ونذكر الآن من نفيس الشعر المضمّن «من ظفر من محبوبه بمراده من الوصال، ثم عفّ عما يخلّ بأهل الجلال»، قال إدريس بن اليمان: [البسيط]
لم تدر ما خلّدت عيناك في خلدي من الغرام ولا ما كابدت كبدي
أفديك من زائر رام الدنوّ فلم يسطعه من حرق في الدّمع متّقد
خاف العيون، فوافاني على عجل معطّلا جيده إلّا من الغيد
عاطيته الكأس فاستحيت مدامتها من ذلك الشّنب المعسول والبرد
حتى إذا غازلت أجفانه سنة وصيّرته يد الصّهباء طوع يدي
أردت توسيده خدّي وقلّ له فقال: كفّك عندي أفضل الوسد
فبات في حرم، لا غدر يزعجه وبتّ ظمآن لم أصدر ولم أرد
بدر ألمّ وبدر التّمّ منمحق والأفق محلولك الأرجاء من حسد
تحيّر الليل فيه، أين مطلعه أما درى اللّيل أن البدر في عضدي!
وقال الرّماديّ: [السريع]
وليلة راقبت فيها الهوى على رقيب غير وسنان
والرّاح ما تنزل عن راحتي وقتا ومن راحة ندماني
وربّ يوم قيظه منضج كأنّه أحشاء ظمآن
أبرز من خدّيه لي رشحه طلّا على ورد وسوسان
وكان في تحليل أزراره أقود لي من ألف شيطان
فتحت الجنّة من جيبه فبتّ في جنّة رضوان
مروءة في الحبّ تنهي بأن يجاهر الله بعصيان
وقال سعيد بن حميد: [الخفيف]
زائر زارنا على غير وعد أهيف الكشح، مثقل الأرداف
غالب الخوف حين غلبه الشّو ق فأخفى الهوى وليس بخافي
غضّ طرفي عنه تقى الله واختر ت على بذله بقاء التّصافي
[ ١ / ٢٩٨ ]
ثم ولّي والخوف قد هزّ عطفي هـ، ولم نخل من لباس العفاف
وقال بعض الطالبيين: [الطويل]
رموني وإيّاها بشنعاء هم بها أحقّ، أدال الله منهم وعجّلا
بأمر تركناه وربّ محمد جميعا، فإما عفّة أو تجمّلا
وسنزيد ما يستحسن في العفاف وضده في الثانية عشر.
قوله: «علم السّروجيّة»، أي مشهورها. والعلم: الجبل.
***
فلبثت إلى أن زهرت نجوم الظّلام، وانتثرت عقود الزّحام، ثمّ قصدت فناء الوالي، فإذا الشّيخ للفتى كالي، فنشدته الله: أهو أبو زيد؟ فقال: إي ومحلّ الصّيد! فقلت: من هذا الغلام، الّذي هفت له الأحلام، قال: هو في النّسب فرخي، وفي المكتسب فحّي، قلت: فهلّا اكتفيت بمحاسن فطرته، وكفيت الوالي الافتنان بطرّته! فقال: لو لم تبرز جبهته السّين، لما قنفشت الخمسين، ثمّ قال:
بت الليلة عندي لنطفئ نار الجوى، ونديل الهوى من النّوى، فقد أجمعت على أن أنسلّ بسحرة، وأصلي قلب الوالي نار حسرة.
***
لبثت: أقمت. عقود: جمع عقد، أراد ما يعقد من جموع النّاس في الزّحام.
انتثرت: افترقت. زهرت: أضاءت. الفناء: ما حول الدار. ناشدته: سألته. هفت، أي طارت. الأحلام: العقول. فطرته: خلقته. تبرز: تظهر. والطّرّة: قد تقدمت، وشبّه اعتدال الشّعر على الجبهة بشكل السين على السّطر، وأخذه من قول التّهاميّ: [البسيط]
يا ربّ معنى بعيد الشأن نسلكه في سلك لفظ قريب الفهم مختصر
لفظ يون لقعد القول واسطة ما بين منزلة الإسهاب والخصر
إن الكتابة صارت تحت أنمله والجود فالتقيا منه على قدر
تردّ أقلامه الأرماح صاغرة عكسا، كعكس شعاع الشّمس للقمر
وفي كتابك فاعذر من يهيم به من المحاسن ما في أحسن الصّور
الطّرس كالخدّ والنونات دائرة مثل الحواجب والسّينات كالطّرر
ومن ملح الخبز أرزيّ: [الرمل]
وبنفسي من إذا خمّشته نثر الورد عليه ورقه
[ ١ / ٢٩٩ ]
وإذا مسّت يدي طرّته أفلتت منه فعادت حلقه
أخذها من حكاية لعمر بن أبي ربيعة؛ حدّث المغيرة بن عبد الرحمن، قال:
حججت مع أبي وأنا غلام، عليّ جمّة، فجئت عمر فسلّمت عليه، فجلست عنده، فجعل يمدّ الخصلة من شعري ثم يرسلها، فترجع على ما كانت عليه، ويقول: وا شباباه! حتى فعل ذلك مرارا، ثم قال لي: يا ابن أخي، قد سمعتني أقول في شعري: قالت وقلت وكلّ مملوك لي حرّ إن كنت كشفت عن فرج امرأة حرام قطّ، فسألت عن رقيقه، فقيل لي: أما في الحوك فسبعون سوى غيرهم.
وساير عمر عروة بن الزبير يحدّثه، فقال: وأين زين المواكب؟ - يعنى ابنه محمدا، وكان يعرف بذلك لجماله- فقال عروة: هو أمامك، فركد يطلبه، فقال له عروة: يا أبا الخطّاب، أولسنا أكفاء كراما لمحادثتك! قال: بلى، بأبي أنت وأمي، ولكني مغرى بهذا الجمال حيث كان، ثم التفت إليه، وقال: [البسيط]
إنّي امرؤ مولع بالحسن أتبعه لا حظّ لي فيه إلّا لذّة النّظر
أخذه العباس بن الأحنف، فقال: [البسيط]
أتأذنون لصبّ في زيارتكم فعندكم شهوات السّمع والبصر
لا يضمر السّوء إن طالت إقامته عفّ الضمير ولكن فاسق النّظر