وهمذان، بفتح الميم ونقط الذال: بلد بخراسان. وقيل همذان من كور الجبل.
وبلد همذان واسع جليل القدر كثير الأقاليم والكور، افتتح سنة ثلاث وعشرين، ويشرب أهلها من عيون وأودية، وقال اليعقوبي: من أراد السير من الدّينور إلى همذان سار متنزها إلى موضع، يقال له: أسدآباذ مرحلتين من أسدآباذ إلى مدينة همذان مرحلتان- وهي كثيرة البرد. وقال فيها ابن خالويه- وهو همذاني، واستوطن حلب عند بني حمدان:
[الطويل]
إذا همذان اعترّها البرد وانقضى برغمك أيلول وأنت مقيم
فعيناك عمشاء وأنفك سائل ووجهك مسود البياض بهيم
بلاد- إذا ما الصيف أقبل جنة ولكنّها عند الشتاء جحيم
ولبعضهم: [الكامل]
همذان متلفة النّفوس ببردها والزّمهرير، وحرّها مأمون
غلب الشتاء مصيفها وخريفها فكأنّما تمّوزها كانون
وكل الرواة يروونها «همذان» بفتح الميم ونقط الذال، إلا ابن اللبّانة فإني رأيت في شرحه: همدان بسكون الميم ودال غير معجمة، وهي قبيلة يمانية، قال فيها عليّ بن أبي طالب ﵁ وكرّم الله وجهه: [الطويل]
ولو كنت بوابا على باب جنّة لقلت لهمدان ادخلوا بسلام
والرواية الأولى أثبت. قوله: «عزا» أي نسب يقال: عزيته عزيا، وعزوته عزوا:
نسبته؛ واعتزي إلى بني فلان: انتسب إليهم وأبو الفتح في البديعية بمنزلة أبي زيد في الحريرية، وعيسى بمنزلة الحارث نشأتها: صنعتها. وروايتها: إسناد أحاديثها. والنكرة التي لا تتعرف، هي في غير الأسماء.
***
[ ١ / ٢١ ]
فأشار من إشارته حكم، وطاعته غنم، إلى أن أنشئ مقامات أتلو فيها تلو البديع وإن لم يدرك الظالع شأو الضّليع، فذاكرته بما قيل فيمن ألّف بين كلمتين، ونظم بيتا أو بيتين، واستقلت من هذا المقام الذي فيه يحار الفهم، ويفرط الوهم ويسبر غور العقل وتبين قيمة المرء في الفضل، ويضطر صاحبه إلى أن يكون كحاطب ليل أو جالب رجل وخيل، وقلّما سلم مكثار، أو أقيل له عثار.
***
غنم: غنيمة وحكى الفنجديهي في شرحه للمقامات: أن الذي أشار عليه بها هو شرف الدين أنوشروان بن خالد وزير الخليفة، أمره بإنشاء المقامات وحكم عليه بها.
وقيل: أمره به صاحب البصرة وواليها، وقال: سمعت الشيخ الثقة أبا بكر عبد الله بن محمد بن أحمد بن النقور البزار ببغداد يقول؛ سمعت الشيخ الرئيس أبا محمد الحريري يقول: أبو زيد السّروجيّ كان شحاذا بليغا، ومكديا فصيحا، ورد علينا البصرة، فوقف يوما في مسجد بني حرام يتكلم، ويسأل شيئا، وكان بعض الولاة حاضرا، والمسجد غاص بالفضلاء فأعجبهم بفصاحته، وحسن صناعته وملاحته، وذكر أسر الروم ابنته، كما ذكرنا في المقامة الحرامية وهي الثامنة والأربعون، قال: فاجتمع عندي عشية ذلك اليوم جماعة من المعارف فضلاء البصرة وعلمائها، فحكيت لهم ما شاهدت من ذلك السائل وسمعت من لطافة عبارته في تحصيل مراده، وطرافة إشارته في تسهيل إيراده؛ فحكى كلّ واحد من جلسائي أنه شاهد من هذا السائل في مسجده مثل ما شاهدت، وإنه سمع منه معنى آخر فصلا أحسن مما سمعت، وكان يغير في كل مسجد زيه وشكله، ويظهر في فنون احتياله، فعجبوا من جريانه في ميدانه، وافتنانه في إحسانه؛ قال الحريري؛ فابتدأت في إنشاء المقامة الحرامية تلك الليلة، حاذيا حذوه فلما فرغت منها أقرأتها جماعة من الأعيان، فاستحسنوها غاية الاستحسان، وأنهوا ذلك إلى وزير السلطان، واقترحوا عليّ أخواتها، والله المستعان.
