمع بلفظ واحد، وسمّي بذلك لاختلاط الأمر بين الصاحبين. الحميم الأوّل: الصديق المخلص، والثاني: الماء الحارّ. الشفيق:
المحبّ. الشقيق: الأخ من الأب، كأنه شقّ معك ظهر أبيك ومن الأمّ كأنه شقّ معك بطن أمك. أفي للعشير: أعامل الصاحب بالوفاء يكافئ بالعشير: يجازى بالعشر من فعلى، والمكافأة المواساة. استقلّ، أراد قليلا الجزيل: الكثير. النزيل: الضيف، والنّزل ما يعدّ للضيف من طعام وغيره. أغمر: أعطى الزّميل: الرديف. الجميل: الأفعال الجميلة. أميري: الحاكم علىّ الأنيس: الذي يؤنس بحديثه، وفلان رئيس قومه: أفضلهم وأعزّهم. أودع: أعطى وديعة معارفي: من يعرفني. عورا في: هباتي؛ واحدها عارفة، وهي اليد من النعمة. أولى مرافقي: أعطى مصاحبي في السفر، ومنه الرفقة لاتفاق بعضهم ببعض، جمع مرفقة وهي المعونة وما يرتفق به. القالي: المبغض، وقليت الرجل قلي، أبغضته تسآلي: كثرة سؤالي. السالي: الناسي للمودّة والتارك لها، وسلوت عن الشيء أسلو سلوّا وسلوة، إذا تركته. اللّفاء: النقصان. وقال أبو عليّ في الإيضاح: اللّفاء ما دون الحق، قال أبو زيد الطائيّ واسمه حرملة ﵀: [الوافر]
فما أنا بالضّعيف فتظلموه ولا حظّي اللّفاء ولا الخسيس (٢)
_________________
(١) روي بطرق وأسانيد متعددة، أخرجه البخاري في الأدب باب ٢٨، ومسلم في البر حديث ١٤٠، وأبو داود في الأدب باب ١٢٣، والترمذي في البر باب ٢٨، وابن ماجة في الأدب باب ٤، وأحمد في المسند ٢/ ٨٥، ١٦٠، ٢٥٩، ٣٠٥، ٤٤٥، ٤٥٨، ٥١٤، ٥/ ٣٢، ٢٦٧، ٣٦٥، ٦/ ٥٢، ٩١، ١٢٥، ١٣٨،
(٢) يروى صدر البيت: وما أنا بالضعيف فتظلموني وهو لأبي زبيد الطائي في ديوانه ص ١٠٠، ولسان (لفأ)، (خيس)، (لفا)، والمخصص ١٦/ ٢٤، وتاج العروس (لفأ)، (خبس)، (لفا)، وبلا نسبة في كتاب العين ٨/ ٣٣٥، وتهذيب اللغة ١٥/ ٥٨٤، ولسان العرب (وفي).
[ ١ / ١١٥ ]
أقنع: أرضى، والقناعة الرضا باليسير. والجزاء: المكافأة، وجازيته بما صنع مثل كافأته، والأجزاء: الأنصباء تقسّم على جماعة، واحدها جزء، وأقلّها أنقصها أتظلّم:
أشتكي من الظلم. لا أنقم: لا أنتقم. تقول: نقمت منه نقمة، أي عاقبته، فمعناه: لا أعاقب صاحبي، ولو بلغ في الإضرار مني الغاية، وتقول أيضا: نقمت الشيء وأنقمه نقما ونقوما: إذا أنكرته، فمعناه على هذا: لا أنكر على صاحبي ولو بالغ في الأذى، ويقال في الإنكار أيضا، نقم ينقم.
***
فقال له صاحبه: ويك يا بنيّ! إنّما يضنّ بالضّنين، وينافس في الثّمين؛ لكن أنا لا آتي، غير المواتي، ولا أسم العاتي، بمراعاتي، ولا أصافي، من يأبى إنصافي، ولا أواخي، من يلغي الأواخي، ولا أمالي، من يخيّب آمالي، ولا أبالي، بمن صرم حبالي، ولا أداري، من جهل مقداري، ولا أعطي زمامي، من يخفر ذمامي، ولا أبذل ودادي، لأضدادي، ولا أدع إيعادي، للمعادي، ولا أغرس الأيادي، في أرض الأعادي، ولا أسمح بمواساتي، لمن يفرح بمساءاتي، ولا أرى التفاتي، إلى من يشمت بوفاتي، ولا أخصّ بحبائي، إلّا أحبّائي، ولا أستطبّ لدائي، غير أودّائي، ولا أملّك خلّتي، من لا يسدّ خلّتي، ولا أصفّي نيّتي، لمن يتمنّى منيّتي، ولا أخلص دعائي، لمن لا يفعم وعائي، ولا أفرغ ثنائي، على من يفرّغ إنائي.
