ذكر الكلبي قال: كان من حديث داحس، أن أمه فرس كانت لقرواش ابن عوف بن عاصم بن عبيد
بن ثعلبة بن يربوع، يقال لها جلوى، وكان أبوه ذا العُقّال.
[ ١ / ٢٤٨ ]
وكان لحوط بن أبي جابر بن أوس بن حميري بن رياح. وإنما سمي داحسًا، أن بني يربوع احتملوا
ذات يوم سائرين في نجعة، وكان ذو العقال مع ابنتي حوط بن أبي جابر تجنبانه، فمرت به جلوى
فرس قرواش، فلما رآها الفرس ودى. وضحك شباب من الحي رأوه، فاستحيت الفتاتان فأرسلتاه فنزا
على جلوى، فوافق قبولها فأقصّت، ثم أخذه لهما بعض الحي فلحق بهما حوط، وكان رجلًا شريرًا
سيء الخلق، فلما نظر إلى عين الفرس قال: والله لقد نزا فرسي فأخبراني ما شأنه، فأخبرتاه الخبر،
فقال: يال رياح، لا والله لا أرضى أبدًا حتى آخذ ماء فرسي. فقال له بنو ثعلبة: والله ما استكرهنا
فرسك، إنما كان منفلتًا، فلم يزل الشر بينهم حتى عظم، فلما رأى ذلك بنو ثعلبة قالوا: دونكم ماء
فرسكم، فسطا عليها حوط، وأدخل يده في ماء وتراب، ثم أدخلها في رحمها، حتى ظن أنه قد أخرج
الماء، واشتملت الرحم على ما فيها، فنتجها قرواش مهرًا، فسمي داحسًا لذلك، وخرج كأنه أبوه ذو
العقال، وفيه يقول جرير:
إنَّ الجيادَ يَبِتنَ حولَ قِبَابِنَا مِنْ آل أعوَجَ أو لِذي العُقَّالِ
أعوج فرس لبني هلال، فلما تحرك المهر شيئًا مرَّ مع أمه وهو فلو يتبعها، وبنو ثعلبة سائرون فرآه
حوط فأخذه، فقالت بنو ثعلبة: يا بني رياح، ألم تفعلوا فيه ما فعلتم أول مرة، ثم هذه الآن، فقالوا: هو
فرسنا، ولن نترككم، أو نقاتلكم عليه، أو تدفعوه إلينا، فلما رأى ذلك بنو ثعلبة قالوا: إذاُ لا نقاتلكم
عليه، أنتم أعز علينا منه. هو فداؤكم فدفعوه إليهم، فلما رأى ذلك بنو رياح قالوا: والله لقد ظلمنا
اخوتنا
[ ١ / ٢٤٩ ]
مرتين، وقد حلموا وكرموا، فأرسلوا به إليهم مع لقوحين، فمكث عند قرواش ما شاء الله أن
يمكث، وخرج أجود خيول العرب. ثم إن قيس ابن زهير بن جذيمة بن رواحة العبسي، أغار على
بني يربوع، فلم يصب أحدًا غير ابنتي قرواش بن عوف، ومائة من الإبل لقرواش، وأصاب الحي
خلوفًا لم يشهد من رجالهم، غير غلامين من بني أزنم ابن عبيد بن ثعلبة بن يربوع، فجالا في متن
الفرس مرتدفيه، وهو مقيد، أعجلهما القوم عن حل قيده. واتبعهما القوم، فضبر بالغلامين ضبرًا حتى
نجوا به، ونادتهما إحدى الجاريتين، إن مفتاح القيد مدفون في مرود الفرس بمكان كذا وكذا، فسبقا
إليه حتى أطلقاه فلما رأى ذلك قيس بن زهير، رغب في الفرس، فقال لهما: لكما حكمكما وادفعا إلي
الفرس، فقالا أو فاعل أنت؟ قال: نعم، فاستوثقا منه على أن يرُدّ ما أصاب من قليل أو كثير، ثم
يرجع عوده على بدئه، ويُطلق الفتاتين، ويُخلّى عن الإبل، وينصرف عنهم راجعًا. ففعل ذلك قيس
فدفعا إليه الفرس فلما رأى ذلك أصحاب قيس قالوا: لا نُصالحك أبدًا، أصبنا مائة من الإبل،
وامرأتين، فعمدت إلى غنيمتنا، فجعلتها في فرس لك، تذهب به دوننا، فعظم في ذلك الشر بينهم،
حتى اشترى منهم غنيمتهم بمائة من الإبل. فلما جاء قرواش، قال للغلامين الأزنميين أين فرسي؟
فأخبراه، فأبى أن يرضى إلا أن يُدفع إليه فرسه، فعظم في ذلك الشر، حتى تنافروا فيه، فقضي بينهم
أن تُرد الفتاتان والإبل إلى قيس بن زهير، ويُرد عليه الفرس، فلما رأى ذلك قرواش رضي بعد شر.
وانصرف قيس بن زهير، ومعه داحس فمكث ما شاء الله.
فزعم بعضهم أن الرهان إنما هاجه بين قيس بن زهير، وحذيفة بن بدر بن عمرو بن جوية بن
لوذان بن عدي بن فزارة بن ذبيان بن
[ ١ / ٢٥٠ ]
بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان بن
مضر أن قيسًا دخل على بعض الملوك، وعنده قينة لحذيفة بن بدر تغنيه بقول امرئ القيس:
دارٌ لِهرٍّ والرَّبابِ وفَرْتَنَا ولَميسَ قبلَ حَوادِث الأيام
- وهن فيما يُذكر نسوة من بني عبس - فغضب قيس بن زهير، وشق رداءها، وشتمها. فغضب
حذيفة، فبلغ ذلك قيسًا، فأتاه ليسترضيه، فوقف عليه، فجعل يكلمه وهو لا يعرفه من الغضب، وعنده
أفراس له فعابها، وقال: أيرتبط مثلك مثل هذه يا أبا مُسهر؟ فقال حذيفة: أتعيبها؟ قال: نعم فتجاريا
حتى تراهنا.
ويزعم بعضهم أن الذي هاج الرهان، أن رجلًا من بني عبد الله بن غطفان، ثم أحد بني جوشن،
وهم أهل بيت شؤم، أتى حذيفة زائرًا، فعرض عليه حذيفة خيله فقال: ما أرى فيها جوادًا مبرًا -
المبر الغالب، وأنشد:
أبرُّ على الخُصُومِ فليس خَصمٌ ولا خَصمانِ يَغلِبُهُ جِدالا
فقال له حذيفة: ويحك فعند من الجواد المبر؟ قال: عند قيس بن زهير. فقال: هل لك أن تراهنني
عنه؟ قال: نعم، قد فعلت. فراهنه على ذكر من خيله وأنثى. قال: ثم إن العبدي أتى قيس بن زهير،
فقال: إني قد راهنت على فرسين من خيلك، ذكر وأنثى، وأوجبت الرهان. فقال
[ ١ / ٢٥١ ]
قيس: لا أبالي من راهنت غير حذيفة، قال: ما راهنت غيره. فقال له قيس: إنك ما عملت لأنكد، ثم ركب قيس حتى
أتى حذيفة، فوقف عليه، فقال له: ما غدا بك؟ قال: غدوت لأواضِعك الرهان، قال: بل غدوت لتغلقه.
قال: ما أردت ذلك، فأبى حذيفة إلا الرهان، فقال قيس: أخيّرك بثلاث خلال، فان بدأت واخترت فلي
خلّتان ولك الأولى، وإن بدأت واخترت فلك خصلتان ولي الأولى. قال حذيفة: فابدأ. قال: الغاية من
مائة غلوة، قال حذيفة: فالمضمار أربعون ليلة، والمجرى من ذات الإصاد ففعلا، ووضعا السبق على
يدي غلاّق أو ابن غلاّق أحد بني ثعلبة بن سعد، فزعموا أن حذيفة أجرى الخطّار والحنفاء، وزعمت
بنو فزارة أنه أجرى قُرزُلًا والحنفاء، وأجرى قيس داحسًا والغبراء.