وهذا الذي ذكر الفنجديهي قد حدثني بنحوه من يوثق به من الطلبة، بسند يتصل بأبي محمد الحريري، وإن الحريري وفد مع أهل البصرة بغداد، فوجدوا بواسط أبا زيد السروجي فقال: يا أهل البصرة أنتم تزعمون أنكم لا تكادون ولا تخدعون، وقد والله مشيت على مساجدكم ومحاضركم، فما تعذر عليّ فيها موضع لم أجلب منافع أهله بضروب من المكر، فلما بلغوا بغداد أخبروا بالقصة وزير السلطان، فأمر الحريري بجمع المقامات.
لكن الذي ثبت عندنا هو ما حدثني به الشيخ الفقيه أبو بكر بن أزهر أن الفقيه الراوية أبا القاسم بن جهور، حدثه أن الحريري حدثه أن قصة المقامة الثامنة والأربعين
[ ١ / ٢٢ ]
حق، وأن رجلا قام بمسجد بني حرام فأظهر التوبة من ذنبه، وسأل عن الوجه في كفّارته فقام رجل من بين الناس، فذكر أسر ابنته، فنظم الحريري القصة وجعلها مقامة، وأنها أول مقامة أثبتت في الكتاب وكان ابن جهور يقول: إن الذي أشار إليه بها في قوله: «فأشار من إشارته حكم» هو المستظهر بالله العباسي، وكان لهذا المستظهر رغبة في الطلب، وحظ من الأديب، وعناية بأهل العلم.
وحدث ابن جهور أنه دخل بغداد في أيامه وبها ألف رجل وخمسمائة رجل حامل علم، وكلهم قد أثبت أسماءهم السلطان في الديوان، وأجرى على كلّ واحد من المال بقدر حظّه من العلم، وكان ابن جهور يحدث أن الحريري ألّف المقامات كلها على الرّكاب، وذلك أن المستظهر بالله لما أمره بصنعتها، أخرج كالحافظ على العمال، فكان يخرج في الأبردين يتمشى في ضفتي دجلة والفرات، ويصقل خاطره بنظر الخضرة والمياه فلمينقض فصل العمل إلا وقد اجتمع له مائتا مقامة فخلّص منها خمسين وأتلف البواقي، وصدر الكتاب، ورفعه إلى السلطان فبلغ عنده أسنى المراتب.
قوله: «فذاكرته بما قيل فيمن ألف بين كلمتين ونظم بيتا أو بيتين»، قال عمرو بن العلاء: الإنسان في فسحة من عقله، وفي سلامة من أفواه الناس، ما لم يضع كتابا أو يقل شعرا.
وقال العتابيّ: من صنع كتابا فقد استشرف للمدح والذم، فإن أحسن فقد استهدف للحسد والغيبة، وإن أساء فقد تعرّض للشتم بكل لسان.
غيره: من صنف فقد جعل عقله على طبق يعرضه على الناس. وقال حسان: [البسيط]
وإنما الشّعر عقل المرء يعرضه على البريّة إن كيسا وإن حمقا (١)
وإن أحسن بيت أنت قائله بيت يقال إذا أنشدته صدقا
واستقلت: طلبت الإقالة. المقام: موضع القدمين وأنت قائم. يحار: يتحير:
يفرط: يسبق. الوهم: الغلط. يسبر غور العقل، يختبر قدره ومنتهاه، وأصله في الجراحات يختبر غورها، أي بعد قعرها. والمسبار: الحديدة التي يقاس بها مقدار غور الجراحة وسبرها: قاسها به، يفعل ذلك الدبيب للقصاص أو للدواء. ويقال لحديدته:
السّبار والمسبار والمسبر والمكحل والميل والمرود والمجراف.
تبين: تتبيّن، يضطر: يلجأ. حاطب ليل: جامع الحطب بالظلام، وهذا مثل لأكثم ابن صيفي حكيم العرب، ذكره أبو عبيد في الأمثال وقال: إنما شبّهه بخاطب الليل لأنه ربما نهشته الحية أو لسعته العقرب في احتطابه ليلا، فكذلك المهذار ربما أصابه في إكثاره بعض ما يكره، وقال الفرزدق: [الطويل]
_________________
(١) البيت في ديوان حسان بن ثابت ص ٢٩٢.