***
قوله: «ويك» معناه التعجّب، كأنه قال: ما أعجبك! أو عجبا لك. وقيل: أراد «ويلك»، فحذف اللام. إنما يضنّ بالضّنين، هذا مثل؟ أوّل من قاله الأغلب العجليّ، وفسره أبو عبيد فقال: معناه: تمسّك بإخاء من تمسّك بإخائك، وبيانه أن الضّنين البخيل، ويضنّ: يبخل، فيقول: إنما أتمسّك وأتعلّق بصاحب تمسّك بي وعرف حقّي، فأنا أبخل به على غيري أن يشركني في صحبته كما يبخل بي هو على غيره، وقيل:
الضّنين في المثّل هو الشيء المضنون به لنفاسته، فمعناه إنما يبخل بالشيء النفيس الرفيع. المواتي: المساعد الموافق. العاتي المتكبّر الصعب الخلق. والمراعاة: المحافظة للودّ اسم: اجعلها سمة، أي علامة. أصافي: أخلص له ودّي. يأبى: يمنع. إنصافي، أي إعطائي الحق من نفسه. أواخي: أصير له أخا وأتخذه صديقا. يلغي: يترك ويطرح.
الأواخي: أسباب الود، واحدها أخيّة، وأصل الأخيّة عروة من حبل تشدّ في وتد أو على حجر تحت الأرض، وتبقى العروة على الأرض فيربط فيها حبل الدابة فيمسكها. أمالي:
أعاون، وأصلها الهمزة، تقول: مالأته على الأمر أمالئه، إذا عاونته وساعدته، ومنه: والله ما قتلت عثمان ولا مالأت في قتله، فخفف الهمزة ليوافقآمالي، وهو جمع أمل، وهو
[ ١ / ١١٦ ]
الرجاء. صرم حبالي: قطع أسباب وصالي، وهم يكنون بالحبل عن الودّ، لأن الودّ يربط القلوب ويؤلّفها كالحبل فيما يربط. قوله: «أداري» أسوس وأسخن صحبته. والزمام:
حبل من جلود يربط في حلقة في أنف البعير. يخفر ذمامي: ينق عهدي، أي لا أنقاد لمن لا عهد له. ودادي: حبّي، وهو من وادّه وهو الذي لا يكون إلا من اثنين فوضعه موضع ودّي، ويقال أيضا: في الحب حباب، مثل وداد، قال الشاعر: [الطويل]
* أداء عراني من حبابك أم سحر (١) *
أضدادي: أعدائي المناقضين لأفعالي. إيعادي: تهديدي وتخويفي الأيادي: النّعم، وواسيته: مواساة: جعلته أسوة نفسي في مالي فقاسمته فيه مساءاتي: أحزاني وما يسوء بي. التفاتي: نظري وانعطافي إلى جهته. يشمت: يسرّ: وفاتي: موتي. أخصّ: أفرد.
حبائي: عطائي. أحبّائي: جمع حبيب أستطبّ: أطلب طبّه. خلّتي: صداقتي. يسدّ خلّتي: يصلح فقري. أخلص: أجعله خالصا. يفعم: يملأ. أفرغ ثنائي: أصبّ مدحي وأكسوه، أو يكون أفرغه، أبلغ آخره.
***
ومن حكم بأن أبذل وتخزن، وألين وتخشن، وأذوب وتجمد، وأذكو وتخمد! لا والله، بل نتوازن في المقال، وزن المثقال، ونتحاذى في الفعال، حذو النّعال حتّى نأمن التّغابن، ونكفي التّضاغن؛ وإلّا فلم أعلّك وتعلّني، وأقلّك وتستقلّني، واجترح لك وتجرحني، وأسرح إليك وتسرّحني. وكيف يجتلب إنصاف بضيم، وأنّى تشرق نفس مع غيم! ومتى أصحب ودّ بعسف، وأيّ حرّ رضي بخطّة خسف! ولله أبوك حيث يقول:
***
قوله: «تخزن»، أي تحبس. أذكو: أضيء، يقال: خمدت النار، إذا سكن لهبها، وذكت:
اتّقدت. والمثقال: الصنجة التي يوزن بها، سمّيت بذلك لأنها تثقل ما يوزن بها في الكفّة الثانية.
نتحاذى: نتشابه. والفعال: بفتح الفاء: اسم للفعل الحسن أو القبيح، ولا يقال بكسرها إلا في مصدر فاعل، قال ابن الأعرابي: الفعال: فعل الواحد من الخير والشرّ، والفعال بالكسر:
الفعل بين الاثنين. حذو: متشابهة، والعرب تقول في الشيئين يشتبهان: هما حذو النعل بالنعل، أي كل واحد من النّعلين تقطع على قالب أختها، ومنه قول الهذلي: [الكامل]
_________________
(١) صدره: فو الله ما أدري وإني لصادق والبيت لأبي عطاء السندي في لسان العرب (حبب) والتنبيه والإيضاح ١/ ٧٥، وتاج العروس (حبب)، وبلا نسبة في جمهرة اللغة ص ٦٤.
