قال سعدان، قال أبو عبيدة: لما أصيب أهل الهباءة، استعظمت غطفان قتل حذيفة بن بدر، فتجمعوا،
وعرفت بنو عبس أنه ليس لهم
[ ٢ / ٥٨٥ ]
مقام بأرض غطفان. قال: فخرجت متوجهة إلى اليمامة، يطلبون
أخوالهم - قال: وكانت عبلة بنت الدول، ويقال بنت الديل جميعًا ابن حنيفة أم رواحة - فأتوا قتادة
بن مسلمة فنزلوا اليمامة زمينا، ثم مرَّ ذات يوم قيس مع قتادة فرأى قحفًا فضربه برجله، وقال: كم
من ضيم قد أقررت به مخافة هذا المصرع، ثم لم تئل - أي لم تنج، يقال من ذلك قدوأل الرجل،
وذلك إذا نجا من مرض، وما كان من شيء إذا نجا - قال: فلما سمعها منه قتادة، كرهها وأوجس
منه. قال: ارتحلوا عنا، فارتحلوا حتى نزلوا هجر ببني سعد بن زيد مناة، فمكثوا فيهم زمينا. قال: ثم
إن بني سعد أتوا الجون وهو ملك هجر وملكهم، فقالوا: هل لك في مهرة شوهاء - يعني حسنة ترفع
إليها العين - وناقة حمراء، وفتاة عذراء، قال: نعم. قالوا بنو عبس، فإنهم غارون، نغير مع جندك
عليهم، وتسهم لنا من غنائمهم. قال: فأجابهم إلى ذلك. وفي بني عبس امرأة ناكح فيهم من بني سعد،
قال: فأتاها أهلها ليضموها، وأخبروها الخبر، فأخبرت به زوجها فأتى زوجها قيسا فأخبره، فأجمعوا
على أن يرحلوا الظعائن، وما قوي من الأموال من أول الليل، وتترك النار في الرثة من منزلهم -
الرثة الموضع الذي ارثوا فيه النار، يريد الموضع الذي كانوا فيه نزولا - فلا يستنكر القوم ظعن
بني عبس عن منزلهم.
قال: وتقدم الفرسان إلى الفروق، فوقفوا دون الظعن وبين الفروق، وبين سوق هجر نصف يوم، فإن
تبعوهم شغلوهم وقتلوهم، حتى تعجزهم الظعن، ففعلوا ذلك. قال: وأغارت عليهم جنود الملك، ومن
تابعهم من بني سعد، وذلك عند وجه الصبح. قال: وكذلك كانوا يغيرون في الجاهلية، قال: فوجدوا
الطعن قد أسرين ليلتهن، ووجدوا المنزل خلا. قال: فتبعوا القوم حتى انتهوا إلى الفروق، فإذا الخيل
والفرسان فقاتلوهم، وقد استراحت الظعن حتى خلوا سربهم، فمضوا
[ ٢ / ٥٨٦ ]
حتى لحقوا الظعن ثلاث ليال بأيامهن، حتى قالت ابنة قيس يا ابتاه، أتسير الأرض معنا، فعلم أنها قد جهدت، فقال: أنيخوا،
وامتنعت بنو عبس، ومنعوا ظعنهم. قال: ورجعت بنو سعد يتفادى بعضهم ببعض - أي يستتر
بعضهم ببعض - لم ينالوا خيرا.
قال ففي ذلك يقوم عنترة بن شداد بن عمرو بن معاوية بن ذهل بن قراد بن مخزوم بن ربيعة بن
غالب بن قطيعة بن عبس:
ألا قاتل الله الطلولَ البواليا وقاتل ذكراكَ السنينَ الخواليا
قال: معنى قوله قاتل الله، يريد التعجب. قال: والطلول: ما شخص لك من آثار الدار، مثل الوتد
والأثافي وغير ذلك، قال وهو مثل قولك للرجل: قاتلك الله أي قتلك الله.