[ ١ / ٢٣ ]
كمحتطب ليلا أساود هضبة أتاه بها في ظلمة الليل حاطبه (١)
وأبين من تفسيره أن حاطب الليل لا يبصر ما يحتطب، فهو يؤلف بين الحطب الكبير والصغير والقوي والضعيف والجيد والرديء، فكذلك المكثار يأتي بالضعيف من الكلام والقوي والجيد والرديء، فشبهه لذلك بالحاطب وأراد ب «جالب رجل وخيل» ما أراد بحاطب الليل، لأن الراجل ضعيف والفارس قوي، والمكثار: الكثير الكلام، قال النبي ﷺ: «من كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه كثرت ذنوبه، ومن كثرت ذنوبه، كانت النار أولى به، ألا ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليسكت» (٢).
أقيل: أقيم ورفع. عثار: انكباب وسقوط وإقامة العاثر أن ترفعه من سقطته ومنه الإقالة في البيع ونحوه.
***
فلمّا لم يسعف بالإقالة، ولا أعفى من المقالة لبّيت دعوته تلبية المطيع، وبذلت في مطاوعته جهد المستطيع وأنشأت- على ما أعانيه من قريحة جامدة، وفطنة خامدة ورويّة ناضبة وهموم ناصبة- خمسين مقامة تحتوي على جدّ القول وهزله ورقيق اللفظ وجزله وغرر البيان ودرره وملح الأدب ونوادره، إلى ما وشّحتها به من الآيات ومحاسن الكنايات ورصّعته فيها من الأمثال العربية، واللطائف الأدبية والأحاجي النّحوية والفتاوى اللغوية والرسائل المبتكرة والخطب المحبرة والمواعظ المبكية والأضاحيك الملهية مما أمليت جميعه على لسان أبي زيد السروجيّ، وأسندت روايته إلى الحارث بن همام البصريّ.
والاسعاف المصدر، وساعفته مساعفة: قضيت إرادته ولا أعفى من المقالة، أي لم يعفني من كلامه وإلحاحه، وأعفيت: الرجل وعافيته: أزلت عنه ما يشق عليه وأصله الترك، ومنه إعفاء اللحية، وهو أن يتركها على حالها، ومنه: عفا الله عنك لبيت: أجبت وقلت: لبيك. أنشأت: ابتدأت وأخذت أفعل، أعانيه: أعالجه وأصلها من العناء وهو التعب قريحة: ذهن وأصلها ماء البئر النابع عند حفرها، ومنه القرحة للجراحة، لأن أصلها مادة وشبه الذهن بذلك لما يتولد عنه من المعاني فطنة: ذكاء والفطن: الذكيّ خامدة ساكنة وخمدت النار: سكن لهبها روية تدبر وروّأت الأمر تدبرت كيف تصنعه.
_________________
(١) البيت في ديوان الفرزدق ص ٥١.
(٢) أخرجه البخاري في الرقاق باب ٢٣، ومسلم في الإيمان حديث ٧٥، ٧٧، والترمذي في البر باب ٤٣، وابن ماجة في الأدب باب ٣٤، والفتن باب ١٢، والدارمي في الأطعمة باب ١١، وأحمد في المسند ٥/ ٢٤، ٤١٢.
[ ١ / ٢٤ ]
وأصل الروية الهمز واستعملت بغير همز. ناضبة: جافة، ونضب الماء: غار في الأرض.
ناصبة: متعبة، وهمّ على معنى النسب أي ذو نصب ولو جاء على القياس لقيل: منصب، لأن فعله أنصبه الهمّ وقال بشر: [الطويل]
تعنّاك همّ من أميمة منصب وجاء من الأخبار ما لا يكذب (١)
ونصب نصبا: أعيا من التعب. جزلة: غليظة ومتينة. وغرر: جمع غرة وهي خيار الشيء ومنه غرّة الفرس وهو البياض في جبهته فجعلها للبيان مجازا. درره جمع درّة، وهي الجوهرة العظيمة، والكلام الحسن يشبه بالدرر والجواهر، ملح: جمع ملحة، وهي مليح الكلام. نوادره: غرائبه وشحتها: زينتها، الكنايات: ضرب من الألغاز، وأصل الكناية أن تذكر الشيء بغير لفظه، إما لإبهام على جليسك أو لتعظيم أو لتحقير، فالإبهام أن تذكر لفظا يفهم من ظاهره غير مرادك مثل قوله تعالى حاكيا عن هود ﵇، حين قال له قومه: إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ [الأعراف:
٦٦، ٦٧] فليس في اللفظ زيادة على ما في السفاهة، وقد تضمن الكلام التكذيب لهم والتعظيم، مثل كناية الرجل بأبي فلان، ترك اسمه وعدل إلى كنايته تعظيما له. والتحقير:
أن يكون الشيء خسيسا فتأنف من ذكره فتذكره بغير اسمه، . مثل قوله تعالى: كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ [المائدة: ٧٥] فكنى عن الحدث بالأكل لما كان يتولد عنه، رصّعته:
نظمته، وألصقت بعضه ببعض، وتاج مرصّع: مزين بخرز وجوهر ينتظم فيه. اللّطائف:
الرقائق والكلمة اللطيفة، أي الرقيقة المعنى التي تحل في القلب فتلطفه، الأحاجي:
ضرب من الألغاز واحدها أحجيّة، وهي قولك لصاحبك: أخرج: ما في يدي ولك كذا تقول العرب: أحاجيك ما في يدي؟ وحجيّاك ما في يدي؟ وهي من الحجى وهو العقل.