[ ١ / ١١٧ ]
وتأمّل السّبت الذي أحذوكم فانظر بمثل حذائه فاحذوني (١)
التّغابن: الغبن. نكفي: نمنع. التضاغن: العداوة، وتضاغن الرجلان: اعتقد كلّ واحد منهما لصاحبه ضغنا وهو الحقد. أعلّك: أسقيك عللا، أي مرّة بعد أخرى.
تعلّني: تمرضني. أقلّك: أرفعك. تستقلّني: تحقرني. أجترح: اكتسب. أسرح: أرعى عليك، وأجلب عليك الرزق بالغداة والعشيّ تسرّحني: تهملني. ضيم: ذلّ أنّى: كيف تشرق: تضيء، من أشرقت، وتشرق تطلع، من شرقت. غيم: سحاب. أصحب:
أنقاد. بعسف: بجور. وأصل العسف ركوب الأمر بغير تدبير. والخطة: المنزلة والمرتبة، والخسف: الإذلال والنقصان، ومنه خسف الأرض، والخاسف: المهزول، ويقال: باتوا على الخسف، أي جياعا ليس لهم شيء يتقوّتون به والخسف للدابة: أن تبيت بغير علف [السريع]
***
جزيت من أعلق بي ودّه جزاء من يبني على أسّه
وكلت للخلّ كما كال لي على وفاء الكيل أو بخسه
ولم أخسّره وشرّ الورى من يومه أخسر من أمسه
وكلّ من يطلب عندي جنّى فما له إلّا جنى غرسه
لا أبتغي الغبن، ولا أنثني بصفقة المغبون في حسّه
ولست بالموجب حقّا لمن لا يوجب الحقّ على نفسه
وربّ مذّاق الهوى خالني أصدقه الودّ على لبسه
وما درى من جهله أنّني أقضي غريمي الدّين من جنسه
فاهجر من استغباك هجر القلى وهبه كالملحود في رمسه
والبس لمن في وصله لبسة لباس من يرغب عن أنسه
ولا ترج الودّ ممّن يرى أنّك محتاج إلى فلسه
***
قوله: «أعلق»، فمعنى علّق، أي ألصق. أسّه: أصل بنائه؛ يقول: من علّق بقلبي ودّه، جعلت ذلك الودّ أسّا بقلبي، وبنيت عليه ودي، فإن أسس في قلبي ودّا سليما بنيت له عليه مثله، وإن غشّني في ودّ غششته، والهاء في «أسّه» ترجع إلى «من» أي من نصحني في صحبته نصحته. والخلّ: الصاحب. بخسه: نقصه أخسر: أنقص. الورى:
_________________
(١) البيت لبدر بن عامر الهذلي في شرح أشعار الهذليين ص ٤١٠، وللهذلي في لسان العرب (حزن)، وتهذيب اللغة ١١/ ٣٦.
[ ١ / ١١٨ ]
الخلق من الناس. الجنى: ما يجني من الثمرة أبتغي الغبن: أطلب الخداع: أنثني:
أرجع، وصفقة المغبون: بيعة المخدوع حسّه: فهمه، والحسنّ: صوت حركة الحيّ.
والصفقة: في الأصل مصدر، يقال: صفق صفقا إذا ضرب بإحداهما على الأخرى، وكانت صفقة البيع عند العرب أن يضرب المشتري بيده على يد البائع، فإن رضي البيع قبض على يد المشتري وانعقد البيع، وإن لم يرض أرسل يده، ثم صاروا يقولون، رضي الصفقة، إذا رضي البيع، ثم سمّي عقد البيع صفقة. مذاق: خلّاط غير مخلص. الهوى:
الحبّ. وخالني: حسبني. لبسه: تخليطه وتلبيسه. غريمي: صاحب ديني: من جنسه:
من نوع ما أعطاني. استغباك: استجهلك. القلي: البغض. هبه: احسبه. الملحود:
المدفون. رمسه: قبره، وينظر إلى بيته قول ابن الروميّ: [الرمل]
من تصدّى لأخيه بالغنى فهو أخوه
فإن احتاج إليه راء منه ما يسوه
يكرم المثري فإن أم لق أقصاه بنوه
أنت ما استغنيت عن صا حبك الدّهر أخوه
فإن احتجت إليه ساعة مجّك فوه
ووجد على حجر مكتوبا: [الرمل]
كلّ من أحوجك الدهر إليه وتعرّضت له هنت عليه
وهذان المذهبان اللّذان ذكرهما الحريريّ مبنيان على آيتين، من كتاب الله تعالى؛ قوله تعالى: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ، والثانية قوله تعالى: وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ [الشورى: ٤١].