وقولك للشيءِ الذي لا تناله إذا ما حَلاَ في الصدر يا ليتَ ذاليا
قال: وروى أبو عبد الله بن الأعرابي: إذا ما هو احلولى ألا ليت ذاليا
ونحن منعنا بالفَروقِ نساءنا نذبب عنها مشيلات غواشيا
ويروى نطرف أولى مشعلات غواشيا. وروى أبو عبد الله: نطرف عنها مسبلات غواشيا. مسبلات
بالسين بلا إعجام. قال والمشبلات بالشين يريد الأسد، من قولهم أشبل عليه، وذلك إذا قاتل عنه،
وأشفق عليه. والغواشي التي تغشاهم، يريد غشيتهم الرماح. قال: والمسبلات، يريد أسبل عليهم أي
صب عليهم. قال: وفي قول أبي عبد الله نطرف،
[ ٢ / ٥٨٧ ]
فالتطريف الرد. يقال من ذلك للرجل، قد تطرف الخيل عن رحالك،
وذلك إذا ولوا عن حريمك. قال: والمسبلات المغذفات. وغواشيا يريد غشيتهم
الرماح، يريد غشين هؤلاء النساء.
حلفتُ لكم والخيلُ تَردي بنا معا نزايلكم حتى تهزُّوا العواليا
قال وروى أبو عبد الله: والخيل تدمى نحورها. وقال تردي هو من قولك ردت، فهي تردي، وردى
فهو يردي وذلك إذا رمى وردى يردي ردى شديدا، وذلك إذا هلك. وقوله حتى تهروا العواليا، يريد
حتى تكرهوا، كأنه مشتق من هر الكلب، وهو أن يكره الكلب شيئا فيهر منه، قال: والعوالي الرماح
بأعيانها في هذا الموضع. قال: والعالية طرف الرمح.
عواليَ سُمرًا من رماح رُدينة هريرَ الكلابِ يتَّقينَ الأفاعيا
قوله من رماح ردينة، قال أبو عثمان، وقال أبو عبيدة: ردينة امرأة من قضاعة نسبوا الرماح إليها.
تفاديتُمُ أستاهَ نَيبٍ تجمعت على رِمَّة من الرماح تفاديا
قوله تفاديتم، يقول ك اتقى بعضكم ببعض، وتكل بعضكم على بعض، وذلك من الفرق، والجزع
والخوف. قال والرمة الحبل الخلق، قال: والمعنى في ذلك يقول: تفاديتم من الرماح. يقول: هربتم
كإبل تجمعت على رمة تأكلها. قال والرمة العظام البالية. قال والإبل تأكل العظام - وقد قال لبيد في
ذلك:
[ ٢ / ٥٨٨ ]
والنيبُ إن تعرُمني رِمَّةً خلقا بعد الممات فإني كنت أتئر
قوله والنيب هي المسان من الإبل. وقوله إن تعرمني يريد أن تأتي، يقال من ذلك عروته واعتروته،
كل ذلك إذا أبليته. وقوله أتئر، يقول: كنت آخذ بثأري. ويقال كنت أتئر. يقول كنت أعروها ولا
أبقي عليها. يقول: فهذه النيب إن أكلت عظامي، فقد كنت أصنع بها هذا، فأنا أدرك بثأري أنال
حاجتي.
ألم تعلموا أن الأسنَّةَ أحرزت بقيتَّنا لو أن للدهر باقيا
في نسخة عثمان: تعتبنا. يقول: صبرنا على القتال فنجونا - وقالت الخنساء في مثله:
نهين النفوسَ وهونَ النفو سِ يومَ الكريهةِ أبقى لها
وقال الشاعر في مثله أيضًا:
وما ينجي من الغمرات إلا بَراكاءُ القتال أو الفرارُ
رجع إلى شعر عنترة:
أبينا أبينا أن تضبَّ لثاتُكم على مرشفات كالظباء عواطيا
قوله أن تضب لثاتكم، يقال للرجل إذا جاء حريصا، يطمع في الشيء، جاء الرجل تدمى لثته، وجاء
تضب وتبض لثته جميعًا يقالان. ويقال أيضا: جاء الرجل يدمى فوه ويسيل فوه، وجاء ناشرا أذنيه،
كل ذلك إذا
[ ٢ / ٥٨٩ ]
جاء طامعا فيما يريد، حريصًا عليه. ويقال ما يبض حجره، وما تندى صفاته. قال: وذلك
إذا لم يطمع منه في شيء. قال: والبض والضب السيلان، قال: وكل هذا أعرابي، يعني هذا كلام
الأعراب ولغتهم واختيارهم.