وزعم بعضهم أن ما هاج الرهان، أن رجلا من بني المعتم بن قطيعة ابن عبس يقال له سراقة،
راهن شابًا من بني بدر، وقيس غائب، على أربع جزائر من خمسين غلوة، فلما جاء قيس كره ذلك،
وقال لم ينته رهان قط إلا إلى شر. ثم أتى بني بدر فسألهم المواضعة، فقالوا: لا، حتى يُعرف لنا
سبقُنا، فإن أخذنا فحقنا، وإن تركنا فحقنا. فغضب قيس ومحك، وقال: أما إذ فعلتم ذلك، فأعظِموا
الخطر، وأبعدوا الغاية. قالوا: فذلك لك، فجعلوا الغاية من واردات إلى ذات الإصاد، وذلك مائة غلوة،
والثنية فيما بينهما، وجعلوا القصبة في يدي رجل من بني ثعلبة بن سعد بن ذبيان، يقال له حصين.
ويقال رجل من بني العشراء من بني فزارة، وهو ابن أخت لبني عبس، وجعلوا البركة ماء، وجعلوا
السابق أول الخيل يكرع فيها. ثم إن حذيفة بن
[ ١ / ٢٥٢ ]
بدر، وقيس ابن زهير أتيا المدى الذي أُرسلن منه،
ينظران إلى الخيل كيف خروجها منه، فلما أُرسلت عارضاها، فقال حذيفة: خدعتك يا قيس، فقال:
ترك الخداع من أجرى من مائة. فأرسلها مثلا. ثم ركضا ساعة، فجعلت خيل حذيفة تنزق خيل قيس.
فقال حذيفة: سُبقت يا قيس. فقال قيس: جري المُذكّيات غلاب. فأرسلها مثلا. ثم ركضا ساعة، فقال
حذيفة: إنك لا تركض مركضًا. فأرسلها مثلا. ثم قال: سُبقت خيلك يا قيس. فقال قيس: رويد يعلون
الجدد. فأرسلها مثلا. وقد جعلت بنو فزارة كمينًا بالثنية، فاستقبلوا داحسًا فعرفوه فأمسكوه وهو
السابق، ولم يعرفوا الغبراء، وهي خلفه مصلّية، حتى مضت الخيل وأسهلت من الثنيّة، ثم أسهلوه
فتمطّر في آثارها، أي أسرع. فجعل يبدرها فرسا فرسا، حتى سبقها إلى الغاية مصلّيا، وقد طرح
الخيل غير الغبراء، ولو تباعدت الغاية سبقها فاستقبلها بنو فزارة فلطموها ثم حلّؤوها عن البركة ثم
لطموا داحسًا، وقد جاءا متواليين. وكان الذي لطمه عمير بن نضلة، فجفّت يده فسمي جاسئا، فجاء
قيس وحذيفة في أخرى الناس، وقد دفعتهم بنو فزارة عن سبقهم، ولطموا فرسيهم، ولو تطيقهم بنو
عبس لقاتلوهم، وإنما كان من شهد ذلك من بني عبس، أبياتًا غير كثير. فقال قيس بن زهير: يا قوم
إنه لا يأتي قوم إلى قومهم شرًا من الظلم، فأعطونا حقنا. فأبى بنو فزارة أن يعطوهم شيئًا، وكان
الخطر عشرين من الإبل. فقالت بنو عبس فأعطونا بعض سبقنا، فأبوا. فقالوا: أعطونا جزورًا
ننحرها، نطعمها أهل الماء، فإنا نكره القالة في العرب. فقال رجل من بني فزارة: مائة جزور
وجزور واحدة سواء، والله ما كنا لنقر بالسبق علينا ولم
[ ١ / ٢٥٣ ]
نسبق، فقام رجل من بني مازن بن فزارة فقال: يا قوم إن قيسًا كان
كارهًا لأول هذا الرهان، وقد أحسن في آخره، وإن الظلم لا ينتهي إلا إلى
شر، فأعطوه جزورًا من نعمكم. فأبوا. فقام إلى جزور من إبله فعقلها ليُعطها قيسًا ويرضيه، فقام ابنه
فقال: إنك لكثير الخطأ، أتريد أن تخالف قومك وتُلحق بهم خزاية بما ليس عليهم، فأطلق الغلام
عقالها، فلحقت بالنعم. فلما رأى ذلك قيس بن زهير، احتمل ومن معه من بني عبس، فأتى على ذلك
ما شاء الله. ثم إن قيسًا أغار فلقي عوف بن بدر فقتله، وأخذ إبله، فبلغ ذلك بني فزارة فهمّوا بالقتال
وغضبوا، فحمل الربيع بن زياد أحد بني عوف بن غالب بن قُطيعة بن عبس دية عوف ابن بدر،
مائة عُشراء متلية - والعُشراء التي أتى على حملها عشرة أشهر من ملحقها، والمتالي التي نتج
بعضها والباقي يتلوها في النتاج. وأم عوف وأم حذيفة بنت نضلة بن جوية بن لوذان بن عدي بن
فزارة - واصطلح الناس، ومكثوا ما شاء الله. ثم إن مالك بن زهير أتى امرأة يقال لها مليكة بنت
حارثة، من بني غراب بن فزارة، فابتنى بها باللقاطة قريبًا من الحاجر. فبلغ ذلك حذيفة بن بدر،
فدس له فوارس على أفراس من مسانّ خيلهم، وقال لا تُنظروا مالكًا إن وجدتموه أن تقتلوه، والربيع
بن زياد بن عبد الله بن سفيان بن قارب العبسي، مجاور حذيفة بن بدر، وكانت تحت الربيع بن زياد
معاذة بنت بدر، فانطلق القوم فلقوا مالكًا فقتلوه، ثم انصرفوا عنه فجاؤوا عشية، وقد جهدوا أفراسهم،
فوقفوا على حذيفة، ومعه الربيع بن زياد، فقال حذيفة: أقدرتم على حماركم؟ قالوا: نعم، وعقرناه،
فقال الربيع: ما رأيت كاليوم قط، أهلكت أفراسك من أجل حمار. فقال حذيفة لما أكثر عليه الربيع
من الملامة، وهو يحسب أن الذي أصابوا حمار: إنّا لم نقتل حمارا، ولكنا قتلنا مالك بن زهير، بعوف
بن بدر. فقال الربيع:
[ ١ / ٢٥٤ ]
بئس لعمر القتيل قتلت. أما والله إني لأظنه سيبلغ ما تكره فتراجعا شيئًا ثم
تفرقا. فقام الربيع يطأ الأرض وطئًا شديدا، وأخذ يومئذ حمل ابن بدر ذا النون، سيف مالك بن
زهير، فزعموا أن حذيفة لمّا قام الربيع أرسل أمَة له مولّدة، فقال اذهبي إلى معاذة بنت بدر، امرأة
الربيع، فانظري ماذا ترين الربيع يصنع. فانطلقت الجارية حتى دخلت البيت، فاندست بين الكفاء
والنضد، وجاء الربيع فنفذ البيت، حتى أتى فرسه، فقبض بمعرفته، ثم مسح متنه، حتى قبض بعكوة
ذنبه، ثم رجع إلى البيت ورمحه مركوز بفنائه، فهزّه هزًا شديدًا، ثم ركزه كما كان، ثم قال لامرأته
اطرحي لي شيئًا، فطرحت له شيئًا فاضطجع عليه، وكانت قد طهرت تلك الليلة فدنت إليه، فقال
إليك، فقد حدث أمر، ثم تغنّى فقال:
نام الخَليُّ وما أُغمِّضُ حارِ مِن سيِّيءِ النَّبَأِ الجليلِ السارِي
