قال البحتريّ: كنت أروم الشعر في حداثتي، وكنت أرجع فيه إلى الطبع، ولم أكن أقف على تسهيل مأخذه ووجوه اقتضائه، حتى قصدت أبا تمّام، وانقطعت فيه إليه، واتّكلت في تعريفه عليه، فكان أوّل ما قال لي: يا أبا عبادة، تخيّر الأوقات وأنت قليل الهموم، صفر من الغموم. واعلم أنّ العادة جرت في الأوقات أن يقصدها الإنسان لتأليف الشيء، أو حفظه في وقت السّحر، وذلك أن النفس تكون قد أخذت بحظها في الراحة، وقسطها من النوم، فإن أردت التشبيب، فاجعل اللفظ رقيقا، والمعني رشيقا، وأكثر فيه بيان الصّبابة، وتوجع الكآبة، وقلق الأشواق، ولوعة الفراق؛ فإذا أخذت في مدح سيّد [ذي أياد]، فأشهر مناقبه، وأظهر مناسبه، وابن معالمه، وشرّف مقامه، ونضّد المعاني، واحذر المحتمل منها. وإيّاك أن تشين شعرك بالألفاظ الهجينة، وكن كأنك خيّاط تقطع الثياب على مقادير الأجسام، وإذا عارضك الضّجر فأرح نفسك، ولا تعمل شعرا إلا وأنت فارغ القلب. واجعل شهوتك إلى قول الشعر الذّريعة إلى حسن نظمه، فإن الشهوة تجمع النفس. وجملة الحال أن تعتبر شعرك بما سبق من شعر الماضين، فما استحسن العلماء فاقصده، وما تركوه فاجتنبه؛ ترشد إن شاء الله تعالى.
قال: فأعملت نفسي فيما قال، فوقفت على السياسة.
***
فقال: هل عثرت له فيما لمحته، على بديع استملحته؟ قال: نعم، قوله: [السريع]
كأنّما يبسم عن لؤلؤ منضّد أو برد أو أقاح (٣)
_________________
(١) ديوان البحتري ص ١٩٠.
(٢) ديوان البحتري ص ١٢٣٠.
(٣) البيت بلا نسبة في تاج العروس (ظلم).
[ ١ / ٧١ ]
فإنّه أبدع في التشبيه، المودع فيه.
***
قوله: «هل عثرت»، معناه اطّلعت. لمحته: نظرته. بديع: معنى لم يسبق غيره إليه من تشبيه أو تجنيس وشبههما ممّا ذكر من صنع البديع في [المقامة] الثالثة والعشرين.
والبدع: إحداث الشيء قبل أن يكون أولا، والبدعة: ما ابتدع من الدّين، والبديع:
المحدث العجيب، وأبدع الرجل: أتى ببديع من قول أو فعل، وأبدع الله الأشياء وابتدعها: خلقها بلا مثال. استملحته: وجدته مليحا. يبسم: يبدي بعض أسنانه عند الضحك. لؤلؤ: جوهر شبّه به الأسنان. وهذا البيت من شعره، وقبله: [السريع]
بات نديما لي حتّى الصّباح أغيد مجدول مكان الوشاح (١)
فبتّ أفديه ولا أرعوي لنهي ناه عنه أو لحي لاح
أمزج كأسي بجنى ريقه وإنما أمزج راحا براح
كأنما يبسم البيت.
وبعده: [السريع]
سحر العيون النّجل مستهلك لبّي، وتوريد الخدود الملاح
قل لأبي نوح شقيق العلا ومعدن الجود، وترب السّماح
أعوذ بالفضل الجميل الّذي عوّدتني، والنائل المستماح
من أن تصدّ الطّرف عنّي وأن أخيب في جدواك بعد النّجاح
أشمتّ حسّادي وأخرجتني عن سيبك المغدى عليّ المراح
فهل لأنس بان من عودة أم هل لحال فسدت من صلاح
لست على سخطك جلد القوى ولا على هجرك شاكي السّلاح
قوله: «المودع»: المضمّن، وأودع الشيء: صيّره وديعة.
***
فقال له: يا للعجب، ولضيعة الأدب! لقد استسمنت ذا ورم، ونفخت في غير ضرم! أين أنت من البيت النّدر، الجامع مشبّهات الثّغر! وأنشد: [البسيط]
نفسي الفداء لثغر رق مبسمه وزانه شنب ناهيك من شنب
يفترّ عن لؤلؤ رطب وعن برد وعن أقاح وعن طلع وعن حبب
***
_________________
(١) الأبيات في ديوان البحتري ص ٤٣٥.
