وسمّي موسى لأنّهم وجدوه بين ماء وشجر، ومو بالقبطية هو الماء، وشا الشجر، فعربت فجعلت الشين سينا. وهو موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوى بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵇، ولم تزل بنو إسرائيل من عهد يوسف ﵇ تحت أيدي الفراعنة، وهم على بقايا من دين إبراهيم ﵇ المشروع له وإسحاق ويعقوب ويوسف عليهم الصلاة والسلام، حتى كان فرعون الذي بعث موسى ﵇ إليه، ولم يكن منهم فرعون أعتى على الله منه ولا أطول عمرا. وكان شديد الغلظة سيّئ الملكة. واسمه الوليد بن مصعب، وكان اتّخذ بني إسرائيل خولا، فصنف منهم يبنون، وصنف يحرثون، ومن لا عمل له وظّف عليه الجزية، فرأى في منامه أن نارا أقبلت من المقدس، فأحرقت القبط وتركت بني إسرائيل، فسأل عن رؤياه، فقيل له:
يخرج من هذا البلد الذي جاء بنو إسرائيل منه رجل يكون على يديه هلاك مصر، فأمر بقتل كلّ مولود يولد في بني إسرائيل. فجمع القوابل وعهد إليهنّ بذلك، فذبح الولدان
[ ١ / ١٤٢ ]
وعذّب الحبالى، حتى يطرحن ما في بطونهنّ، حتى كاد يفنيهم، فقيل له: إنما هم خولك، وإنك إن تفنهم ينقطع النسل. فأمر بقتل الغلمان عاما ويستحيون عاما، فولد هارون في السنة التي يستحيون فيها. وولد موسى في السنة التي يقتلون فيها.
فلما وضعته أمه حزنت لشأنه، فأوحى الله إليها: أن أرضعيه، فإذا خفت عليه فألقيه في اليمّ- وهو النيل- ولا تخافي ولا تحزني. فعملت تابوتا وجعلته فيه، وألقته في اليمّ، وقالت لأخته: قصّيه، أي اقتفي أثره، فحمله الماء حتى أدخله بين أشجار تحت قصر فرعون، فخرج جواري فرعون يغتسلن، فوجدن التابوت، فأدخلنه إلى آسية امرأة فرعون، وهي بنت مزاحم، إسرائيليّة، فكشفت عنه التابوت، فرأته. فرحمته وأخذته، وأخبرت به فرعون، فأراد أن يذبحه، وخشي أن يكون المولود الذي حذّر منه، فلم تزل به آسية حتى تركه لها، وذلك قوله تعالى: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا [القصص: ٨]، فاللام من لِيَكُونَ للعاقبة، ولم يكن لفرعون ولد، فاتّخذه له ولدا، فارتادوا له المرضعات، فلم يقبل ثدي واحدة منهن، ولما غاب أمره عن أمه، كاد قلبها يطير وجدا عليه، فبعثت أخته كأنّها تلتمس رضاعه، فلما رأت أسفهم عليه حيث لا يقبل على مرضعة- وذلك قوله تعالى وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ [القصص: ١٠] قالت: هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم؟ فقالوا لها: دلّينا على ذلك، فذهبت فجاءت بأمه.
فلما رأته كادت لشدّة حبّها فيه، وفرحها به أن تقول: هو ابني، وتفتضح، فعصمها الله من ذلك، وذلك قوله تعالى: وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها [القصص: ١٢]، فأعطته ثديها، فأخذ يرضعه. فربّته في قصر فرعون، فلما تحرّك عرضته آسية على فرعون، فلما أخذه مدّ موسى يده إلى لحيته فنتفها، فقال فرعون: عليّ بالذبّاحين، فإنما هو هذا! فقالت آسية: قرّة عين لي ولك، لا تقتلوه فإنه صبيّ لا يعقل، ودعت له بحمر وياقوت لتختبره، فطرح جبريل ﵇ يده في النار وأخذ قطعة منها، فوضعها موسى ﵇ في فمه، فأحرقته. فتكره فرعون، فكبر في حجره. فلمّا ترعرع تبنّاه، فكان يركب مراكبه ويلبس ملابسه، ويدعى ابن فرعون.