وقال النبي ﷺ: «لا خير في صحبة من لا يرى لك من الحق، مثل الذي ترى له».
وللشعراء القدماء والمحدثين في المذهبين شعر كثير، قال المقنّع الكنديّ في المذهب الأول: [الطويل]
وإنّ الّذي بيني وبين بني أبي وبين بني عمّي لمختلف جدّا (١)
أراهم إلى نصري بطاء وإن هم دعوني إلى نصر أتيتهم شدّا
وإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا
وإن ضيّعوا غيبي حفظت غيوبهم وإن هم هووا غيّ هويت لهم رشدا
وإنّ زجروا طيرا بنحس تمرّ بي زجرت لهم طيرا تمرّ بهم سعدا
لهم جلّ مالي إن تتابع لي غنى وإن قلّ مالي لم أكلفهم رفدا
_________________
(١) الأبيات في شرح ديوان الحماسة للخطيب التبريزي ٣/ ١٧١.
[ ١ / ١١٩ ]
ولا أحمل الحقد القديم عليهم وليس يسود القوم من يحمل الحقدا
وقال معن بن أوس المزنيّ في المذهب الثاني: [الطويل]
إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته على طرف الهجران إن كان يعقل (١)
ويركب حدّ السيف من أن تضيمه إذا لم يكن عن شفرة السيف مزحل
وكنت إذا ما صاحب رام ظنّتي وبدّل سوءا بالذي كنت أفعل
قلبت له ظهر المجنّ فلم أدم على ذاك إلّا ريثما أتحوّل
وقال إبراهيم بن العباس الصولي: [الوافر]
أميل مع الذّمام إلى ابن عمّي وآخذ للصديق من الشقيق (٢)
وإن ألفيتني حرّا مطاعا فإنك واجدي عبد الصديق
أفرّق بين معروفي وبيني وأجمع بين مالي والحقوق
وكنت إذا الصديق أراد غيظي وأشرقني على شرق بريقي
غفرت ذنوبه، وصفحت عنه مخافة أن أعيش بلا صديق
وكلّف إبراهيم بن العباس بعض إخوانه مقاطعة صديق فقال له: [مجزوء الكامل]
إني متى أحمل بحقد ك لا أضرّ به سواكا (٣)
ومتى أطعتك في أخيك أطعت فيك غدا أخاكا
حتّى أرى مستقسما يومي لذا، وغدا لذاكا
وقال أبو الفتح البستيّ في المذهب الثاني: [السريع]
فإن تزرني أزر وإمّا تقف ببابي أقف ببابك
والله لا كنت في حسابي إلّا إذا كنت في حسابك
أين هذا من قول البستيّ أيضا وقد خالفه فيه خلافا شديدا، ولا نازعه أحد فيه، ولا سبقه إليه إذ يقول: [المتقارب]
وإنّي لأختصّ بعض الرجال وإن كان فدما ثقيلا عباما (٤)
فإنّ الجبين على أنه وخيم ثقيل يشهّي الطّعاما
_________________
(١) الأبيات في شرح ديوان الحماسة للخطيب التبريزي ٣/ ١٣٢.
(٢) الأبيات في ديوان الصولي ص ١٥٤.
(٣) الأبيات في ديوان الصولي ص ١٤٦.
(٤) العبام: هو الغليظ الجامي.
[ ١ / ١٢٠ ]
ولابن شرف: [البسيط]
بع من جفاك ولا تبخل بسلعته واطلب به بدلا إن رام تبديلا
وهو كثير، وبما ذكرت يستدلّ على الباب.
***
قال الحارث بن همّام: فلمّا وعيت ما دار بينهما، تقت إلى أن أعرف عينهما، فلمّا لاح ابن ذكاء، وألحف الجوّ الضّياء، غدوت قبل استقلال الرّكاب، ولا اغتداء الغراب، وجعلت أستقرئ صوب الصّوت اللّيليّ، وأتوسّم الوجوه بالنّظر الجليّ، إلى أن لمحت أبا زيد وابنه يتحادثان، وعليهما بردان رثّان، فعلمت أنّهما نجيّا ليلتي، وصاحبا روايتي.
***
قوله: «وعيت»، أي حفظت. تقت، أي اشتقت. عينهما: شخصهما لاح: ظهر.
ابن ذكاء: هو الصبح، وذكاء هي الشمس، ويقال للصبح: ابن ذكاء لأنه من ضوئها.
ألحف: غطّى. الجوّ: الهواء بين السماء والأرض، أراد أن الصبح غطى نواحي السماء بضوئه.