وقلتُ لمن أخطرِ الموتُ نفسَه ألا من لأمرٍ حازمٍ قد بدَاليا
وقلت لهم ردوا المغيرَةَ عن هَوىً سوابقَها وأقبلوها النواصيا
قوله ردوا يعني هذه الخيل، يعني ردوها عن طمع سوابقها، وهواها ما تريد، وأقبلوها نواصي
خيلكم أي ردوها.
فما وجودنا بالفروق أشابة ولا كُشُفًا لكن وجدنا مواليا
ويروى ولا كشفا ولا نبتنا مواليا: قوله: ولا نبتنا مواليا، يقول: لم نكن حلفاء في قوم وإنما كنا
بعضنا في بعض. وقال ابن الأعرابي: ولا وجدونا مواليا، وقال: نبتنا فكأنه أراد بالنبت الشيء
المحدث، فنحن لنا القدم والأصل المعروف، ويروى عند الطعان. والفروق موضع معروف. قال:
وهو الموضع الذي ذكره جرير، وهذا حديثه. قال: وقوله أشابة، قال والأشابة الخلط، ومنه يقال فلان
مؤتشب الحسب، وذلك إذا كان مغمورا في حسبه وليس بخالص. ومنه يقال شب لبنك بالماء يا
رجل، يريد أخلطه. قال: والأكشف من الرجال، الذي ينكشف في الحرب فلا يثبت. وهذا قول أبي
عبد الله ابن الاعرابي. وقال غيره: الأكشف من الرجال، الذي لا ترس معه. قال، وقال الأصمعي
كقول ابن الأعرابي في تفسيره. قال: والأكشف الذي يولي سريعا.
وإنا نقود الخيل حتى رؤوسها رؤوس نساء لا يجدنَ فواليا
قوله لا يجدن فواليا يعني من الشعث والضر.
[ ٢ / ٥٩٠ ]
رجع إلى شعر جرير:
وإنَّي وقيسًا يا ابنَ قين مُجاشِعٍ كرِيمٌ أُصفَّي مدحتي للأكارِمِ
إذا عُدَّتَ الأيامُ أخزيتَ دارِمًا وتُخزيكَ يا ابنَ القينِ أيامُ دارِمِ
ألمْ تُعطِ غصبًا ذا الرقيبة حُكمهُ ومنُيةُ قيسٍ في نصيبِ الزَّهادِمِ
ويروى وأعطيت غصبا. وقوله ومنية قيس، يريد قيس بن زهير العبسي حين أخذ للزهدمين
نصيبهما من حاجب بن زرارة مائة ناقة من فدائه، وقوله ألم تعط غصبا ذا الرقيبة حكمه. فإن ذا
الرقيبة هو مالك بن عامر بن سلمة بن قشير، أخذ فداء حاجب ألف بعير، وأخذ منه قيس للزهد مين
مائة ناقة، فقال في ذلك قيس بن زهير:
جزاني الزهدمانِ جزاء سوء وكنتُ المرءُ يُجزَى بالكرامة
وقد دافعتُ قد علمت معدٌّ بني قُرطٍ وعمُّهُم قدامه
أجاثيهم على الركباتِ حتى أثبتكم بها مائةً ظُلامه
وأنتُمْ فررتُمْ عَنْ ضرارٍ وعثجلٍ وأسلمَ مسعودٌ غداةَ الحفاتِمِ
قوله وأنتم فررتم عن ضرار. يعني ضرار بن قعقاع بن معبد بن زرارة، أسره بشر بن لأي أخو
بني تيم اللات بن ثعلبة يوم الوقيط، وقد كتبنا حديثه فيما مضى من الكتاب.