مِن مِثلهِ تُمسي النِّساءُ حواسِرًا وتقوم مُعوِلةً معَ الأسحار
مَن كان مسرورًا بمقتَلِ مالكٍ فليأتِ نِسوَتنا بِوَجهِ نهار
قد كُنَّ يَخبأنَ الوجوهَ تَسَتُّرا فاليومَ حين بَدونَ للنُظَّار
يَحبَأنَ حُرَّاتِ الوُجوهِ على امرئٍ سَهلِ الخليقةِ طَيِّبِ الأخبار
أفَبَعدَ مَقتلِ مالكِ بنِ زُهيرٍ ترجو النساءُ عَواقبَ الأطهار
ما إنْ أرى في قَتلهِ لِذَوي الحِجَا الا المَطِيَّ تُشَدُّ بالأكوار
ومُجَنَّباتٍ ما يَذُقْنَ عَذَوَّفًا يقذِفنَ بالمُهرَاتِ والأمهار
[ ١ / ٢٥٥ ]
ومَساعِرا صَدَأُ الحديدِ عليهِمُ فكأنّما طُلِيَ الوجوهُ بِقار
يا رُبَّ مَسرورٍ بمقتلِ مالكٍ ولَسَوفَ يَصرِفُهُ لِشرِّ مَحَار
فرجعت الأمَة فأخبرت حذيفة فقال: هذا حين اجتمع أمر إخوتكم، ووقعت الحرب. وقال الربيع
لحذيفة وهو يومئذ جار لحذيفة: سيرني، فإني جاركم. فسيّره ثلاث ليال، ومع الربيع فضلة من خمر،
فسار الربيع ثلاث ليال فدسّ في أثره فوارس فقال لهم: اتبعوه، فإذا مضت ثلاث ليال فإن معه فضلة
من خمر، فإن وجدتموه قد هراقها، فهو جاد وقد مضى، فانصرفوا، وإن لم تجدوه هراقها فاتبعوه،
فإنكم تجدونه قد مال لأدنى منزل فأرتع وشرب فاقتلوه، فتبعه القوم فوجدوه قد شق الزق ومضى
فانصرفوا، فلما أتى الربيع قومه، وقد كان بينه وبين قيس بن زهير شحناء، وذلك أن الربيع ساوم
قيس بن زهير بدرع كانت عنده، فلما نظر إليها وهو راكب، وضعها بين يديه، ثم ركض بها، فلم
يردّها على قيس، فعرض قيس لفاطمة بنت الخرشب الأنمارية، من بني أنمار بن بغيض، وهي
إحدى منجبات قيس، وهي أم الربيع بن زياد العبسي، وهي تسير في ظغائن من بني عبس، فاقتاد
جملها، يريد أن يرتهنها بالدرع حتى تُرد عليه، فقالت له: ما رأيت كاليوم قط فعل رجل، أين ضل
حلمك، أترجو أن تصطلح أنت وبنو زياد أبدًا، وقد أخذت أمهم، وذهبت بها يمينًا وشمالًا، فقال الناس
في ذلكم ما شاءوا أن يقولوا، وحسبك من شر سماعه. فأرسلتها مثلا. فعرف قيس بن زهير ما قالت،
فخلّى سبيلها واطّرد إبلًا لبني زياد،
[ ١ / ٢٥٦ ]
فقدم بها مكة، فباعها من عبد الله بن جدعان بن عمرو بن كعب
بن سعد بن سعد تيم بن مرة القرشي. فقال في ذلك قيس بن زهير:
ألمْ يَبلُغكَ والأنباءُ تَنمِي بما لاقت لَبُونُ بني زيادِ
ومَحبَسُها على القُرَشِيِّ تُشرَى بِأدراعٍ وأسيافٍ حِداد
كما لاقيتُ من حَمَلِ بنِ بدرٍ وإخوتِه على ذاتِ الإصاد
همُ فَخرُوا عليَّ بغيرِ فخرٍ وذادوا دونَ غايتهِ جوادي
وكنتُ إذا مُنيتُ بخَصمِ سَوءٍ دَلَفتُ له بداهيةٍ نآد
ويروى بآبدة
بداهيةٍ تَدُقُّ الصُّلبَ منه فتقصِمُ أو تجوبُ عن الفُؤاد
وكنتُ إذا أتاني الدهرَ رِبقٌ بداهيةٍ شَدَدتُ لها نِجادي
ألم يعلم بنو الميقابِ أني كريمٌ غيرُ مُغتَلِثِ الزِّناد
ويروى معتلث. الوقب الأحمق. والميقاب التي تلد الحمقى.
أُطَوِّفُ ما أُطوِّفُ ثم آتي إلى جارٍ كجارِ أبي دُؤادَ
جاره يعني ربيعة الخير بن قرط بن سلمة بن قشير - وجار أبي دؤاد يقال له الحارث بن همام بن
مرة بن ذهل بن شيبان. وكان أبو دؤاد في جواره، فخرج صبيان الحي يلعبون في غدير، فقمس
الصبيان ابن أبي دؤاد فقتلوه، فخرج الحارث، فقال: لا يبقى في الحي صبي إلا غُرّق في الغدير،
فودوا ابن أبي دؤاد ديات عدة، فهو قول أبي دؤاد:
[ ١ / ٢٥٧ ]
إبلي الإبلُ لا يُحَوِّزُها الرَّا عُونَ مَجَّ النَّدى عليها المُدامُ
إليكَ رَبيعةَ الخيرِ بنِ قُرطٍ وَهُوبًا للطَّريفِ وللتِّلادِ
كفاني ما أخافُ أبو هِلالٍ ربيعةُ فانتَهتْ عني الأعادي
تظلُّ جيادُهُ يَجزِمنَ حولي بذاتِ الرِّمثِ كالحِدَأِ الغَوادي
كأني إذ أنَختُ إلى ابنِ قُرطٍ عَلِقتُ إلى يَلَملَمَ أو نِضَادِ
وقال قيس بن زهير أيضًا:
إنْ تكُ حربٌ فلم أجنِهَا جَنَتهَا صُبَارَتُهُم أوهُمُ
حّذارِ الرَّدى إذ رَأوا خيلَنا مُقَدَّمُها سابحٌ أدهَمُ
عليه كَمِيٌّ وسِربَالُهُ مُضَاعَفَةٌ نَسجُها مُحكَمُ
فإن شَمَّرَتْ لكَ عن ساقِها فَوَيهًا ربيعُ ولا تَسأمُوا
نَهيتُ رَبيعًا فلم يَنزَجِرْ كما انزَجَرَ الحارِثُ الأضجَمُ
وروى ابن الأعرابي الحارث الأجذم. والأضجم رجل من بني ضبيعة بن ربيعة بن نزار، وهو
صاحب المرباع. فكانت الشحناء بين بني زياد وبين بني زهير، فكان قيس يخاف خذلانهم إياه،
فزعموا أن قيسًا دسّ غلامًا له مولّدا، فقال انطلق كأنك تطلب إبلًا، فإنهم سيسألونك، فاذكر مقتل
مالك، ثم احفظ ما يقولون. فأتاهم العبد، فسمع الربيع يتغنى بقوله:
[ ١ / ٢٥٨ ]
أفبَعدَ مقتلِ مالكَ بنِ زُهيرٍ تَرجُو النساءُ عواقِبَ الأطهارِ
فلما رجع العبد إلى قيس، فأخبره بما سمع من الربيع بن زياد، عرف قيس أن قد غضب.
فاجتمعت بنو عبس على قتال بني فزارة فأرسلوا إليهم أن رُدوا علينا إبلنا التي وديناها عوفًا أخا
حذيفة بن بدر لأمه فقال لا أعطيكم دية ابن أمي، وإنما قتل صاحبكم حمل بن بدر، وهو ابن الأسدية
فأنتم وهو أعلم. وزعم بعض الناس أنهم كانوا ودوا عوف بن بدر مائة متلية - أي دنا نتاجها - وأنه
أتى على تلك الإبل أربع سنين، وقد توالدت. وإن حذيفة بن بدر أراد أن يردها بأعيانها، فقال له
سنان بن أبي حارثة المريّ: أتريد أن تُلحق بنا خزاية، فتعطيهم أكثر مما أعطونا، فتسبّنا العرب
بذلك، فأمسكها حذيفة وأبي بنو عبس أن يقبلوا إلا إبلهم بعينها، فمكث القوم ما شاء الله أن يمكثوا.