ثم إن موسى ﵇ أخبر أن فرعون قد ركب، فركب أثره، فأدركه ببلد منف، فدخلها وقد أحليت لفرعون وليس في طرقها أحد، فرأى إسرائيليامع قبطيّ يقتتلان، فاستغاثه الإسرائيليّ، فوكز القبطيّ فقضى عليه، فكان من قصته معهما ما قص الله تعالى في كتابه، حتى خرج خائفا يترقب إلى مدين.
وأما رجوعه منها إلى فرعون بأنه رسول الله إلى أن غرق فرعون في البحر وجنوده، فمذكور في الثامنة عشرة.
***
[ ١ / ١٤٣ ]
قوله: «نهضت»، أي مشيت. سجا الدجى: سكن بالظلام وغطّى كل شيء.
الوجى: الحفا. أرتاد: أطلب. مضيفا: منزلا، وأضافه: أنزله. وضافه: نزل به فهو ضيفه، أي النازل به. أقتاد: أقود. حادي السغب: سائق الجوع [الرجز]
***
حيّيتم يا أهل هذا المنزل وعشتم في خفض عيش خضل
ما عندكم لابن سبيل مرمل نضو سرى خابط ليل أليل
جوى الحشى على الطّوى مشتمل ما ذاق مذ يومان طعم المأكل
ولا له في أرضكم من موئل وقد دجا جنح الظّلام المسبل
وهو من الحيرة في تململ فهل بهذا الرّبع عذب المنهل
يقول لي: ألق عصاك وادخل وابشر ببشر وقرى معجّل!
***
حيّيتم: طابت حياتكم، والتحيّة البقاء. خفض: لين وخفض عيشه خفضا، إذا أخصب، خضل: ناعم، وخضل: الشيء يخضل خضلا: ابتلّ ابن سبيل: خاطر طريق، وهو الغريب، وسمّي الغريب ابن السّبيل، لأنه إذا ظهر على قوم لا يعرفونه لم يعرف له نسب إلا السبيل الذي جاء منه. ومرمل: لا زاد له، وأرمل القوم: فنى زادهم.
ومن أبيات اللّغز في ابن السبيل: [الطويل]
ونحن ابن من لا ينكر النّاس فضله وليس له في الناس من طالب وترا
فإن تحفظوا فينا أبانا فحقّنا رعيتم وإلّا أوقدت ناركم شرّا
أي سبيتم في كل مكان، كما قال الآخر: [الطويل]
وأنت الذي شيّبتني قبل شيبتي وأوقدت لي نارا بكلّ مكان
ومنها أيضا: [الوافر]
وأحيانا يكون كبير سنّ وأحيانا يكون من الشّباب
ومنسوب إلى من لم يلده كذاك الله أنزل في الكتاب
قوله: «نضو سرى»، أي هزيل من مشى اللّيل في الأسفار. وخابط ليل: الذي يمشي فيه على غير هداية. أليل: شديد السواد. جوى الحشى: فاسد الجوف من الجوع، وهو الطوى. مشتمل: منضمّ، أي قد انضمّ جوفه على الجوع، ففسدت أحشاؤه. موئل: ملجأ، من ووألت إلى كذا أي لجأت. دجا: ألبس. جنح: سواد:
المسبل. المطبق. تململ: تقلّب وتوجّع. والرّبع: المنزل، والمنهل: موضع الماء.
[ ١ / ١٤٤ ]
ويقال: ألقى عصاه، إذا ترك السّير وأقام، وروى الأصبعيّ عن بعض البصريين أنه قال: سمّيت العصا عصا لأن اليد والأصابع تشتمل عليها، وهو من قول العرب: عصوت القوم إذا جمعتهم على خير أو شرّ، ويقال: عصي بالسيف يعصى إذا ضرب به كما يضرب بالعصا. بشر: طلاقة وجه.
***
قال: فبرز إليّ جوذر، عليه شوذر، وقال: [الرجز]
وحرمة الشّيخ الّذي سنّ القرى وأسّس المحجوج في أمّ القرى
ما عندنا لطارق إذا عرى سوى الحديث والمناخ في الذّرا
* فما ترى فيما ذكرت ما ترى*
***
برز: خرج. جؤذر: ظبي، وأصله ولد الغزالة. الشوذر: ثوب قصير.