[ ١ / ٧٢ ]
استسمنت: حسبته سمينا وطلبت السمانة من هزيل. ورم: دمّل، والمعنى أنه يرميه بسوء الفهم، وقد بيّن هذا أبو الطيّب المتنبي فقال: [البسيط]
أعيدها نظرات منك صادقة أن تحسب الشّحم فيمن شحمه ورم (١)
وما انتفاع أخي الدّنيا بناظره إذا استوت عنده الأنوار والظّلم
ونفخت في غير ضرم، مثل لطلب الشيء في غير موضعه، ولفظ المثل: «نفخت» أو «تنفخ»، والضّرم: النار. النّدر، والنادر: الغريب. الثغر: الأسنان، مبسمه: موضع ابتسامة، يعني الفم.
الشّنب: الماء القليل الجاري على الأسنان الجرميّ: سمعت الأصمعي يقول:
الشّنب برد الأسنان والفم، فقلت: أصحابنا يقولون: حدّتها حين تطلع، فيراد بذلك حداثتها وطراءتها، لأنّها إذا أتت عليها السنون تغيّرت، فقال: ما هو إلا بردها. ابن سيده: قال الأصمعيّ: سألت رؤبة عن الشّنب ما هو؟ فأخذ حبّة رمان فأومأ إلى بصيصها.
ناهيك: كافيك، وتقول: ناهيك بفلان! أي قد انتهى الأمر فيه إلى الغاية ونهي الرّجل من اللحم وأنهى، إذا شبع منه واكتفى، والنّهي: الغدير لأنه ينتهي إليه ماء الوادي. يفترّ: يكشف ويبسم. رطب، أي طريّ كما أخرج من أصدافه، وفي اللؤلؤ إذ ذاك رطوبة وسطوح بياض، فإذا أصابه الهوى ودام عليه صلب، وإذا تداولته الأيدي باللمس وقدم تغيّر بياضه. الطّلع: أول حمل النخلة، وهو الفرخ فإذا انشق فهو بالضّحك، وبه تشبه الأسنان في بياضه، ثم الإغريض إذا افترق حبّه، وإنّما شبّه الأسنان بالطّلع، وهو الفرخ، لأنه إذا شقّ وجد ما فيه من حمل النخلة في غاية البياض، ويقال له: الوليع، قال الشاعر: [المتقارب]
وتبسّم عن لؤلؤ كالوليع تشقّق عنه الرّقاة الجفوفا (٢)
الجفوف جمع جفّ وهو قشر الفرخ، ويقال له القيقاء والبلبلة، وهو طيّب الريح، والرّقاة: الراقون إلى أعلى النخل.
والحبب: تنضّد الأسنان، وقيل: طرائق تظهر في الخمر عند مزجها بالماء، فأمّا الفقاقيع الّتي تعلو الخمر عند المزج فهي الحباب، بزيادة الألف، قال المتلمّس: [الوافر]
_________________
(١) البيتان في ديوان المتنبي ٣/ ٣٦٦، ٣٦٧.
(٢) يروى صدر البيت: وتبسم عن نيّر كالوليع وهو بلا نسبة في لسان العرب (ولع)، (جفف) وتهذيب اللغة ٣/ ٢٠٠، ١٠/ ٥٠٥، وكتاب العين ٢/ ٢٥١، ٦/ ٣٣، وتاج العروس (ولع)، (جفف).
[ ١ / ٧٣ ]
عقار أعتقت في الدّنّ حتّى كأنّ حبابها حدق الجراد (١)
وقال آخر: [الكامل]
حمراء قانية إذا ما شعشعت ينزو إلى وجه النّديم حبابها
***
فاستجاده من حضر واستحلاه، واستعاده منه واستملاه، وسئل لمن هذا البيت، وهل حيّ قائله أو ميت؟ فقال: أيم الله، للحقّ أحقّ أن يتّبع، وللصّدق حقيق بأن يستمع؛ إنّه يا قوم، لنجيّكم منذ اليوم. قال: فكأنّ الجماعة ارتابت بعزوته، وأبت تصديق دعوته. فتوجّس ما هجس في أفكارهم، وفطن لما بطن من استنكارهم، وحاذر أن يفرط إليه ذمّ، أو يلحقه وهم، فقرأ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ.