ثم إن مالك بن بدر خرج يطلب إبلًا له، فمر على بني رواحة، فرماه جنيدب، أخو بني رواحة بسهم
فقتله، فقالت ابنة مالك بن بدر، وهذا يوم المعنقة:
فللهِ عَينَا مَن رأى مِثلَ مالِكٍ عَقيرةَ قومٍ أن جَرَى فَرَسانِ
فليتَهما لم يَشرَبا قَطُّ قَطرَةً وليتَهما لم يُرسلاَ لِرِهانِ
[ ١ / ٢٥٩ ]
أحَلَّ جُنيدِبُ أمسِ نَذرَهُ وأيُّ قتيلٍ كان في غَطَفانِ
إذا سَجَعَت بالرَّقمتَين حمامةٌ أو الرَّسِّ تبكي فارِسَ الكُتُفانِ
ثم إن الأسلع بن عبد الله بن ناشب بن زيد بن هدم بن لدم بن عوذ ابن غالب بن قطيعة بن عبس،
مشى في الصلح، ورهن بني ذبيان ثلاثة من بنيه، وأربعة من بني أخيه، حتى يصطلحوا، وجعلهم
على يدي سبيع بن عمرو من بني ثعلبة بن سعد بن ذبيان، فمات سبيع وهم عنده، فلما حضرته
الوفاة، قال لابنه مالك بن سبيع إن عندك مكرمة لا تبيد إن احتفظت بهؤلاء الأغيلمة، وكأني بك، لو
قد مُت قد أتاك خالك حذيفة - وكانت أم مالك هذا بنت بدر - فعصر عينيه وقال: هلك سيدنا، ثم
خدعك عنهم حتى تدفعهم إليه فيقتلهم، فلا شرف بعدها. فان خفت ذلك، فاذهب بهم إلى قومهم. فلما
ثقل، جعل حذيفة يبكي ويقول: هلك سيدنا فوقع ذلك له في قلب مالك، فلما هلك سبيع أطاف بابنه
مالك وأعظمه فقال له: يا مالك إني خالك، وأنا أسن منك، فادفع إلي هؤلاء الصبيان ليكونوا عندي،
إلى أن ننظر في أمرنا، ولم يزل به حتى دفعهم إلى حذيفة باليعمرية - واليعمرية ماء بواد من بطن
نخل من الشربة لبني ثعلبة - فلما دفع مالك إلى حذيفة الرهن، جعل يبرز كل يوم غلامًا فينصبه
غرضًا ثم يرمي ويقول: ناد أباك، فينادي أباه حتى تخرقه النبل، وقال لواقد بن جنيدب: ناد أباك،
فجعل ينادي يا عماه، خلافا عليهم، يكره أن يأبس أباه بذلك - والأبس القهر والحمل على المكروه -
وقال لابن جنيدب بن الأسلع: ناد حبينة، فجعل ينادي يا عمراه، باسم أبيه حتى قُتل، قتله عتبة بن
قيس بن زهير. ثم
[ ١ / ٢٦٠ ]
إن بني فزارة اجتمعوا، هم وبنو ثعلبة وبنو مرة، فالتقوا هم وبنو عبس بالخاثرة
من جنب ذي بقر، فقتلوا منهم مالك بن سبيع بن عمرو الثعلبي، قتله الحكم بن مروان بن زنباع
العبسي، وعبد العزى بن حذار الثعلبي، والحارث بن بدر الفزاري، وهرم بن ضمضم المري، قتله
ورد ابن حابس العبسي، ولم يشهد ذلك اليوم حذيفة بن بدر، فقالت نائحة هرم بن ضمضم المري:
يا لَهفَ نفسي لَهفَةَ المَفجُوعِ إذ لا أرى هرِما على مَودُوع
أمِنْ أجلِ سيِّدِنا ومصرعِ جَنبِهِ عَلِقَ الفؤادُ بحنظَلٍ مَصدُوعِ
ثم إن حذيفة جمع وتهيأ، فاجتمع معه بنو ذبيان بن بغيض، فبلغ بني عبس أنهم قد ساروا إليهم، فقال
قيس بن زهير: أطيعوني، فوالله لئن لم تفعلوا لأتكئن على سيفي حتى يخرج من ظهري، قالوا: فإنّا
نطيعك، فأمرهم فسرّحوا السوام والضعفاء بليل، وهم يريدون أن يظعنوا من منزلهم ذلك، ثم ارتحلوا
في الصبح، وأصبحوا على ظهر المعنقة، وقد مضى سوامهم وضعفاؤهم، فلما أصبحت طلعت الخيل
عليهم من الثنايا، فقال: خذوا غير طريق المال، فإنه لا حاجة للقوم أن يقعوا في شوكتكم، ولا يريدون
بكم في أنفسكم شرًا من ذهاب المال.
فأخذوا غير طريق المال، فلما أدرك حذيفة الأثر ورآه قال: أبعدهم الله وما خيرهم بعد ذهاب
أموالهم. فاتّبع المال، وسارت ظعن بني عبس والمقاتلة من ورائهم، وتبع حذيفة وبنو ذبيان المال،
فلما أدركوه ردّوا
[ ١ / ٢٦١ ]
أوله على آخره، ولم يُفلت منهم شيء، وجعل الرجل يطرد ما قدر عليه من الإبل،
فيذهب بها. وتفرّقوا واشتد الحر، فقال قيس بن زهير: يا قوم إن القوم قد فرّق بينهم المغنم، فأعطفوا
الخيل في آثارهم، فلم تشعر بنو ذبيان، إلا والخيل دوائس، فلم يقاتلهم كبير أحد، وجعل بنو ذبيان
إنما همة الرجل في غنيمته، أن يحوزها ويمضي بها، فوضعت بنو عبس فيهم السلاح، حتى ناشدتهم
بنو زياد البقية، ولم يكن لهم هم غير حذيفة فأرسلوا مجنبتين في أثره، وأرسلوا خيلًا تنفضُ الناس،
ويسألونهم حتى سقط خبر حذيفة من الجانب الأيسر، على شدّاد بن معاوية بن ذهل بن قراد بن
مخزوم بن مالك بن غالب بن قطيعة بن عبس، وعمرو بن الأسلع، والحارث بن زهير، وقرواش بن
هني بن أسيد بن جذيمة، وجنيدب، وكان حذيفة استرخى حزام فرسه، فنزل عنه، فوضع رجله على
حجر مخافة أن يُقتص أثره، ثم شد الحزام فوضع صدر قدمه على الأرض، فعرفوه وعرفوا حنف
فرسه - والحنف أن تُقبل إحدى اليدين على الأخرى، وفي الناس أن تُقبل إحدى الرجلين على
الأخرى، وأن يطأ الرجل على وحشيّهما، وجمع الأحنف حنف - فاتبعوه، ومضى حتى استغاث بجفر
الهباءة، وقد اشتد الحر، فرمى بنفسه، ومعه حمل بن بدر، وحنش بن عمرو، وورقاء بن بلال،
وأخوه، وهما من بني عدي بن فزارة، وقد نزعوا سروجهم وطرحوا سلاحهم، ووقعوا في الماء،
وتمعّكت دوابهم، وبعثوا ربيئة فجعل يطّلع فينظر، فإذا لم ير شيئًا رجع فنظر نظرة فقال: إني رأيت
شخصًا، كالنعامة أو كالطائر، فوق القتادة من قبل مجيئنا، فقال حذيفة: هنّا وهنّا عن شداد على جروة
- وجروة فرس شدّاد، والمعنى دع ذكر شداد عن يمينك وشمالك، واذكر غيره لما كان يخاف من
شداد - فبينما هم يتكلمون، إذا هم بشداد بن معاوية واقفًا عليهم، فحال
[ ١ / ٢٦٢ ]
بينهم وبين الخيل، ثم جاء
عمرو بن الأسلع، ثم جاء قرواش، حتى تتاموا خمسة، فحمل جنيدب على خيلهم، فاطّردها وحمل
عمرو بن الأسلع وشداد عليهم في الجفر، فقال حذيفة يا بني عبس: فأين العود والأحلام؟ فضرب
حمل بن بدر رأس كتفيه وقال: اتق مأثور القول بعد اليوم. فأرسلها مثلا. وقتل قرواش ابن هني
حذيفة، وقتل الحارث بن زهير حمل بن بدر، وأخذ منه ذا النون سيف مالك بن زهير، وكان حمل
أخذه من مالك بن زهير يوم قتله، فقال الحارث في ذلك:
تركتُ على الهَباءَةِ غيرَ فَخرٍ حُذيفَةَ حولَه قِصَدُ العوالي
سيُخبِرُ قومَهُ حَنَشُ بنُ عمروٍ إذا لاقاهُمُ وابنَا بلال
ويُخبِرُهُم مكانَ النُونِ مني وما أُعطِيُتُهُ عَرقَ الخِلال
العرق المكافأة والمودة، والخلال الخُلّة. يقول: لم يعطوني السيف عن مودة، ولكني قتلت وأخذت،
فأجابه حنش بن عمرو أخو بني ثعلبة بن سعد بن ذبيان:.
سيُخبرُكَ الحديثَ بكم خَبيرٌ يجاهِدُكَ العَداوَةَ غيرُ آلِ
بُداءَتُها لِقرواشٍ وعمروٍ وأنت تَجولُ جَوبُكَ في الشِّمال
الجوب الترس، يقول بداءة الأمر لقرواش وعمرو بن الأسلع، حين اقتحما الجفر وقتلا من قتلا،
وأنت تُرسك في يدك تجول، لم تغن شيئًا.
