قال أبو عبيدة: والنسار أجبل متجاورة، ويقال لها الأنسر والنسار، وفيه أقاويل وادعاء من الرباب،
ومن الرباب، ومن قول بني أسد وغطفان وغيرهما من قيس عيلان. قال أبو عبيدة: هو عندي باطل
مختلط، أخذ عن جُهال، وجاء الشعر الثابت الذي لا يرد بغير ذاك. قال أبو عبيدة: حدثني قيس بن
غالب بن عباية بن أسماء بن حصن بن حذيفة بن بدر بن عمرو الفزاري، وشيخ علامة من بني
قتيبة بن معن ابن باهلة، وأبو مرهب رتبيل الدبيري من بني أسد بن خزيمة، وغير واحد من علماء
قيس، وبني أسد، أن يوم النسار كان بعد يوم جبلة، لا ما تقول الرباب. والدليل على هذا أن الأحاليف
غطفان، وبني أسد، وطيئًا، شهدوا يوم النسار بعدما تحالفت الأحاليف، وحصن بن حذيفة، هو الذي
أمر سبيعًا الثعلبي أن يحالف بينهم، فحالف بينهم وبين بني أسد بن خزيمة. قال: وكانت بنو أسد
وطيئ قد احتفلوا قبل ذلك، فسموا الأحاليف؛ وذلك بعد قتل حذيفة بن بدر، وكانت بنو عبس في بني
عامر يوم جبلة، لأنهم كانوا قتلوا حذيفة يوم الهباءة، والدليل على ذلك أيضًا، أن حصن بن حذيفة
كان رئيس الأحاليف، ولم يرأسهم أبوه حذيفة لأن حذيفة لو كان حيًا لم يرأسهم حصن ابنه، والدليل على
[ ٢ / ٤١٣ ]
أن حصنا كان رئيس الأحاليف قول زهير بن أبي سلمى حيث يقول:
ومنْ مِثْلُ حِصْنَ في الحروبِ ومثلُهُ لإنكارِ ضَيْمٍ أوْ لأمرٍ يحاولُهْ
إذا حلَّ أحياءُ الأحاليفِ حولهُ بذي نجَبٍ هدَّاتُهُ وصَوَاهِلُهْ
ألا ترى أنه رئيس الأحاليف، وإنما رأس حصن بعد مقتل أبيه، وكيف يكون يوم النسار قبل يوم
جبلة كما تزعم الرباب. وحدثني درواس أحد بني معبد بن زرارة، أن حاجب بن زرارة كان يوم
جبلة غلاما له ذؤابة، فلو كان يوم النسار قبل يوم جبلة، ما كان حاجب إلا طفلا، وما رأس بني تميم
يوم النسار، لأنه كان رئيس بني تميم يوم النسار، والدليل على ذلك أيضا، أن حاجبًا لم يكن ليرأس
بني تميم، ولقيط حي، ولقيط قتل يوم جبلة. قال أبو عبيدة: وحدثني ابن شفاء المنافي من بني مناف
ابن دارم قال: إنما نبه أبو عكرشة بعد قتل أبي نهشل - قال: وقوله نبه يقول استعلى أمره وذكر
فعرف - وأبو عكرشة هو حاجب بن زرارة، وأبو نهشل لقيط، والدليل على أن لقيطًا كان أنبه من
حاجب - أنبه أعلى ذكرا - أن لقيطًا هو الذي طلب بني عامر بثأر أخيه معبد يوم جبلة، وهو الذي
جمع الملوك يوم جبلة، وحاجب كان يوم جبلة في جيشه، فكل هذا حجة على من زعم أن يوم النسار
كان قبل يوم جبلة.
قال أبو عبيدة: قالوا، وكان سبب يوم النسار أن بني تميم كانوا يأكلون عمومتهم بني ضبة وبني عبد
مناة، فأصابت بنو ضبة
[ ٢ / ٤١٤ ]
رهطًا من بني تميم، فطلبتهم بنو تميم، فانزالت جماعة الرباب فحالفت بني
أسد بن خزيمة، وهم يومئذ في الأحاليف، حلفاء لبني ذبيان بن بغيض، فنادى صريخ بني ضبة يال
خندف. قال القتيبي: فذلك أول يوم تخندفت فيه خندف فأصرختهم بنو أسد فاستعووا حليفيهم غطفان
وطيئًا.
قال أبو الغراف الضبي: وكان رئيس بني أسد يوم النِّسار، عوف بن عبد الله بن عامر بن جذيمة بن نصر بن قعين.
وقال أبو مرهب: بل كان رئيسنا يوم النِّسار خالد بن نضلة. قال أبو عبيدة: وحدثني
قيس بن غالب، أن رئيس جماعة الرباب وجماعة الأحاليف حصن بن حذيفة بن بدر. قال: وأنشدني
رتبيل أبو مرهب في تصداق ذلك قول بشر بن أبي خازم الأسدي في كلمة له:
أَضَرَّ بهم حِصْنُ بنُ بدْرٍ فأصبحوا بمنزلةٍ يشكو الهَوَانَ حَرِيبُها
قال أبو عبيدة: ولكن الناس قلبوه ن وهكذا سمعته من مشيختنا، قال وحدثني قيس بن غالب عن
مشيخة قومه، أن عبد الملك بن مروان سأل رجلًا من بني فزارة كانوا عنده، من كان على الناس يوم
النسار؟ قالوا: كانوا متساندين. قال ويدخل أبو قشع، وكان أعلمنا، فسأله عبد الملك عن ذلك فقال:
والذي نفسي بيده يا أمير المؤمنين، للناس يوم النسار أطوع لحصن بن حذيفة، من بعض غلمانك لك.
قال أبو عبيدة: وزعم أبو الغراف الضبي، وأبو نعامة العدوي، وأبو الذيال، أن رئيس الرباب يوم
النسار، الأسود بن المنذر أخو النعمان، وأم الأسود أمامة
[ ٢ / ٤١٥ ]
بنت الحارث بن جلهم من بني تيم عدي من الرباب،
وكان النعمان، بعثه قبل ذلك رئيسًا على الرباب فكان ملكهم، وأظنهم قد صدقوا لأن حصنًا لا
يرأس ملكًا أخا ملك، وهو سوقة ولكنهما كانا متساندين.
قال: وأنشدني في تصداق ذلك أن الأسود كان رئيس الرباب يوم النسار قول عوف بن عطية بن
الخرع التيمي:
ما زال حَيْنُكم ونقصُ حُلومِكم حتى بَلَوْتُمْ كيفَ وَقْعُ الأسوَدِ
وقبائِلُ الأحلافِ وَسطَ بيوتِكم يعْلُونَ هامكُمُ بكُلِّ مُهنَّدِ
قال بنو أسد وغطفان، هذه مصنوعة، لم يشهد الأسود النسار. فلما بلغ بني تميم ذلك استمدوا بني
عامر بن صعصعة فأمدوهم، وعلى بني تميم حاجب، وأنشدونا في تصداق قولهم أن حاجبًا كان على
تميم، قول بشر بن أبي خازم:
وأفلَتَ حاجِبٌ فَوْتَ العَوَالي على شَقَّاءَ تلمعُ في السَّرَابِ
ولو أدْرَكْنَ رأسَ بني تميمٍ عَفَرْنَ الوجهَ منه بالتُّرَابِ
وعلى بني عامر بن صعصعة جواب، وهو مالك بن كعب من بني أبي بكر ابن كلاب، لأن بني
جعفر يومئذ كانوا قد نفاهم جواب إلى بني الحارث بن كعب فحالفوهم، قال: وقد زعمت بنو كعب أن
رئيس بني عامر يوم النسار شريح بن مالك القشيري، فالتقوا بالنسار، فصبرت عامر واستحر بهم
الشر، وانفضت بنو تميم فواءلت، أي هربت، لم
[ ٢ / ٤١٦ ]
يصب منهم كبير، فهزموا، وقتلوا، وسبوا، فغضبت بنو تميم لبني عامر،
وقتل قدُّ بن مالك الوالبي شريح بن مالك القشيري، رأس بني عامر في قول
كعب بن ربيعة الأسدي، ففخر بذلك سهم الأسدي في الإسلام، وحملت على بشر بن أبي خازم:
وهم تركُوا رئيس بني قُشَيْرٍ شُريْحًا للضِّباعِ وللنُّسُورَ
وقتلوا عبيد بن معاوية بن عبد الله بن كلاب، وقتلوا الهصان، وهو عامر بن كعب من بني أبي بكر
بن كلاب، وقد كان ثعلبة بن الحارث بن حصبة بن أزنم بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع، أسر الهصان.
هذا يوم ذي نجب بعد يوم جبلة. وأسر خالد بن نضلة الأسدي دودان إبن خالد أحد بني نفيل، وأسر
حنثر بن الأضبط الكلابي. فقال خالد إبن نضلة في أسرهما:
تَدارَكَ إرخاءُ النَّعامةِ حنثَرا ودُودان أَدَّتْ في الصِّفادِ مُكبَّلًا
ويروى في الحديد. وقال أيضًا:
تدارَكَ إرخاءُ النَّعامةِ حَنْثَرا ودُودَانَ أدَّتْهُ اليَّ ابنَ خالدِ
وصارت سلمى بنت المحلق لعروة بن خالد بن نضلة، وصارت العنقاء بنت همام من بني أبي بكر
بن كلاب لزياد بن زبير بن وهب بن أعياء بن طريف الأسدي. قال أبو عبد الله: دبير مكان زبير.
وصارت أم خازم بنت كلاب من بني أبي بكر بن كلاب لأرطاة بن منقذ الأسدي. قال أبو عبد الله: أم
حازم بالحاء غير معجمة. وصارت رملة بنت صبيح للحارث بن جزء بن جحوان الأسدي، وصارت
هند بنت وقاص لقيس
[ ٢ / ٤١٧ ]
بن عبد الله الفقعسي، وصارت أمامة بنت العداء لأسامة بن نمير الوالبي.
فقالت سلمى بنت المحلق تعير جوابًا بفرته والطفيل:
لحا الإلهُ أَبَا ليلَى بِفَرَّتهِ يومَ النِّسارِ وقُنْبَ العَيْرِ جوَّابا
تعني أبا عامر بن الطفيل. جواب لقب لأنه كان يجوب الآبار يحفرها يتخذها لنفسه.
كيفَ الفِخَارُ وقد كانت بِمُعْتَرَكٍ يومَ النِّسارِ بنو ذُبيَانَ أَرْبَابَا
لم تمنعُوا القَوْمَ إذْ شَلُّوا سَوامكُمُ ولا النِّساءَ وكان القومُ أَحزابا
وقال رجل من بني ذبيان يعير أبا عامر بن الطفيل فراره عن امرأتيه وجوابًا:
وفَرَّ عن ضَرَّتْيهِ وَجْهُ خارِئَةٍ ومالكٌ فَّر قُنْبُ العَيْرِ جوَّابُ
قال القنب غلاف الذكر. وجواب اسمه مالك بن كعب بن عوف بن عبد الله بن أبي بكربن كلاب.
فبعثت بنو كلاب إلى القوم فشاطروهم سبيهم، فقال الفارعة بنت معاوية من بني قشير تعير كلابًا -
وكلاب هاهنا قبيلة - بمشاطرتهم الأحاليف سباياهم يومئذ:
منا فَوارسُ قاتلوا عنَ سبْيِهم يومَ النِّسارِ وليس مِنَّا أَشْطُرُ
ولَبِئْسَ ما نَصَرَ العشيرةَ ذو لِحىً وحَفيفٌ نافِجَةٍ بِلَيْلٍ مُسْهِرُ
ذو لحى أي ذو اللحية بن عامر بن عوف بن أبي بكر بن كلاب،
[ ٢ / ٤١٨ ]
ومسهر بن عبد قيس بن ربيعة بن كعب بن عبد الله بن أبي بكر بن كلاب.
ضَبُعَا هِراشٍ تَعفِرانِ اسْتَيهِما فَرَأتهَما أُخرَى فقامَتْ تَعْفِرُ
تقول العرب ما على عفر الأرض مثله إذا مدحوه وهجوه، والأصل في ذلك للمديح، تعفران تمسحان
استيهما بالعفر، والعفر التراب.
زَعَمتْ بَزُوخُ بني كِلابٍ أنَّهم منعُوا النِّساءَ وأَنَّ كَعْبًا أَدْبَرُوا
كَذَبَتْ بَزُوخُ بني كِلابٍ إنَّها تمشي الضَّراءَ وبولُها يَتَقطَّرُ
البزوخ التي تدخل ظهرها وتخرج بطنها، قال والضراء ما سترك وواراك.
حاشَى بني المَجْنُونِ إنَّ أباهُم صاتٌ إذا سَطَعَ الغُبارُ الأكدَرُ
صات له صوت في الناس وذكر. والصيت الشديد الصوت.
لولا بُيوتُ بني الحَرِيشِ تَقَسمَّتْ سَبْيَ القَبَائِلِ مازِنٌ والعَنْبَرُ
الرواية لولا بنو بنت، ريطة بنت الحريش، وبنوها بنو خويلد بن نفيل، وبنو أبي بن كلاب.
يقولون: هم أربعة من بني بشر بن كعب ابن أبي بكر، وبنو المجنون من بني أبي بكر. وقال بشر
بن أبي خازم في تصداق حديث غطفان وبني أسد، وأنه كما حدثوا، وأن بني ضبة استعانوهم
ودعوهم:
[ ٢ / ٤١٩ ]
أجَبْنا بني سَعْدِ بنِ ضَبَّةَ إذ دَعَوْا ولله مولَى دَعْوَةٍ لا يُجيبُها
وكُنَّا إذا قُلْنَا هَوَازِنُ أقبِلي إلى الرُّشْدِ لم يأتِ السَّدَادَ خَطيبُها
عَطَفْنَا لهم عَطْفَ الضَّرُوسِ مِنَ المَلاَ بِشَهْبَاءَ لا يمشي الضَّرَاءَ رَقِيبُها
الضروس الناقة الحديثة النتاج. ويروى الثني. قال: وإنما سميت ضروسا لأنه يعتريها عضاض
أيامًا عند نتاجها حذارا على ولدها ثم يذهب عنها.
فلما رَأَوْنا بالنِّسارِ كأَنَّنا نَشَاصُ الثُّرَيّا هَيَّجتْهَا جَنُوبُها
فكانوا كَذَاتِ القِدْرِ لم تدرِ إذغَلَتْ أَتُنْزِلُها مَذْمُومَةً أَمْ تُذِيبُها
يقول: لما رأونا تحيروا وبعلوا - أي دهشوا - فلم يدروا كيف يصنعون، فكانوا كذات القدر
ارتجنت زبدتها والارتجان الفساد - فلما أوقدت تحت الزبدة الفاسدة، لم تستقر في القدر، فطفحت،
فجعل الزبد يخرج منها، فتحيرت لا تدري كيف تصنع، إن أنضجت الزبد خرج من القدر وانصب،
وإن تركته بقي غير نضيج لا ينفق عنها. يقال دجروا، وبعلوا، وتحيروا، ودهشوا، وبطروا، بمعنى
واحد كله سواء.
جَعَلْنَ قُشيرًا غايةً يُهتدَىَ بها كما مَدَّ أشطانَ الدِّلاءِ قَليبُها
يقول لأن منازل قُشير في أقاصي بني عامر، يقول: فنحن نطؤهم بالخيل حتى ننتهي إلى آخرهم،
كما أن الدلاء منتهاها قعر القليب، والقليب البئر غير مطوية.