الفتاوى اللغوية، أراد بها المسائل المائة التي في الثانية والثلاثين والفتيا: إظهار الشيء المسئول عنه عند السؤال. المبتكرة: التي لم يسبق إليها، وبكر وابتكر خرج بكرة ومنه الباكور وهو المبكر من كل شيء في الإدراك، وبكر كلّ شيء: أوله. والمحبّرة: المزينة، وحبرت الشيء تحبيرا زينته، وأصلها من الحبر وهي ثياب تصنع باليمن فيها رقوم وتزيين أمليت: ألقيت، وأمليت على الصبيّ: ألقيت عليه ما يكتب. أسندت: رفعت.
***
_________________
(١) البيت لبشر بن أبي خازم في ديوانه ص ٧، ورواية البيت فيه: تغناك نصب من أميمة منصب كذي الشوق لمّا يسله وسيذهب ولطفيل الغنوي في ديوانه ص ٣٧، ورواية البيت فيه: تأوّبني همّ مع الليل منصب وجاء من الأخبار ما لا أكذب والأغاني ١٥/ ٣٤٢، والرواية فيه كما في ديوان طفيل والبيت بلا نسبة في جمهرة اللغة ص ٣٥٠.
[ ١ / ٢٥ ]
وما قصدت بالإحماض فيه إلا تنشيط قارئيه، وتكثير سواد طالبيه. ولم أودعه من الأشعار الأجنبيّة إلا بيتين فذين أسّست عليهما بنية المقامة الحلوانية وآخرين توأمين ضمنتهما المقامة الكرجيّة وما عدا ذلك فخاطري أبو عذره ومقتضب حلوه ومرّه هذا مع اعترافي بأنّ البديع ﵀ سبّاق غايات وصاحب آيات، وأنّ المتصدّي بعده لإنشاء مقامة؛ ولو أوتي بلاغة قدامة، لا يغترف إلا من فضالته، ولا يسري ذلك المسرى إلا بدلالته.
***
الإحماض: الانتقال من الشيء إلى شيء، وأصله في الإبل ترعى الخلة وهي حلوة المرعى فتملّه فتنتقل إلى الحمض تأكل منه فيذهب الحمض عن قلوبها استيلاء الحلاوة فتنشط بذلك على الرعي فيقال: أحمض الرجل إحماضا، والعرب تقول: الخلة خبز الإبل والحمض فاكهتها فأراد به تنقله في المقامات، من حكاية فائقة إلى قضية رائقة، ومن موعظة تبكي إلى ملهية تسلي، وفي ذلك تنشيط وترغيب في قراءتها، ونفي للملل والكسل عن قارئها، سواد: أشخاص، ويسمى الشخص سوادا، لأنه يسود الأرض بظله.
أودعه: أضمنه، الأجنبية: التي ليست من شعره، والأجنبي: من ليس بينك وبينه قرابة من الجنابة وهي البعد فذين: منفردين هذا من شعر وهذا من آخر، وتوأمين: أخوين من شعر واحد. أسست: أصلت، والأساس أصل الحائط. الحلوانية والكرجية: منسوبتان إلى حلوان والكرج، وهما بلدان، ما عدا: ما جاوز. خاطري: ذهني. أبو عذره، أي أول صانع له، يقال للمرأة: فلان أبو عذرها، أي أول زوج تزوجها فوجدها عذراء فافتضها وأزال عذرتها، أي ما بها من صعوبة، مقتضب. مقتطع. حلوه ومرّه: جيده ورديئه.
غايات: جمع غاية وهي طلق (١) الخيل والسباق منها الذي يجيء أبدا سابقا المتصدي: المتعرض. بلاغة: فصاحة، وأصلها أن يبلغ الإنسان من الكلام والحجة ما أراد.