[ ١ / ٢٦٣ ]
ويقال لك البداءة ولفلان العوادة. وقال قيس بن زهير:
تَعلَّم أنَّ الناسِ مَيتٌ على جَفرِ الهَباءَةِ ما يَريمُ
ولو ظُلمُهُ ما زِلتُ أبكي عليه الدهرَ ما طَلعَ النُّجومُ
ولكنَّ الفتى حملَ بنَ بدرٍ بَغى، والبَغيُ مَرتَعُهُ وخِيمُ
أظُنُّ الحِلمَ دلَّ عليَّ قومي وقد يُستَجهَلُ الرجلُ الحليمُ
فلا تَغشَى المظَالِمُ أن تَراهُ يُمتَّعُ بالغِنَى الرجُلُ الظلومُ
ولا تَعجَلْ بأمرِكَ واستَدِمهُ فما صَلَّى عَصاكَ كمُستديمِ
يقول عليك بالتأني، وإياك والعجلة، فإن العجول لا يُبرم أمرًا، كما أن الذي يُثقف العود إذا لم يُجد
تصليته على النار لم يستقم له.
أُلاقي من رجالٍ مُنكَرَاتٍ فأُنكِرُها وما أنا بالغَشُومِ
ولا يُعِييكَ عُرقُوبٌ لِلأيٍ إذا لم يُعطِكَ النِّصفَ الخصيمُ
قوله عرقوب، يقول: إذا لم يُنصفك خصمك فأدخل عليه عرقوبًا ينسخ حجته.
ومارستُ الرِّجالَ ومارَسُوني فمُعوَجٌ عليَّ ومستقيمُ
وقال في ذلك شداد بن معاوية العبسي وهو أبو عنترة:
مَنْ يَكُ سائلًا عني فإني وجَروَةَ لا تَرُودُ ولا تعارُ
مُقرَّبَةُ الشِّتاءِ ولا تَرَاها أمامَ الحَيِّ تتبَعُها المِهار
[ ١ / ٢٦٤ ]
لها بالصِّيفِ آصِرَةٌ وجُلٌّ وسِتٌّ من كرائِمِها غِزار
ألاَ أبلغْ بني العُشَراءِ عني عَلانِيَةً وما يُغني السِّرارُ
قتلتُ سَراتَكُم وحَسَلتُ منكم حَسيلًا مثلَ ما حُسِلَ الوَبَار
وحسالة الناس، وحفالتهم، ورعاعهم، وخمانهم، وشرطهم، وحثالتهم، وحشارتهم، وغفاهم السفلة.
وكان ذلك اليوم يوم ذي حسى، ويزعم بعض بني فزارة، أن حذيفة يومئذ كان أصاب فيمن أصاب
من بني عبس، تُماضر بنت الشريد السلمية، أم قيس فقتلها وكانت في المال.
ولم أقتَلُكُمُ سِرًّا ولكِنْ عَلانيَةً وقد سَطعَ الغُبارُ
ثم إن بني عبس ظعنوا، فحلّوا إلى كلب بعراعر، وقد اجتمع عليهم بنو ذبيان، فقاتلتهم كلب فهزمتهم
عبس، وقتلوا مسعود بن مصاد الكلبي، أحد بني عُليم بن جناب، فقال عنترة في ذلك، وهي في
شعره:
ألا هل أتاها أنَّ يومَ عُرَاعِرٍ شَفى سَقَمًا لو كانتِ النفسُ تَشتفِي
قال: فأجلتهم الحرب، فلحقوا بهجر، وامتاروا منها، ثم حلُّوا على بني سعد بني سعد بن زيد مناة،
وهم بالفروقِ، وقد آمنتهم بنو سعد ثلاث ليال، فأقاموا، ثم إنهم شخصوا عنهم، فاتبّعهم ناس من بني
سعد، فقاتلهم العبسيون فامتنعوا، حتى رجع بنو سعد، وقد خابوا ولم يظفروا منهم بشيء، فقال عنترة
في ذلك:
[ ١ / ٢٦٥ ]
ألا قاتلَ الله الطُّلولَ البَواليا وقاتلَ ذِكرَاكَ السِّنينَ الخَواليا
ونحن منَعنَا بالفَروُقِ نِساءَنا نُطَرِّفُ عنها مُسبِلاتٍ غَواشيا
وسُئل قيس بن زهير، كم كنتم يوم الفروق؟ قال مائة فارس كالذهب، لم نكثر فنفشل، ولم نقل
فنضعف. ثم سارت بنو عبس حتى وقعوا باليمامة، فقال قيس بن زهير: إن بني حنيفة قوم لهم عز
وحصون، فحالفوهم، فخرج قيس بن زهير حتى أتى قتادة بن مسلمة الحنفي، وكان أحد جرّاري
ربيعة - قال ابن حبيب: الجرار من قاد ألف فارس، فإن لم يقد ألف فارس فليس بجرار - وهو
يومئذ سيدهم، فعرض عليهم قيس نفسه وقومه، فقال: ما يُرد مثلكم، ولكن لي في قومي أمراء، لابد
من مشاورتهم، وما نُنكر حسبك ولا نكايتك، فلما خرج قيس من عنده، قيل له ما تصنع، تعمد إلى
أفتك العرب وأجرئهم فتُدخله أرضك، فيعلم وجوه أرضك، وعورة قومك، ومن أين يؤتون؟ فقال كيف
أصنع وقد وأيت له - أي وعدت - أستحيي من رجوعي، فقال له السمين الحنفي: أنا أكفيك. قيس
هو رجل حازم متوثق، لا يقبل إلا الوثقة، فلما أصبح غدا فلقيه السمين الحنفي، فقال: إنك على خير،
وليست عليك عجلة، فلما رأى ذلك قيس، ومر على جمجمة إنسان بالية فضربها برجله، وقال: رُبّ
خسف قد أقرّت به هذه الجمجمة، مخافة مثل هذا اليوم، وإن مثلي لا يقبل إلا القوي من الأمر. فلما لم
ير ما يُحب، احتمل فلحق ببني عامر بن صعصعة، فنزل هو وقومه على بني شكل، من بني
الحريش، وهم بنو أختهم، وكانت أمهم عبسية، فجاوروهم وكانوا يرون عليهم أثرة، وسوء جوار،
واستخفافًا بهم. فقال نابغة بني ذبيان:
[ ١ / ٢٦٦ ]
لَحا الله عُبسًا عَبسَ آل بُغيِّضٍ كَلَحي الكِلابِ العَوياتِ وقد فَعَل
فأصبحتُمُ والله يفعلُ ذاكُمُ يَعزُّكُمُ مَولَى مواليكم حَجَل
إذا شاءَ منهم ناشِئٌ دَربَخَتْ له لطيفَةُ طَيءِّ الكَشحِ رابِيَةُ الكَفَل
دربخت له جبّت وقامت على أربع حتى يأتيها.
فأصبحتُمُ والله يَفعلُ ذاكُمُ تَنيكُ النِّساءَ المُرضِعاتِ بَنُو شَكَل
فمكثوا مع بني عامر، يتجنون عليهم، ويرون منهم ما يكرهون، حتى غزتهم بنو ذبيان وبنو أسد
ومن تبعهم من بني حنظلة، يوم جبلة، فأصابوا يومئذ زبّان بن بدر، فكانوا معهم ما شاء الله.
ثم إن رجلًا من الضباب، أسره بنو عبد الله بن غطفان، والضبابي هو أخو الحنبص، فاستودعه
الذي أسره يهوديًا ليغزو، ثم يعود فاتهمه اليهودي بامرأته فخصاه، فقال لحنبص الضبابي لقيس بن
زهير: أدَّ إلينا ديته، فإن مواليك بني عبد الله أصابوا صاحبنا، وبنو عبد الله بن غطفان حلفاء بني
عبس، فقال قيس: ما كنا لنفعل. فقال: والله لو أصابه مر الريح لوديتموه. فقال قيس في ذلك:
لَحى الله قومًا أرَّشُوا الحربَ بيننا سَقَونَا بها مُرًّا مِنَ الشِّربِ آجِنا
وحَرمَلَةَ النَّاهيهمُ عَنْ قِتَالِنا وما دَهرَهُ إلا يكونُ مُطَاعِنَا
أُكَلَّفَ ذا الخُصيّينِ إن كانَ ظالمًا وإن كان مَظلومًا وإن كان شَاطِنا
[ ١ / ٢٦٧ ]
خَصَاهُ امرؤٌ من أهلِ تَيمَاءَ طَابنٌ ولا يَعدَمُ الأنسِيُّ والجِنُّ طَابِنا
الطابن الفطن، يقول: يخصه يهودي وأكلف أناديته.