لَدُنْ غُدْوَةً حتى أَتى اللَّيْلُ دونَهم وأَدْرَكَ جَرْيَ المُنْقِيَاتِ لُغوبُها
[ ٢ / ٤٢٠ ]
لدن في معنى مُذ. والمنقيات ذوات النقي وهو المخ في العظام. واللغوب الإعياء يقال لغب يلغب
لغوبا، ومنه قوله ﷿ ﴿وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ﴾
قَطعناهُمُ فبِاليَمَامَةِ فِرْقَةٌ وأُخْرَى بأَوْطَاسٍ تَهِرُّ كَليبُها
قولها تهر كليبها أي يتحارسون من الخوف والفزع، يقال كَلبٌ وكليب وعبد وعبيد.
قال أبو عبيدة: لا أعرف على هذا الجمع إلا حرفين كَلبٌ وكَليب، وعبد وعبيد.
قال الأصمعي: ومثله مَعزٌ ومَعيز، وضأنٌ وضئين، وبخت وبخيت، ونفر ونفير، وشاء وشوي، قال
الحطيئة:
أَتَعرِفُ منزِلًا من آلِ هندٍ عَفَا بعد المُؤَبَّلٍ والشَّوِيَّ
وقال الراجز:
إذا الشَّوِيَّ كَثُرَتْ رَوَائِحُه وصارَ من جَنبِ الكُلَى نَوَائِحُهْ
أضَرَّبهم حِصْنُ بنْ بدْرٍ فأصبحُوا على آلةٍ يشكو الهَوَانَ حَرِيبُها
بني عامرٍ إنَّا تَرَكْنَا نِسَاءِكُم من الشَّلِّ والإيجاف تَدْمَى عُجُوبُها
[ ٢ / ٤٢١ ]
عَضَارِيطُها البيضُ الكَواكِبُ كالدُّمى مُضَرَّجَةً بالزَّعْفَرَانِ جُيُوبُها
ويروى عضار يطنا مستبطنوا البيض كالدمى، وقال سهم الأسدى في تصداق أن تميمًا قد شهدوا مع
بني عامر يوم النسار وهي تحمل على بشر:
ونحنُ جَلَبْنَا الخَيْلَ حتى تَنَاوَلَتْ تَميمَ بنَ مُرٍّ بالنِّسارِ وعامِرا
وقال عبيد بن الأبرص في ذلك وفي غضب تميم لعامر:
ولقد تَطَاوَلَ بالنِّسارِ لعامِرٍ يومٌ تشيبُ له الرُّؤوسُ عَصَبْصَبُ
ولقد أَتانِي عن تَميمٍ أنَّهم ذُئِرُوا لِقَتْلى عامرٍ وتَغَضَّبوا
ويروى أتانا. ذئروا ساءت أخلاقهم.
رَغْمٌ لَعَمْرُ أبيكَ عندِي هَيِّنٌ ولقد يَهُونُ عليَّ أن لا يُعتبُوا
فقال جرير:
سَمَتْ لِيَ نَظْرَةٌ فَرَأيتُ بَرْقًا تِهامِيًّا فَراجَعَني أدِّكاري
يَقُولُ النَّاظرونُ إلى سَناهُ نَرَى بُلقًا شَمَسْنَ عَلَى مِهارِ
[ ٢ / ٤٢٢ ]
يقول: كأنَّ البرق خيل بلق شمسن على أمهارها؛ الشموس النفور المنوع للمهر.
لَقَدْ كَذَبَتْ عداتُكِ أُمَّ بِشْرٍ وقَدْ طالَتْ أَناتِي وانْتِظارِي
عَجلْتِ إلى مَلامَتِنا وَتَسْري مَطايانا وَلَيْلُكِ غيرُ سارِي
فَهانَ عَلَيْك مَا لَقِيتْ رِكابِي وسَيْري في المُلَمعةِ القِفارِ
وَأَيَّامٌ أَتَيْنَ عَلى المَطايا كَأَنَّ سَمُومَهُنَّ أَجيجُ نارِ
قال أبو عبد الله: أتين على المطايا أي أهلكنها، كما تقول أتى على القوم أي أهلكهم.
كَأَنَّ علَى مَغابِنَهنَّ هَجْرًا كُحَيْلَ اللِّيت أوْ نَبَعانَ قارِ
ويروى كحبل العين، يريد رأس العين بالجزيرة، هجرًا يريد هاجرة، وذلك إذا اشتد الحر في
الهاجرة، والمغابن المراق وأصول الأفخاذ، والكحيل القطران.
لقَدْ أَمْسَى البَعِيثُ بِدارِ ذُلّ ومَا أمَسى الفرَزْدَقُ بِالخيارِ
جَلاجِلُ كُرَّجٍ وسِبالُ قِرْدٍ وَزَنْدٌ مِنْ قُفَيْرَةَ غَيْرُ وارِي
جلاجل كرج يهزأ به يعني السماجة. الكرج الخيال الذي يلعب به المخنثون.
عَرَفْنَا مِنْ قُفَيْرَةَ حاجِبيْها وَجَذَّا في أنامِلها القِصارِ
ويروى حاجبيه، وجذا أي قطعا، يريد أنها قصيرة الأنامل يهجنها. ويروى وجذا من أناملها القصار.
تَدافَعْنا فَقالَ بَنو تَمِيمٍ كَأَنَّ القِرْدَ طُوِّحَ مِنْ طَمارِ
[ ٢ / ٤٢٣ ]
قوله طُوح من طمار ألقي ورمي به من موضع عال مرتفع إلى أسفل، فهو يهوي.
قال ابن الزبير الأسدي:
فإن كنتِ لا تدَرينَ ما الموتُ فانْظُرِي إلى هَانِئٍ في السُّوقِ وابنِ عَقيلِ
إلى رجلٍ قَدْ عَقَّرَ السَّيفُ وَجْهَهُ وآخَرَ يهوى مِنْ طَمارِ قتيلِ
قال وكان عبيد الله بن زياد ضرب عنق مسلم بن عقيل فوق قصره فهوى إلى أسفل.
أَطامِعَةٌ قُيُونُ بَنِي عِقالٍ بِعَقْبي حينَ فَاتُهُم حِضاري
حضاري محاضرتي. وقوله بعقبي فالعقب الجري الثاني بعد الجري الأول.
وَقَدْ عَلَمْت بَنُو وَقْبانَ أَنِّي ضَبُورُ الوَعْثِ مُعْتَزمُ الخَبارِ
بنو وقبان نَبزٌ نُبزَ به بنو مجاشع - والنَّبزُ اللقب - قال أبو عبد الله: والوقب الأحمق، ضبور يجمع
رجليه ثم يثب وهو الضبر. والوعث الموضع الكثير الرمل، والخبار الأرض الكثير جحرة الفأر
وغيرها من الجحرة. يقول أعتزم وأجمع نفسي وأمري ثم أثب الخبار فأخرج منه وأجاوزه.
بِيَرْبوعٍ فَخَرتُ وَآلِ سَعدْ فَلاَ مَجْدي بَلَغتَ ولا افْتخاري
[ ٢ / ٤٢٤ ]
لِيَرْبوعٍ فَوارِسُ كُلَّ يَوْمٍ يُواري شَمْسَهُ رَهَجُ الغُبارِ
عُتَيْبَةُ والأحيمَرُ وابنُ قَيْسٍ وعَتَّابٌ وَفارِسُ ذي الخِمار
عتيبة بن الحارث بن شهاب بن عبد قيس بن كباس بن جعفر بن ثعلبة بن يربوع، والأحيمر بن أبي
مليل، واسمه عبد الله بن الحارث بن عاصم بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع، وابن قيس هو معقل بن
قيس من بني يربوع، وكان على شرطة علي بن أبي طالب ﵁. وعتاب من هرمي بن
رياح بن يربوع، وفارس ذي الخمار مالك بن نويرة بن جمرة بن شداد بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع،
وذو الخمار فرس مالك بن نويرة.
وَيَوْمَ بَنِي جذيمةَ إذْ لحقْنَا ضُحىً بينَ الشُّعيبة والعِقارِ
وروى خالد: بين الشقيقة والقفار. يوم بني جذيمة يوم الصرائم، ويوم ذات الجرف كان لبني يربوع
على بني جذيمة بن رواحة بن ربيعة بن مازن بن الحارث ابن قطيعة بن عبس، وذلك أن مروان بن زنباع العبسي،
كان غزا بني يربوع فأسروه وهزموا جيشه.
وُجوهُ مُجاشِعٍ طُليَتْ بِلُؤْمٍ يُبينُ في المقلَّدِ والعذارِ
ويروى تبين. يُبين يستبين. المقلد العنق. والعذار موضع العذار.
وحالفَ جِلْدَ كُلِّ مُجاشعيٍّ قَميصُ اللُّؤْمِ ليسِ بمُستعارِ
لهُمْ أدَرٌ تُصَوتُ في خْصاهُمْ كتصْويت الجلاجِلِ في القِطارِ
يعني قطار الإبل. يقال إن الآدر إذا غضب فاشتد غضبه نقت أدرته
[ ٢ / ٤٢٥ ]
كما قال الجعدي:
كَذِي داءٍ بإحدَى خُصْيَتَيهِ وأُخرَى ما تشَكَّي من سَقَامِ
ألحَّ على الصَّحيحةِ فانتحاهَا بِسِكينٍ له ذكرٍ هُذامِ
فَضَمَّ ثيابَهُ من غيرِ بُرءٍ على شعراءَ تُنقضُ بالبِهامِ
قال لا يكون آدر إلا وهو أشعر الأنثيين. وقوله تنقض تصوت.
أغركُمُ الفرزدقُ منْ أبيكُمْ وذِكرُ مزادتين على حمار
قال كان الفرزدق واقفًا في طريق فمر به حمار عليه مزادتان فزحمه فلطخ ثيابه فقال الفرزدق.
ومَا تنفكُّ تُبصرُ في طَريقٍ كُليبيًّا عليه مزادتانِ
ويروى وما أنفك أبصر على الزحاف. قال فلهجت بنو مجاشع بإنشاد هذا البيت، قال كان الفرزدق
يهجو جريرا بذكر مزادتين على حمار ن فقال جرير: أغركم الفرزدق بذكر هذا مني وجهلكم بأبيكم
إذ كان يسامي به الرجال.
وجَدْنا بَيْتَ ضَبَّةَ في معدٍّ كبيتِ الضَّبِّ لَيسَ بِذي سوَارِي
ويروى ليس له سواري.
وجدْناهُمْ قناذِعَ مُلزقاتٍ بِلا نَبْعٍ نبتنَ ولا نُضارِ
إذا ما كنْتَ مُلتمسًا نِكاحًا فَلا تعدلْ بِنيكِ بني ضِرارِ
[ ٢ / ٤٢٦ ]
ويروى بجمع بني ضرار. ويروى:
وإن أنتَ اغْتَلَمْتَ فلا تُجاوِزْ ذوي الأحراحِ جمعَ بني ضِرارِ
وَلا تمنعكَ منْ أربٍ لحاهُمْ سواءٌ ذُو العمامةِ والخِمارِ
يقول: رجالهم ونساؤهم سواء.
وإنْ لاقَيْتَ ضَبيًا فنكهُ فَكُلُ رجالهِمْ رِخْوُ الحِتارِ
ويروى ذهليا، الحتار شرج الاست ويقال الدائرة نفسها، وكل وترة حتار، وحتار العين ما نبت عليه
الهدب.
وقال جرير يهجو الفرزدق:
ألا حيِّ الدُيارَ بسُعدَ إنِّي أُحِبُّ لحُبِّ فاطمَةَ الدِّيارا
أرادَ الظَّاعِنُون ليُحزنونُي فهاجُوا صدعَ قَلبي فأستطارا
استطار أي تصدع صدعا مستبينًا في طول.
لَقدْ فاضَتْ دُموعُكَ يَومَ قوٍّ لِبينٍ كانَ حاجَتُهُ ادِّكارا
أبيتُ اللَّيْلَ أرقُبُ كُلَّ نَجْم تعرَّضَ أنجدَ ثمَّ غارا
تعرض أخذ يمينًا وشمالا. أنجد أتى ناحية نجد. وغار أخذ ناحية الغور وهي تهامة.
يحنُ فُؤادُهُ والعينُ تلقَى من العَبراتِ جوْلًا وانْحِدارا
الجول أن تستدير العبرة في العين ثم تنحدر فتسيل.
[ ٢ / ٤٢٧ ]
إذا ما حَلَّ أهلكِ يا سُليمَى بدارةِ صُلْصُلٍ شَحطوا المَزارا
دارة صلصل موضع.
فَيدعونا الفؤادُ إلى هَواها ويَكْرَهُ أهْلُ جَهمةَ أنْ تُزارا
ويروى ويأبى آل جهمة.
كأنَّ مُجاشعًا نخباتُ نيبٍ هبطنَ الهرمَ أسفلَ مِنْ سَرارا
الهرم نبت مثل القاقلي وهو ضرب من الحمض. والنخبات الأستاه، الواحدة نخبة. وسرارة واد،
موضع. ويروى رعين الحمض. النيب الإبل المسان.
إذا حلُّوا زرودَ بَنَوا علَيَها بيوُتَ الذُّلِّ والعمدَ القِصارا
تَسيلُ عليهمُ شُعبُ المخازِي وَقَدْ كانُوا لِسَوْءَتِها قَرارا
الشعبة أصغر من التلعة وهي مسيل.
وهَلْ كانَ الفرزدقُ غيرَ قرْدٍ أصابتْهُ الصواعقُ فاستَدارا
وكُنْتَ إذا حلَلْتَ بِدارِ قَوْمٍ رَحلتَ بخزْيةٍ وتركتَ عارا
وظعنت رواية. قال جرير هذا البيت، لأن الفرزدق نزل بامرأة فأضافته وأحسنت إليه، ثم إنه
راودها عن نفسها فصرخت وصيحت به، فطُلب فهرب، فعيره جرير بذلك.
فَهلاَّ غِرْتَ يوْمَ أَرادَ قوْمٌ أَصابُوا عُقْرَ جِعْثِنَ أنْ تَغارا
العقر أرش الاقتضاض من غير تزويج.
[ ٢ / ٤٢٨ ]
أتذْكُرُ صَوْتَ جِعْثِنَ إذْ تُنادِي ومنْشَدَك القلائِدَ والخِمارا
ويروى أتنكر منشدك طلبك القلائد أن تسأل عن قلائدها وخمارها، يقال نشدت الضالة أنشدها نشدة،
ونشدانًا، وإذا عرفتها قلت: أنشدتها إنشادًا، وقوله صوت جعثن، كشفت صدرها وقالت: الله الله لتُمنع
ويُذب عنها.
ألمْ تَخشوْا إذا بَلَغَ المخازي عَلَى سَوْءاتِ جعثنَ أَنْ تُثارا
ويروى تزارا، تثار تذكر ويتحدث بها.
فإن مجرَّ جعثنِ كانَ ليْلًا وأعينُ كانَ مقتلهُ نَهارا
أعين أبو النوار كان مقتله نهارًا أي واضحًا ويروى جهارًا.
فلَوْ أيَّامَ جِعْثنِ كانَ قَوْمِي هُمُ قَوْمِّ الفرزدقِ ما اسْتَجارا
ونصب قوم أحسن، لأن هم عماد مع المعرفة، وتكون رفعا مع النكرة.