قال: وأخذ طيسلة العجلى عثجل بن المأمون بن شيبان بن علقمة بن زرارة يوم الوقيط أيضًا، وفي
نسخة ابن سعدان طيلسة. وقوله مسعود، وهو مسعود بن القصاف بن عبد قيس بن حرملة بن مالك
ابن أبي سود بن مالك بن حنظلة، قتله إياس بن عبلة أخو بني جثم بن
[ ٢ / ٥٩١ ]
عدي بن الحارث بن تيم اللات بن ثعلبة. في نسخة ابن سعدان: إياس ابن حنظلة.
وَفِي أيَّ يومٍ فاضِحٍ لَمْ تُقرنُوا أُسارَى كتقرين البِكارِ المقاحِمِ
قوله المقاحم الواحد مقحم، وهو الذي يقتحم سنين في سن، في سنة واحدة. قال وذلك أن يكون حُقًا،
فيحسب جذعًا أو جذعا، فيحسب ثنيا، ولا يكون هذا إلا في الضعيف لا غير.
ويومَ الصَّفا كُنتُمْ عَبِيدًا لِعامِرٍ وبالحزنِ أصبحتُم عَبيدَ اللهازِمِ
قوله ويوم الصفا، يعني يوم جبلة. وقوله وبالحزن يعني يوم الوقيط، يعني كنتم عبيدًا لعامر يعني
أسروكم. ويروى وبالحنو أصبحتم.
وليلةِ وادِي رحرحانَ رفعتُمُ فِرارًا ولَمْ تلوُوا زَفِيفَ النَّعائِم
أي رفعتم بالسير بالفرار. والزفيف السرعة. ويروى تركتم خليدا.
تركتُمْ أبا القعقاعِ في الغُلِّ مُعبدًا وأيَّ أخٍ لَمْ تُسلِمُوا للأداهم
ويروى وأي أخ اسلمتموه. قال اليربوعي، قال شريح: إن الأحوص ابن جعفر أسر معبد بن زرارة
يوم رحرحان، وأعطاه لقيط فداء معبد، وقد كتبنا حديثه فيما مضى من أملائنا.
تركتُمْ مَزادًا عِندَ عوفٍ يقودُهُ برُمَّةٍ مخذُولٍ على الدَّينْ غارِمِ
ويروى على الدين راغم. ويروى جلبتم إلى عوف مزادا فقاده برمة.
[ ٢ / ٥٩٢ ]
وَلا متْ قُريشٌ في الزُّبيرِ مُجاشَعًا ولمْ يعذِروا مَنْ كانَ أهلَ الملاوِمِ
وقالتْ قُريشٌ ليتَ جارَ مُجاشِعِ دَعا شبثًا أوْ كانَ جارَ ابنِ خازمِ
قوله دعا شبثا يعني شبث بن ربعي الرياحي، وعبد الله بن خازم السلمي
إذا نزلُوا نجدًا سمعتُمْ ملامةً بجمعٍ مِنَ الأعياصِ أوْ آل هاشمِ
ويروى إذا نزلوا يوما سمعت ملامة. قال: والأعياص هم بنو أمية. وهم العاصي، وأبو العاصي،
والعيص، وأبو العيص، فلذلك سماهم الأعياص.
أحاديثُ رُكبانِ المحجَّةِ كُلَّما تاوَّهْنَ خُوصًا دامياتِ المناسِمِ
وجارَتْ عليكُمْ في الحكومة مِنقرٌ كَما جارَ عوفٌ في قتيلِ الصماصِمِ
وأُخزاكُمُ عوفٌ كما قَدْ خزِيتُمُ وأدركَ عمَّارٌ تراتِ البراجِمِ
قال سعدان لم يعرف الأصمعي ولا أبو عبيدة عمارا.
لقدْ ذُقتَ مِنِّي طعمَ حربٍ مريرةٍ ومَا أنتَ إنْ جاريتَ قيسًا بِسالِمِ
ويروى إذا ذقت مني طعم حرب مريرة. أي مرة. ويروى: وما أنت إذ جاريت.
قُفيرةُ مِنْ قِنٍّ لسلمى بِنْ جندَلٍ أبُوكَ ابنُها بينَ الأماء الخوادِمِ
سيُخبرُ ما أبلتْ سيُوفُ مجاشِعٍ ذَوِي الحاج والمُستعملاتِ الرَّواسِمِ
[ ٢ / ٥٩٣ ]