فهلاَّ بَني ذُبيانَ وسطَ بُيُوتهم رَهَنتَ بمَرِّ الريحِ إن كنتَ رَاهِنا
وخَابَستُهُم حقِّي خلالَ بُيُوتهم وان كنتُ ألقَى من رجالٍ ضَغَائِنا
إذا قلتُ قد أُفلِتُ من شرِّ حَنبَصٍ لَقيتُ بأُخرى حنبَصًا مُتَباطِنا
فقد جَعلتْ أكبَادُنَا تَجتوِيكُمُ كما تجتوِي سُوقُ العَضَاهِ الكَرازِنَا
تَدَرَّوَننا بالمُنكَراتِ كأنّما تَدرَّونَ ولدانًا تَرَمَّى الرَّهَادِنا
تدرّوننا تختلوننا والرهادن جمع رهدن وهو شبيه بالعصفور، ويقال باللام كما قالوا غرين وغريل،
وهو التقن في أسفل الحوض، وترمى من الرمي.
وقال النابغة الذبياني يرد على قيس بن زهير:
إبكِ بُكاءَ النِّساءِ إنكَ لن تهَبِطَ أرضًا تُحبُّها أبدَا
نحن وَهَبنَاكَ للحَريش وقد جَاوَرتَ في أرضِ جَعفَرٍ عَددا
وأغار قرواش بن هني العبسي، وبنو عبس يومئذ في بني عامر، على بني فزارة، فأخذه أحد بني
العشراء، الأخرم بن سيار، أو قطبة بن
[ ١ / ٢٦٨ ]
سيار بن عمرو بن جابر بن عقيل بن سمي بن مازن بن فزارة،
أخذه تحت الليل فقال له: من أنت؟ فقال له: رجل من بني البكاء، فعرفت كلامه فتاة من بني
مازن بن فزارة كانت ناكحًا في بني عبس، فعرفت صوته فقالت: أبا شريح، أما والله لنعم مأوى
الأضياف، وفارس الخيل أنت. قال: ومن هو؟ قالت: قرواش بن هني، فدفعوه إلى بني بدر فقتلوه
وكان قتل حذيفة.
وزعم بعض الناس أنهم دفعوه إلى بني سبيع، فقتلوه بمالك بن سبيع. وكان قتل مالك بن سبيع الحكم
بن مروان بن زنباع، فقال نهيكة بن الحارث الفزاري:
صبرًا بغيضَ بنَ رَيثٍ إنها رَحِمٌ جِئتُم بها فأناخَتكُم بِجَعجَاع
فما أشَطَّتْ سُميٌّ أنْ هُمُ قَتلوا بني أُسيدٍ بقتلى آل زِنباعِ
لقد جزتكُم بنو ذُبيانَ ضاحِيَةً بما فعلتُم ككَيلِ الصَّاعِ بالصَّاع
قتلًا بقتلٍ وتعقيرًا بعَقرِكُم مهلًا حُميضَ فلا يسعى بنا الساعي
وقال في ذلك عنترة
هَدِيُّكُم خيرٌ أبًا من أبيكُمُ أعَفُّ وأوفى بالجِوارِ وأحْمَدُ
الهدي هاهنا الأسير، والهدي الجار، والهدي العروس، والهدي ما أهديت إلى بيت الله الحرام. أهل
العالية يخفّفون الهدى إلى بيت الله ﷿، وأهل نجد يُحركونه ويثقلونه -
[ ١ / ٢٦٩ ]
وأحمىَ لدى الهَيجا إذا الخيلُ صَدَّها غَداةَ الصَّباحِ السَّمهَرِيُّ المُقصَّدُ
فهلاَّ وفي الغَوغاءُ عمرو بنُ جابرٍ بذَمَّتِهِ وابنُ اللقيطَةِ عِصيَدُ
سَيأتيكُمُ مني وإن كنتُ نائِيًا دُخانُ العَلَندَى حولُ بيتيَ مِذوَدُ
أي هجاء يذود عني، والعلندي شجر كثير الدخان مؤذ، يقول: يأتيكم هجاء مؤذ.
قصائدُ مِن بَزِّ امرئٍ يحتذِيكمُ وأنتم بجسمي فارتَدُوا أو تقلَّدوا
وقال قيس بن زهير:
ما لي أرى إبلي تَحِنُّ كأنها نَوحٌ تُجاوِبُ مَوهِنًا أعشارا
الموهن بعد صدر من الليل. وأعشار جمع عشر.
لن تهبطي أبدًا جُنوبَ مُويسِرٍ وقَنا قُراقِرَتينِ والإمرارا
أجَهِلتِ من قومٍ هَرَقتُ دِمَاءَهم بيَدي ولم أدِهِم بجَنبِ تعَارا
إنَّ الهوادَةَ لا هوادةَ بيننا إلا التجاهُدُ فاجَهدِنَّ فَزارا
إلا التَّزاوُرُ فوقَ كلِّ مُقَلِّصٍ يهدِي الجِيادَ إذا الخميسُ أغارا
فلأهبِطَنَّ الخيلَ حُرَّ بِلادِكم لُحقَ الأياطِلِ تَنبِذُ الأمهارا
حتى تزورَ بلادَكم وتُرَى بها مِنكُم مَلاحِمُ تُخشِعُ الأبصارا
وقال قيس بن زهير في مالك بن زهير، ومالك بن بدر:
أخي والله خيرٌ من أخيكُم إذا ما لم يَجِد بَطلٌ مَقاما
[ ١ / ٢٧٠ ]
أخي والله خيرٌ من أخيكُم إذا لم يَجِد راعٍ مَساما
ويروى مُساما. يقال: سامت الإبل مَساما، وأسمتُها مُساما.
أخي والله خيرٌ من أخيكُم إذا الخَفِراتُ أبدَينَ الخِداما
قتلتُ به أخاكَ وخيرَ سَعدٍ فإنْ حَربًا حُذُيفُ وإن سلاما
تَرُدُّ الحربُ ثَعلبةَ بنَ سعدٍ بحمدِ الله يَرعَونْ البِهاما
وتُغني مُرَّةَ الأثرَينَ عنّا عُروجُ الشَّاءِ تَترُكهُ قِياما
وكيف تقولُ صبرُ بني حجَانٍ إذا غَرِضوا ولم يَجِدُوا مَقاما
غرضوا ملُّوا في هذا الموضع.
ولولا آلُ مُرَّةَ قد رأيتُم نَواصِيَهُنَّ يَنضُونَ القَتَاما
وقال نابغفة بني ذبيان:
أبْلِغْ بني ذبيانَ إلاّ أخَالَهم بعَبسٍ إذا حَلُّوا الدِّماخَ فأظلَمَا
بجَمعٍ كلَونِ الأعبَلِ الوَردِ لونُهُ ترى فيه نَواحيهِ زُهيرا وحذيَما
الأعبل الحجارة البيض، ويقال الجبل الأبيض، واحدها أعبل، والجمع أعابل.
همُ يَرِدُونَ الموتَ عند لقائِهِ إذا كان وَردُ الموتِ لابدَّ أكرَما
[ ١ / ٢٧١ ]
ثم إن بني عبس ارتحلوا عن بني عامر، فساروا يريدون بني تغلب، فأرسلوا إليهم أن أرسلوا إلينا
وفدًا، فأرسل إليهم بنو تغلب ثمانية عشر راكبًا، فيهم ابن الخمس التغلبي، قاتل الحارث بن ظالم.
وفرح بهم بنو تغلب وأعجبهم ذلك.
فلما رأى الوفد بني عبس قال لهم قيس: انتسبوا نعرفكم، فانتسبوا حتى مر بابن الخمس، فقال: أنا
ابن الخِمس، فقال قيس: إن زمانا أمنتنا فيه لزمان سوء. قال ابن الخمس: وما أخاف منك؟ والله لأنت
أذل من قُراد تحت منسم بعيري. فقتله قيس، وإنما قتله بالحارث بن ظالم لأن الحارث كان قتل
بزهير بن جذيمة، خالد بن جعفر بن كلاب، فلما دخل الحارث على النعمان، قال: من كان له عند
هذا ثأر فليقتله، فقام إليه ابن الخمس فقتله، فقال: تقتلني ياابن شر الأظماء. قال: نعم يا ابن شر
الأسماء. فقتل قيس ابن الخمس بالحارث بن ظالم. فلما رأى ذلك قيس، قال: يا بني عبس، ارجعوا
إلى قومكم فهم خير الناس لكم فصالحوهم، فأما أنا فلا والله لا أجاور بيتًا غطفانيًا أبدًا، فلحق بعمان
فهلك بها. ورجع الربيع وبنو عبس فقال الربيع بن زياد في ذلك:
حَرَّقَ قيسٌ عليَّ البلادَ حتى إذا اضطَرَمتْ أجذَما
جَنِيَّةُ حربٍ جَناها فما تُفُرِّجَ عنه ولا أُسلِما
عَشيَّةَ يُردِفُ آلَ الرِّبا بِ يُعجِلُ بالرَّكضِ أنْ يُلجِما
[ ١ / ٢٧٢ ]
ونحنُ الفوارسُ يومض الهَريرِ إذ تُسلِمُ الشَّفَتانِ الفَمَا
ويروى إذ تقلص، أراد تقلص الشفتان من الهول.