تزوَّجتُمْ نَوارَ ولَمْ تُريدُوا ليُدرِكَ ثائرٌ بأبِي نَوارا
فدينُكَ يا فرزدقُ دِينُ لَيلَى تَزورُ القيْنَ حَجَّا واعْتِمارا
ليلى أم غالب بن صعصعة بن ناجية بن عقال، تزور القين حجا، أي كأنها تحج إليه وتعتمر.
فَظلَّ القينُ بعدَ نِكاحِ لَيْلَى يُطيرُ عَلى سِبالِكُم الشُرَّارا
ويروى يظل. ويروى يُطير عن سبالكم والروايتان سواء.
[ ٢ / ٤٢٩ ]
نَكحتُ على البَعيث وَلَمْ أُطلِّقُ فأَجزأتُ التُّفرُّدَ والضِّرارا
يقول كان البعيث امرأة لي فتزوجت عليه الفرزدق ولم أطلقه، فأجزأته وهو فرد، وأجزأت ضرته
أيضا.
نَشَدْتُكَ يا بعيثُ لتُخبرَنِّي أليلًا نكتَ أُمَّكَ أمْ نَهارا
مريتُمْ حربْنا لكُمُ فَدَرَّتْ بِذي عَلَقٍ فأبطأت الغِرارا
مريتم حربنا أي احتلبتموها عليكم علقا، علقا أي دمًا. والغرار قلة اللبن.
ألمْ أك قَدْ نهيتُ على حَفير بَني قُرطٍ وعِلجهُمُ شُقارا
بنو قرط رهط البعيث، وهو قرط بن سفيان بن مجاشع، وشقارا يعني البعيث نفسه. يقول هو أشقر
وذلك أنه كان أحمر.
سَأُرهنُ يأبْنَ حادِجَةِ الرَّوَاياَ لَكُمْ مَدَّ الأعنةِ والحِضَارا
ويروى بابن حادية. ويروى والخطارا. سأرهن سأديم، والراهن الدائم، يقال ماء راهن إذا كان دائما،
كما قال الأعشى:
لا يسَتفيقونَ منها وهي راهِنَةٌ إلاَّ بِهاتِ وإن عَلُّوا وإن نَهِلوا
وحادية يعني سائقة الروايا. والحادج الذي يشد الحدج على البعير.
يَرى المتعبدونَ عليَّ دُوني حياضَ الموْت واللُّججَ الغَمارا
[ ٢ / ٤٣٠ ]
المتعبدون المتغيظون، ويروى المتعيدون، أي المعتدون، يعني الطاغين.
ألسنَا نحنُ قدْ علمتْ معدٌّ غَداةَ الروعِ أجدرَ أنْ نَغارا
وأضْرَبَ بالسُّيوفِ إذا تَلاَقتْ هوادِي الخيلِ صاديةً حِرارا
وأطعنَ حينَ تختلفُ العوالي بمأزولٍ إذا ما النقعُ ثارا
وأصبرَ في القُوى وأعزَّ نصرًا وأمنعَ جانبًا وأعزَّ جارا
غَضينا يومَ طخفةَ قَدْ علمتمْ فَصَفدنا الملوكَ بِها اعتسارًا
صفدنا أسرنا.
فوارسُنا عتيبةُ وابنُ سعدٍ وقَوَّادُ المقانِبِ حيثُ سارا
عتيبة بن الحارث بن شهاب اليربوعي. وابن سعد هو جزء بن سعد الرياحي، والمقانب واحدها
مقنب الجيوش. وقوله قواد المقانب يعني المنهال بن عصمة أخا بني حميري بن رياح.
ومنَّا المعقلان وعبدُ قيسٍ وفارِسُنا الذَّيِ مَنَعَ الذَّمارا
والمعقلان أراد معقل بن عبد قيس الرياحي وأخاه بشر بن عبد قيس، وكان معقل على شرط عليَّ
بن أبي طالب ﵁، وهو الذي بارز المستورد الحروري فقتل كل واحد منهما صاحبه،
ومن روى ومنا القعنبان، أراد قعنب بن عتاب الرياحي وقعنب بن عصمة بن قيس بن عاصم بن عبيد بن ثعلبة.
وعبد قيس بن الكباس بن جعفر بن ثعلبة، وقوله وفارسنا الذي منع الذمارا يعني
عتاب بن هرمي الرياحي.
فمَا ترجُو النُّجومَ بنو عقَالٍ ولا القَمَرَ المُنير إذا اسْتَنارا
[ ٢ / ٤٣١ ]
قوله فما ترجو النجوم أي تطيق، وبنو عقال أراد عقال بن محمد بن سفيان ابن مجاشع.
ونَحنُ المُوقدون بِكُلِّ ثَغْرٍ يُخافُ بِهِ العَدُوُّ عليكَ نارا
أتنسَونَ الزُّبيرَ ورهنَ عوْف وعَوْفًا حِينَ عزَّكُمُ فَجارا
ويروى فخارا أي مفاخرة، فجار أي جار عليكم في الحكم، يعني الزبير بن العوام، ورهن عوف
مزاد بن الأقعس المجاشعي، وعوف بن القعقاع بن معبد بن زرارة.
تركتُ القينَ أطوعَ مِنْ خَصِيٍّ يعضُ بأيرِهِ المسَدَ المُغارا
خصي جمل قد خصي فحقب ثيله بالحبل. وذلك إذا ضمر وتأخر جهازه.
فأجابه الفرزدق:
جرَّ المُخزياتِ عَلَى كليبٍ جريرٌ ثُمَّ ما منعَ الذِّمارا
الذمارا ما يجب على الرجل أن يحميه.
وكانَ لهُمْ كبكْرِ ثَمُودَ لمَّا رَغا ظُهرًا فَدمرهم دمارا
عَوَى فَأثارَ أغْلبَ ضَيغميًا فويلُ ابْنُ المراغَةِ ما اسْتَثارا
عوى يعني جريرًا، أغلب أسد غليظ الرقبة، ضيغمي شديد الضغم، وهو العض.
مِنَ اللائي يظلُّ الألفُ مِنهُ مُنيخًا مِنَ مخافته نَهارا
[ ٢ / ٤٣٢ ]
قال نهارا ولم يقل ليلا لأن الأسد أكثر شجاعته وقوته بالليل، فيقول هذا الأسد يظل الألف منه منيخا
بالنهار فكيف بالليل.
تظلُّ المُخدراتُ لهُ سُجُودًا حَمى الطُّرُقَ المُقانِبَ والتِّجارا
يعني الأسود الداخلة في عرينها. وعرينها حذرها، يقال هذا أسد مخدر وخادر.
كَأَنَّ بساعديْهِ سَوادَ وَرْسٍ إذا هُوَ فَوقَ أيدي القومِ سارا
الورس أسود فإذا سحق اصفر. سار وثب وساور.
وإنَّ بَني المراغَة لَمْ يُصيبُوا إذا اختارُوا مشاتَمتَي اخْتِيارا
هَجَوْني خائنينَ وكانَ شَتمي على أكبادهمْ سَلعًا وقارا
سلع شجر خبيث الطعم مر. وقار القطران يعني هناء يطلى به من الجرب، شبهه بالقار لسواده كما
قال النابغة:
فلا تتركنَّي بالوعيدِ كأنَّني إلى النَّاسِ مطِليٌّ به القارُ أجربُ
في الناس وعند الناس.
ستعلمُ مَنْ تناولهُ المخازِي إذا يَجْري ويدَّرِعُ الغُبارا
ويروى ستعلم ما. ويروى من تثار له المخازي. يقول: يتخلف فيلبسه الغبار.
ونَامَ ابنُ المراغَة عَنْ كُليبٍ فجلَّلَها المخازيَ والشِّنارا
[ ٢ / ٤٣٣ ]
الشنار الأمر الشنيع القبيح.
وإنَّ بَني كُليبٍ إذْ هَجَونْي لَكَا لِجعلانِ إذْ يَغْشينَ نارا
وإنَّ مُجاشعًا قَدْ حمَّلتني أُمُورًا لَنْ أُضيعها كِبارا
قِرَىَ الأضيافِ لَيْلَةَ كُلِّ رِيحٍ وقِدْمًا كنتُ للأضيافِ جارا
إذا احترقتْ مَاشِرُها أشالْت أكارِعَ في جواشِنها قِصارا
تلُومُ على هِجاءِ بنِي كُليبٍ فَيالَكَ للمَلاَمةِ مِنْ نوارا
فقُلْتُ لهَا المَّا تعْرفِيني إذا شدَّتْ مُحافلتي الإزارا
ويروى محافظتي. محافلتي مجامعتي.
فَلَوْ غيرُ الوبارِ بَني كُليبٍ هَجَوْنِي ما أردتُ لهمْ حِوَارا
ولكنَّ اللِّئامَ إذا هَجَوني غَضَبْتُ فَكانَ نُصرتَيِ الجِهارا
يقال جاهرته جهارا ومجاهرة إذا كاشفته.
وقالَتْ عِندَ آخِرِ مانَهتني أتهجو بِالخضارمَةِ الوِبْارا
الخضارمة قومه والخضرم السيد. والخضرم البحر يشبه السيد من الرجال بالبحر لسعته.
أَتهجُو بالأقارِعِ وَابْنِ لَيْلَى وصَعَصَعَةَ الذِّي غمرَ البحارا
الأقارع يريد الأقرع بن حابس، وفراسا ابني حابس بن عقال. وأم غالب ليلى بنت حابس أخت
الأقرع. وصعصعة جد الفرزدق.
وناجيةَ الَّذي كانت تَميمٌ تَعيشً بحزمهِ أنى أشارا
ناجية أبو صعصعة. قال: وكان ناجية بن عقال هو المستشار يوم
[ ٢ / ٤٣٤ ]
النسار، وكانت تميم تعيش برأيه وحزمه. أنى بمعنى كيف.
به رَكَزَ الرِّماحَ بنُو تميمٍ عَشَيَّةَ حلَّتِ الظُّعُنُ النِّسارا
وَأنتَ تَسُوقُ بهمَ بنِي كُليبِ تُطَرُطِبُ قائمًا تشُلي الحُوارا
الطرطبة دعاء البهم. والحوار اسم فحل غنم جرير. تشلي تدعو إليك، قال حاتم:
أشليْتُها بِاسمِ المِزاجِ فأقبلتْ رَتَكًا وكانت قَبْلَ ذلك تُعلفُ
أشليتها دعوتها باسم فحلها.
فكيفَ تردُّ نفسكَ يابْنَ ليلَى إلى ظِرْبَى تَحفَّرتِ المَغارا
أجِعْلاَنَ الرَّغامِ بَني كُليبٍ شِرارَ الناسِ أحسابًا ودَارا
ويروى أجعلان الرغام بالخفض أراد ترد نفسك إلى ظربى وإلى جعلان الرغام ومن روى أجعلان
الرغام بالنصب فعلى النداء، والرغام تراب خثر ليس بالرقيق، وظربى جمع الظربان، قال أبو عبد
الله: وفيه وجه آخر للنصب أتهجو جعلان.
فَرافِعُهمْ فإن أباكَ ينمَى إلى العُليا إذا احتفروا النِّقارا
وبالفاء أيضًا.
فرافعهم أي انتسب لهم، وقوله إذا احتفروا النقارا يعني إذا اتخذوا الزروب للبهم والجداء.
وإنَ أباكَ أكرمُ مِنْ كُليبٍ إذا العِيدانُ تعتصرُ اعْتِصارا
إذا جُعلُ الرَّغامِ أبو جريرٍ تَرَدَّدَ دونَ حُفرتهِ فَحارا
مِنَ السُّودِ السَّراعِفِ ما يُبالي أليْلًا ما تَلَطَّخَ أَمْ نَهارا
[ ٢ / ٤٣٥ ]
السراعف واحدهم سرعوف، وهو الضعيف الخفيف القليل اللحم من كل شيء.
لَهُ دُهدِيةٌ إنْ خافَ شَيئًا مِنَ الجِعْلانِ أَحرزَها احتِفارا
دهدية يعني الذي يدهدي من العذرة يدورها ثم يُدخلها جحره بيده.
وإِنْ نَقِدَتْ يَداهُ فَزلَّ عنْها أَطافَ بِهِ عَطِيَّةُ فاسْتدارا
قوله نقدت يداه يعني قرحت وضعفت من العمل كما تنقد السن والقرن والحافر إذا تأكل.
رأيتْ ابْنَ المراغةِ حينَ ذَكَّى تَحَولَ غيرَ لحيتهِ حمارا
ذكى أسن، والذكاء من السن ممدود، والذكاء من الفهم ممدود، وذكا النار مقصور وهو ضوؤها. قال
أبو عبد الله: لا أحفظ هذا - يعني ذكا النار مقصور. غير لحيته أنه حمار إلا أنه لا لحية للحمار.
لَهُ أُمٌّ بأسفلٍ سُوق حَجْرٍ تبيعُ لَهُ بِعنبلها الإزارا
تبيع تشتري، والعنبل متاع المرأة، ويروى تبيع له بأثملها وهو فرجها، يريد أنها إذا باعت إزارها
لم يقبل منها حتى يُفجر بها.
هلُمَّ نُواف مكة ثُمَّ نسألْ بنا وبكُمْ قُضاعةَ أوْ نزارا
ورهْطُ ابْنِ الحصينِ فَلا تَدعْهُمْ ذَوِي يَمَنٍ وعاظِمني خِطارا
ويروى ورهط بني الحصين. رهط بن الحصين هم بنو الحارث بن
[ ٢ / ٤٣٦ ]
كعب. والحصين هو ذو الغصة بن يزيد بن الحنظلية بن شداد بن قنان بن سلمة
بن وهب بن عبد الله بن ربيعة بن الحارث بن كعب.
هُنالِكَ لَوْ نَسبتَ بَنِي كُليبٍ وجدتهُمُ الأدقاءَ الصِّغارا
ومَاغرَّ الوبارَ بَنِي كُليبٍ بغيْثي حينَ أنْجدَ واستطارا
وبارًا بالفضاءِ سمعنَ رَعْدًا فَحاذرن الصواعقَ حينَ ثارا
الفضاء المتسع من الارض ممدود، والفضا مقصورا تمر وزبيب وما أشبهه.
هربنَ إلى مَداخِلِهنَّ مِنْهُ وجاءَ يُقَلِّعُ الصَّخْرَ انحِدارا
فأدركهنَّ مُنبعقٌ ثُعابٌ بِحَتفِ الحيْنِ إذْ غَلَبَ الحِذارا
يروى لحتف، ويروى بحيث الحين، منبعق سائل، وثعاب مثله.
هَجوتُ صِغارَ يربوعٍ بُيوتًا وأعظمهمْ مِنَ المخزاةِ غارا
فإنكَ والرِّهانَ على كُليبٍ لَكَا لمُجري معَ الفرسِ الحمارا
مساعينا التَّي كرُمتْ وطابتْ تَقيسُ بها مساعيكَ القِصارا
وقال الفرزدق:
عفَّى المنازِلَ آخِرَ الأيَّامِ قَطْرٌ ومُورٌ واختلافُ نَعامِ
المور التراب الدقيق مع الريح، عفاها درسها، والعفاء محو الأثر.