ثمّ قال: يا رواة القريض، وأساة القول المريض، إنّ خلاصة الجوهر تظهر بالسّبك، ويد الحقّ تصدع رداء الشّكّ، وقد قيل فيما غبر من الزّمان: عند الامتحان يكرم المرء أو يهان، وها أنا قد عرّضت خبيّتي للاختبار، وعرضت حقيبتي على الاعتبار.
***
قوله: «استعاده»، أي قال: أعده عليّ. استملاه: طلب أن يكتبه. ايم الله: يمين يحلف به. نجيّكم: محدّثكم- يعني نفسه. ارتابت: شكّت والرّيب: الشكّ. بعزوته:
بنسبته، أي بنسبته إلى نفسه. دعوته: ادعاؤه أنه من قوله: والدّعوة بكسر الدّال في النّسب، وبفتحها في الطعام. فتوجّس: أي أحسّ وسمع هجس: وقع وخطر. فطن:
شعر. بطن: خفي، يريد أنه فهم منهم أنهم لم يصدّقوه في أنّ الشعر له، وأنكروا أن يقول مثله. حاذر: خاف. يفرط: يسبق. القريض: الشعر. أساة: أطبّاء، وأحدهم آس.
القول المريض: الضعيف من قبل راويه. خلاصة: ما خلص منه. وجواهر الأرض، مثل الحديد والنحاس وغيرهما، فإذ عرض الجوهر على النّار، فما كان منه خالصا زاد صفاء وجودة، وما لم يكن خالصا فضحته النار وأظهرت عيبه. السّبك: الاختبار بالنار.
تصدع: تشق. غبر: مضى هنا، ويستعمل كثيرا بمعنى «بقي» وهو من الأضداد؛ يقال:
غبر الشيء غبورا إذا بقي، قال الله تعالى: إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ [الأعراف:
٨٣]، أي الباقين. الامتحان: الاختبار والبحث، وهذا المثل من أمثال الفرس، ولهذا أبعد مدّته حيث قال: غبر من الزمان. خبيّتي: مكتومي، وما خبأته من علمي، وأصل «خبيّتي» الهمز، فقلبت همزته ياء وأدغمت فيها الياء، كما قلبت في «خاسية». وتقول:
_________________
(١) البيت في شعراء النصرانية ص ٣٤٢، ولعمرو بن معدي كرب في ديوانه ص ١٠٧: مضاعفة تخيّرها سليم كأنّ قتيرها حدق الجراد
[ ١ / ٧٤ ]
عرضت الشيء على البيع وعرّضته للبيع، إن أتيت بعلى خفّفت الراء، وإن أتيت باللام شدّدتها. والحقيبة: وعاء يجعله الراكب خلفه، والاعتبار والاختبار واحد.
فابتدر أحد من حضر، وقال: أعرف بيتا لم ينسج على منواله، ولا سمحت قريحة بمثاله، فإن آثرت اختلاب القلوب، فانظم على هذا الأسلوب: [البسيط]
فأمطرت لؤلؤا من نرجس وسقت وردا وعضّت على العنّاب بالبرد
قوله: «ابتدر»، أي سبق بالكلام وبادر به. والمنوال: خشبة الحائك؛ يريد أنّ البيت رفيع الصنعة في الشّعر لم يصنع بيت مثله، لأنّ الثوب أنواع، وصنعة الشعر تشبه نسج الثوب. سمحت: جادت. قريحة: ذهن. آثرت: فضّلت. اختلاب القلوب: إمالتها إليك بتصديقك وانخداعك بما تبديه، وهو من الخلب وهو من غشاء القلب. وعن أبي عبيدة وغيره قال ثعلب: الخلب: الّذي بين الزيادة والكبد، يقال: خلبني حبّ فلان، أي وصل حبّه إلى خلبي، وفلان خلب نساء، أي تخلبه النساء، وخلّاب: يخلب الناس، أي يذهب بقلوبهم، وخلب جمعه خلبة، وكلّه من الخلب، قال أعرابيّ: [البسيط]
من كان لم يدر ما حبّ جمعت له أو كان في غفلة أو كان لم يجد
فالحبّ أوّله روع وآخره مثل الحرارة بين الخلب والكبد
[انظم: قل شعرا منظوما. والأسلوب: الطريقة].
لؤلؤا: درّا. النرجس: نوّار أصفر في نوره انكسار وفتور لا يكاد يرى، له ورقة قائمة، تشبّه به العينان إذا كان في نظرهما فتور.