إذا ذُعِرَتْ من بَياضِ السُّيو فِ قُلنا لها أقدِمي مُقدَمَا
ولما انصرف الربيع بن زياد، وكان يُدعى الكامل، أتى بني ذبيان ومعه ناس من بني عبس، فأتى
الحارث بن عوف بن أبي حارثة، فوقفوا عليه فقالوا: هل أحسست لنا الحارث بن عوف، وهو يعالج
نحيًا. فقال: هو في أهله. ولبس ثيابه، فطلبوه ثم رجعوا وقد لبس ثيابه فقالوا: ما رأينا كاليوم قط
مركوبًا إليه. قال: ومن أنتم؟ قالوا: بنو عبس، ركبان الموت. قال: بل أنتم ركبان السلم والحياة،
مرحبًا بكم، لا تنزلوا حتى تأتوا حصن بن حذيفة. فقالوا: نأتي غلامًا حديث السن، وقد قتلنا أباه
وأعمامه ولم نره قط! فقال الحارث: نعم إن الفتى حليم، وإنه لا صُلح حتى يرضى. فأتوه عند
طعامه، فلما رآهم، ولم يكن رآهم حصن، قالوا: هؤلاء بنو عبس. فلما أتوه حيّوه. قال: من أنتم؟
قالوا: ركبان الموت، فحياهم، وقال: بل أنتم ركبان السلم والحياة، إن تكونوا احتجتم إلى قومكم، فقد
احتاج قومكم إليكم. هل أتيتم سيدنا الحارث ابن عوف؟ قالوا: لم نأته. وكتموا إتيانهم إياه. قال: فأتوه.
فقالوا: ما نحن ببارحيك حتى تنطلق معنا. فخرج يضرب أوراك أباعرهم قبله، حتى أتوه. فلما أتوه،
حلف له حصن هل أتوك قبلي؟ قال: نعم. فقال: قم بين عشيرتك، فإني معينك بما أحببت. قال
الحارث: فأدعوا معي خارجة بن سنان. قال: نعم. فلما اجتمعا قالا لحصن: تُجيرنا من
[ ١ / ٢٧٣ ]
خصلتين: من الغدر بهم، والخذلان لنا، قال: نعم فقاما بينهم، فباءؤوا بين القتلى، وأخرجا لبني ثعلبة بن سعد ألف
ناقة، وأعانهم فيها حصن بخمس مائة ناقة. وزعموا أنه لما اصطلح الناس، وكان حصين بن ضمضم
قد حلف أن لا يصيب رأسه غُسل، حتى يقتل بأخيه هرم بن ضمضم. فأقبل رجل من بني عبس
يقال له ربيعة بن وهب بن الحارث ابن عدي بن بجاد، وأمه امرأة من بني فزارة، يريد أخواله، فلقيه
حصين بن ضمضم المري فقتله بأخيه الذي قتله ورد بن حابس العبسي. فقال حيّان بن حصين العبسي:
سالَمَ الله مَنْ تَبرَّأ مِن غَيْ ظٍ ووَلَّى أثَامَها يَربوعا
قَتلونَا بعدَ المواثيقِ بالسُّح مِ تَرَاهُنَّ في الدِّماءِ كُروعا
إن تُعيدوا حَربَ القَليبِ علينا تجدُوا أمرَنا أحَذَّ جميعا
فلما بلغ فزارة قتل حصين بن ضمضم، ربيعة بن وهب، غضبوا وغضب حصن في قتل ابن
أختهم، وفيما كان من عقد حصن لبني عبس. وغضب بنو عبس فأرسل إليهم الحارث ابنه، فقال:
اللبن أحب إليكم أم أنفسكم؟ يعني ابنه. يقول: إن شئتم فاقتلوه، وإن شئتم فالدِّية. قالوا: اللبن أحب
إلينا. فأرسل إليهم مائة من الإبل، دية ربيعة ابن وهب. فقبلوا الدية، وتموا على الصلح. فقال شييم
بن خويلد الفزاري:
حلَّت أُمَامَةُ بطنَ البَينِ فالرَّقَمَا واحتَلَّ أهلُكَ أرضًا تُنبِتُ الرَّتَما
الرتم شجر، الواحدة رتمة.
[ ١ / ٢٧٤ ]
فذاتَ شَكٍّ إلى الأعراجِ مِن إضَمٍ وما تَذكُّرُهُ من عاشِقٍ أمَمَا
هَمٌّ بعيدٌ وشَأوٌ غيرُ مُؤتَلَف إلا بمرؤودَةٍ ما تشتكي السَّأمَا
المزؤودة المرعوبة من ذكائها.
أنْضَيتُها مِن ضُحَاهَا أو عَشيَّتِها في مُستَتِبٍّ تَشُقُّ البِيدَ والأكَما
تسمعُ أصواتَ كُدرِيِّ الفِراخِ به مِثلَ الأعاجِمِ تُغشي المُهرَقَ القَلما
يا قومَنا لا تَعُرُّونا بمَظلَمَةٍ يا قومَنا واذكُروا الآلاءَ والذِّمَمَا
في جارِكم وابنِكم إذ كان مَقتَلُهُ شَنعاءَ شَيَّبت الأصداغَ واللِّمَما
عيَّ المَسُودُ بها والسَّائِدونَ فلم يُوجَدْ لها غيرُنا مولىً ولا حَكما
كُنَّابِها بعدما طِيخَتْ عُروضُهُمُ كالهِبرقيَّةِ ينفي لِيطُها الدَّسَما
الهبرقية السيوف والهبرقي الحداد. أراد كالسيوف الماضية تسبق الدم. والليط اللون.
إني وحِصنًا كذِي الأنفِ المَقُولِ له ما مِنكَ أنفُك إن أعضَضتَهُ الجَلَما
أإنْ أجارَ عليكم لا أبَا لكُمُ حِصنٌ تقطَّرُ آفاقُ السماءِ دَما
أدُّوا ذِمَامَةَ حِصنٍ أو خُذوا بِيَدٍ حربًا تَحُشُّ الوَقودَ الجَزلَ والضَّرَما
وقال ابن عنقاء الفزاري، وهو عبد قيس بن بحرة:
[ ١ / ٢٧٥ ]
إنْ تَأتِ عبسٌ وتَنصُرها عَشيرتُها فليس جارُ ابنِ يربوعٍ بمخذولِ
كِلا الفريقينِ أعيَا قتلِ صاحِبِهِ هذا القَتيلُ بمَيتٍ غيرِ مَطلولِ
باءَتْ عَرارِ بِكَحلٍ والرِّفاقُ معًا فلا تَمنَّوا أمانيَّ الأضَاليلِ
عرار وكحل ثور وبقرة كانا في بني إسرائيل، فعُقر كحل فعُقرت به عرار، فوقعت الحرب بينهم،
حتى تفانوا، وزعموا أن بني مرة وبني فزارة لما اصطلحوا وباؤوا بين القتلى، أقبلوا يسيرون حتى
نزلوا على ماء، يقال له قلهى، وعليه بنو ثعلبة بن سعد بن ذبيان، فقالت بنو مرة، وبنو فزارة، لبني
ثعلبة: أعرضوا عن بني عبس فقد باؤوا بالقتلى بعضهم ببعض. فقالت بنو ثعلبة: فكيف تأتون بعبد
العزّى بن حذار، ومالك بن سبيع، أتهدروانهما وهما سيدا قيس عيلان، فوالله ما نشم هذا بأنوفنا أبدًا.