قالَ ابنُ صانِعَةِ الزُّروبِ لقومهِ لا أستطيعُ رَواسي الأعلامِ
[ ٢ / ٤٣٧ ]
ويروى لأمه يعني جريرا والزراب والزروب واحدها زرب وهي حفيرة تحتفر مثل البيت يبني
حولها، فتصير كالحظيرة تحتبس فيها الجداء والعنوق عن أمهاتها، وقوله رواسي ثوابت، يقال رسا
يرسو رسوا، قال: والأعلام الجبال واحدها علم، وإنما ضربه مثلا للعز والشرف، يقول: لا أستطيع
أن أفاخر من هو مثل الجبل الراسي الثابت، أن أزيله عن مكانه، وكذلك عزي وشرفي لا يبلغه أحد
وإن جهد.
ثقُلتْ عليَّ عمايتانِ وَلَمْ أجِدْ سَبًَا يُحَوِّلُ لِي جِبالَ شَمامِ
ويروى حسبا يحرك لي. قال وعماية جبل عظيم. قال: وشمام جبل أيضا. وإنما يعني فضل حسبه
على حسب جرير، فشبه رجاله وقومه بالجبال الراسية، فضربه مثلا للحسب.
قالتَ تُجاوبُهُ المراغةُ أُمُّهُ قَدْ رُمْتَ وَيْلَ أبيكَ كُلَّ مَرامِ
فأسكُتْ فإنَّكَ قَدْ غُلِبَتْ فلْمِ تَجدْ للقاصِعاءِ مآثرَ الأيام
ويروى قد عليت. القاصعاء من جحرة اليربوع.
ووجدتَ قومكَ فقَّؤا مِنْ لؤْمهمْ عينيكَ عندَ مكارمِ الأقَوام
قوله فقؤا عينيك يقول لم يدعوا لك بصرًا ولا حيلة، وعرفوا فخري وأقروا بذلك ومنعوك مفاخرتي.
صغُرتْ دلاؤهم فما ملؤوا بِها حوضًا ولا شَهدُوا عراكَ زِحامِ
قوله صغرت دلاؤهم قال وهذا مثل أيضا يعني فعالهم وأحسابهم، والعراك أن ترسل الإبل كلها
بجماعتها فترد، والرسل أن ترسل قطعة قطعة فذلك الرسل.
[ ٢ / ٤٣٨ ]
أرداكَ حينُكَ إذْ تُعارِضُ دارِمًا بأدقَّةٍ مُتاشبين لِئامِ
ويروى أشبهت أمك، ويروى متقاعسين، قال متقاعسين يعني مختلطين، وقوله أرداك يريد أهلكك،
يقال من ذلك ردي الرجل يردى ردى مقصورا.
وحسبتَ بحرَ بَنِي كُليبٍ مُصدرًا فَغَرقتَ حينَ وقعتْ في القمقامِ
يقول: بحرك لا يصدر أحدا أي لا يروى أحدا، هو أقل من ذلك وأضعف لا ماء به، ثم قال فغرقت
في القمقام، يقول: فلكا جاريتني غرقت في بحري فضربه مثلا للبحر، وإنما يريد الحسب، قال:
والقمقام البحر.
في حومةٍ غمرَتْ أَباك بُحُورُها في الجاهليَّةَ كانَ والاسلامِ
قوله في حومة حومةُ الماء مجتمعه وكثرته، وكذلك حومة القتال أشد موضع فيه وأشده قتالا.
إنَّ الأقارعَ والحُتاتَ وغالِبًا وأبا هُنيدةَ دافعُوا لِمَقامِي
قوله إن الأقارع يريد الأقرع وفراسًا ابني حابس، قال: والحتات بن يزيد المجاشعي، وغالب أبو
الفرزدق، قال وأبو هنيدة صعصعة جد الفرزدق، وقوله هنيدة يعني هندا ابنة صعصعة، وكانت هند
تقول: من جاءت من نساء العرب بأربعة كأربعة، يحل لي أن أضع خماري معهم فلها صرمتي: ثم
قالت لهم: أبي صعصعة، وأخي غالب، وخالي الأقرع، وزوجي الزبرقان بن بدر، ففخرت بذلك على
نساء العرب فلم يجئن بمثلهم.، وهي ذات الخمار، وذلك أنها دخلت على هؤلاء الأربعة،
[ ٢ / ٤٣٩ ]
فألقت خمارها. فقالوا لها ما هذا ولم تكوني متبرجة؟ فقالت: داخلتني خيلاء حين رأيتكم، فأي امرأة من
العرب وضعت خمارها عند مثلكم فلها صرمتي. قال: والأقرع حكم العرب؟ وصعصعة محيي
الوثيدات، أحيي قبل مبعث رسول الله ﷺ مائة وأربع جوار.
وكان من حديث صعصعة أنه كان كلما ولدت امرأة جارية يكفل ابنتها لئلا توأد، وغالب الجرار،
والزبرقان بن بدر أجمل العرب، والزبرقان اسم القمر سمي به الزبرقان لجماله.
بِمناكِبٍ سَبقَتْ أباكَ صُدورُها ومآثِرٍ لمتوَّجينَ كِرامِ
قوله. بمناكب بأجداد كرام أشراف، لهم سؤدد وفعال خير، يقول: ففعالهم تتقدم وترتفع مثل مناكب
الجبال وهو مانتأ منها وقوله ومآثر واحدتها مأثرة، وهو ما أثره الناس فتحدثوا به من المكارم وشرف
الفعال والسؤدد. وقوله لمتوجين، يعني حاجب بن زرارة بن عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم بن
مالك، وعطارد بن حاجب بن زرارة توجهما كسرى، وفي ذلك يقول الفرزدق أيضا:
رأيْتُ مهابةً ولُيُوثَ حرْبٍ وتاجَ المُلْكِ يلتهبُ التهابا
قال، وفي ذلك يقول مسكين بني عامر:
كفانَا حاجِبٌ كِسْرى وقومًا هُمُ البِيضُ الجِعادُ ذَوُو السِّبالِ
وسَارَ عُطارِدٌ حتى أتاهُم فأعطوْه المُنَى غيرَ انْتِحال
هُمَا حُبِيا بِديباجٍ كريمٍ وياقوتٍ يُفصَّلُ بالمُحالِ
[ ٢ / ٤٤٠ ]
قال وعطارد الذي أتى كسرى، فرد الخفارة وقبض القوس، فضربت به العرب المثل في ذلك في أشعارها وأمثالها،
وذهب له الصوت أبدا.
إنِّي وجدْتُ أبي بَنى لي بيْتَهُ في دوحَةِ الروُّساءِ والحُكَّام
ويروى ذروة، قال والدوحة من الشجر الطويلة العظيمة منها؛ قال: وإنما هذا مثل، قال والرؤساء
أجداده وأعمامه مثل سفيان بن مجاشع، ومحمد بن سفيان، وقوله والحكام يعني الأقرع بن حابس،
وكان حكم العرب في الجاهلية، حتى جاء الإسلام وهو كذلك، يصدرون عن رأيه، وذهب حكمه
ورأيه مع النبوة، لما بعث النبي ﷺ. قال أبو غسان: وإنما كان الأقرع بن حابس
حكم بين اثنين وهما جرير بن عبد الله البجلي، ورجل من كلب وذلك أنهما تنافرا إليه فحكم بينهما،
قسمته حكم العرب وهذه قصته.
مِنْ كُلِّ أبيضَ في ذُؤابةِ دارِمٍ ملكٍ إلى نضدِ الملُوكِ هُمامِ
ويروى أصيد من ذؤابة مالك. قوله أصيد يعني مائل الرأس من الكبر، وأصل الصيد داء يصيب
البعير في الرأس فيميل رأس البعير له، وأصله في البعير ثم نقلوه إلى الإنسان فشبهوه بالكبر لذلك،
لأنه يميل البعير رأسه ويرفعه لذلك، وكأنه متكبر يتبختر. وقوله إلى نضد الملوك، يقول: رجال كرام
أشراف بعضهم إلى بعض - ويقال تراكب أيضا، يقال بالميم وبالباء - قال وكذلك نضد البيوت ما
كان بعضه على بعض من المتاع، قال فشبه رجاله بذلك. ويقال النضد فحسب في الملك مترادف
يقال من قبل الآباء والأمهات، وقال بعضهم النضد في الأعمام والأخوال.
فَاسأل بِنا وبِكم إذا لاقيتم جُشَمَ الأراقمِ أوْ بَنِي هَمَّامِ
[ ٢ / ٤٤١ ]
يريد جشم بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب بن وائل. قال: والأراقم هم من بني تغلب،
وهم جشم بن بكر، وهم رهط مهلهل، وعمرو بن كلثوم. ومالك بن بكر رهط السفاح ورهط القطامي،
وهما يسميان الروقين، وعمرو بن بكر، وفيهم العدد بعد هذين، وثعلبة بن بكر رهط الهذيل بن
هبيرة، ورهط حنش بن مالك، والحارث بن بكر، ومعاوية بن بكر. وقوله أو بني همام يعني همام بن
مرة بن ذهل بن شيبان، فإنه قاد بكرا ما خلا بني حنيفة، وذلك أيام حرب بكر وتغلب، حتى قتلوه يوم
القصيبات، وهم يوم قضة. قال أبو غسان إنما يعني تعال حتى أفاخرك.
منَّا الَّذي جمعَ المُلُوكَ وبينهمُ حربٌ يُشبَّ سعيرُها بِضِرَام
ويروى وقودها. سعيرها حرها. وقوله بضرام قال والضرام شدة الالتهاب من النار، ثم صيره
للحرب، وذلك إذا اشتدت وحميت كما يشتد وقود النار والتهابها، قال أبو عبيدة: كان الحارث بن
عمرو الكندي بعث به تُبع مع بكر بن وائل ملكا عليهم، وقد ضيق على المنذر بن ماء السماء، ملك
عذار العراق، حتى ألجأه إلى هيت وتكريت، قال: وكان الحارث أكثر ملوك معد غزوًا حتى غلب
على قبائل جمة من العرب غير بكر بن وائل، وكان يقبل وينزل بطن عاقل وكان المنذر يستجيش
الملك الذي وضعه بالحيرة، وهو أنوشروان فلا يمده، فأشار سفيان بن مجاشع بن دارم على المنذر
أن يخطب ابنة الحارث إليه، فقال: لا يزوجني وبيننا دق منشم، ومن لي بمن ينهي ذلك إليه، قال: أنا
لك بذلك فلحق بالحارث، فخطب إليه هندا بنت الحارث، فزوجها إياه، وهي التي يقول لها القائل: يا
ليت هندًا ولدت ثلاثة. قال: فولدت ثلاثة ذكورة بعضهم على رأس بعض، ولدت عمرًا مضرط الحجارة
[ ٢ / ٤٤٢ ]
ابن هند، سمي بذلك لشدته. وقابوس قينة العراق ابن هند - وكانت فيه حلية يعني لينا
وليس بالمخنث لقب هو - والمنذر بن هند الأكبر. فتهادنا وكف المنذر عنه، قال وطفئت النائرة
بينهما، ورجع إلى الحيرة. قال فسفيان بن مجاشع هو الذي أصلح بينهما، قال ففخر به الفرزدق على
جرير.
وأَبِي ابْنُ صعصعَةَ بْنِ لَيلَى غالبٌ غَلَبَ المُلوكَ ورهطُهُ أعمامِي
خالي الَّذي تَرَكَ النَّجيعَ برُمحهِ يومَ النَّقا شَرِقًا عَلَى بِسْطَامِ
قوله خالي يعني عاصم بن خليفة الضبي الذي قتل بسطاما يوم النقا، ويوم الشقيقة ويوم فلك الأميل
ويوم الحسنين. والنجيع الدم الطري. شرق لازق ظاهر على الرمح.
والخَيلُ تنحطُ بالكُماةِ تَرى لَها رهجًا بِكُلِّ مُجَرَّبٍ مِقْدامِ
ويروى تنقل بالكُماة، والنقل والنقلان ضرب من العدو. قوله تنحط يعني تزفر، وذلك من الجهد
والشدة.
والحوفزانُ تداركتهُ غارةٌ منَّا بأسفلِ أودَ ذِي الآرامِ
ويروى بمدفع أود ذي الأعلام، قال اليربوعي: ليس هو كما قال الفرزدق في الحوفزان، إنما أسر
الحوفزان أبو مليل - وهو عبد الله بن الحارث بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع - وعبد عمرو بن سنان
السليطي، وحنظلة بن بشر، قال: وكان حنظلة بن بشر يومئذ نقيلا في بني يربوع، لم يشهد ذلك اليوم
دارمي غيره، قال: وقد مر حديثه في غير هذا الموضع. قال والآرام واحدها إرمي وإرم وهي حجارة
يوضع بعضها على بعض ليهتدى بها. قال والأرْام الظباء ساكنة الراء. والآرَام
[ ٢ / ٤٤٣ ]
الحجارة متحركة الراء.
مُتجرِّدينَ عَلى الجِيادِ عشَّيةً عُصبًا مُجَلَّجةً بِدارِ ظَلامِ
يعني ظلام الليل. وقوله مجلجة يعني جادة ماضية لمحاربتها، يريد الخيل والفعل لأصحابها الذين
على الخيل. ويروى مبادرة بدار. ويروى بدار مقام.
وتَرَى عطيَّة ضارِبًا بِفنائِهِ ربقينِ بينَ حظائرِ الأغنامِ
الربق حبل يشد ممدودا وفيه حبال صغار تشد فيه الجداء والعنوق.
مُتقلدًا لأبيهِ كانتْ عندَهُ أرباقُ صاحِبِ ثلةٍ وبهامِ
قال: نصب أرباق بمتقلد يريد متقلدا أرباق صاحب ثلة وبهام، وكانت عنده تلك الأرباق. قال
والأرباق الحبال التي تشد بها الغنم وتجمع على معلفها لئلا تفرق فتذهب. قال والثلة الضأن من
الغنم، والبهام الجداء، والعنوق الواحدة بهمة.
ما مَسَّ مذْ ولدتْ عطيةَ أُمُّهُ كفَّا عطيَّةَ مِنْ عِنانِ لِجامِ
ويروى مذ خرئت عطية أمه
فأجابه جرير فقال:
سرتِ الهُمومُ فبتنَ غيرَ نيامِ وأخُو الهُمومِ يرُومُ كُلَّ مَرامِ
ذُمَّ المنازلَ بعدَ منزلةَ الِّلوى والعيشَ بعدَ أولئكَ الأقوامِ
ضربتْ معارِفَها الروامسُ بعدنا وسجالُ كلَّ مُجلجلٍ سَجَّامِ
[ ٢ / ٤٤٤ ]
قوله معارفها ما بقي من آثار الدار مما يعرف مثل الحائط الدارس حتى يبقى جذمه، أو العرصة قد
امحت إلا ما بقي من رسمها وموضعها الذي تعرف به، والروامس من الرياح ذات التراب. والرمس
التراب بعينه، قال والمجلجل يريد صوت الرعد من السحاب، وقوله وسجال يريد مطرة بعد مطرة،
قال والسجل الدلو، وإنما شبه المطر في كثرته به، يريد كأن القطر في عظمه إذا وقع بالأرض كوقع
مصب الدلو في كثرته وعظمه.
ولقَدْ أَراكِ وأَنْتِ جامِعَةُ الهَوى نُثني بِعهدِكِ خيرَ دارِ مُقامِ
نصب خير على النداء. قال والمعنى في ذلك ولقد أراك خير دار مقام
فإذا وقفتَ على المنازلَ باللِّوىَ فاضَتْ دُموعي غيرَ ذاتِ نظامِ
ويروى دموعك. غير ذات نظام أي تقطر قطرا غير متسق لكثرته.
طرقتكَ صائدةُ القُلوبُ وليسَ ذا وقتَ الزيارةِ فارجعي بسلامِ
تُجرِي السِّواكَ على أغرَّ كأنَّهُ بردٌ تحدَّرَ منْ مُتون غَمام
لوْ كانَ عهدُكِ كالذَّي حدَّثتنا لوصلتِ ذاكَ فكانَ غيرَ رِمامِ
قوله رمام يقول أخلاق الواحدة رمة، ومن العظام رمة، وأنشد لذي الرمة:
أشعثَ باقي رُمَّةِ التقليدِ
إنِّي أُواصلُ منْ أَردتُ وصالهُ بِحبالِ لا صلفٍ ولا لوَّامِ
[ ٢ / ٤٤٥ ]
قال والصلف الذي لا خير فيه ولا عنده. قال: ومثل يضرب يقال: رب صلف تحت الراعدة. يعني
رعدا بلا مطر، كما أن كلام الصلف بلا فعل. قال أبو عبد الله: يقال حنطة صلفة إذا كانت قليلة
النزل، وصلفت المرأة عند زوجها قل موقعها، ومن كلام العرب: كم صلف تحت الراعدة. يراد به
الرجل يقل خيره مع ظاهر يستعظم.
ولقدْ أراني والجديدُ إلى بلىً في فتيةٍ طُرُفِ الحديثِ كرامِ
ويروى في موكب. ويروى طرفي الحديث. يقول يأتون بكل حديث مستطرف مما يشتهى ويحب
السامع أن يسمعه.
طلبوا الحُمولَ على خواضعَ في البُرى يُلحقنَ كُلَّ مُعذَّلٍ بسَّامِ
ويروى يحملن كل. قوله الحمول يعني الظعن وهن النساء على الإبل. وقوله على خواضع، يقو:
هذه الإبل واضعة رؤوسها للسير. وقوله كل معذل يريد كل فتى معذل أي ملوم، يطلب الغزل والناس
يعذلونه، يريد يلومونه على فعله وهو غير منته عما يريد. يقال من ذلك عذلت فلانا وذلك إذا لمته.
لوْلا مُراقبَةُ العُيونِ أريننَا مُقلَ المَها وسَوالِفَ الآرامِ
ويروى حدق المها. ويروى مراقبة الغيور. قال والمقلة العين كلها. والمها البقر البيض، قال:
والسالفة صفحة العنق من أعلاه. والآرام ظباء الرمل وهي أحسن الظباء ليلا لسكونها في الرمل.
ونظرنَ حينَ سمعنَ رجعَ تحيَّتِي نظرَ الجيادِ سمعنَ صوتَ لِجامِ
كذَبَ العواذلُ لوْ رأينَ مُناخنا بحزيزِ رامةَ والمطيُّ سوامِ
[ ٢ / ٤٤٦ ]
قال والحزيز أرض فيها غلظ واستواء. وقوله سوام، يقول رافعة أبصارها وأعناقها. والمطي ما
امتطي ظهره والمطا الظهر. قال أبو عبد الله قال أبو العباس: قوله لو رأين مناخنا وما نلقى ما عذلننا
في الطلب، قال وقوله والمطي سوام يقول هي في بلد لا رعي فيها فهي تسموا بأبصارها إلى موضع
الرعي.
والعيسُ جائِلَةُ الغُروضِ كأنَّهُ بقرٌ جوافِلُ أوْ رعيلُ نعامِ
قوله جائلة الغروض لضرها وهزالها. فقد اضطربت حزمها من التعب والسير. قال والغروض
للابل من أدم مثل الحزم للخيل.
نصِّي القُلوصَ بكُلِّ خرقٍ ناضِبٍ عمقِ الفجِاجِ مُخَرَّجٍ بقتامِ
ويروى بكل خرق مهمه. قال: والنص النصب للسير، قال: ومنه قولهم منصة العروس. وقوله بكل
خرق ناضب، قال: والخرق الفلاة الواسعة تتخرق الرياح في الفلاة فتفضي إلى فلاة أخرى. وقوله
ناضب أي بعيد، وقوله مخرج يقول: فيه بياض وسواد: قال والعمق البعيد، والفجاج أفواه الطرق،
الواحد منها فج. قال والقتام الغبار.
يدمى على حذمِ السريحِ أظلُّها والمروُ مِنْ وهجِ الهجيرةِ حامِ
ويروى من وهج الهواجر. ويروى على جذم. والسريح
[ ٢ / ٤٤٧ ]
السيور التي توصل بها رقاع الاخرى إلى الرسغ.
وقوله على حذم يقول قطع، والسريح سيور النعال، قال: والمرو حجارة بيض وسمر.
والهواجر أشد النهار حرًا. قال والأظل ما تحت المنسم من الخف.
باتَ الوسادُ لدى ذِراعِ شملَّةٍ وثَنى أشاجعهُ بفضلِ زمامِ
ويروى بات الوساد على قال: والشملة من الإبل السريعة.
إنَّ ابْنَ آكلةِ النُّخالةِ قدْ جَنى حرْبًا عليكَ ثقيلةَ الأجرامِ
يعني البعيث. قال الجرم الجسد كله، يقال من ذلك رماه بأجرامه، قال وذلك إذا ماه بجسده كله.
خُلقَ الفرزدقُ سوءةً في مالكٍ ولخلفِ ضبةَ كانَ شرَّ غُلام
ويروى ولخلف ضبة. يريد مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة ابن تميم.
وقوله ولخلف ضبة قال وذلك لأن ضبة أخواله. قال ومنه قول الله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾.
قال أبو عبد الله: الخلف ساكنة اللام من يأتي بعد والخلف متحركة اللام هو البدل.
مهلًا فرزدقُ إنَّ قومكَ فيهُمُ خورُ القُلوبِ وخفَّةُ الأحلامِ
الظَّاعنونَ على العَمَى بجميعهم والنَّازلونَ بشرِّ دارِ مُقامِ
قوله الظاعنون على العمى بجميعهم، يقول: يركبون ما لا يُبالون
[ ٢ / ٤٤٨ ]
عاقبته من الأمور، ولا يدرون ما هو، ولا يدرون ما يفعلون،
يتبعون صارخهم على عمياء من أمره، ولا يبالون عاقبته، ولا يدرون ما
هو. وقوله والنازلون بشر دار مقام، يقول: يتخير الناس عليهم المنازل فهم يتبعون من المنازل ما
تركه الناس فينزلونه، وذلك لأنهم أذلاء لا منعة عندهم ولا دفع لهم.
لَوْ غيرُكمْ علقَ الزُّبيرُ ورحلهُ أدَّى الجوارَ إلى بنِي العوَّامِ
ويروى لو غيركم علق الزبير رحله، وهو أجود، ويريد العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب.
كانَ العنانُ على أبيكَ مُحرَّما والكيرُ كانَ عليه غيرَ حرامِ
عمدًا أُعرفُ بالهوانِ مُجاشِعًا إنَّ اللِّئامَ عليَّ غيرُ كرامِ
إنَّ المكارمَ قدْ سُبقْتَ بفضلها فانسُبْ أباكَ لعروةَ بنِ حِزامِ
تلقَى الضَّفنةَ منْ بناتِ مُجاشِعٍ تهذي استُها باخابثِ الأحلامِ
قال الضفنة من النساء الضخمة البطن والجنبين، أي ترى في المنام أنه يُفعل بها.
ما زلتَ تسعى في خبالِكَ سادِرًا حتى التبستَ بعُرَّتي وعُرامِي
إنِّي إذا كرهَ الرجالُ حلاوتي كنتُ الذُّعافَ مُقشَّبًا بسمامِ
فيمَ المِراءُ وقْد علوتُ مُجاشِعًا علياءَ ذاتَ معاقلٍ وحَوامِي
وحللتُ في مُتمنِّعٍ لوْ رُمتهُ لهويتَ قبلَ تثبُّتِ الأقدامِ
وقال الفرزدق لجرير:
لا قوْمَ أكرمُ مِنْ تَميمٍ إذْ غدتْ عوذُ النِّساءِ يُسقنَ كالآجالِ
[ ٢ / ٤٤٩ ]
قوله عوذ النساء هُن اللاتي معهن أولادهن، والأصل في عوذ في الإبل التي معها أولادها فنقلته
العرب إلى النساء وهذا من المستعار، وقد تفعل العرب ذلك كثيرًا. قال والآجال الفرق من البقر
والظباء واحدها إجل.
الضّاربونَ إذا الكَتيبةُ أحجمتْ والنَّازلُونَ غَداةَ كُلِّ نِزال
والضّامِنونَ على المنيَّةِ جارُهْم والمطعمونَ غَداةَ كُلِّ شَمالِ
أبني غُدانةَ إنَّني حررتُكُمْ ووهبتكُمْ لعطيةَ بنِ جعالِ
قوله حررتكم يعني أعتقتكم وجعلتكم أحرارًا.
قال: فلما بلغ عطية هذا البيت، وكان عطية خليلًا للفرزدق قال: جزى الله خليلي عني خيرا. وهو
عطية بن جعال بن مجمع بن قطن بن مالك بن غدانة بن يربوع، وكان عطية من سادة بني غدانة.
فوهبتكُمُ لأحقِّكُمْ بقديمكم قِدمًا وأفعلهِ لكُلِّ نوالِ
لولاَ عطيَّةُ لأجتدعتُ أُنوفكُمْ مِنْ بينِ ألأمِ آنفٍ وسِبالِ
ويروى أعين وسبال، قال: فلما بلغ عطية قوله من بين الأم آنف وسبال قال: ما أسرع ما رجع
خليلي في هبته.
إنِّي كذاكَ إذا هجوتُ قبيلةً جدَّعتُهُم بعوارِمِ الأمثالِ
العوارم الخبيثة المشهورة، جدعتهم قطعت آذانهم.
أبنُو كُليبٍ مثلُ آلِ مُجاشِعٍ أمْ هلْ أبوكَ مُدعدِعًا كعقالِ
مدعدعًا في حال دعدعته، كأنه قال أم هل أبوك في هذه الحال.
[ ٢ / ٤٥٠ ]
الدعدعة زجر الغنم يقال دعدع وسعسع وسأسأ، قال يريد عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع.
قال والدعدعة الدعاء بأولاد المعز.
دعدِعْ بأعنُقكَ التَّوائِمِ إنني في باذخٍ يابْنَ المراغة عالِ
الباذخ يريد الجبل المشرف المنيع، فأنا كذلك لا يصل أحد إلى أذاتي ولا مساءتي، فضربه مثلا
للتجبر، يقال من ذلك قد بذخ فلان إذا علا وتكبر. قال والتوائم التي يولدن ثنتين في بطن.
وابنُ المراغةِ قدْ تحوَّلَ راهِبًا مُتبرنسًا لتمسكُنٍ وسؤالِ
أي صار يلبس البرنس كما يلبس الرهبان.
ومُكبَّلٍ تركَ الحديدُ بساقهِ أثرًا من الرَّسفانِ في الأحجالِ
قوله من الرسفان هو مشي متقارب وهو مشي المقيد. والأحجال القيود الواحد حجل، قال وأصل
الحجل الخلخال ثم جعل القيد هاهنا حجلًا، ولما وقع القيد في موضع الخلخال من المرأة سموه حجلًا.
وفدتْ عليْ شيوخُ آلِ مُجاشعٍ منهمْ بكلِ مُسامحٍ مِفضالِ
ففدوهُ لا لثوابِهِ ولقدْ يُرى بيمينه ندبٌ منَ الاغُلالِ
ويروى أثر. ولقد يرى بيمينه ندبًا. ويروى فكوه. قوله ندب يعني أثرًا من معالجة العمل والمهنة.
ما كانَ يلبسُ تاجَ آلِ مُحرِّقٍ إلاَّهُمُ ومقاولُ الأقوالِ
قوله ومقاول، المقاول ملوك اليمن. قال ويروى ومقاول الأقيال.
[ ٢ / ٤٥١ ]
فمن رواه الأقيال فجمعه على قيل، ومن رواه الأقوال رده إلى الأصل، كذا فسره أبو عبيدة
والأصمعي.
كانتْ مُنادمةُ المُلوكِ وتاجُهمْ لمُجاشِعٍ وسُلافةُ الجريالِ
قوله وسلافة يعني الشراب، وهو ما سال بغير عصر ولا علاج، وهو أجوده قال وسلافة كل شيء
أوله، وهو ما سلف وتقدم. قال والجريال حمرة من كل شيء وكأنه مما سال ويقال هو البقم بعينه ثم
صار لكل حمرة.
ولئنْ سألتَ بني سُليمٍ أيُّنا أدنَى لكُلِّ أرُومةٍ وفعالِ
ليُنبئنَّكَ رهطُ معنٍ فأتهمْ بالعلمِ والأنفونَ مِنْ سمَّالِ
الأنفون من الأنف. قال ومعن بن يزيد السلمي وسمال من بني سليم وهم رهط عبد الله بن خازم
صاحب خراسان. ويروى والأتقون لأنهم أتقياء لا يكذبون.
إنَّ السَّماءَ لنا عليكَ نُجومُها والشَّمْسَ مُشرقَةٌ وكُلُّ هلال
نصبة أي في حال إشراقها.
ولنا معاقلُ كُلَّ أعيطَ باذِخٍ صعبٍ وكُلُّ مباءةٍ محلالِ
قوله أعيط هو جبل طويل. والباذخ المشرف من الجبال ومنه يقال بذخ فلان علينا وذلك إذا علا
وتجبر. وقوله مباءة أي محلة يتبوأ فيها يعني ينزلها الناس، قال والمحلال التي يحلها الناس لكرمها
وخصبها.
إنَّ ابنَ أُختِ بَني كُليبٍ خالهُ يومَ التَّفاضُلِ أَلاَمُ الأخوالِ
بعلُ الغريبةِ منْ كُليبٍ ممْسكٌ منْها بلا حسبِ ولا بجمالِ
[ ٢ / ٤٥٢ ]
الغريبة التي تزوج في غربة تدعى الإطريحة. والسحوب الذي تذهب به امرأته إلى قومها فتجيره.
سُودُ المحاجر سيءٌ لباتُها منْ لؤمهنَّ يُنكنَ غيرَ حلالِ
ككلابِ أعبُدِ ثلَّةٍ يتبعنهُمْ حملتْ أجنتها بشَرَّ فِحالِ
يعوينُ مُختلطَ الظَّلامِ كما عوتْ خلفَ البيوتِ كلابَهْا لعظالِ
قوله لعظال. قال العظال المعاظلة سفاد السباع كلها، نسب نساءهم إلى ذلك، وشبههن بالكلاب إذا
طلبت السفاد فنساؤهم يفعلن هذا الفعل.
يرفعنَ أرجلهُنَّ عنْ مفروكةٍ مُقِّ الرُّفُوغِ رحيبةُ الأجوالِ
مفروكة يبغضها زوجها لعيب بها. والرفوغ أصول الفخذين والمغابن. مق طوال واحدتها مقاء،
والذكر أمق بين المقق.
تلَقى الأُيورَ بظُورهنَ كأنَّها عصبُ الفراسِنِ أو أُيُورُ بغالِ
تَغلو دِماءُ بَني المراغةِ فيهمُ ودماؤُهُمْ وأبيكَ غيرُ غوالِ
يُسلحنَ أنتنَ ما أكلنَ عليهمُ لمَّا وجدنَ حرارةَ الإنزال
قوله يسلحن جعلهن عذيوطات - وعذاييط أيضا - قال وذلك أن العذيوط من الرجال والعذيوطة من
النساء، التي إذا جُومعت سلحت عند الفراغ، قال: وكذلك الرجل أيضًا.
إَّني وجدتُ بني كُليبٍ إنَّما خُلقُوا وأُمكَ مُذْ ثلاثُ ليالَ
الرفعُ في ثلاث أجود لأنه قد مضى. وأمك خفض على القسم لأنه
[ ٢ / ٤٥٣ ]
حلف بها.
يُزويهمُ الثمدُ الذي لوْ حلَّهُ جُرذانِ ما ندَّاهُما ببلالِ
ويروى ما رويا له ببلال. الثمد الماء القليل الملح عليه. قال أبو عبيدة: الثمد ماء المطر يجتمع في
مشاشة من الأرض وهي الحجارة الهشة، فيشرب منها الشهر والشهرين إذا استقيت دلو عاد مثلها.
لا يُنعمونَ فيستثيبوا نعمةً لهُمُ ولا يجزُونَ بالإفضالِ
يتراهنُونَ على جيادِ حميرهم منْ غايَةِ الغذَوانِ والصلصالِ
قال: والغذوان والصلصال حماران فحلان، والغذوان الذي يُغذي ببول - يفرقه - إذا بال. قال:
والصلصال الصلب الصوت، قال امرؤ القيس
كتيس الظباء الحلب الغذوان
قال: وكأنه من قولهم سمعت صلصة الحديد بعضه على بعض، وذلك إذا اشتد صوته.
وكأنَّما مَسَحوا بوجه حمارهمْ ذِي الرقمتينِ جبينَ ذِي العُقَّالِ
قال والرقمتان الحلقتان على كآذتي الحمار. قال والكاذة موضع الرقم منه من أعلى الفخذين، وأسفل
الورك، وهي الناتئة منه، قال وذو العقال فرس معروف بالنجابة.
ومُهُورُ نسوتِهم إذا ما أُنكحُوا غذويُّ كُلِّ هبنقعٍ تنُبالِ
[ ٢ / ٤٥٤ ]
قال: الغذوي ما في بطون الحوامل لم ينتج بعد. والهبنقع الذي إذا قعد أقعى على استه، وضم فخذه،
وفرج بين رجليه. قال والتنبال من الرجال القصير.
قال أبو عبد الله: لا أعرفه إلا غدوي بالدال غير معجمة. قال: مهور نسوتهم الحملان ليس يُمهرن
الإبل.
يتبعنهُمْ سلفًا على حُمراتهِمْ أعداءَ بطنَ شُعيبةَ الأوشالِ
قوله أعداء يريد النواحي، واحدها عدى كما ترى مقصور، وهو من قول الله ﷿ ﴿إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى﴾ وهن جانبا النهر. وشعيبة مسيل. والوشل ماء يقطر من الجبل
قليلًا قليلًا.
ويظلُّ مِنْ وهج الهجيرةَ عائذًا بالظِّلِّ حيثُ يزولُ كُلِّ مزالِ
يقول يعرف في الهاجرة لأنه لا بيت له ولا بناء يستكن فيه من الشمس.
وحسبتَ حربِي وهي تخطرُ بالقنَا حلبَ الخمارةِ يابْنَ أمِّ رِعال
كلاَّ وحيثُ مسحتُ أيمنَ بيتهِ وسعيتُ أشعثَ مُحرمًا بحلالِ
يريد الحجر الأسود. وقوله بحلال يريد لأحل من إحرامي، ويروى لحلال
تبكي المراغةُ بالرَّغامِ على ابنها والناهِقاتُ ينُحنَ بالإعوالِ
[ ٢ / ٤٥٥ ]
قال: المراغة يريد أُم جرير قال والرغام التراب الخشن، وهو الذي ينهال وهو من قولهم للرجل إذا
دعوا عليه، أرغم الله أنفه يعني ألزق الله أنفه بالتراب.
سِوقِي النَّواهقَ مأتمًا يبكينهُ وتعرَّضي لمُصاعد الفُقالِ
يقول: سلي من يسافر مصعدا أو غير مصعد. وقوله مأتما يبكينه، يقول: ليس من يبكيه إلا الحمير.
وقوله وتعرضي لمصاعد القفال يريد سلي عنه. ويروى لمصعدي القفال.
سربًا مدامِعُها تنوحُ على ابنها بالرمَّلِ قاعدةً على جلاَّلِ
جلال طريق لطيءٍ يسلكونه.
قالُوا لها احتسبي جريرًا إنهُ أودى الهزبرُ بهِ أبو الأشبالِ
ويروى ائتجري جريرا، ومن هذا قول الشمردل يرثي الحكم بن شريك أخاه:
يقولون ائْتَجِز حكما وراحوا بأبيضَ لن أراهُ ولن يراني
قوله ائتجري احتسبي جريرًا فأنه قد قتله الهزبر وهو الأسد، يعني نفسه أي إني أنا الهزبر قتلت
جريرا.
ألقى عليه يديه ذُو قوميَّةٍ وردُ فدقَّ مجامِعَ الأوصالِ
روى أبو عمرو يدق مجامع، الأوصال واحدها وصل ووصل. قوله
[ ٢ / ٤٥٦ ]
ذو قومية يريد ذو قوة وبأس، قال ومجامع الأوصال البطن وهو هاهنا الصلب.
قَدْ كنتُ لوْ نفَعَ النَّذيرُ نهيتهُ ألاَّ يكونَ فريسةَ الرِّيبالِ
قال الريبال الأسد الذي يتربل أي يطلب الصيد وحده - ويتريبل أيضا - وذلك لقوته وثقته بنفسه.
إني رأيتكَ إذْ أبقتَ فلمْ تئلْ خيرتَ نفسكَ منْ ثلاثِ خِلالِ
تئل تنجو، يقال من ذلك وأل فلان وذلك إذا نجا، وتقول العرب لا وألت إن وألت. يريدون لا نجوت
إن نجوت. ويروى فلم تُبل من المبالاة.
بينَ الرُّجوعِ إلى وهيَ فظيعةٌ في فيكَ مدنيةٌ مِنَ الآجالِ
وروى أبو عمرو وهي بغيضة ومريرة، أي لا تقدر أن تتكلم بها لفظاعتها.
أوْ بينَ حيِّ أبِي نعامةَ هارِبًا أَو بِاللَّحاقِ بطيى الأجبالِ
قال: أبو نعامة يعني قطري بن الفجاءة الخارجي، وهو من بني مازن. وقوله حي أبي نعامة أي هو حي،
تقول فعلت ذاك حي فلان، أي وفلان حي.
ولقدْ هممتَ بقتلِ نفسكَ خاليًا أوْ بالفِرارِ إلى سفينِ أوَال
فالآنَ يا رُكبَ الجداءِ هجوتُكمُ بهجائكُمْ ومُحاسِبِ الأعمالِ
قوله يا ركب الجداء يحقرهم بذلك وينقصهم. وقوله ومحاسب
[ ٢ / ٤٥٧ ]
لأعمال هي يمين حلف بها كما تقول وديان الدين ومحاسب العالمين.
فاسأل فإنكَ مِنْ كُليبٍ والتمسْ بالعسكريْنِ بقيةَ الأظلالِ
قوله والتمس بالعسكرين، يعني القريتين قريتي بني عامر وفيهما سوق، وتمر، ونباذون قال: وإنما
يرميه بأن له منزلا في القريتين وأنه ليس ببدوي والأظلال يعني الأخبية لأنها تظلهم من الحر
والبرد.
إنَّا لتُوزنُ بالجبالِ حلُومنُا ويزيدُ جاهِلُنا على الجُهَّالِ
فأجمعْ مساعيَكَ القصارَ ووافني بعُكاظَ يا ابنَ مُربقِ الأحمالِ
واسألْ بقومكَ يا جريرُ ودارِمٍ منْ ضَمَّ بَطْنُ مِنّى مِنَ النُّزالِ
النزال هم الحجاج، وأنشد لعامر بن الطفيل:
أنازلةٌ أسماءُ أمْ غيرُ نازِلهْ أبيني لنا يا أسمَ ما أنتِ فاعلهْ
تجدِ المكارمَ والعديدَ كليهما في دارمٍ ورَغائبَ الآكالِ
الرغائب كل مالٍ مرغوب فيه. والآكال هي الأموال وهي طعم كانت الملوك تجعلها لأشراف
العرب.
وإذا عددتَ بني كُليبٍ لمْ تجدْ حسبًا لهُمْ يُوفِي بشسِعِ قِبالِ
لا يمنعونَ لهُمْ حرامَ حليلة بمهابةٍ منهُمْ ولا بِقتالِ
ويروى فيهم. ويروى لا يمنعون لهم خدام حليلة والخدام الخلخال، والحليلة المرأة والخليلة الصديقة
بالخاء المعجمة.
أجريرُ إنَّ أباكَ إذْ أتعبتهُ قصرتْ يداهُ ومدَّ شرَّ حبالِ
[ ٢ / ٤٥٨ ]
وروى أبو منجوف إن أباك حين ندبته أي دعوته. والحبال أسباب الفخر هاهنا.
إنّ الحجارة لَوْ تكلَّمُ خبرتْ عنكُمْ بآلامِ دقةٍ وسِفالِ
لَوْ تعلمونَ غداةَ يُطردُ سبيُكمْ بالسَّفْحِ بينَ مُليحةٍ وطِحال
والحوفزانُ مسومٌ أفراسهُ والمُحصناتُ يجُلنَ كُلّ مجال
ويروى هل تعلمون. ويروى بالسفح بين روية.
قال أبو عبيدة: أغار الحوفزان بن شريك على بني يربوع بذي بيض فسبى وأخذ الأموال. قال أبو
عبيدة: وذو بيض أرض بين جبلة وطخفة، وهي اليوم لغني والضباب وبنو تميم في شق ذي بيض
الجنبي. قال: وأسر حنظلة بن بشر بن عمرو بن عمرو بن عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم
الحوفزان بن شريك، ثم من عليه بلا فداء، وردَّ ما كان في يديه من المال على بني يربوع. وفي ذلك
يقول الفرزدق يفخر على جرير:
وردَّ عليكم مُردفاتٍ بناتِكُمْ بنا يومَ ذي بيضٍ صلادِمُ قُرَّحُ
وعانقَ مِنَّا الحوفزانَ فردَّهُ إلى الحيَّ ذو درءٍ عن الأصلِ مرزخُ
قال أبو عبيدة: وربما أنشدوني:
هلْ تعلمُونَ غداةَ يُطردُ سبيُكمُ بالسَّفحِ بينَ مُليحةٍ
[ ٢ / ٤٥٩ ]
وأيضا بين كُلية. وأيضا بين رؤية وطحال. قال: وهي شيء واحد، وذلك لتقارب بعضهن من
بعض. وذلك لأن بين صحراء طحال الجنبي وبين وضاخ وجبلة ليلة، والسفح عن يسار طخفة
مصعدًا إلى مكة. ومليحة قريب من السفح وهو لغني اليوم. والصمد ماء للضباب اليوم، وهو في
شاكلة الحمى في شق ضرية الجنبي. قال وروية وكلية ماءان لغني قريب منهن. والكثيب اسم ماء
للضباب في قبلة طخفة، قال فهن متقاربات. رياء - أي يرى بعضهن من بعض. قال فلذلك اختلفوا
في ألفاظهن، والعرب تستحسن ذلك، أن يجيء الحرف مرارًا إذا كان لفظه مختلفًا. والشملي ما يلي
الشمال. والجنبي ما يلي الجنوب.
يحدُرنَ من أُمُلِ الكثيبِ عشيَّةً رقصَ اللِّفاحِ وهُنَّ غيرُ أَوال
ويروى يحدين. قوله غير أوال يعني غير تاركات جهدًا، كأنه من قولهم لست آلو جهدًا يريد لا أترك
جهدًا. يحدين يسقين. والأمل جمع أميل وهو الحبل من الرمل.
حتَّى تداركها فوارسُ مالكٍ ركضًا بكُلِّ طُوالَة وطُوال
لمَّا عرفنَ وُجوهَنا وتحدَّرتْ عبراتُ أعينهنَّ بالإسبالِ
قوله بالإسبال يريد سيلان الدموع متداركا.
وذكرُنَ من خفرِ الحياءِ بقيَّةً بقيتْ وكُنَّ قُبيلُ في أشغالِ
وارينَ أسوقهُنَّ حينَ عرفننا ثقةً وكُنَّ روافِعَ الأذيالِ
وارين أسوقهن ثقة بأنا سنحميهن ونمنعهن. وقوله وارين يريد سترن أسوقهن منا من الحياء. وقوله
روافع الأذيال يعني للهرب.
بفوارِسٍ لَحِقوا أبُوهُمْ دارِمٌ بيضِ الوُجوه عَلى العدُوِّ ثِقالِ
[ ٢ / ٤٦٠ ]
ويروى مالك وهو أبو دارم بيض الوجوه أي لم تسود وجوهم من العار، كما قال الشاعر:
ليسوا كأقوامٍ عرفْتُهُمُ سُودِ الوُجُوهِ كمعدنِ البُرمِ
كُنَّا إذا نزلَت بأرضِكَ حيَّةٌ صمَّاءُ تخرُجُ منْ صُدُوعِ جبالِ
يُخشَى بوادِرُها شَدخنا رأسها بمُشدخاتٍ للرؤوس عوالِ
إنَّا لننزِلُ ثغرَ كُلِّ مُخوفَةٍ بالمُقرباتِ كأنَّهنَّ سَعالِ
ويروى لنترك. وقوله بالمقربات يعني الخيل لأنها تقرب مرابطها من بيوتهم لا يدعونها تسرح
وترعى.
قُودًا ضَوامِرَ في الرُّكوبِ كأنَّها عِقبانُ يومَ تغيُّمٍ وطِلالِ
ويروى جرر القياد وفي الطراد كأنها. طل وطلال هو الندى.
شُعثًا شَوازِبَ قدْ طَوى أقرابَها كرُّ الطِّرادِ لواحقُ الآطالِ
قوله شوازب يريد ضوامر يابسة الجلود. قال والأقراب الخواصر وما يليها. قال: والآطال الخصور
الواحد إطل ويقال إطل. قال أبو عبد الله: ويقال شاسب وشاسف، وحكي شسفوا لحومكم أي يبسوها.
بأُولاَك تُمنعُ أَن تُنفِّقَ بعدَما قصَّعتَ بينَ حُزونَةٍ ورِمالِ
قال النافقاء والقاصعاء: جحر اليربوع الذي يدخل فيه ويخرج، والقاصعاء جحر له يحفره حتى إذا
رأى الضوء تركه رقيقا، فإذا احتاج إلى الهرب ضربه برأسه فنقبه وهرب، يقول: أولئك وهي لغة
قريش، وبها نزل القرآن وأولاك وألاك وأولالك وألائك بمعنى واحد، وأنشد لجندل بن المثنى:
[ ٢ / ٤٦١ ]
وكُلُّ أُلائِكَ غيرُ مُنزربِ في الجُحْرِ لمَّا يُنجِهِ شِعْبٌ لَصِبْ
اللصب الضيق. يقول: بفوارسي تمنع أن تطلع رأسك كما يُنفق اليربوع من جحره، ولجحر اليربوع
بابان فمدخله من القاصعاء ومخرجه من النافقاء.
وبِهِنَّ ندفعُ كربَ كُلِّ مُثَوِّبٍ وترى لَهَا خُددًا بِكُلِّ مَجالِ
قوله: كرب كل مثوب. قال: فالمثوب الرافع صوته الفزع المستغيث مرة بعد مرة، قال أبو عبيدة:
وكأنه مأخوذ من تثويب الأذان، لأنه يرفع صوته فيدعو إلى الصلاة، كما يدعو المستغيث بالتثويب
إلى النصرة. وقوله: ترى لها يعني للخيل. خددا يعني حفرا. وذلك لأنها تحفر بحوافرها من الاستنان
والمرح، من قوله جل وعلا ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾ وهي حفر تخد في الأرض فكأنه مشتق من ذلك
إنّي بَنى لي دارِمٌ عادِيَّةً في المَجْدِ لَيْسَ أَرُومها بِمُزالِ
قوله أرومها يعني أصلها. والأرومة الأصل. وقوله إني بنى لي دارم وأبوه الذي ورد الكلاب يعني
جده سفيان بن مجاشع، وكان في الكلاب الأول مع المقتول آكل المرار، وقُتل مع سفيان يومئذ ابنهُ
مرة، وهو أبو مندوسة الذي يقول فيه جرير:
ندسنَا أَبا مُندوسَةَ القَيْنِ بالقَنَا ومارَ دَمٌ من جارِ بيبةَ ناقِعُ
قوله ندسنا طعنا والندس الطعن.
وأَبي الَّذي وردَ الكُلابَ مُسوِّمًا والخيلً تحتَ عجاجِها المُنجالِ
[ ٢ / ٤٦٢ ]
قوله المنجال هو المنفعل من الجولان. وقوله مسومًا يعني معلمًا من قوله ﷿ ﴿مِّنَ الْمَلآئِكَةِ
مُسَوِّمِينَ﴾ يعني مُعلمين، يقال من ذلك قد سوَّم القوم وذلك إذا أعلموا ليعرفوا في القتال. قال وليس
يُسوِّمُ إلا الشديد الذي لا يفر ويحب أن يعرف مقامه لترى شدته.
تَمشي كواتِفُها إذا ما أقبلتْ بالدَّار عينَ تكدُّسَ الأوعالِ
قوله تمشي كواتفها، قال: الكواتف التي تكتف في المشي، وهو أن ترفع هذه الكتف مرة وهذه مرة،
يقال: مرت تكتف كتفًا إذا مشت كذلك. وقوله تكدس الأوعال يعني توثب الأوعال.
قلِقًَا قلائِدُها تُقادُ إلى العِدى رُجُعَ الغِزَيِّ كثيرةَ الأنفالِ
قوله قلقًا قلائدها قال وذاك من الضمر فقلائدها تذهب وتجيء، فهي مضطربة من الجهد والتعب
وطلب الأوتار والغارات. وقوله كثيرة الأنفال، يقول: خيلنا هذه قد رجعت غانمة، قد نالت أملها
وأصابت محبتها.
أكلتْ دوابِرَها الإكامُ فمشْيُها ممَّا وجينَ كمشيةِ الأطفالِ
فكأنَّهُنَّ إذا فزعنَ لصارخٍ وشرعنَ بينَ سوافِلٍ وعوالِ
قال: الصارخ المستغيث من كرب نزل به. وقوله سوافل وعوال يريد سوافل الرماح وهي الأزجة،
وعوال يريد الأسنة.
وهززْنَ مِنْ جزعٍ أسِنَّةَ صُلَّبٍ كجُزوعِ خيبرَ أوْ جُزوعِ أوالِ
ويروى من فزع. يقول هززن خدودهن فجعلها أسنة صلب. قال
[ ٢ / ٤٦٣ ]
والأسنة هاهنا المسان واحدها سنان ومسن، مثل لحاف وملحف،
جعل خدودهن كالمسان، قال: وذلك لعرضها وامليساسها. والصلب
حجارة المسان. وقوله: كجذوع خيبر يقول هززن خدودهن بأعناق طوال كجذوع نخل خيبر.
طيرٌ تُبادِرُ رائِحًا ذا غبيةٍ بردًا وتسحفُهُ خريقَ شَمالِ
وطيرا أيضا بالنصب. ويروى وتسحفها. وقوله غبية قال: هي دفعة من المطر شديدة ثم تقلع. وقوله
بردا فيه برد. وتسحفه يريد تكشفه فتذهب به. قال والخريق الريح الشديدة الباردة، قال والريح في
الشمال أشد بردًا منها في الجنوب، فمن ثم قال خريق شمال شبه الخيل بالطير في مبادرتها إلى
الوكور على هذه الحال.
علقتْ أعنتُهُنَّ في مجرومةٍ سُحُقٍ مُشَذَّبَةِ الجُذوعِ طوالِ
يقول علقت الأعنة في أعناق طوال كالنخل، السحق المجرومة، وهي النخل المصرومة، يقال من
ذلك نخل مجرومة ومصرومة بمعنى واحد، وذلك أطول للنخل إذا كانت مجرومة، والسحق الطوال
قال الشاعر:
يا ربِّ أرسِلْ خارِفَ المساكينْ عَجاجَةً ساطِعَةَ العَثانِينْ
تحُتَّ ما في السُّحقِ المجانينْ
قال والمجانين من النخل الطوال جدا، الخارجة من حد النخل، فقد صارت إلى حد الإفراط في
الطول، كما خرج المجنون من حد الصحة إلى حد الجنون. قال ابن الاعرابي: سمعت أعرابيا ينشد
هذه الأبيات، ومر بنخل طوال لا يصل إلى أن يأكل منه. قال وإذا شُذب سعف الشجر
[ ٢ / ٤٦٤ ]
كان أطول لها.
تَغشَى مُكلِّلةً عوابِسُها بِنا يومَ اللِّقاءِ أسنةَ الأبطالِ
ويروى مكلمة من الجراح. وقوله مكللة يعني حاملة لا تكذب في حملتها، يقال من ذلك كلل السبع إذا
حمل.
ترعَى الزَّعانِفُ حولَنْا بقيادِها وغُدُوهنَّ مُروحَ التشلالِ
قوله الزعانف هم التباغ والأجراء والضعفاء من الناس، الواحدة زعنفة، يقول: إذا قُدنا الخيل إلى
الأعداء، رعت الزعانف حولنا آمنين بنا، لا يخافون عدوا يصيبهم لعزنا ومنعتنا، فهم آمنون في
رعيهم. وقوله وغدوهن يعني غدو الخيل. وقوله مروح التشلال، يقول: نحمل الناس على أن يشلوا
نعمهم فيهربوا منا، ويروى ترعى الزعانف حولها لقيادها.
يومَ الشُّعيبةِ يومَ أقدمَ عامِرٌ قدَّامَ مُشعَلَةِ الرُّكوبِ غَوالِ
ويروى رعال، ويروى عجال. وقوله يوم الشعيبة، قال: يوم الكلاب، وعامر الذي ذكر هو عامر بن مجاشع بن دارم بن مالك بن حنظلة.
وترَى مُراخيها يثُوبُ لحاقُها وردَ الحمامِ حوائرَ الأوشالِ
ويروى حوابي، ويروى مدامع. وقوله وترى مراخيها الواحد مرخاء وهو السهل في عدوه من
الخيل، إذا مر مرا لينا سهلا. وقوله حوائر واحدها حائرة وهو الماء المستنقع المتحير في الأرض،
وذلك لأنه لم يكن له مجرى يجري إليه فتحير بمكانه فبقي. قال: والوشل ما قطر
[ ٢ / ٤٦٥ ]
من الجبل من الماء. وروى أبو عمرو: ورد الذئاب مدافع الأوشال. ويروى بحث السباع مدامع الأوشال.
شُعثًا قدِ انتزعَ القِيادُ بُطونها منْ آلِ أعوجَ ضُمَّرٍ وفِحالِ
شُمَّ السَّنابِكِ مُشْرِفٌ أقتارُها وإذا انتضينَ غَداةُ كُلِّ صِقالِ
ويروى مشرف أقرابها قوله شم السنابك يعني مشرفات السنابك. ويروى رثم السنابك أي مكسورة،
وذلك من وطئها الحجارة، من قولهم فلان أرثم وذلك إذا كانت سنه مكسورة، قال: والسُّنبك طرف
مقدم الحافر. قال: وأقتارها نواحيها. ويروى رُتم بالتاء معجمة اثنتين أي مكسورة يقال رتم أنفه إذا
دقه، ومن روى رثم أراد أنها ملطخة بالدم.
في جحفلٍ لجِبٍ كأَنَّ شُعاعهُ جبلُ الطراةِ مُضعضعُ الأميالِ
قال: الجحفل الجيش الكثير الأهل. وقوله لجب يعني كثير الأصوات، ومضعضع هادم، والأميال
أميال الطرق. يعني أنهم يسوونها بالأرض من كثرتهم. وقوله مضعضع الأميال، يقول: مضعضع
أمياله في السراب. قال: والميل منتهى مد البصر. يقول أمياله تحرك في السراب. ويروى كأن
زهاءه، ويقال كم تزهو هذا؟ أي كم ترى عدده.
يعذمنَ وهيَ مُصرَّةٌ آذانها قصراتِ كُلِّ نجيبةٍ شِملالِ
مصرة ناصبة آذانها، قال وذلك أن الرجل كان يركب الناقة ويجنب الفرس، فربما عبث الفرس
فعض عنق الراحلة، قال: والشملال الناقة السريعة الخفيفة، العذم العض بطرف الفم، يريد أن الخيل
تجنب مع الإبل فتعض قصرات الإبل نشاطًا وعبثًا.
وترى عطيَّةَ والأتانُ أمامهُ عجِلًا يمُرُّ بِها عَلَى الأمثالِ
[ ٢ / ٤٦٦ ]
ويروى دئلًا من الدألان. ويروى تلقى عطية، وعجلا وعجلا لغتان معروفتان، ويروى بينا عطية.
والأمثال ببطن فلج إكام.
ويظلُّ يتبعهنَّ وهُوَ مقرمدٌ مِنْ خلفهنَّ كأنَّهْ بشكالِ
قال مقرمد ومقرمط سواء، وهو تقارب شحو الخطو.
وترَى على كتفْي عطَّيَةِ مائلًا أرْباقَهُ عُدِلَتْ لهُ بِسِخال
ويروى وترى عطية ضاربا بفنائه أرباقه يقول ضرب بفنائه أرباق غنمه ثم عدلها ربطها فيها يعني
أنه راع.
وتراهُ مِنْ حمي الهجيرةَ لائذا بِالظِّلِّ حينَ يزولُ كُلِّ مَزالِ
يعني أنه لا منزل له يستظل به، فهو يتبع الظل حيث ما زال.
تبعَ الحمارَ مُكلمًا فأصابهُ بنهيقهِ مِنْ خلفهِ بنكالِ
وابنُ المراغةِ قدْ تحوَّلَ راهِبًا مُتبرنسًا لتمسكُنٍ وسُؤالِ
يمشِي بها حلمًا يُعارضُ ثلَّةً قُبحًا لتلكَ عطِيَّ مِنْ أعدالِ
ويروى دئلًا يعارض.
ويروى يمشي يعارض ثلة عدلت له. دئل نشيط وقوله حلما يعني قد لصق الحلم في أرفاغه.
نظروا إليَّ بأعينٍ ملعُونةٍ نظرَ الرِّجالِ وما هُمُ برجالِ
مُتقاعسينَ على النَّواهِقِ بالضُّحى يمرونهنَّ بيابسِ الأجذالِ
إنَّ المكارمَ يا كُليبُ لغيركُمْ والخيلَ يومَ تنازُلِ الأبطال
[ ٢ / ٤٦٧ ]
فأجابه جرير فقال
لَمِنِ الدِّيار رُسومهُنَّ خَوالِ أقفرْنَ بعدَ تأنُّسٍ وحلال
الأصل: بوال.
عفَّى المنازِلَ بعدَ منزِلِنا بِها مطرٌ وعاصِفُ نيرجٍ مِجفَالِ
قال وإنما أراد وعاصف ريح نيرج فأضاف إلى النعت كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾ فأقامه مقام
الإسم قال وهذه حجة في النحو، قال والنيرج من الرياح الخفيفة السريعة.
عادَتْ تُقاي عَلى هوايَ ورُبَّما حنَّتْ إذا ظَعَنَ الخلِيطُ حمالي
يقول عاد حلمي على جهلي بعد أن كنت أحن إذا بان الخليط والجيران.
ولقَدْ أرى المُتجاورِيِنَ تَزايلُوا مِنْ غيرِ ماتِرَةٍ وغَيْر تَقالِ
إنِّي إذا بَسَطَ الرُّماةُ لِغلوِهِمْ عندَ الحِفاظِ غلوتُ كُلِّ مُغالِ
ويروى علوت، قوله غلوت من غالاني فغلوته يقول نظرنا أينا أبعد غلوة سهم وإنما هذا مثل
للتفاخر وذكر الأيام والنعم والأيادي.
رُفِعَ المطيُّ بِما وسمتُ مُجاشِعًا والزَّنبريُّ يعومُ ذُو الأجلالِ
قوله رفع المطي يقول غني بشعري في البر والبحر. قال والزنبري
[ ٢ / ٤٦٨ ]
العظام من السفن. يقول غني بشعري في البر على المطي وهي الإبل وفي الزنبري
في البحر وهي السفن العظام. وقوله ذو
الأجلال يعني الشرع. ومن قال: رفع المطي أراد ذهب المطي به يعني بشعري.
في ليلتينْ إذا حدوتُ قصِيدةً بلغَتْ عُمانَ وطِيءَ الأجْبالِ
هذا تقدُّمنا وزجري مالِكًا لا يُردينَّكَ حينَ قينكَ مالِ
قوله مال يريد مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم.
لمَّا رأوْا جمَّ العذابِ يُصيبُهمْ صارَ القُيونُ كساقَةِ الأفيالِ
ويروى رجم العذاب وهي جمع رجمة وهي حجارة تجمع. وروى سعدان: لما رأوا رجم العذاب.
يقول: هلكوا كما هلك أصحاب الفيل حين أرادوا هدم البيت.
يا قُرْطُ إنَّكُمُ قرينَةُ خزيةٍ واللَّؤْمُ مُعتقلٌ قُيونَ عِقالِ
ويروى رهينة خزية. يريد قرط بن سفيان بن مجاشع بن دارم بن مالك وهو جد البعيث خاصة،
وإنما أراد البعيث لتحامله عليه. معتقل يقول عقلهم اللؤم عن طلب المكارم أي حبسهم.
أمْسَى الفرزدقُ للبعيثِ جنيبةً كابْنِ اللَّبونِ قرينةَ المُشتالِ
ويروى قرينة المشتال. قوله: المشتال يعني الرافع ذنبه وإنما يفعل ذاك إذا ضعف وعجز
واسترخى. ابن اللبون يعني الفرزدق جنبه مع البعيث حين هجاهما. وقوله قرينة يعني البعيث
والفرزدق.
[ ٢ / ٤٦٩ ]
أرْداكَ حينُكَ يا فرزدقُ مُحلِبًا ما زادَ قومَكَ ذاكَ غيرَ خَبالِ
ولقَدْ وسمتُ مُجاشِعًا بأُنوفِها ولقدْ كفيتُكَ مِدحةَ ابنِ جعالِ
قوله ابن جعال هو عطية بن جعال بن مجمع بن قطن بن مالك بن غدانة بن يربوع وكان صديقا
للفرزدق.
فانفُخْ بكيركَ يا فرزدقُ إنَّنِي في باذِخٍ لمحلِّ بيتِكَ عاليِ
ويروى وانتظر في كرنباء هدية القفال. كرنباء قرية من قرى الأهواز يقول الحق بهم أي أنك لست
من العرب كأنه جعله من الخوز. وقوله هدية القفال أي إنهم يأتونك من ناحيتي بقصائدي.
لمَّا وليتُ لثغرِ قومِي مشهدًا أثرْتُ ذاكَ على بنيَّ وماليِ
إنِّي ندبتُ فوارِسِي وفعالهُمْ وندبتَ شرَّ فوارسٍ وفعالِ
قوله ندبت يريد رفعت صوتي مثل النائحة تندب ميتها. يقول: ذكرت فعال فوارسي ومآثرهم،
وذكرت فعال فوارسك فكانوا شر مندوبين. يقول: ليس لهم خير يعرفون به فندبوا بشر فعال.
نحنُ الولاةُ لكُلِّ حربٍ تُتقَّى إذْ أنْتَ مُحتضِرٌ لكيركَ صالَ
منْ مِثلُ فارِسِ ذي الخمارِ وقعنَبٍ والحنتفينِ لليلةِ البلبالِ
قوله: فارس ذي الخمار يعني مالك بن نويرة بن جمرة بن شداد بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع، وذو
الخمار اسم فرسه. وقعنب بن عمرو بن عتاب بن هرمي بن رياح بن يربوع. قال: والحنتفان ابنا
أوس بن أهيب بن حميري بن رياح بن يربوع. والبلبال الاختلاط للفزع.
[ ٢ / ٤٧٠ ]
والرِّدفِ إذْ مَلَكَ المُلوكَ ومنْ لهُ عظمُ الدَّسائِعِ كُلَّ يومِ فِضالِ
قوله والردف إذ ملك الملوك، قال: فأرداف الملوك في بني يربوع من بني رياح. قال وأول من
ردف عتاب بن هرمي بن رياح بن يربوع، ثم عوف بن عتاب، ثم يزيد بن عوف، على عهد المنذر
بن ماء السماء. وأراد المنذر أن يجعل الردافة في بني دارم للحارث بن بيبة بن قرط بن سفيان بن
مجاشع بن دارم، فأبى بنو يربوع ذاك عليه فحاربهم، وقد كتبت حديثه فلم تزل الردافة في بني
يربوع حتى قتل كسرى ابرويز النعمان الأصغر، وهو النعمان بن المنذر بن المنذر بن النعمان بن
امرئ القيس بن عمرو بن عدي بن نصر. فأهل اليمن يقولون: نصر ابن ربيعة بن الحارث بن مالك
بن عمم بن نمارة بن لخم. وأما علماء أهل العراق فيقولون: نصر بن الساطرون بن السيطرون ملك
السريانيين. وهو صاحب الحضر جرمقاني من أهل الموصل، من رستاق، يدعى باجرمي. وأما
جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف بن قصي، فنسبهم إلى معد بن عدنان. قال: وكان
عمال الأكاسرة لم يكن أحد من العرب أكثر غارة على أهل مملكتهم من بني يربوع، فصالحوهم على
أن جعلوا لهم الردافة وان يكفوا عن الغارة على أهل العراق. وكان الرادفة أن يجلس الملك ويجلس
الردف عن يمينه فإذا شرب الملك شرب الردف قبل الناس، وغذا غزا الملك جلس الردف في مجلسه
وخلفه الملك على الناس حتى يرجع من غزاته. قال رجل من بني تميم:
ومن يناد آل يربوع يُجَبْ يأتِكَ منهم خيرُ فتيانِ العربُ
المجلسُ الأيمنُ والرِّدفُ المُحبْ
[ ٢ / ٤٧١ ]
قال وإذا أغارت كتيبة الملك أخذ الردف المرباع وذلك قول جرير:
رَبَعنا وأردفنا الملوك فَظَلِّلوا وطابَ الأحاليبِ الثُّمامَ المنزّعا
المنزع هو الثمام ينزع ويقتلع من أصله فتبرد به أو طاب اللبن. قال وكانت للردف إتاوة يأخذها من
جميع مملكة المنذر وذلك قول جرير أيضا:
وكان لنا خرجٌ مقيمٌ عليكم وأسلابُ جَبَّارِ الملوكِ وجاملُه
وقال لبيد أيضًا في ذلك:
وشهدتُ أنجيةَ اُلأفاقة عاليًا كعبي وأرداف الملوك شهودُ
ونصرتُ قومي إذ دعتني عامرٌ وتقدمتُ يومَ الغبيطِ وفودُ
وتدافعت أركان كل قبيلة وفوارس الملك الهمام تذودُ
وقال لبيد أيضا:
ويوما بصحراء الغبيط وشاهدي ال مملوكُ وأردافُ الملوكِ العراعرُ
وقال لبيد أيضا في ذلك:
أبني كِلاب كيف تُنفَى جعفرٌ وبنو ضبيبة حاضرو الأجباب
[ ٢ / ٤٧٢ ]
يرعَون منعرج اللديد كأنهم في العز أسرة حاجب وشهاب
متظاهر حَلَقُ الحديد عليهم كبني زُرارة أو بني عتَّاب
وبقولهم عرفتُ ربيعةُ كلُّها غَضَبَ الملوك وبسطةَ الأرباب
وقال في ذلك الأحوص وهو يزيد بن عمرو بن قيس بن عتاب بن هرمي بن رياح بن يربوع -
وفي نسخة وهو الصحيح وقال شُريح بن الحارث اليربوعي -:
وكنت إذا ما باب ملك قرعته قرعت بآباء ذوي حسب ضخمِ
بأبناء عَتابٍ وكان أبوهم على الشرف الأعلى بآبائه ينمي
هُمُ ملكوا الأملاك آل محرقٍ وزادوا أبا قابوس رَغمًا على رغم
وقادوا بِكُرهٍ من شهابٍ وحاجبٍ أُنوفَ معدٍّ بالأزمَّةٍ والخُطم
علا جدُّهم جَدَّ الملوكِ وأطلقوا بطِخفةَ أبناء الملوكِ على حكم
أنا ابنُ الذي ساد الملوكَ حياتَهَ وساسَ الأُمورَ بالمروءةِ والحِلم
وهيهات من أنقاضِ فَقْعٍ بقَرقرٍ بُدورٌ أنافت في السماء على النجم
وكنا إذا قومٌ رَمْينا صفاتهم تركنا صدوعًا بالصَّفاةِ التي نرمي
حَمَينا حِمَا الأُسد التي لشبولها تجرُّ من الأوصال لحمًا إلى لحم
ونرعى حِمَى الأَقوام غيرَ محرَّمٍ علينا ولا يُرعَى حِمانا الذي نحمي
قال فهذا كانت الرادفة على ما فسرت لك وقالت الشعراء.
رجع إلى شعر جرير:
الذّائدُونَ إذا النِّساءُ تُبُذِّلَتْ شَهْباءَ ذاتَ قَوانِسٍ ورِعالِ
[ ٢ / ٤٧٣ ]
ويروى تردفت. ويروى تبدلت أي تبدلت النساء بقومهن كتيبة شهباء لأنهم سبوهن. والذائدون
الدافعون. قال وشهباء يعني الكتيبة شبهها بالشهب لبياض الحديد وبريقه. وقوله ذات قوانس،
القوانس: أعلى البيض. ورعال أي فرق.
قَوْمٌ غَمَّوا أَباكَ وفيِهمُ حَسَبٌ يقوتُ بَنِيِ قُفَيْرةَ عالِ
ويروى هم غمروا ويروى قوم هم عزوا أباك من قولهم من عزَّ بزَّ أي من غلب سلب يقال بزه ثوبه
وبزه سلاحه وذلك إذا غلبه فسلبه، يقول فهم عزوا أباك وغلبوه على أمره من ذلك.
إنِّي لَتَستَلِبُ الملوكَ فوارِسي ويُنازِلونَ إذا يُقالُ نَزالِ
مِنْ كُلِّ أَبيضَ يُستضاءُ بِوجههِ نَظرَ الحجيج إلى خُروجِ هِلالِ
تَمْضي أَسِنَّتُنا وتَعلُم مالِكٌ أَنْ قَدْ منعتُ حُزونَتيِ ورِماليِ
فَاسألْ بِذِي نَجبٍ فوارِسَ عامِرٍ وأَسالْ عُيينَةَ يَومَ جِزْعِ ظِلالِ
قال أبو عبد الله: لا أعرفه إلا بالظاء معجمة ظلال. عيينة بن حصن ابن حذيفة بن بدر بن عمرو
بن جوية بن لوذان بن عدي بن فزارة وكان أغار على الرِّباب فأدركه بنو يربوع فاستنقذوا ما في
يديه.
قال أبو عبيدة: فاسأل بذي نجب. قال وذاك أن بني عامر بن صعصعة أتوا معاوية بن الجون
الكندي فاستنجدوه على بني تميم، وأخبروه بوقعة جبلة بهم وهو بعد جبلة بحول. قال فوجه معهم
اليهم عمرا وحسان وأمهما كبشة ورجلا آخر منهم فقتل حُشيش بن نمران - قال أبو عبد الله لا
أعرفه إلا جشيش بالجيم - أحد بني حميري بن رياح بن يربوع عمرًا هذا. قال: وقد ذكره جرير في
قصيدة غير هذه
[ ٢ / ٤٧٤ ]
فقال جرير في تصداق ذلك:
لقد صدع ابن كبشة إذ لحقنا حُشَيشٌ حيث تفليه الفوالي
قال وأسر يومئذ دريد بن المنذر بن حصبة بن أزنم حسان بن كبشة وفي تصداق ذلك يقول جرير،
قال: وذلك يوم واقف الفرزدق:
جيئوا بمثل قعنب والعَلَهان أو كدريد يوم شد حسان
قال وقتلوا يومئذ عمرو بن الأحوص، قتله خالد بن مالك النهشلي بأبيه مالك. وكان مالك قتل يوم
جبلة. قال وأما قوله وأسأل عيينة يوم جزع ظلال: فظلال عن يسار طخفة وأنت مصعد إلى مكة،
وهو لبني جعفر بن كلاب. فأغار عيينة بن حصن على بني جعفر واستحف أموالهم وأموال المسلمين
المجاوريهم أحدهم أنس بن عباس الرعلي.
يا رُبَّ مُعْضِلَةٍ دَفعْنا بَعدَما عَيَّ القُيونُ بِحيلَةِ المُحتالِ
قوله معضلة يريد داهية وهي الشديدة المعيية تعيي الناس. قال: ومنه قول عمر بن الخطاب: أعضل
بي أهل الكوفة، أي أعيوني. ومنه قولهم عضلت المرأة إذا ولدت فنشب الولد فلم يخرج. فهو من
ذلك. وهو من الشدة والأمر الصعب.
إنَّ الجِيادَ يبِتْنَ حولَ قِبابِنا مِنْ آل أعوجَ أوْ لِذِيِ العُقَّالِ
يقول خيلنا مكرمة ندنيها منا لكرمها، فهي لنا في الطلب، والأمر
[ ٢ / ٤٧٥ ]
النازل بنا ليلا أو نهارا لأنا مطلوبون،
فخيلنا قريبة منا لذلك فهي حول قبابنا. وقوله من آل أعوج أو لذي العقال وهما فحلان
نجيبان معروفان بالنجابة والفراهة. قال: وقال أبو عبيدة النزيع من الخيل والناس الذي أمه غريبة.
قال وإذا كانت غريبة لم تُضو ولدها - يقول لم تلدهم مهازيل دقاقا - وأجادت به.
قال أبو عبيدة فحدثني شهاب بن أبي عباس بن مرادس قال كان أعوج لكندة فلما لقيناهم يوم علاف
ابتززنا أعوج فيما ابتززنا منهم، فكان نقيذا لبني سليم ثم صار إلى بني هلال بن عامر. قال وذو
العقال كان في الجاهلية مجيدا يفتخر به - يعني يلد الجياد من الخيل - وكان لبني رياح بن يربوع.
قال وكان في الإسلام أيضًا ذو العُقَّالِ لجرم ولم ينسب إليه شيء.
مِنْ كُلِّ مُشترفٍ وإنْ بعُدَ المَدى ضَرِمِ الرِّقاقِ مُناقِلِ الأجْرالِ
قوله مشترف يقول هو منتصب مشرف. قال والمدى غاية الرهان التي ينتهي إليها. قال ومدى
الشيء غايته. وضرم الرقاق، يقول: هو كالحريق إذا كان في الرقاق. قال: والرقاق الأرض اللينة
وفيها صلابة. والأجرال الحجارة واحدها جرل. قال ومناقلته أن يضع يده ورجله على غير حجر
يحسن نقلهما في الحجارة لحذقه وفراهته ومعرفته بوضع يده ورجله.
مُتقاذِفٍ تلِعٍ كأَنَّ عِنانَهُ عَلِقٌ بِأجردَ مِنْ جُذوعِ أوال
قوله متقاذف يقول يرمي بنفسه رميًا يقذف بها قذفا، وذلك لجرأته وحده نفسه وذكائه. وقوله تلع
يقول: هو منتصب العنق. وقوله أجرد
[ ٢ / ٤٧٦ ]
هو الجذع الذي قد تحات كربه. قال: وإنما شبه طول عنق الفرس بهذا الجذع الذي قد تحات كربه.
صافي الأدِيِم إذا وضعتِ جلالَهُ ضافي السَّبِيبِ يبَيِتُ غيرَ مُذالِ
قوله السبيب هو شعر الناصية. وقوله ضافي وهو السابغ التام الخلق. قال وقوله غير مذال يريد
غير مهان ولا مضاع.
والمُقرباتُ نقودُهُنَّ عَلى الوجَى بحثَ السِّباعِ مَدامِع الأوْشالِ
قوله المقربات: هي الخيل التي تقرب وتربط مع بيوتهم، وذلك أنهم يتقون عليها البرد والحر وذلك
من كرامتها عليهم، وأنهم إن فزعوا ركبوها. قال والوجى الحفى.
تِلْكَ المكارمُ يا فرزدقُ فأعترفْ لا سوقُ بكرِكَ يومَ جوفِ أُبالِ
ويروى جرف أبال. ويروى جوف وبال. وهو يوم لبكر بن وائل على بني دارم. قال ووبال على
يسارك وأنت مصعد إلى مكة.
أَبنِي قُفيرةَ مَنْ يُورِّعُ وردَنا أَمْ مَنْ يقومُ لِشدَّةِ الأحمالِ
قوله يورع يعني يكف ويحبس. والأحمال من بني يربوع، وهم سليط وعمرو وصبير وثعلبة. وأمهم
السفعاء بنت غنم من بني قتيبة ابن معن، من باهلة وولدها في بني سعد يسمون الجذاع.
أَحَسِبْتَ يَوْمَكَ بِالوقيطِ كَيوْمِنا يوْمَ الغَبِيطِ بقُلَّةِ الأَرْحالِ
قال أبو عبد الله: الرواية بقنة يوم الغبيط بالنصب أراد كوقعة يوم الغبيط ونصب ذلك على المعنى.
[ ٢ / ٤٧٧ ]