فمنعوهم الماء حتى كادوا يموتون عطشًا. فلما رأوا ذلك أعطوهم الدية. فقال في ذلك معقل بن عوف
بن سبيع الثعلبي:
لَنِعمَ الحيُّ ثعلبةَ بنَ سعدٍ إذا ما القومُ عَضَّهُمُ الحديدُ
همُ رَدُّوا القبائلَ من بغيض بغيظِهِمُ وقد حَمِيَ الوقود
تُطَلُّ دماؤُهم والفَضلُ مِنَا على قَلهَى ونَحكمُ ما نُريد
وقال شريح بن بجير الثعلبي:
نحنُ حَبسنَا بالمَضيقِ ثَمانِيا نَحُشُّ الجِيادَ الرَّاءَ فهي تأوَّدُ
[ ١ / ٢٧٦ ]
الراء شجر مر، يقول: حبسنا نحبس خيلنا على الثغر، حفاظا. فهي تأود ضعفًا.
وفيها إذا جَدَّ الصَّوارِخُ شاهدٌ مِنَ الجَريِ أو تُدعى لها فتُجَرَّدُ
ولو أنّ قومي قومُ سَوءٍ أذِلَّةٌ لأخرَجَني عَوفٌ وعَوفٌ وعِصيَدُ
الأول عوف بن أبي حارثة، والثاني عوف بن سبيع، وعصيد لقب لحصن بن حذيفة.
وعَنترةُ الفَلحَاءُ جاءَ مُلأّمًا كأنكَ فِندٌ من عَمَايةَ أسودُ
الفلحاء، كان مشقوق الشفة، ومنه قولهم الحديد بالحديد يفلح، والفلاح الأكار الذي يشق الأرض.
والفلح شق. وفند قطعة من الجبل، وعماية جبل.
تُطيفُ به الحُشَّاشُ يُبسٌ تِلاعُهُ حِجارَتُهُ من قِلةِ الخيرِ تَصلِدُ
الحشاش الذين كانوا يحتشون. يقول: لا خير فيهم، والصلد اليابس.
ولكنَّ قومي أحرَزَتني رِماحُهُم فآبَى وأُعِطي الوُدَّ مَنْ يَتودَّدُ
إذا جاءَ مُرِّيٌّ جَرَرنا برَأسه إلى الماءِ والعَبسيُّ بالنارِ يَفأدُ
يفأد يشوي. والفئيد الشواء.
فأمّا ابنُ سيَّارِ بنِ عمرِو بنِ جابرٍ ففوزَ ظِمءَ الضَّبِّ أو هوَ أجلَدُ
فوزّ أي ركب المفاوز كالضب الذي لا يشرب الماء.
[ ١ / ٢٧٧ ]
فهذا ما كان من حديث داحس والغبراء، وبلغنا أن الحرب كانت فيهم أربعين سنة، وصار داحس
مثلا.
وقال البعيث:
أأنْ أمرعَتْ مِعزَى عطَّيةَ وارتَعَتْ تِلاعًا مِنَ المرَوُّتِ أحوى جميمُهَا
أمرعت أخصبت. والتلاع مسايل الماء، والمروت من بلاد بني تميم، والأحوى الشديد الخضرة،
والجميم من النبت ما كثر وأمكن المال أن يرعاه.
تعرَّضتَ لي حتى ضَرَبتُكَ ضربةً على الرأس يَكبو لليدينِ أميمُهَا
ويروى صككتك صكة، والأميم هو المأموم الذي تهجم ضربته على أم الرأس، وهي الجلدة التي
تجمع الدماغ تحت العظم إذا شقّها شيء ووصل إليها مات صاحبها.
إذا قاسَها الآسي النِّطاسيُّ أُرعِشَتْ أنَامِلُ كَفيَّهْ وجاشَتْ هُزُومُهَا
الآسي المتطبب. والنطاسي البصير العالم، يقال: فلان نَطِس ونَطُس ونطيس.
ويقال أسوتُ آسو أسوًا وهزومها صدوعها واحدها هزم.
كُليبٌ لِئامُ الناسِ قد تعلَمونَهُ وأنتَ إذا عُدَّتْ كُليبٌ لَئيمُها
ويروى أليس كليبٌ ألأمَ الناس كلهم.
[ ١ / ٢٧٨ ]
لقىً مُقعَدُ الأحسَابِ مُنقَطَعٌ بهِ إذا القومُ رامُوا خُطَّةً لا يَرُومُهَا
لقى ملقى مقعد الأنساب يعني قصير النسب، أي إذا القوم راموا بلغة أي شيئًا يُتبلّغ به وليس بطائل.
لا يرومها لا يطمع فيها عجزًا عنها.
أترجو كُليبٌ أنْ يَجيء حَديثُها بخيرٍ وقدْ أعيا كُليبًا قديمُهَا
يقول أترجو كليب أن يكون لها حديث من المجد ولا قديم لها. وقال غيره: أترجو كليبٌ أن يأتي
أخيرها بشرف ولا شرف لها، والتفسير الأخير أجود.
على عَهدِ ذي القَرنَينِ كانت مُجاشِعٌ أعِزّاءَ لا يَسطِيعُها مَن يَضِيمُها
ويروى .. أعزّ فلا يسطيعها من يرومها.
وروى غير أبي عبيدة .. سماما على الأعداء لُدًّا خصومها.
فأجابه جرير:
ألاَ حيِّ بالبُردَينِ دارًا ولا أرى كدَارِ بقوٍّ لا تُحيَّا رُسُومُهَا
البردان غديران بينهما حاجز يبقى ماؤهما الشهرين والثلاثة.
لقدْ وَكَفَتْ عيناهُ أنْ ظَلَّ واقِفًا على دِمنَةٍ لمْ يبقَ إلا رَميمُهَا
أبَينَا فلم نسمعْ بِهندٍ مَلامَةً كما لم تُطِعْ هِندٌ بِنَا مَنْ يَلُومُهَا
إذا ذُكِرَتْ هِندٌ لهُ خَفَّ حِلمُهُ وجَادَتْ دُموعُ العَينِ سَحًّا سُجُومُها
وأنّى لهُ هِندٌ وقدْ حالَ دُونَها عُيونُ وأعداءٌ كثيرٌ رُجُومُها
[ ١ / ٢٧٩ ]
رجومها أي ترجم بالغيب رجما، أي يظنون بنا غير الحق واليقين.
إذا زُرتُمَا حالَ الرقيبانِ دُونُهَا وإن غِبتُ شَفَّ النفسْ عَنها هُمومُها
شف النفس أضمرها وأنحلها.
أقولُ وقد طالتْ لِذكرَاكِ ليلتي أجِدَّكِ لا تسري لما بي نُجومُها
أجدّك أي أبجدّك، معناه هو الجد منك. يا ليلة خاطبها ثم رجع عن المخاطبة فقال: ما تسري نجومها
طولا عليّ.
أنا الذّائِدُ الحامِي إذا ما تَخَمَّطَتْ عَرانينَ يَربوعٍ وصَالتْ قُرُومُهَا
الذائد الدافع. وتخمّط الفحول إيعاد بعضها بعضًا. وعرانين القوم أشرافهم. وقرومها فحولها. والقرم
الفحل الذي لم يمسسه حبل، واتخذ للفحلة فشبه الرجل الرئيس بها.
دَعُوا الناسَ إني سوفَ تنهَى مخافتي شياطينَ يُرمَى بالنحاس رَجيمَها
ويروى سوف يكفي.
النحاس الدخان وإنما أراد النار لأن النار لا تكون إلا بدخان.
فما ناصَفَتنا في الحِفاظِ مجاشعٌ ولا قَايَست في المجدِ إلا نَضيمُها
ويروى ولا قايستنا المجد.
فما ناصفتنا أي لم تبلغ نصف حفاظنا، ولا قايستنا إلا ضمناها. وروي ناصبتنا، ولا قايستنا الفضل.
[ ١ / ٢٨٠ ]
ولا نعتصي الأرطَى ولكن عِصيُّنَا رِقَاقُ النّواحي لا يُبلُّ سليمُها
الأرطى شجر ينبت في الرمل، يقال بل المريض وأبلّ برأ، وكذلك اطرغش وقشّ قشوشًا وأصل
القشوش في الجُرح إذا جفّ للبرء.
كَسونا ذُبابَ السيفِ هامةَ عارضٍ غَداةَ اللوى والخيلُ تَدمى كُلُومُهَا
عارض رجل من بني جشم بن معاوية بن بكر، ويقال بل من بني ثعلبة بن مسعد بن ذبيان وكان
أغار على بني يربوع في مقنب يوم واردات، فقتله أبو مليل.
ويومَ عُبيدالله خُضنَا برَايَةٍ وزَافِرَةٍ تَمَّتْ إلينا تَميمُها
الزافرة ناهضة الرجل وأعوانه لذين بهم يصول: