وكان من حديثِ يومِ قُشاوةَ أن بِسطامَ بنَ قيس بنِ مسعود، خرج غازيًا لبني يربوع حتى اطَّردَ نَعمًا
لرجلين من بني سَليط، يقال لأحدِهما سُعير، والآخر حُجير، وهما ابنا سفيان من بني يربوع، فأتىَ
الصَّريخُ بني عاصمِ بن عُبيد بنِ ثَعلبة، وكانوا أدنى الناسِ منهم، فركب سبعةُ فوارسَ من بني
عاصم، فيهم بُجيرِ بنُ عبدِ الله، ومُليلُ بنُ عبدِ الله وهما ابنا الطائية، والأُحيمرُ حُريثُ بنُ عبِد الله،
ومالكُ بنُ حِطَّانِ ابنِ عوفِ بنِ عاصم، وهو مالكُ بنُ الجُرميَّة، وخرج معهم قومٌ من بني سَليط حتى
أدركوا القوم، فلما نظروا إلى جيش بسِطام هابُوا أن يُقدِموا عليهم، فقال مُليلُ بنُ أبي مُليل: يا بَني
يربوع إنه لا طاقةَ لكم بهذا الجيش إلا بمثلهِ، فأرسِلوا بُجيرًا يستصرخ لكم، وإنما أمَرهُم بذلك مخافةً
عليه أن يُقتَل، فقال بُجير لا والله لا ذَهبتُ صريخًا بعد أنْ عاينتُ القومَ، فلما غلبه قال لابنِ عمه
أذهب أنت يا أُحيمر. فقال: وأنا والله لا أذهب، فقال لمالِك بن الجُرمية فاذهب أنت صَريخًا، فقال:
وأنا لا أذهب، فقال لهم مُليل بنُ أبي مُليل: فأعطوني قولًا أثِقُ به وأطمئنُّ إليه، لَتضبِطنَّ لي أنفسَكُم
ولا تُقدِموا على الجيش حتى آتِيكُم ففعلوا. وذهب مُليلٌ صريخًا، فلما ذهب، نظر إليه بسطام فقال
لأصحابه ذاك الذي يركُض، سيجلبُ عليكم شرًّا، فانظروا أن تَفرغُوا من أصحابهِ من قبل أن يأتِيكُم
الناسُ. فبرزَ بسطامُ في فرسانٍ من أصحابهِ حتى دنا من القومِ، فكلَّمُه بُجيرُ فقال له بسطام مَن أنت؟
قال: أنا بُجيرُ بنُ عبدِ الله بنِ الحارث، فقال: يا بُجيرُ ألم تكن تَزعُم أنك فَتى يربوعٍ وفارسُها؟ قال:
[ ١ / ١٧٩ ]
بلى، وأنا الآن أَزعُمه فَابرُز لي، فأبى أن يبرُز له بسطام، وقال بسطام: ما أظنُّ نِسوةَ بني يربوعٍ
يَظنُنَّ بك هذا الظنَّ، أن تُحجِمَ عن الكتيبةِ حين رأيَتها، ثم قال لصاحبيه أُحَيمر ومالك مِثل ذلك. فلم
يزل يَشحذُهم ويُحَضِّضهم كَيدًا منه وخديعةً، حتى حملوا أفراسَهم وَسط القومِ، فأمَّا بُجيرُ فلِقيه الملبِّدُ
بنُ مسعود، عمُّ بسطام، فاعتنق كلُّ واحد منهما صاحِبه فوقعا على الأرض عِكْمَي عَيرٍ، فاعتلاه
بُجير، فلما خشي الملبِّدُ أن يظهَر عليه بُجير، نادَى رجلًا من بني شيبان، يقال له لُقيمُ بنُ أوس: يا
لُقيمُ أغِثني فقد قتلني اليربوعيُّ، فمال إليه لُقيمُ فضربه على رأسه فقتلهُ، وخُرِّق أُحيَمر بالقنا، وتُرِك
مطروحًا فظنوا أنهم قتلوه، وضُرِبَ مالكُ بنُ الجُرمية، فأُمَّ فعاش سنة مأمومًا ثم مات من آمتِه،
وانهزمت بنو سَليط، فلما انهزموا، قال بسطام: يا بني شَيبان أَيسُرُّكم أن تأسِروا أبا مُليل، قالوا: نعم،
قال: فإنه أولُ فارسٍ يطلُع عليكم الساعةَ، أتاهُ مُليلٌ فأخبره خبرنَا وخبر ابنهِ، فلم ينتظر الناس،
فليتخلّف معي منكم فوارسُ فإنكم ستجدونه مُكِبًّا على بُجيرٍ حين عاين جيفتَه فَكَمن له بِسطامُ في
عشرةِ فوارسَ قريبًا من مصرعِ أصحابهِ، فلم يلبثوا إلا قليلًا، حتى طلع عليهم على فرسِه بلعاءَ، فلما
عاين بُجيرًا نزل فأكبَّ على جيفتِه يقبِّلُه ويحتضِنهُ، وأقبل بِسطامُ ومَن كان معه يركُضون حتى أتَوه،
فوجوده مُكِبًا عليه، وبَلعاءُ يَعِلك لجامَه واقفًا فأسروه وأخذوا فرسه، فلما صار في يَديْ بسطام، قال: يا
أبا مليل، إني لم آخُذك لأقتلك، قال: قد قتلتَ ابني وَودِدتُ أني مكانه، أما إنَّ طعامَك عليّ حرامٌ
مادُمتُ في يدك، قال: فكان أبو مُليلُ يؤتى بالطعام فَيبيتُ يطرُد عنه الكلابَ مخافةَ أن تأكله، فيظنوا
أنه أكله هو حتى جُهِدَ، فلما رأوا جَهده، قال بشرُ بنُ قيس لأخيه بسطام بن قيس: إني لا آمَنُ أن
يموتَ أسيرُك هذا في يديك هَزلًا فتسبُّك به العربُ، فَبِعهُ نفسَه، فأتاه
[ ١ / ١٨٠ ]
وهو مجهودٌ فقال له: أبا مليل أتشتري مني نَفسك؟ قال: نعم، قال بكم؟ قال: بمائةٍ من الإبل، فإن لك مائةٍ بدمِ بُجير، قال: تِلادي
أحبُّ من تلادك، والدَّمُ لك، فخلني أذهب، فخلاه بسطام، وأحلفه أن لا يُعقِّبَ، أي لا يغزوهم ثانية،
فلما أتى قومه أخبرهم خبرهُ، فقال مُتمِّمُ بنُ نُويرَة:
أبلغْ أبا قيس إذا ما لقيته نَعامةُ أدنَى دارِه فَظَليمُ
بأنَّا ذوو جَدٍّ وأن قبيلَكُم بني خالدٍ لو تعلمون كريمُ
وأن الذي آلَى لكم في بيوتكم بِمَقْسَمِهِ لو تعلمون أثيمُ
يقول: إن الذي حلف لكم أن لا يُعقِّبُ عليكم، سيحَنثُ ولابد أن يغزوَكم ثانية.
هو الفاجعُ المُبْكي سَراة صديقِهِ وذو طَلَبِ يومَ اللقاءِ غَشوم
فنهجمُ أبيانًا ونبكي نُسَيّةً بنسوتنا يومًا لهن نحيم
النحيم: البكاء والنحيب، يقال نحم يَنحِم نَحمًا ونحيمًا ونحمانًا.
كان بُجيرًا لم يقل ليَ ما ترى من الأمر أو ينظر بوجه قسيمِ
هذا البيت مُكفأٌ وصاحبه يكفئُ. والقسيمُ الجميلُ، والاسم منه القَسامةُ، يقال رجلٌ قسيمٌ وسيمٌ، بين
القسامَةِ والوَسامة.
[ ١ / ١٨١ ]
ولو شئتَ نَجَّاكَ الكُميتُ ولم تكن كأنَك نَضبٌ للرجال رجيم
ويروي للرماح.
ولكن رأيتُ الموتَ أدرك تُبَّعًا ومَن بعدَه مِن حادثٍ وقديمِ
فيالَ عُبَيدٍ حَلفةً إنَّ خيرُكم بجزرةَ بين الوَعْسَتَيْنِ مقيمُ
أراد عُبيدَ بنَ ثعلبةَ بنِ يربوع. وجَزرَةُ من أرضِ الكُرمَة من بلادِ اليمامة. والوَعسُ من الرملِ اللَّينِ
المَوطُوءُ الذي قد وَعَسته السائلة:
غَدَرْتُمْ ولم تَرْبَعْ عليه ركابُكمُ كأنكُمُ لم تُفْجَعُوا بعظيمِ
وكنتَ كذاتِ البَوِّرِ ريعَتُ فَرَجَّعَتْ وهل تَنْفَعَنْها نظرةٌ وشَميمُ
يقول: كنتَ كالناقةِ التي نُحِرَ ولدُها فجاءت تشمُّه وترأَمُه، وهل ينفعها ذاك، فكذاك أنا لا أسكُن حتى
أثأرَ به.
أطَافَتْ فسافَتْ ثم عادَتْ فَرَجَّعتْ ألا ليس عنها سَجْرُها بِصَريمِ
سافت شمَّت، والسَوفُ الشَّمُّ، وسَجرُها حنينُها، يقول: ليس حنينُها بمنصرم.
وقال مالكُ بنُ نُويرةَ يهجو بني سَليط ويعيِّرُهم فِرارَهم وانصرافَهم عن أصحابهم:
[ ١ / ١٨٢ ]
لحا الله الفوارسَ مِن سَليطٍ خصوصًا إنهم سَلِموا وآوبوا
أجئتم تطلبونَ العُذْرَ عندي ولم يُخْرَقْ لكم فيها إهابُ
دَعَتْكُم خَلْفَكُم فأجبتموها مَجازِمُ في أعاليها الجُبَابَ
المجازِمُ الأسقِيةُ المملوءةُ، والجبابُ شبيهٌ بالزُّبدِ يعلو لَبنَ اللِّقاح.
كفِعلكُمُ غداةَ لِوَى حَييِّ فهذا من لقائِكِمُ عذابُ
إذا لاقيتُمُ أبدا فَضَحتُمَ ذمارَكُمُ فليس لكم عِتابُ
فكيف بكم وقد اخزيتموها إذا ذُكِرَ الحفَائِظُ والسِّبابُ
وكانت جعفرٌ لو صادفتها هُمُ أصحابُ نَجدتِها فغابوا
وهذا جعفر بن ثعلبة بن يربوع، جد عتيبة بن الحارث.
ولو شَهِدَ الفوارسُ من عُبيدٍ لراثَ لِرَهْطِ بِسطامٍ إياب
ولو سَمِعَ الدُّعاءَ بنو رياحٍ لجاء فوارسٌ منهم غِضاب
فلا تَبْعَد فوارِسُنا وجادت على أرضٍ ثَوَرْا فيها الذِّهاب
وقال مالكُ بن حِطَّان، وهو في المعركة قبل أن يموت:
لَعَمِري لقد أقْدمَتُ مُقَدَم حارِدٍ ولكنَّ أقرانَ الظُّهورِ مَقَاتِلُ
الأقرانُ الأعوانُ، الواحد قِرنٌ. الظَّهرُ هو الناصرُ.
[ ١ / ١٨٣ ]
ولو شَهِدَتْني من عُبَيدٍ عصابةٌ حُماةٌ لخاضوا الموتَ حيثُ أُنازِل
بكلِّ لذيذٍ لم يَخُنْهُ ثِقافُهُ وعضبٍ حُسامٍ أخلصَتْهُ الصَّياقِل
وما ذَنْبُنا أَنَّا لَقِينا قَبيلةً إذا وَاكَلَتْ فرسانُنا لا تُواكل
يُساقونَنا كأسًا مِنَ الموتِ مُرَّةً وعرَّدَ عنا المُقرِفونَ الحَناكِل
الحناكلُ القِصارُ الأفعالِ، واحد حَنكل. وعَرَّد فرّ.
فليت سُعيرًا كان حَيْضًا بِرَجلِها وليت حُجَيرًا غَرَّقته القوابل
إذا مات الصَّبيُّ في الرَّحِم فقد غَرَّقتهُ القوابل.
ولَيَتُهُم لم يركبوا في رُكُوبنا وليت سليطًا دونَها كان عاقِل
رُكوبٌ جمعُ رَكبٍ، وعاقلُ وادٍ ببلاد قيس، وهو اليوم لباهلةَ بنِ أَعصُر.
فما بين مَن هاب المِنَيَّةَ منكم ولا بيننا إلا ليالٍ قلائل
وقال لُقيمُ بنُ أوسِ الشَّيبانيُّ في ذلك، ويذُكرُ أن الملبِّد قال: إنما قَتل لُقيمٌ بُجيرًا حسدًا لأنه أسَرهُ:
إني وبيت الله لولا شدَّتي لَشَتَا المُلبِّد في رِجامٍ مُوْصَدِ
أو غَيرَ ذلِكُمُ رهينةَ ماغثٍ بفوارسٍ شربوا سِمامَ الأسْوَد
لَحِقُوا وَدَعْواهم عُبَيدٌ كُلُّهم فَلَقُوا مناياهم حِمامَ المَرْصَدِ
أَفَكَانَ شكري أنْ زعمتَ نَفَاسَةٌ نَقْذِيكَ أمسِ وليتني لم أشهد
[ ١ / ١٨٤ ]
نَقذِيك من الاستنقاذ أي استنقاذي إياك.
جَلَّلتُ مَفْرِقَهُ وما هلهلتُه لَيْنَ المَهَزِّ وصارمًا لم يَنْأَد
هَلهَلتُهُ لَبَّثتُهُ - وأنشد:
هَلْهِلْ بِكَعْبٍ بعد ما وقعت فوق الجبينِ بساعدٍ فَعْمِ
لمَ يَنأدِ لم يَعوجّ ولم يَنثنْ.
وقال غسان:
أَيَرْجُو جَريرٌ أَنْ يَنَالَ مَسَاعِي الْ كِرَامِ بآبَاءٍ لِئَامٍ جُدُودُهَا
فأجابه جرير:
لَقَدْ وَلَدَتْ غَسَّانَ ثَالبةُ الشَّوى عَدُوسُ السُّرى لاَ يَقْبَلُ الْكَرْمَ جيدُهَا
ورُوى ثالِثةُ، جعلها كالضَّبُع تمشي على ثلاث والثَّالِبة المعِيبةَُ، أراد أنها مُشقَّقةُ القَدمين من الرَّعي،
والعدُوس الدائمةُ السُّرى، والكَرمُ القِلادة، ورُوى باليةُ الشَّوى يعني القوائم.
[ ١ / ١٨٥ ]
جَبَيْتَ جَبَا عَبْدٍ فأَصْبَحتَ مُورِدًا غَرَائِبَ يَلْقىَ ضَيْعَةً مَنْ يَذُودُهَا
جَبيت جمعتَ وجَبوتَ أيضًا، هذا مثلٌ، يقول: جمعتَ جمعَ عبدٍ فعجزتَ حين وردت عليك قوافيَّ أن
تنقضَها، كما يعجِزُ الضعيفُ عن ذِيادِ الغرائبِ عن الماء.
أَلمْ تَرَ يا غَسَّانُ أَنَّ عَدَاوَتِي تُقَطِّعُ أَنْفَاسَ الرِّجالِ كَؤُودُهَا
الكؤُودُ العقبةُ الصَّعبةُ المَصعدِ، يقال: عَقبةٌ كَؤودٌ وكَأداءُ.
قال أبو عمرو: وكان غسانُ بنُ ذُهيل حَدُثًا، أي حَسن الحديث، وكان جالسًا يُنشِد لبيدَ بن عُطارد بنِ
حاجبِ بنِ زُرارة بالكُناسَة ويحدِّثُه، فجاء رجلٌ من بني عُليم بنِ جٌنابِ، ثم أحدُ بني مَصاد، يقال له
جَنباءُ، وذاك حين اجتمع الناسُ على معاوية، فقال: مَن هذا الذي يُنشِدُكم؟ قيل له: غسَّانُ بنُ ذُهيلٍ
السَّليطيُّ، فقال: أنت الذي تُغيرُ على الناس؟ فقال له غسانُ أنا الذي بلغك. فقال جَنباءُ، أما والله لو
أَغرت على رجلٍ حرٍّ بعدُ، لقد فطمك. وكانت تميمُ حالفت كَلبًا بعد قتل عثمانٍ، في الفتنة، فكَفل على
بني تميم، أحدُ بني دَيسق اليربوعي، وعلى كلبٍ رجلٌ من بني عُليم. فقال غسان: هل لك أن أُخَالِعك
الحِلف وأُغاوِرَك؟ ففعل. فأغار غسَّان على الكَلبيِّ مع أخويهِ معنٍ وسَليطٍ ابني ذُهيل ودَوسرٍ بن غسان، فتَنقَّى خمسين من كرائِم إبلهِ، فبعث بها مع ابنه دَوسر إلى هَجر، فبَيَّعها فزحفت بنو ثعلبة إلى
بني سَليط، فحملها قيسُ بنُ حنظلةَ بنِ النَّطف السَّليطيُّ عن أخواله، وأُمُّ قيس بنِ حنظلة قُتيلةُ بنتُ
عبدِ عمروٍ من بني عوف بنِ حارثةَ، رهطِ غسان، فقال
[ ١ / ١٨٦ ]
غسانُ في ذلك، وجاء الكلبي ينشُد إبِلَه:
يُسَائِلُني جَنْبَاءُ أَيْنَ مَخَاضُهُ فَقُلتُ لَهُ لاَ تَعْلُ عَثْرَةُ تَاعِسِ
حَوَاهَا اُمْرؤٌ سَهْلٌ إذَا هُوَ بَاعَهَا وَإنْ وُكِسَتْ أَثْمَانُهَا لَمْ يُمَاكِسِ
قَلِيلُ الُسِّوَامٍ غيْرَ دِرْعٍ حَصينَة وأَبْيَضَ مِمَّا أَخْلَصَ الْقَيْنُ يَابِسِ
يقول: هو صُلب الحديدِ، ليس بأنيث، وذلك مما يُمدح به السيفُ.
كَفَاكَ فَأَلْهَاكَ ابْنَ نَثْلَةَ بَعْدَهَا عُلاَلَةُ بَيُّوتٍ مِنَ المَاءِ قَارِس
أخبره أنه أَبدَلهُ عن البانِها شُربَ الماءِ القَراح، والقارِسُ الباردُ، والبيُّوت ما بات في الحياض. وابنُ
نَثلة جَنباء هذا.
تَسُوفُ أَدَاحِي النَّعَامِ إفَالُهَا بِقُودِ الْهَوَادي مُشرِفَاتِ البَرَاعِسِ
الأداحي مواضعُ بَيض النَّعام، واحدها أَدحَى. وإفالُها أولادُها، واحدها أفيل. خبَّر أنها تراعي الوحشَ
لِعزَّة قومِها، آمنةٌ أن يُغارَ عليها. والبرَاعسُ الكرامُ واحدها بِرعِيسٌ.
لَهَانَ عَلَيْهَا مَا يَقُولُ ابنُ دَيْسَقٍ إذَا مَارَعتْ بَينَ الِّلوى فَالعَرائِسِ
تُحَضِّضُ حَمَّادًا لِيَسْعَى بِذمَّةٍ عَلَيْكَ بِرَهْطِ الأَبْلَخِ المُتَشاوِسِ
[ ١ / ١٨٧ ]
أراد حمادَ بنَ الربيع، أحد بني عاصم بنِ عُبيد بن ثعلبةَ بنِ يربوع، وكان جَبناءُ مجاوِرًا حمَّادًا هذا،
والأبلخ المتكِّبرُ.
إذَا هِيَ حَلَّتْ بَيْنَ سَعْدٍ وَمَالكٍ وَعَمْرٍ وأُجيرَتْ بِالرِّمَاحِ المْدَاعِسِ
سعدٌ ومالكٌ ابنا زيدِ مَناة، وعمرُو بنُ تميم، والدَّعس الطَّعن.
بَنِي طارق أَوْفُوا بِذِمَّةٍ جَارِكُمْ وَلاَ تَضْرِبُوا مِنْهَا بِرَطْبٍ وَيابِسِ
فأجابه جريرٌ عن جَبناءَ، وحضَّ عليه بني عاصمٍ، وعيَّرهُ الغدرَ بجارِ بني يربوعٍ فقال:
أَلاَ حيِّ أَطْلاَلَ الرُّسٌومِ الدَّوَارِسِ وَآرِيَّ أَمْهَارٍ وَمَوْقِدَ قَابِسِ
لَقْد خَبَّرَتني النَّفْسُ أَنِّي مُزَايِلٌ شَبابِي وَوَصْلَ المُنْفِسَاتِ الأَوَانِس
وَأَصْبَحْتُ مِنْ هِنْدٍ عَلَى قُرْبِ دَارِهَا أَخَا الْيَأسِ أَوْرَاجٍ قَليلًا كَآيس
وَطَامِحَةِ العْيْنَيْنِ مَطْرُوفَةِ الهَوَى عَنِ الزَّوْجِ أَوْ مَنْسُوبَةِ الحَالِ عَانِسِ
العانسُ التي كَبِرت في منزل أهلِها ولم تُزوَّج، وقولُه منسوبةُ الحالِ أراد أنها كريمةٌ، طامِحةُ العينين
تطمحُ عينُها إلى غير زوجِها إذا كانت فارِكًا، والفاركُ المُبغِضةُ لزوجها، ومطروفة الهوى تَطرِف
الهَوى من هاهنا إلى هاهنا، كأنها تستطرفُ غير زوجِها.
[ ١ / ١٨٨ ]
بَنِي عَاصمٍ أَوْفُوا بِذمَّةِ جَارِكُمْ وَلَمْ تَضْرِبُوا مِنْهَا بِرَطْبٍ وَيابِسِ
يقول: لم يلحقكم شيءٌ من العيبِ، رطبٌ ولا يابسٌ. ورُويَ وَلم تُضرَبوا.
إذا مَا دَعَا جَنْبَاءُ قَالَ ابْنُ دَيْسَقٍ لَعَالَكَ فِيهَا عَاليًا غَيْرَ تَاعِسِ
إذا عثَر الشَّابُّ قيل لعًا لك، دعاءٌ كأنه قال: نَعشكَ اللهُ ورَفعك.
جَرَتْ لأخِي كَلْبٍ غَدَاةَ تَأَبَّسَتْ عُبَيْدٌ بِرَدِّ البُزْل مِنْهَا القَنَاعِس
جرت لأخي كلبٍ يعني جنباءَ، والقناعِسُ من الإبلِ الثِّقالُ، الواحدُ قِنعاسٌ.
ألاَ إنَّ حَمَّادًا سُيُوفيِ بِذمَّةٍ عَلْيْكَ وَرَدِّ الأبْلَخِ المُتَشَاوِسِ
حمادُ بنُ الربيع أحدُ بني عاصم بنِ عُبيد. الأبلخُ المُتَعظِّمُ. والمنشاوسُ الذي ينظر بمؤخَّرِ عينه كِبرًا.
أَلَسْتُمْ لئامًا إذْ تَرُومُونَ جَارَهُمْ وَلَوْلاَهُمُ لَمُ تَدْفَعُوا كَفَّ لاَمِس
[ ١ / ١٨٩ ]
يقول: لولا بنو ثعلبةَ، لم تدفع عنهم بنو سليط كفَّ لامِس، وكانوا نُهزَةُ لمن أرادهم.
فَانَّكَ لاَقٍ لِلأغَرِّ ابْنِ دَيْسَقٍ فَوَارِسَ سَلاَّبينَ بَزَّ الفَوَارِس
فَلاَ أَعْرِفَنَّ فَنَّ الخَيْلَ تَعْدُو عَلَيْكُمُ فَتَطْعُنَ في ذِي جَوْشَنٍ مُتقَاعِسِ
في ذي جوشنٍ: رجلٌ ذو جوشنٍ، والجوشنُ الصَّدرُ. متقاعسٌ: متأخِّرٌ عن الحرب.
إذَا اطَّرَدُوا لم يَخفَ دَاءُ ظُهُورِهُمْ عَلَى مَارَبَا مِنْ نَخْضِهَا المُتَكَاوِسِ
يعني لم يخفَ انتفاخُ أجوافِهم من الجُبن. وتكاوسُ اللحمِ انتفاخهُ. والنَّخضُ اللحمُ.
وقال جريرٌ ولم يُسمع لها بنقيضة:
تَلْقَى السَّليطيَّ والأبطَالُ قَدْ كُلِمُوا وَسْطَ الرِّجَالِ بَطينًا وَهُوَ مَفْلُولُ
لَمْ يَرْكبُوا الخَيْلَ إلًاّ بَعْدَ مَا هَرِمُوا فَهُم ثِقَالٌ عَلَى أَكْتَافِهَا مِيلُ
فقال رجلٌ منهم: أدام الله لهم البِطنة والسلامة. والأميلُ من الرجال الذي لا يستوي على السرج إذا ركب.
[ ١ / ١٩٠ ]
ومما قال جريرٌ لبني سَليطٍ ولم توجد له نقيضة:
جَاءَتْ سَليطٌ كَالحَميرِ تَرْدِمُ فَقُلْتُ مَهْلًا وَيَحْكُمْ لاَ تُقْدِمُوا
تَردِمُ تَحبقُ، والحبقُ الضُّراطُ، وهو الرَّدام. معناه لا تقدموا عليَّ.
إنِّي بأَكْل الحَائِنينَ مُلذَمُ قَدْ عَلمَتْ أُسَيِّدٌ وَخَضَّمُ
أنَّ أَبَا خَزْدَةَ شَيْخٌ مُرْجَمُ
المُلذمُ المولعُ بالشيءِ، يقال لذِم بالشيءِ وغَرِي به وسَدِك به وعَسِك به ولَكَى به ولَغِي به وعَسِق به
بمعنى واحد.
إنْ عُدَّ لُؤْمٌ فَسَليطٌ أَلأَمُ مَا لَكُم أسْتٌ في الْعُلا وَلاَ فَمُ
وَلاَ قَديمٌ في الْقَديمِ يُعْلَمُ
وقال لهم أيضًا ولم نجد له نقيضةً:
إنَّ سَليطًا كَاسْمِهَا سَلِيطُ لَوْلاَ بَنُو عَمروٍ وَعَمْروٌ عِيطُ
قُلْتُ دِيَافِيُّونَ أَوْ نَبِيطُ
[ ١ / ١٩١ ]
عمرو بنُ يربوع وهم حلفاءُ سَليط، والعِيطُ الطِّوالُ الضِّخامُ، واحدُهم أَعيَطُ، والمرأة عَيطاءُ، لا
يُعطون أحدًا طاعةً، وأصلهُ من قولهم، اعتاطت الناقةُ إذا أبتْ أن تحمل. ودِيافُ قريةٌ بالشَّام، قلت:
هم نَبيطُ الشام، ونبيطُ يعني نَبط العراق. والسَّليط الحديدُ اللسانِ، يقال سِكينٌ سليطٌ.
وقال لبني سَليطٍ ولا نقيضة لها:
نُبِّئْتُ غَسَّانَ بْنَ وَاهصَة الخُصَى بِقُصْوَانَ فيِ مُسْتَكْلِئِينَ بِطَانٍ
المُستكلِئون أهل الكلاءِ والخِصب. البِطان الشِّباعُ.
وَلَمَّا رَأَيْتُ الْحَيَّ ضَبَّةَ أَطْرَقُوا عَلَى مَالَقُوا من ذِلَّةٍ وَهَوان
أي سكتوا وأقرُّوا بالذُّلِّ في موضِعهم.
خَرَجْتُ خُرُوجَ الثَّوْرِ إذْ عَسِكَتْ بِه مُقَلَّدَةُ الأَوْتَار غَيْرُ سَمان
شبَّه نفسه بالثَّور تكتنِفه الكلابُ، فيقتُل فيها ويجرَح ويُفلِت سالمًا.
وذكروا أن بني سليطٍ بعثوا ربيئةً لهم على فرسٍ، فنام الرِّبيئةُ، ونفَرت الفرسُ، فلم يدرٍ كيف أُخذت،
وذهبت نازعةً إلى أوطانها، وجاء
[ ١ / ١٩٢ ]
الجيشُ الذين كانوا يتَوقَّعُهم بنو سليطٍ فوجدوا الرَّبيئةَ نائمًا فجاوَزوه
إلى الحيِّ، فاكتسحوهم، فقال في ذلك جريرٌ ولا نقيضةَ لها:
ولَعَمْرِي لَقَدْ نَامَ السَّلِيطِيُّ نَوْمَةً عَلَى حَزَّةٍ مَا كَانَ حُرٌّ يَنَامُهَا
لَقَدْ نَفَرَتْ مِنْ ريحهمْ أَعْوَجِيَّةٌ مِنَ الْجُرْدِ لَمْ يَعْرِفْ سَلِيطًا لِجَامُهَا
الأعوجيةُ منسوبةٌ إلى أعوجُ، فَرس لبني هلال بن عامر بن صَعصَعة، وكانت أُمُّه سَبلُ لِغنيِّ بن
أعصُر بن سعد بن قيس بن عيلان بنِ مُضر، وكانا من أجودِ خيلِ العرب.
قال أبو عبيدة: حَدَّثني أبو منيعٍ الكُليبيُّ، قال: كان جريرٌ يقول لولا ما فعل العبدُ ابنُ أُّمِّ غسَّان،
لنشرتُ من أيَّام بني سليط مالا يَبيدُ جدَّ الدَّهر، أو حيريَّ الدَّهر، - وجدَّ الدَّهر في معنى يدَ الدَّهر،
يريدُ أبدًا - قال: وكانوا فرسانًا. قال: ولقي فَضالة أحد بني عَرين بن ثعلبةَ بن يربوع - وكانت أمُّ
فَضالة هندًا بنتَ حوطِ بن قِرواش بن حُصين بن ثُمامة بن سيف بن جاريةَ بن سَليط - جريرًا فقال
له: أَتشتِمُ أخوالي؟ أمَا والله لأقتلنَّك. وأما العُرنِيُّ الشاعر، فزعم أنَّ الذي لقي جريرًا عبد الله بن
فَضالة. فقال جرير:
أَتُوعِدُنِي وَرَاءَ بَنِي رِيَاحٍ كَذَبَتْ لتَقْصُرَنَّ يَدَاكَ دُونِي
[ ١ / ١٩٣ ]
عَرينٌ مِنْ عُرَيْنَةَ لِيْسَ مِنَّا بَرِئْتُ إلى عُرَيْنَةَ مِنْ عَرِينِ
عَبِيدًا مُسْبَعينَ لِعَبْدِ قَيْس مِنَ الْقِنِّ المُوَلَّدِ والْقَطِينَ
قُبَيِّلةٌّ أَنَاخَ اللُّؤْمُ فِيها فَلَيْسَ الُّلؤْمُ تَارِكَهَا لِحِين
فَنِعْمَ الْوَفْدُ وَفْدُ بَنِي رِيَاحٍ ونعم فَوَارِسُ الفَزْعِ اليَقِينِ
عَرَفْنَا جَعْفَرًا وَبَنِي عُبَيْدٍ وَأَنْكَرَنَا زَعَانِفَ آخَرِينِ
الزَّعانف الأتباع، واحدهم زعنِفةٌ، وهو مأخوذٌ من زعانف الثَّوب وهي أهدابُه.
وذكر مِسحل بن كُسيب قال: وَلدت كهفةُ بنتُ مصادٍ الطائي أحد بني نبهان لِثُمامة بن سيف بن
جارية بن سَليط خمسةً سَلمة وأبا بَراءٍ وشجارًا وحُصينًا وقُتيبًا بني ثُمامة، فأتى العنَّاب أعورُ بني
نبهان، واسمُه نُعيم بن شريكٍ، بني أُخته هؤلاء الذين سميناهم يسترفِدُهم في حَمالةٍ، او حفر ركيةٍ،
فأعطوه فأرضوه وزيَّنوا له أن يسأل جريرًا، وكان جريرٌ لا يعطي أحدًا لا يخافُه. قال مِسحل حدَّثتني
أُمي زيداءُ بنت جريرٍ قالت: بينما نحن بالجلاميد من الحَزن، إذا نحن بِبلقٍ قد ضُرب بناحيةٍ منَّا،
وكان جريرُ أشدَّ الناس فَرقًا من السلطان، فلما رأى البَلق، كاد يموت، فبعث من يسألُ، فقِيل له: هذا
الأعور النَّبهانيُّ، فدعا بجفنة فملأها زُبدًا، وملأ أخرى من بَرنِيِّ هَجر، ووَطبٍ من لبنٌ فبعث به إليه،
فلما وُضِع بين يديه، قال: ما هذا؟
[ ١ / ١٩٤ ]
وجعل يُتَفِّف عليه، فأبلغ الرسول جريرًا ذلك، فلما أصبح النَّبهاني
وجريرٌ جالسٌ في كُسيحةٍ له أمام بيته - والكُسيحة الموضع يُكسح ويُجعل حَواءً يُصَّلى ويُجلس فيه
- وقد صَّلى الصبح وكان لا يتكلم إذا صلَّى الصُّبح حتى تطُلع الشمس ولو تناحر الحيُّ، فلما طلُعت
الشمس، والنبهاني قاعدٌ قد سأله فلم يُجبه، قبل ذلك، أقبل عليه جريرٌ حين طلعت الشمس، فقال: أما
والله إنك لغنيٌّ مُقو ولو شئت لاكتفيت فقد بلغنا خَبرُك. وإنما أراد بنو ثمامة أن يمنعه جريرٌ فيهجوه.
قال: وحول بيت جرير بيوتٌ كثيرةٌ، فقال له جرير: ما مِمَّن ترى إلا واجبُ الحقِّ لا أجد له مَدفعًا،
وما كُل الحقِّ أنا واسعُ له، فانصرف راشدًا أحسن الله إليك، فانصرف، فهجا جريرًا فقال:
قُلْتُ لَهَا أُمِّي سَليطًا بأَرضِهَا فَبِئْسَ مُنَاخُ النَّازِلِينَ جَرِيرُ
وَلَوْ عْندَ غَسَّانَ السَّليطيِّ عَرَّسَتْ رَغَا قَرَنٌ مِنْهَا وَكَاسَ عَقيِرُ
القَرن البعير المقرون، ويقال: قد أرغى فلانٌ لفلانٍ، إذا قرن له بعيرًا فأعطاه، ويقال سألتُ فلانًا فما
أرغاني ولا أثغاني، أي ما أعطاني شاة تثغو، وكَاس عَقير يريد عَقر له بعيرًا فقام على ثلاث. يقول
لو نزلتُ بغسان لأعطاني جملًا يرغو في قرن، أي في حبل، وعقر لي آخر.
وأَنْتَ كُلَيبيٌّ لكَلْبٍ وكَلْبَةٍ لَهَا عنْدَ أَطْنَاب الْبيوتِ هَريرُ
[ ١ / ١٩٥ ]
فقال جرير يرد عليه:
عَفَا ذُو حَمَامٍ بَعْدَنا وَحفيرُ وَبالسِّرِّ مَبْدى منْهُمُ وَمَصيرُ
تَكَلَّفُها لاَ دانيًا منْكَ وَصْلُتَها وَلاَ صَرْمُهَا شَيْءٌ عَلَيْكَ يَسيرُ
فَإِنْ يُسْلِمِ الله الرَّوَاسم بالضُّحى وَمرُّ القَوَافي يهتدي ويجور
الرَّواسم الإبل، والرَّسيم سيرٌ رفيعٌ. ويروى، لئن سلم الله المراسيل بالضحى. المراسيل الإبل السهلة
الناجية، الواحدة مِرسال، يقول: مَرُّ القوافي يهتدي فيبلغ من قيل فيه وتجور عنهم أيضًا إلى قومٍ
آخرين. وروى أبو عمرو: فإن سلم الله الرواسيم بالضحى.
تُبَلِّغْ بَني نَبهانَ منِّي قَصَائدًا تَطَالَعُ منْ سَلْمَى وَهُنَّ وُعُورُ
سلمى لبني نبهان خصوصًا، واسمُ نبهان أسودان، وإنما سُمِّي نبهان لأنه حضنه عبدٌ لأبيه يقال له
نبهان، فغلب عليه اسمه وأجأ لِثُعل وسائر بني الغوث، ورُوِى لتعِترفن نبهانُ مني قصائدًا وروى
اليربوعيُّ:
إذا ما علت جَوْزا من الرَّملِ طالَعَتْ خَنَاذيذَ من سَلمى
قال أبو عبيدة: الخناذيذُ المشرفة من الجبال والخيل.
إذَا حَلَّ مِنْ نَبْهَانَ أَرْبابُ ثَلَّة بأَوْسَاطِ سَلْمَى دقَّةٌ وفُجُورُ
الثَّلة القطعة من الغنم، وروي بأوشالٍ، والوشل الماء يغدرُه السَّيل في النُّقرة، تكون في أعلى الجبل،
وفي الصخرة. الدِّقة من لُؤم
[ ١ / ١٩٦ ]
الأصل.
تَرَى قَزَمَ المعْزى مُهُورَ نسَائِهِمْ وَفي قَزَمِ المْعزى لَهُنَّ مُهُورُ
وروي تُساق من المِعزَى مهور نسائِهم. القزم العليلة، واحدتها قَزمةٌ ورُوي ترى شرط المعزى،
وشرطُ المال أخسُّه وشِراره. يقول: ليس تبلُغ أقدارهم أن تمهر نساؤهم الإبل إنما يُمهرون خَسيس
المِعزى.
تَغَنَّى ابْنُ نَبْهَانيَّةٍ طَالَ بَظْرُها وَبَاعُ ابْنَها عنْدَ الفِضَالِ قَصيرُ
وروي ألست لنبهانيَّة، وروي ألست ابن نبهانية، وروي يوم الحِفاظ.
كَثيرةُ صئْبَان النِّطَاقِ كَأَنَّها إذَا رَشحَتْ منْهَا الْمَغَابِنُ كيرُ
الكِير موضع النار للحدَّاد، والكُور الرَّحل، والنِّطاق خيطٌ تشدُّ به المرأة وسطها إذا اعتملت فيكثر
لزومه لها، حتى تكثُر صِئبانُها لدوامه عليها. ومغابِنها مراقُّ بطِها يُخبِر أنها دَنيَّة تُباشر العمل.
وَجَدْنَا بني نَبْهَانَ أَذْنَابَ طَيَّءِ وَللنَّاسِ أَذْنَابٌ تُرَى وَصُدُورُ
وَأَعْوَرَ منْ نَبْهَانَ أَمَّا نَهِارُهُ فَأَعْمى وَأَمَّا لَيْلُهُ فَبَصيرُ
أي هو أعمى النهار عن الخيرات، بصير الليل بالسَّوءات، يسرق ويزني.
وَاَعْوَرَ مِنْ نَبْهَانَ يَعْوي وَدُونَهُ مِنَ اللَّيْلِ بَابَا ظُلْمَةٍ وَستُورُ
يريد ظُلمة دونها ظلمة، يعوي يقول عوى وهو مُضلٌّ ببلد، فهو
[ ١ / ١٩٧ ]
يستنبحُ الكلاب لتجيبه فيستدلُّ بها على الناس.
دَعَا وَهُوَ حَيٌّ مِثْلُ مَيْت فَانْ يَحنْ فَهَذا لَهُ بَعدْ الممَاتِ نُشورُ
يقول: هذا القِرَى له حياةٌ بعد موته لبقاء الهجاء له في الناس.
رَفَعْتُ لَهُ مَشْبُوبَةً يُهتَدَى بِهَا يَكَادُ سنَاهَا في السَّماء يَطِيرُ
مشبوبة أراد نارًا مُشعلة. سناها ضوؤها.
فَمَا رَاعَنَا إلاَّ يُضَاحِكُ نَارنَا عَرِيضُ أفَاعي الْحَالبَيْنِ ضَريرُ
أراد أن عروق بطنه لهزاله باديةٌ كالأفاعي من الضُّرِّ، ويروى فلما استوى جَنباه ضَاحك نارنا
عريض، ويروى عظيم. ضرير الجسم سيُّء الحال. وقوله فلما استوى جنباه يعني حين شَبِع فاعتدل.
أَخُو البْؤْس أَمَّا مَا بَدَا مِنْ عظَامِهِ فَبَاد وَأَمَّا مُخُّهُنَّ فَرِيرُ
وروي أخو البؤس أما لحُمه عن عظامِه فَعار. الرَّير المخُّ الرقيق وإذا هُزِلت الدابةُ رقَّ عظمُه
ومُّخه، وإذا سَمِن رقَّ مُّخه وغلُظ عظمُه.
فَقُلْتُ لعَبْدَيْنَا أَدِرّاَ رَحَاكُمَا فَقَد جَاءَ رَجَّافُ الْعَشيِّ جَرُورُ
ويروى فقد جاء زحَّاف العشاء جرور، زحَّاف العشاء يزحف إلى العشاء، وجرور يجُرُّ ما في الإناء
إليه.
أَبُو مَنْزِلِ الأَضْيافِ يَغْشَوْنَ نَارَهُ وَيَعْرفُ حَقَّ النَّازِلِينَ جَريرُ
إذا لَمْ يُدِرُّوا عَاتمًا عَطَفَتْ لَهُمْ سَرِيعَةُ إبْشَار اللِّقاحِ دَروُرُ
[ ١ / ١٩٨ ]
العاتم التي يتأخَّر حلبُها حتى يذهب صدرٌ من الليل، ومن هذا صلاةُ العتمة. ويقال عَتمت الإبل
واعتمت، يقول: إذا لم يكن لبَنٌ يُقرى منه الضِّيفان عقرت لهم ناقة كريمة رِبعيَّة، والرِّبعي من النِّتاج
واللَّقاح أوّله وهو أجوده، ويقال أبشَر وبَشَّر وبَشَر بمعنى واحد، وهو أن تشُول بذنبها، يقال منه ناقةٌ
مُبشرٌ.
وقال جرير لعنَّاب هذا ولا نقيضة لها:
مَا أَنْتَ يَا عَنَّابُ مِنْ رَهْطِ حَاتمٍ وَلاَ مِنْ رَوَابي عُرْوَةَ بِنَ شَبيبِ
الرَّابية ما أشرف من الأرض شبَّه عُظماء الرجال لها، عُروة رجل من جَدِيلة طيِّء.
رَأيْنا قُرومًا مِنْ جَديلَة أَنْجَبوا وَفَحلُ بَني نَبْهَانَ غَيْرُ نَجيبِ
وَسَوْدَاءُ مِنْ نَبْهَانَ تَثْني نِطَاقَها بأَخْجَى قَعُورٍ أَوْ جَوَاعِرَ ذِيبِ
الأخجى الكثير الماء القامِسَة، والقعور البعيد المِسبار، وهو أخبث له. وقوله أو جَواعر ذيب، يعني
أنها رَسحاء لا أليين لها مثل الذيب، قعورٌ له قعرٌ وهو الحِرُ. والجاعرتان رأسا الفخذين من تحت
الذَّنب، والغُرابان رأساهما من فوق الذَّنب والحَجبتان رأساهما المُشرفان على الخاصرتين.
إذا ضَحكَتْ شَبَّهْت أَضْرَاسَهَا الْعُلى خَنَافِسَ سُودًا في صَرَاةِ قَليبِ
الصَّراة الماء المجتمع المُتغِّير، يقال شاة مُصراةٌ إذا حُفِّلت فلم تَحلب حتى يجتمع لبنُها. قال ابن
حبيب: من هاهنا روى المفضل.
[ ١ / ١٩٩ ]
وكان الذي هاج بين جرير والفرزدق الهجاءَ، أن البَعيث المُجاشعيَّ سُرقت إبله، سرقها ناسٌ من بني
يربوع، يقال لهم بنو ذُهيل، فطلبها البعيث، حتى وجدَها في أيديهم. واسم البَعيث خِداش بن بشِر بن
خالد ابن الحارث بن بيبة بن قُرط بن سفيان بن مجاشع، وإنما بَعَّثة بيتٌ قاله:
تَبَعَّثَ منِّي ما تَبَعَّثَ بعدما أُمِرَّتْ قُوَاي واستمرَّ عزيمي
فلما وجدَها البعيث في أيديهم قالوا: إنما كانت مع لصٍّ فانتزعناها منه، وكانت بينه وبينهم ضَربة
رَحِم من قِبل النَّوار بنت مُجاشع ن وكانت وَلدتهم. وغسان بن ذُهيل السَّليطي يومئذٍ يهاجي جريرًا،
فجَعل البعيثُ يقول: وجدنا الشَّرف والشِّعر في بني النَّوار بنت مجاشع، فبلغ ذلك عطية بنَ جِعال
أحد بني غُدانة بن يربوع، فقال: وما أنت وهذا يا بَعيث، أتدخلُ بين بني يربوعٍ وأنت رجلٌ من بني
مجاشع.
فبلغ ذلك جريرًا فأنشأ يقول:
طَافَ الْخَيالُ وَاَيْنَ منْكَ لِمَامَا فَارْجِعْ لِزَوْرِكَ بِالسَّلاَمِ سَلاَمَا
أراد طاف الخيال لِمامًا وأين هو منك، والزَّورُ الخيال بعينه، ويقال رجلٌ زورٌ وامرأةٌ زور ونِسوةٌ
زورٌ وقومٌ زورٌ، وكذلك في التثنية،
[ ١ / ٢٠٠ ]
وأنشد:
ومشيُهُنَّ بالخُبَيْبِ مَوْرُ كما تَهادَى الفَتَياتُ الزَّوْرُ
يَسْأَلْنَ بالغَوْرِ وأينَ الغَوْرَ والغَوْرُ مِنهنَّ بعيدُ جَوْر
فارجع لِزورِك أي فارجِع ﵇ كما سلَّم عليك.
فَلَقَدْ أَنَى لَكَ أَنْ تُوَدِّعَ خُلَّةً فَنَيْت وَكَانَ حبَالُهَا أَرْمَامَا
الخُلَّة المودَّة، والأرمام الأخلاق، واحدها رِم. وروى أبو عبيدة وعاد حبالُها.
فَلَئِنْ صَدَرْتَ لَتَصْدُرَنَّ بحَاجَة وَلَئِنْ سُقيتَ لَطَالَ ذَا تَحْوَامَا
التحوام من الحَومِ حول الماء والدَّوران حوله والحائمُ هاهنا العطشان.
يَا عَبْدَ بَيْبَةَ مَا عَذيركَ مُحْلبًا لِتُصيب عرَّة مُجرِبٍ وَتُلاَمَا
ما عذيرُك ما حالُك، وانشد:
إنَّ ربَّي لولا تدارُكُه المل كَ بأهلِ العِراقِ ساءَ العذيرُ
[ ١ / ٢٠١ ]
والعوفُ الحال أيضًا، وأنشد:
أزبُّ السَّاعِديَنِ بعوفِ سَوْءِ من الحيِّ الذين على قِنَانِ
والقنانُ جبلٌ لبني فقعسٍ من بني أسد.
والمُحِلب المعين، والعُرَّة الجَرب، والمُجرِب الذي قد جَرِبت إبلُه.
نُبِّئْتُ أَنَّ مُجَاشعًا قَدْ أَنْكَرُوا شَعَرًا تَرَادَفَ حَاجبَيْكَ تُؤَامَا
أراد أنه أزبّ الحاجبين، كثيرُ شعرهما، يقال: ما أشدَّ زَبب شعرك. ويروى شعرًا تَردَّف، أي رَكِب
بعضه بعضًا، تُؤاما تَنبِت شَعرتان في مكان.
يَا ثَلْطَ حَامضَة تَرَوَّحَ أَهْلُهَا عَنْ مَاسِط وتندَّت الْقُلاَّمَا
الثَّلطُ سَلحُ البعير، والحامضة التي تأكل الحَمض، يقال: حامِضةٌ وحَمضِيةٌ، فإذا رعت الإبل الخُلَّة
فهي خُلِّية وعاديةٌ وعُدويةٌ، فإذا رعت الطَّلح فهي طِلاحيَّةٌ. وماسِط ماءٌ لبني طُهيَّة، مِلحٌ يَمسُط ما في
بطونِها يُخرجه لملوحته وخُبثه. والقُلاَّم القاقُليُّ وهو من الحُموض. والتَّنديةُ أن تُسقى الإبل فإذا نَهِلت
نُدِّبت حول الماء في الحمِض شيئًا، ثم تُعَلُّ فلا تكون التَّندية إلا في الحمض.
أُنْبئْتُ أَنكَ يَا ابْنَ وَرْدَةَ آلِفٌ لِبَني حُدَيَّةَ مُقْعَدًا وَمُقَامَا
[ ١ / ٢٠٢ ]
وردةُ أمُّ البَعيث وهي من سَبي أصفهان، وكان القَعقاعُ بن مَعبِد بن زُرارة بن عُدس وَهبها لأبيه.
وحُديُّة أمُّ بني ذُهيل غسان وإخوته.
وإذَا انْتَحَيْتُكُمُ جَميعًا كُنْتُمُ لاَ مُسْلمينَ وَلا عَلَيَّ كِرامَا
انتحيتُكم قصدتُكم وأردتُكم. ويروى انتحيتهم أي انتحيتَهم أنت يا بعيثُ وعاونتَهم.
وَلَقَدْ لَقِيتَ مَؤونَةً منْ حَرْبِنا نَزَلَتْ عَلَيْكَ وَألْقَت اْلأَجرَاما
الأجرامُ جماعةُ جِرم، أراد ثِقل الحرب. وجِرم الرجل بَدنه، وجِرمُه صوته، وجِرمُه رائحتُه.
مَهْلًا بَعيثُ فَإنَّ أُمَّكَ فَرْتَنَا حَمْرَاءُ أَثخَنَت الْعُلُوجَ رُداما
يقال للأمة فرتنا وتُرنا، والردام الضراط. يقال: ردمَ يردمَ رُداما، يعني حبقا يعني الضراط. يقال
ردمَ يردِم، وحبقَ يحبِقَ، وحصَم وحَصَّ حُصاصا، وخبج وخضف كله بمعنى واحد.
كانتْ مُجَرَّبَةً تروزَ بكَفِّهَا كَمرَ العبيد وتلعبُ المهزَاما
المهزام لعبة لهم يلعبونها يُغطّى رأس بعضهم ثم يُلكم، فيقال له: من لكمك؟ فيقول: فلان، وإنما يريد
أنها امرأة جريئة تلاعب الرجال، والمهزام الدّستبند.
[ ١ / ٢٠٣ ]
ولقد أصابَ بني حُدَيَّةَ ناطِحٌ ولقد بُعثتُ على البعيث غَرَاما
قال: فبلغ ذلك البعيث، فركب إلى بني الخطفى، فقال عجلتم علي، فقالوا بلغنا عنك أمرٌ، فإن شئت
قلت كما قلنا، وإن شئت صفحت، قال بل أصفح. فأقام فيهم مجاورا لهم ثلاث سنين، ثم إنه أبق له
عبدان، فلحقا بهجر، فركب عمرو بن عطية أخو جرير وعطاء بن الخطفى فردّا عليه عبديهِ بغير
جعالة. ثم إنه فارقهم راضيًا، فقدم على ناس من بني مجاشع، فسألوه عن بني الخطفى، فأثنى عليهم
خيرًا. فقال له رجل منهم: لحسن ما جازيتهم على الذي قالوا لك، ثم أنشده قول جرير:
نُبِّئتُ أن مجاشعًا قد أنكروا شَعَرًا ترادَفَ حاجِبيك تؤاما
يقال لحسن ما فعلت، ولحسن ما فعلت، قال وأنشدنا أبو توبة:
لا يمنعُ الناسُ مني ما أردتُ ولا أعطيهُمُ ما أرادوا حَسنَ ما أدَبا
فلم يزالوا به حتى أغضبوه، فهجا البعيث بني كليب بأبيات يقول فيها:
أجريرُ أقصَر لا تَحِنْ بك شِقوَةٌ إن الشقيَّ ترَى له أعلامًا
فقالت بنو كليب لعطاء بن الخطفى: اركب إلى بني مجاشع
[ ١ / ٢٠٤ ]
وأستنههم من أنفسهم، فقد قالوا كما قيل لهم. فأتاهم عطاء، فقال: أي بني مجاشع، أنتم الإخوة والعشيرة وقد قلتم كما قيل لكم فانتهوا عنا،
فأبى البعيث إلا هجاءهم، فالتحم الهجاء بين جرير والبعيث وسقط غسان.
فقال البعيث يهجو جريرا:
ألا حَيِّيا الرَّبعَ القَواءَ وسَلِّمَا ورَبعًا كجُثمان الحَمامَين أدهَما
القواء المكان الخالي، ويروى ونؤيا. يقال مكان قواء وقي، والجثمان جسم الحمامة يعني القمرية،
وشبه الربع وما فيه من لون الرماد والدمنة وأثر مصب اللبن وأثر بياض الأرض، بريش القمرية لما
فيه من السواد والبياض، أدهم ربع حديث العهد بالناس، قال الأصمعي ولو كان قديمًا قال أغبر،
ويقال: جثمان وجسمان.
بِصارَةَ فالقَوِّينِ لأَيًا عرفتُهُ كما عرفَ الحَبرُ الكتابَ المُنمنما
وروي فالفرقين. صارة والفرقان موضعان. وقوله لأيا عرفته أي بعد بُطء عرفته. والحبر العالم.
والمنمنم المزيّن المُصلح.
مِنَ الغاليَات في وسامٍ كأنما تُشابُ رُضابًا منْ سَحابٍ مُحَطَّمَا
الوسام الجمال والرضاب الريق. شبهه بماء السحاب، والمحطم الي يتحطم بماء كثير وروي لبيضاء
حلّت في وسام، وتُشاب رضابا يعني بردا. محطما مكسرا. الغاليات ذات المهور الغالية.
[ ١ / ٢٠٥ ]
مَدَحنَا لها رَوقَ الشبابِ فعارضَتْ جِنَابَ الصَبّيَ في كاتِمِ السِّرِّ أعجمَا
روق الشباب وريقة أوله. ومعارضتها انقيادها. والسر الكاتم المكتوم، وهذا ضد، يقال: سر كاتم،
وشِعر شاعر، وماء دافق، ويقال للناقة الراحلة وهي مرحولة فجعلوا المفعول فاعلًا. قوله: فعارضت
جناب الصبي أي دخلت معنا فيه دخولًا ليست بمُباحته، ولكن تُرينا أنها داخلة معنا فيه، وليست
بداخلة، والصبي يعني الغزل. وقوله في كاتم السر أعجما يعني في فعل كاتم السر لا يتبينه من يراه،
وهو مستعجم على غيرنا، وهو واضح عندنا.
بَنِي الخَطفَى هل تَدفِنُنَّ أباكُمُ كُليبًا ومَولاكُم حَرامًا ليُكتَما
أراد عمرو بن يربوع، وأمه الحرام بنت العنبر. وكليب وعمرو خسيسان من بني يربوع.
فكُلُّ كُليبيٍّ عليه علامةٌ من اللُّؤمِ تبدو حاسرًا ومُعمَّما
ويروى عمامة.
فانكَ قد جاريتَ سابقَ حَلُبَة نجيبَ جيَاد بينَ فرعينِ مُعلما
معلم مسوّم، ويروى معلنا يعني معروفًا يعلم مكانه.
لِزازَ حِضَارٍ يسبِقُ الخيلَ عَفوُهُ على الدَّفعَةَ الأولى وفي العقَب مِرجَما
العقب العدو بعد العدو، والمرجم المدفع الذي يدفع بنفسه، لزاز قوي
[ ١ / ٢٠٦ ]
شديد، وأصل اللزاز مُتّرس الباب ويقال له الشجار.
لقى حَملَتهُ أمُّهُ وهيَ ضَيفةٌ فجاءتْ بِنَزّ للنُّزَالة أرشَما
اللقى الملقى المُهان. وإنما يخاطب بهذا جريرًا وأن أمه حملته، وهي ضيفة لقوم، فجروا بها، أراد
أنها جاءت به نزًّا خفيفًا. والأرشم الذي ليس بصحيح ولا هجان اللون، ويقال: لقى غير منعّم ولا
ممهّد وقوله حملته أمه وهي ضيفة أي على غير تمكّن ولا تفرّش، وذلك أذكى للولد، وأحرى أن
يُنزع إلى أبيه ولا إلى أمه، نزّ خفيف ذكي شجاع، قال والنزالة النطفة والنز الخفيف قال: يعني
سرعة مائها. أرشم أصحم الوجه إلى السواد، ويقال الأرشم الذي به وسم وخطوط، ويقال: الذي
يشتمل على الطعام ويحرص عليه، ويروى من نُزالة أرشما.
مُدَامِنُ جَوعَات كأنّ عُروقَهُ مَسَارِبُ حَيَّات تَشَرَّبنَ سِمسِما
وروى تشربن سَمسما. وسَمسم بلد. تشربن ذهبن فيه وجئن. يقول: كأن عروقه من هُزاله وجوعه
مثل آثار حيّات غلاظ. تشربن دُهن سِمسم، مسارب حيات يقول: هو بادي العروق معصب قليل
اللحم وذلك أحق له في المجاراة.
فألقى عَصا طَلحَ ونَعلًا كأنها جَنَاحُ سُمانَى صَدرُها قد تَخذَّمَا
يريد أنه راع، وأن سلاحه عصا، وشبه نعله بجناح سمانى في دقتها وصغرها، يقول: إنه غير تام
الخلق وأنشد:
[ ١ / ٢٠٧ ]
ولو أخذوا نعلَ الغَطَمَّشِ لاحتذَوا لأقدامِهم منها ثمانِي أنعُلِ
الغطمش رجل من بني ضبّة كان لصًا وتخذّم تقطّع.
وأبيضَ ذي تاج أشاطَت رمَاحُنا بمعُتركَ بين السّنَابك أقتَمَا
أشاطت أهلكت، ومعترك الحرب موضع وقعتها، والسنابك مقاديم الحوافر، والأقتم الأغبر، الغبرة
دون الكدرة ثم الكدرة ثم القترة ثم القتمة وهي أشدهن سوادًا.
هَوى بينَ أيدي الخيلِ إذ خَطرَتْ به صُدور العَوالي ينضَحُ المِسكَ والدّما
خطرت به اهتزت فيه، لأن الطعن إذا هُزّ الرمح فيه اتسع، صدور العوالي صدور الرماح، وقوله
ينضح المسك والدما يقول: هو ملك فإذا ظهر دمه خالط ما تطلّى به من المسك ففاح ريح المسك.
ونحنُ حَدَرنَا طَيِّئًا عن بلادهَا ونحن رَدَدنا الحوفَزانَ مُكلَّمَا
أما يوم طيءٍ الذي ذكر فإن زرارة بن عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم، لما حضرته الوفاة أوصى
إلى عمرو بن عمرو بن عدس أن يطلب بثأره من عمرو بن ملقط الطائي، وكان هو الذي وشى بهم
إلى عمرو ابن المنذر اللخمي. وعمرو بن المنذر هو مضرّط الحجارة، فحرّق من بني تميم يوم
أوارة، تسعة وتسعين رجلًا وامرأة تمّ بها نذره، فأمر عمرا أن يُغير على طيء، فلما مات زرارة
أغار عمرو بن عمرو بن عدس على طيء فقتل بشرًا كثيرًا، وأفلته عمرو بن ملقط، وهو قول علقمة بن عبدة:
[ ١ / ٢٠٨ ]
أصَبنَ الطريفَ والطريفَ بَن مالكٍ وكان الشِّفاءُ لو أصَبنَ الملاقِطا
إذًا علموا ما قدَّمُوا لنفوسِهم من الشَّرِّ إن الشرِّ مُردٍ أراهِطا
ضَرَبنا بُطونَ الخيلَ حتى تَدارَكتْ ذوي كَلعٍ والأشعثَين وخَثعَما
هذا يوم نجران، وكان الأقرع بن حابس بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع، انصرف من
الكلاب، فأغار على نجران وهو في ألفين، وفيها أخلاط من اليمن من حمير وهم المتكلِّعون بلغة
حمير، وكانت القبائل إذا اجتمعت وتناصرت فقد تكلَّعت، والاسم منه التكلّع، ومنهم سُميفع بن ناكور
الكلاعي، الوافد على عمر بن الخطاب ﵁، وله أربعة آلاف أهل بيت قن من العرب
مماليك أسرهم في الجاهلية، فسأله عمر أن يبيعهم إياه، على أن يكتب له بثلث ماله إلى الشام، وثلثه
إلى العراق، وثلثه إلى اليمن، فقال أمهلني أرُح إليك. فلما راح قال: ما صنعت؟ قال: قد أعتقهم لله،
وقُتل بعد مع معاوية بصفين. والأشعثان الأشعث بن قيس بن معدي كرب بن جبلة الكندي وأخو
الأشعث. وخثعم هو أفتل بن أنمار أخو بجيلة، قال بن الكلبي إنما سمي خثعمًا بجمل كان له. فهزم
جمعهم الأقرع بن حابس وغنم وسبى. قال ابن حبيب كان هشام يقول معدا كرب.
وكلُّ مَعَدٍّ قد جَزينا قُرُوضَهُم فبُؤسَى ببُؤسَى أو بَنعمَاءَ أنعُما
بؤسى فُعلى لا ينصرف، يقول جزينا لناس بالبؤسى، وبالنعماء أنعما
[ ١ / ٢٠٩ ]
وأما قصة الحوفزان، فكان من حديثه أنه كان عميرة بن طارق بن ديسق أحد بني ثعلبة ابن يربوع تزوج مرية بنت جابر بن بُجير بن شريط العجليّ - وهي أخت أبجر لأمه وأبيه، أمهما أسماء بنت أبي حوط النمريّ الذي يقال له
أبو حوط الحظائر، وأم عميرة ابنة بجير - فخرج حتى ابتنى بها في بني عجل، وتحت عميرة أيضًا
بنت النطف بن الخيبري أحد بني سليط بن يربوع. فقال أبجر لعميرة وهما في بيت عميرة: إني
لأرجو أن آتيك بابنة النطف، فقال عميرة: ما أراك تُبقي عليّ من أن تحرُبني وتشينني، ثم إن أبجر
ندم، فقال: ما كنت لأغزو قومك ولكني متياسر في هذا الحي من تميم، فقال له عميرة: قد علمت ما
كنت لتفعل. فغزا أبجر والحوفزان متساندين، هذا فيمن تبعه من اللهازم - واللهازم قيس وتيم اللات
ابنا ثعلبة بن عكابة، وعنزة بن أسد بن ربيعة بن نزار، وعجل بن لجيم بن صعب بن علي بن بكر
بن وائل - والحوفزان في بني شيبان، واسم الحوفزان الحارث بن شريك. وإنما سمي الحوفزان، لأن
قيس بن عاصم المنقري زجّه بالرمح حين فاته فحفزه عن سرجه فعرج منها. ووكّل أبجر بعميرة
أخاه حرقصة بن جابر، وتحت أبجر امرأة من بني طهية يقال لها سلمى بنت محصن، ففصل الجيش
من عين صيد، وأقبلت بكر بن وائل يفرون، مخافة أن يُعقّب عليهم، حتى نزلوا النويطف دون عين
صيد من القصيمة، ثم ساروا حتى نزلوا الكلواذة من أرض السواد، وهي أرض بين البصرة والكوفة،
فأقبل عميرة إلى سلمى عشاء، فقال: يا سلمى كيف أنت لو قد جاء غلمان بكر بن وائل بنساء قومك
يقودونهن، وإني رجل موكّل بي فإلا تُعينيني على حيلتي أبرم بها، قالت: فأني أعينك بما أردت وهي
حُبلى برافع بن أبجر متم، فأصبح الناس ظاعنين، وقالت: إني ماخض، فسار عميرة في السلف
المتقدمين، ثم قال
[ ١ / ٢١٠ ]
لحرقصة: لعليّ لو رجعت إلى أهلي فاحتملتهم، فقد ولدتْ صاحبتُهم، فقال حرقصة:
لا أبالي أن تفعل. فكرّ عميرة على ناقة له يقال لها الجنيبة؛ فلقي المرأة قد احتُملت هي وصواحبها
فوافقته، فقالت: قد خبأت حيث كان فراشي زادك وسقاءك، فمضى حتى استثارهما ثم نفذ: فلم يفقده
الناس حتى تحالوا مغرب الشمس، ففقده حرقصة، فأتى أخته مرية امرأة عميرة، فقال لها: أين هو؟
قالت: لاقانا ضحى فوافقنا ثم مضى إلى دارنا فلم نره بعد، فاستحيا حرقصة أن يذكر أمره لأحد حتى
جن عليه الليل، وتحدث به الرجال من قبل النساء. فأقبلوا إلى حرقصة، فقالوا: ويلك ما صنع
الرجل؟ قال: ما أظنه إلا ذهب. قالوا: إن تكن في شك فإنا مستيقنون. فسار عميرة يومه وليلته والغد
حتى إذا لقي أنف الزور من الصحراء وغربت الشمس وأناخ، فحل راحلته وقيدّها وعصب يديها، ثم
نام، حتى إذا علاه الليل قام فلم ير الناقة، قال: فسعيت يمينًا وشمالًا، فإذا أنا بسواد من الليل عظيم،
فحسبته الجيش فبت أرصده، أخاف أن يأخذوني حتى أضاء الصبح، فإذا خمسون ومائة نعامة، وإذا
ناقتي تخطر قائمة قريبة مني، وأنا غضبان على نفسي، فأجددت السير يومي ذاك حتى أرد سفار،
فأجد في منازل القوم نسعة فسقيت راحلتي - وسفار ماء لبني تميم - وطعمت من تمر كان معي،
وشربت ثم ركبت مسي الثالثة، فأصبحت بالحطّامة من ذي كريب، فإذا أنا بناس يعلقون السدر -
يعني يرعونه - فتحرّفت عنهم مخافة أن يأخذوني، فناداني بعضهم: إنما نحن صُدّار البيت فلا تخف
- والصدار الراجعون، أراد أنهم كانوا حجاجًا - فنفذت حتى أُصبّح طلح وبها جماعة بني يربوع،
فقلت قد غزاكم الجيش من بكر بن وائل برئيسين وكراع وعدد، فبعث بنو رياح بن يربوع فارسين
طليعة، أحدهما غلام للمشبّر أخي بني هرمي بن رياح،
[ ١ / ٢١١ ]
وبعث بنو ثعلبة فارسين ربيئة في وجه آخر،
أحدهما المطوّح بن أطيط، والآخر جراد بن أنيف بن الحارث بن حصبة، ومكث بنو يربوع يوقدون
نارهم على صمد طلح، وأطلعوا السبي للشقيق فكانوا كذلك ثلاثًا - والشقيق من الرمل الجدد بين
الرملين وربما كان ميلًا وخمسة أميال وأكثر - ثم إن فارسي بني ثعلبة جاءا فقالا لم نحسس شيئًا،
فقال عميرة: فما تمنيت الموت قط إلا يومئذ، حين جاء الفارسان لم يُحسا شيئًا مخافة أن يكونوا
أرادوا غيرهم، فيكون ما حدثتهم باطلًا، وليلة ذهبت ناقتي مخافة أن أوخذ فيقال نام فأُخذ، فلما تعالى
النهار من اليوم الثالث، طلع فارسا بني رياح، فإذا العبد لا يوقّي فرسه خبارًا ولا حجرًا ولا جُرفًا،
وهو على الخصي فرس بني قيس بن عتّاب بن هرمي، فقالا: تركنا القوم حين نزلوا القسومية، قال:
فتلببنا ثم ركبنا ثم أخذنا طريقًا مختلفًا حتى وردنا الينسوعة حين غابت الشمس، فوجدنا معركة القوم
حين استقوا وسقوا ونثروا التمر وتخففوا للغارة، ثم أخذوا بطن المذنب، فاتبعناهم حتى وارى أثرهم
عنا الليل، واستقبلوا أسفل ذي طلوح وتحتي فرس ذريعة العنق، فمضت بي الخيل ففقدني عتوة بن
أرقم بن نويرة، فقال: يا بني يربوع، إن عميرة قد مضى ليُنذر أخواله. فقال عتيبة بن الحارث بن
شهاب: كذبت ما ينفس عميرة علينا الغنم والظفر، أما خاصّته فأنا لها جار، وعتيبة رأس بني يربوع
يومئذ قال: فسمعت ما قال الرجلان فوقفت حتى أدركوني، وقد خشيت لغط القوم مخافة أن يُنذروا
بأنفسهم، حتى إذا كنا حيث اطّلع الطريق من ذي طلوح، وقفنا وأمسكنا بحكمات الخيل ثم بعثنا طليعة
أخرى، فأتانا فأخبرنا أنهم بالطلحتين، نزول بأسفل وادي ذي طلوح. فمكثنا حتى إذا برق الصبح،
ركبنا وركب القوم، واستعدوا للغارة. وقد كان أبجر حين مروا
[ ١ / ٢١٢ ]
بسفار، قال للحوفزان: تعلّم أني لأظن عميرة قد دهانا،
وإني لأعرف هذا النوى. قال الحوفزان ما كان ليفعل. قال: فدفعنا الخيل عليهم، وهم
يريدون أن يغيروا: فكنت أول فارس طلع، فناديت با أبجر؟ هلم إليّ. قال: من أنت. قلت عميرة،
قال: كذبت، فسفرت عن وجهي فعرفني، فنزل عن فرس كان مركّبًا عليها - المركّب الذي يركب
فرس غيره، ويغزو عليه، فله نصف الغنيمة وأنشد:
لا تركبُ الخيلَ إلا أن تُرَكَّبَها ولو تَجَمَّعنَ من حُمرٍ ومن سُودَ
لابن الغزالة السكوني - وابن الغزالة في شيبان - وعليّ مُلاءة لي حمراء فطرحتها، ثم جلس
عليها، وقد قال لي قبل أن يجيء: إني مركّب. قلت: فتعال على ذلك، وتحتي فرس لأبي مليل. قال:
فأقبل وما نظر إلى ذاك. قال: وأُخذ الجيش كلهم، فلم يُفلت منهم أحد غير شيخ من بني شيبان، ثم
أحد بني أسعد بن همام نجا على فرس له، وقد كان أخوه معه فأُخذ، فلما أتى الحي سألته بنت أخيه
عن أبيها، فقال الشيخ:
تسائلني هُنيدَةُ عن أبيها وما أدري وما عَبَدَتْ تميمُ
غداةَ عَهِدْتُهُنَّ مُغَلصَماتٍ لهُنَّ بكلِّ مَحنيةٍ نحيمُ
فما أدى أجُبنا كان طِبيِّ أم الكُوسَى إذا عُدَّ الحزيمُ
الكوسى من الكيس، والضوقى من الضيق، والخورى من الخير. وقالت امرأة لضرتها: ما أنت
بالخورى ولا الضوقى حرًا والحزيم من الحزم، ومغلصمات مشددة الأعناق. وأُخذ الحوفزان يومئذ،
أخذه حنظلة بن بشر بن عمرو بن عمرو بن عدس، وكان نقيلًا في بني
[ ١ / ٢١٣ ]
يربوع، ولم يشهدها من بني مالك بن حنظلة غيره، فاختصم عبد الله بن الحارث، وعبد عمرو بن سنان بن وعلة بن عوف بن
جارية بن سليط، فاختصموا فيه، فقال الحوفزان حكّموني في نفسي، فوالله لا أخيّب ذاحق فحكّموه
فأعطى أبا مليل عبد الله بن الحارث مائة من الإبل، وأعطى عبد عمرو بن سنان مائة، وجعل
ناصيته لحنظلة بن بشر، فقال عبد عمرو للحوفزان: إن بين بني جارية بن سليط، وبين بني مرة بن
همام موادعة، وإنه لا يحل لي أن أرزأك منها شيئًا، وأما أبو مليل فكان يسمي المائة التي أخذ منه
الخباسة، والخباسة الغنيمة، وأنشد للبيد:
خُبَاساتُ الفوارِسِ كُلِّ يومٍ إذا لم يُرْجَ رِسلٌ في السَّوام
وردها عبد عمرو بن سنان. وأُخذ سوادة بن يزيد بن بجير، أخذه عتوة ابن أرقم، فانتزعه عميرة بن
طارق. وأُخذ عبد الله بن عنمة الضبي يومئذ، وكان في بني شيبان، فافتكه متمم بن نويرة. وأُسر
سويد بن الحوفزان، وأسر سعد بن فلحس الشيباني أحد بني أسعد بن همام. فقال عميرة بن طارق:
أقِلِّي عليَّ اللومِ يا أُمَّ خِثرِما يَكُنْ ذاك أدنى للصواب وأكرَمَا
ولا تعذُليني أنْ رأيتِ مَعاشِرا لهم نَعَمٌ دَثْرٌ وأن كُنتُ مُصرِما
المصرم صاحب الصرمة وهي القطعة من الإبل، والدثر الكثير يقال عليه مال دثر ودبس ودبر،
وعُكمس وعُكامس وعُكاجس وعكنان إذا
[ ١ / ٢١٤ ]
كان كثيرًا.
متى ما نَكُنْ في الناسِ نحنُ وهمْ معًا نكن منهُمُ أكسى جُنوبا وأطعَمَا
مَنَاكِ الإلهُ إن كرِهتِ جِمَاعَنا بمثلِ أبي قُرطٍ إذا الليلُ أظلما
مناك الإله مثل بلاك الله به، وكان أبو قرط هذا رجلًا بخيلًا، كثير المال،
إذا ما رأى ذَودًا ضَنِئنَ لعاجِزٍ لئيمٍ تصدّى وجههُ حيثُ يمَّما
الذود ما بين الثلاث إلى العشر، وضنئن أنسلن - والضنؤ النسل وأنشد:
ابنُ عجوزٍ ضَنؤها غيرُ أمِرْ صَهصَلِقِ الصوتِ بعينيها الصَّبرَ
تعدو على الحيِّ بِعودٍ من سَمُرْ حتى يَفِرَّ أهلُها كُلَّ مَفَرْ
لو نُحرَتْ في بيتِها عشرُ جُزُرْ لأصبحتْ من لحِمهِنَّ تعتذر
بِحَلِفٍ سَحٍّ ودمعٍ منهمر
السح المتتابع، والمنهمر السائل.
يسوقُ الفِراءَ لا يُحسَيِّنَ غيرَهُ كَفيحا ولا جارًا كريمًا ولا ابنمَا
وروي يسوّق وفرا. والوفر وطاب مملوءة، لا يُحسيّن غيره أي لا يشرب منهن غيره. والفراء إبل
كانت له تُدعى بهذا الاسم، والفراء الحمير واحدها فرأ مقصور، يقول: لا يحسّين ضيفًا من ألبانها،
والكفيح الذي يأتيك فُجاءة يقال لقيته كفاحًا ونقابًا ولُقاطًا والتقاطًا.
[ ١ / ٢١٥ ]
وعين عُنّة، وصَحرة بحرة، وفِلاطًا بمعنى واحد.
فَدعَ ذا ولكن غيرهُ قد أهمّني أميرٌ أرادَ أن أُلامَ وأشتَما
فلا تأمُرَنِّي يا ابنَ أسماءَ بالتي تُجِرُّ الفتى ذا الطعمِ أن يتكلما
الأجرار أن يُشق لسان الفصيل إذا أرادوا فطامه لئلا يرضع - وأنشد:
فلو أنّ قومي أنطقتني رِماحُهُمُ نطقتُ ولكنَّ الرماحَ أجَرَّتِ
هذا يقوله عمرو بن معدي كرب في بعض حروبه، التي كانت بينه وبين بلحرث بن كعب، قاله في
يوم نهد وجرم. وكان ذلك اليوم عليه، يقول: لو أن قومي أبلوا بلاء حسنا ذكرت ذلك، ولكن رماحهم
أساءت البلاء فقطعت لساني عنهم. - وذو الطعم ذو الحزم والعقل، يقال: ما به طعم، ولا نويص،
ولا حَراك ولا نَوص، ولا نَطيش، ولا حَبض، ولا نبض، إذا لم يكن عنده قوة ولا حراك.
بأن تغتزُوا قومي وأجلِسَ فيكُمُ وأجعلَ علمي ظَنَّ غَيبٍ مُرَجَّما
ولمّا رأيتُ القومَ جَدَّ نفيرُهم دعوتُ نَجيِّى مُحرِزًا والمُثَلَّما
هذان رجلان من البراجم - والبراجم من بني مالك بن حنظلة، وهم الظليم وكلفة ومرة وقيس -
وكان محرز والمثلم في بني عجل، فلما أراد أبجر الغزو شاورهما يستعين برأيهما.
[ ١ / ٢١٦ ]
وأعرضَ عني قَعنَبٌ وكأنما يرى أهلَ أُودٍ من صُداءَ وسَلهَمَا
قعنب رجل من البراجم، وكان ممن شاوره، فلم يُشر عليه بخير، وأهل أود بنو يربوع. وصداء في
بلحرث بن كعب، وهم إخوتهم وعدادُهم فيهم. وسلهم من خثعم، د وسلهم في مذحج أيضا:
فكَلَّفتُ ما عندي من الهمِّ ناقتي مخافَةَ يومٍ أن أُلامَ وأندَما
فمَرَّتْ بجنبِ الزَّورِ ثُمَّتَ أصبحتْ وقد جاوزتْ بالأقحُواناتِ مَخرِما
كأن يديها إذ أجَدَّ نَجَاؤُها يَدا مُغولٍ خرقاءَ تُسعِدُ مأتَما
تُرائِي الذين حولَها وهي لُبُّها رَخِيٌّ ولا تبكي لِشَجوٍ فَتَيلَمَا
ويروى ترائي اللواتي حولها وهي بالُها، وتيلم أراد تألم من الألم وهي لغته.
ومرَّتْ على وحشِيِّها وتذَكَّرِتْ نَصِّيًا وماءً من عُبَيَّةَ أسحَمَا
عبية وعُباعب ماءان لبني قيس بن ثعلبة ببطن فلج، وفلج لبني العنبر، والنصي نبت من الجنبة
وهو نصي ما كان رطبًا، فإذا جفّ فهو حلي وهو أبيض.
فقامت عليه واستقرَّ قُرورُها من الآينِ والنَّكراءِ في آلِ أزنَمَا
وقرارها واحد، وأزنم بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع.
سأُجشِمها من رَهبَةٍ أن يُعزَّهم عَدُوٌّ من المَومَاةِ والأمرِ مُعظَما
حَلفتُ فلم تَأثَمْ يميني لأثأرَنْ عَدِيًّا ونُعمانَ بنَ قَيلٍ وأيهَمَا
[ ١ / ٢١٧ ]
ويروى ترائي اللواتي حولها وهي بالُها، وتيلم أراد تألم من الألم وهي لغته.
ومرَّتْ على وحشِيِّها وتذَكَّرِتْ نَصِّيًا وماءً من عُبَيَّةَ أسحَمَا
عبية وعُباعب ماءان لبني قيس بن ثعلبة ببطن فلج، وفلج لبني العنبر، والنصي نبت من الجنبة
وهو نصي ما كان رطبًا، فإذا جفّ فهو حلي وهو أبيض.
فقامت عليه واستقرَّ قُرورُها من الآينِ والنَّكراءِ في آلِ أزنَمَا
وقرارها واحد، وأزنم بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع.
سأُجشِمها من رَهبَةٍ أن يُعزَّهم عَدُوٌّ من المَومَاةِ والأمرِ مُعظَما
حَلفتُ فلم تَأثَمْ يميني لأثأرَنْ عَدِيًّا ونُعمانَ بنَ قَيلٍ وأيهَمَا
هؤلاء قوم من بني يربوع، قتلتهم بنو شيبان يوم مليحة.
وَبَرَّتْ يميني إذ رأيتُ ابنَ فَلحَسٍ يُجَرُّكما جَرُّوا هَدِيَّ ابنِ أصرَما
الهدي الجار ههنا، والهدي العروس، والهدي الشيء يُهدى.
فأفلت بسطامٌ جَريضًا بنفسِه وغادرنَ في كَرشاءَ لَدنًا مُقَوَّما
جريضًا يجرض بريقه يغص به، وذلك إذا كان بآخر رمق، ويقال أفلتَ فلان جريضًا وأفلت جريعة
الذقن وأفلت بذمائه وأفلت بحشاشة نفسه، وكرشاء رجل.
[ ١ / ٢١٨ ]
أثُمَّ أخَذتَ بعد ذاكَ تلومُني فسَائِل ذوي الأحلامِ مَنْ كان أظلَمَا
وقال عميرة أيضًا:
ألاَ أبلِغَا أبا حِمارٍ رسالةً وأبجَرَ أنّي عنكما غيرُ غافِلِ
أبو حمار الحوفزان، كان له ابنان أحدهما يقال له الحمار، والآخر العِفو، وهو الجحش والعِفا أيضا.
رسالةَ مَنْ لو طاوَعُوهُ لأصبحوا كُساةً نشاوىَ بين دُرنَا وبابل
نَهيتُكُم حتى اتّهَمتُم نصيحتي وأنبأتُكُم في الحيِّ ما أنا فاعلُ
فلما رأيتُ أن عَصَوني ولم أكُنْ ضعيفا كمطروقٍ من القومِ خاملِ
وكلَّفتُ ما عندي عَلاةً رَجيلةً مِراحا وفيها جُرأةٌ وتَخَايُلُ
علاة شديدة، شبهها بعلاة الحداد وهو السندان. والقصرة السندان أيضا. والقرزوم خشبة الحذاء،
وهي الجبأة أيضًا، والتخايل الاختيال، والرجيلة القوية.
مُذكَّرةً تمضي إذا الليلُ جَنَّها تَنَائِفَ منها مَعلَمٌ ومجاهلُ
يستحب للناقة أن تكون مذكرة الخلق، ويستحب للفحل أن يكون في خلق الناقة، يقال: بعير مُنّوق
وناقة مذكرة.
[ ١ / ٢١٩ ]
فأورَدتُها ماء كَسَى الدِّمنُ فوقَهُ وريشُ الحَمامِ كالسِّهامِ النَّواصلِ
الدمن: القماش والسرجين. السهام النواصل: يعني التي قد سقطت نصالها، فشبه ريش الحمام بها.
وأدليتُ في أجْنٍ بِدَلوٍ صغيرةٍ لأسقِيَ في حوضٍ جَبىً غير طائِلِ
قليلًا فلم تُعطَنْ به وزَجَرتُها على حاجة في نفسِها لم تُداخِلَ
الأعطان: أن تسقى البعير أول نهلة، فإن كان له مُندّى نديته قليلا ثم عللته، وإن لم يكن مُندّى أنخته
في العطن قريبًا من الماء هُنيهة ثم عللته. والمداخلة: أن تُدخِل البعير بين بعيرين إذا كان ضعيفًا أو
مريضًا، أو أحببت أن تورده بعد ما نهل.
فراحَتْ كأنّ الرَّحلَ حُشَّ بجوَنَةٍ بذاتِ السِّتارِ أخطأتها الحبائِلُ
الجونه هاهنا القطاة، وحش جُعل ظهرها حشوًا للرحل.
فما ذُقتُ طعمَ النومِ حتى رأيتُني أُعارِضُهم وِردَ الحِماسِ النَّواهِلِ
الخماس الإبل التي ترد في كل خمس، وهو أخبث الأوراد. والخمس: أن تُغبّ ثلاثة أيام وترد في
اليوم الرابع، والنواهل العطاش هاهنا، وقد تكون الرواء في غير هذا الموضع.
بفِتيانِ صِدقٍ فوقَ جُردٍ كأنها طَوالِب عِقبانٍ عليها الرَّحائِلُ
فأسرَعتُما إنفاقَ ما جِئتُما له وما كان بَيعًا بالخِفاف المَثاقِلُ
ولكنها سُوقٌ تكون صِفاقُها سُريجيّةً قد أرهَفَتها الصَّياقِلُ
[ ١ / ٢٢٠ ]
سريجية سيوف منسوبة إلى سريج طابع من بني أسد.
فإذا وقعَتْ هاتا فلوُّوا رُؤوسَكم عليَّ وعضُّوا بعدَها بالأنامِلِ
سيمنعني الدَّعَّاءُ بالسَّهلِ منكم وقيسٌ نَجِيَّي غيرُ مِيلٍ مَعَازِلِ
فأبلِغْ بني عِجلٍ ألم يكُ فيهم لِقُربايَ راعٍ أو لفضليَ حامِلُ
قال أبو جعفر: إذا قال أحدهم الشعر بالركبانية أكفأ، والركبانية أن يتغنّى به ويقطّع كما يقطّع
العروض.
فيهديهُمُ إذْ أخطأوا قصدَ سُبلِهم ولا يَبتَغوا وَسطَ العَدوِّ غوائِلي
فإنيَ لو أمهَلتُكُم فغَزَوتُكُم فجئتم بسَبيٍ كالظِّباءِ وجامِلِ
رَهِبتُ بأن لا تشكروا لي وتفخروا عليَّ إذا نازَلتُكُم بالمنازِلِ
فأهوِنْ عليَّ بالوعيدِ وأهلِهِ إذا حَلَّ بيتي بين شركٍ وعاقلِ
وقال عميرة أيضًا:
ألمْ يعلمْ سَوادَةُ أيُّ ساعٍ وذي قُربى له بلوِىَ الكَثيبِ
سوادة بن يزيد بن بجير، أسره عتوة بن أرقم فانتزعه عميرة منه.
غداةَ يقالُ ذاك أخو غليظٍ يُشَلُّ به على عُريٍ سَليبِ
دَأبتُ له ولم تَملأ ذِراعي رماحُ القومِ دونكَ في الخُطُوبِ
كأني إذ مَننتُ عليكَ فضلي مَننتُ على مُقَطَّعَةِ القلوبِ
أُرَينبِ خُلَّةٍ باتتْ تَعَشَّى أبارِقَ كلُّها وَخْمٌ جَدِيبُ
قوله أُرينب خلة، يقول: كأني حمّلت منتي أرينبا لا جزاء عندها ولا
[ ١ / ٢٢١ ]
شكر. قال أبو جعفر؛ الأرنب أخور الوحش، وإن القُنبرة تطمع فيها
حتى تضربها، والأبارق جمع أبرق وهو رمل وحجارة.
فأنبأني ولم يكُ ذاك حَيفًا بخُلدِ الدهرِ والمالِ الرغيبِ
فلما أن أتيتَ بَني لُجيمٍ بِدُرنَا حيثُ تُسمِعُكَ الشُّروبُ
نطقتَ مقالةً كَذِبًا وزُورًا تُرَقِّعُ كُلَّ بُهتانٍ وحُوبِ
ذكرتَ به عَجائزَ قاعِداتٍ أرامِلَ كُلُّها كَلٌّ رَقُوبَ
وأبجَرَ قد دعوتُ ولم يُجِبني وأصدقُهُ ويكذِبهُ الكَذوبُ
فلما أنْ رأى ما قُلتُ حقًا له طُرقٌ موارِدُها شَعوبُ
تجنّبَ رِحلتي ولقد يَراهُم على شقَّاءَ ليس لها خَبيبُ
أراد أنه هارب لا يخبّ ولا يُقرّب ولكنه يُجهد الركض
أتاني وهو مُنتَخَبٌ حَشَاهُ وما يُدعَى هناك وما يُجيبُ
وألفَى مُهرَةَ الكِنديِّ فيها مَدِيدُ الحَبِّ واللبنُ الحليبُ
المديد الماء والدقيق تُسقاه الإبل والخيل. يقول: مهرة الكندي صُنعه لها وإحسانه إليها.
فنَجَّتهُ وقد كان العَوالي من الصَّلَوَينِ مُكتَنِعَ الرقيبِ
الصلوان مكتنفا الذنب، والمكتنع القريب.
وقال عبد الله بن عنمة الضبي، يتشكر لممتم بن نويرة، ويتلهف على عميرة بن طارق، بإنذاره قومه
على أخواله بني عجل:
عميرةُ فَاقَ السَّهمُ بيني وبينه فلا يَطعَمَنَّ الخمرَ إن هو أصعدا
[ ١ / ٢٢٢ ]
يريد أنه أفسد ما بينه وبينه، وهذا مثل ضربه لأن السهم لا يصلح إلا بفوقه. يقال: فاق السهم وإنفاق
إذا انكسر فوقه. يقول: فلا يطعمن الخمر إن هو أفلت، وليكن على حذر.
فلم أرَ جارًا وابنَ أُختٍ وصاحبًا تكيدَّ منا قبلَهُ ما تَكَيَّدا
رأيتُ رِجالًا لم نكن لنَبيعَهم يَباعونَ بالبُعرانِ مَثنىً ومَوحَدا
طعامُهُمُ لحمٌ حرامٌ عليهِمُ ويُسقَونَ بعدَ الريِّ شِربًا مُصَرَّدا
يقول: إذا رَووا سقوا أسراهم شربًا قليلًا، والشرب النصيب.
فإنَّ ليربوعٍ على الجيشِ مِنَّةً مُجَلَّلَةً نالت سُويدًا وأسعَدا
جَزَى الله رَبُّ الناسِ عني مُتَمِّمًا بخيرِ الجزاءَ ما أعَفَّ وأمجدا
كأني غداةَ الصَّمدِ حينَ دعوتُهُ تفرَّعتُ حِصنًا لا يُرامُ مُمَرَّدا
أُجِيَرتْ به دِماءنا فوفَى بها وشاركَ في إطلاقنا وتَفَرَّدا
أبا نَهشَلٍ فإنني غيرُ كافرٍ ولا جاعِلٍ من دونِكَ المالَ مُؤصَدا
وقال متمم في ذلك:
ونحنُ جَرَرنا الحوفزانَ إلى الرَّدَى وأبجرَ كَبَّلنا وقد كاد يَشعَبُ
جَرى لهمُ بالغيِّ من أهلِ بارِقٍ فأنجَحَ ذو كيدٍ من القومِ قُلَّبُ
عميرة بن طارق، وهو الذي أوقعهم في الأسر والغي، والقلّب المتصرف، يقال: رجل حُوّل قُلّب
وأنشد:
الحُوَّلُ القُلَّب الأريبُ ولا يدفع زَوَّ المَنِيَّةِ الحِيلُ
زو المنية ما يعدل منها إلى المأمور به، وما انزوى منها إليه.
[ ١ / ٢٢٣ ]
وقال جرير يرد على البعيث:
لمنْ طَلَلٌ هاجَ الفُؤادَ المُتَيمَّا وهَمَّ بسَلمَانَينِ أنْ يتكَلَّمَا
قال الأصمعي: المتيم المضلل. قال: وهو مأخوذ من الأرض التيماء. قال: والتيماء والتيهاء بمعنى
واحد، وهي الأرض التي تُتوه الناس وتتيههم أي تضللهم وتهلكهم، وقال غيره: المتيم المعبّد ومنه تيم
الله أي عبد الله.
أمنزِلَتَي هِنِدٍ بنَاظِرَةَ أسلَمَا وما راجَعَ العِرفَانَ إلاَّ تَوَهُّمَا
ناظرة ماء لبني عبس، وقوله اسلما: دعاء لهما بالسلامة من الإقواء، توهما تفرسا بعد هنيهة.
وقد آذِنَتْ هندٌ حَبيبًا لتصرمَا على طُول ما بَلَّى بهِندٍ وهَيَّمَا
وقد كانَ من شأن الغواني ظَغائِنٌ رَفَعنَ الكُسَا والعبقَريَّ المُرَقِّمَا
كأنَّ رُسومَ الدارِ ريشُ حَمامةٍ مَحاهَا البِلَى فأستَعجَمَت أن تكلَّمَا
وروى كأن ديار الحي، شبه الدار بريش حمامة لاختلاف لونها.
طَوى البَينُ أسبابَ الوِصَالِ وحاولَتْ بكِنْهِلَ أسبَابُ الهَوى أن تَجَذَّمَا
كنهل موضع من بلاد بني تميم، وفي ذلك اليوم قُتل الهرماس، وروي بكنهل أقران. والأقران الحبال
تجذّم تقطّع.
كأنَّ جمَالَ الحيِّ سُربِلنَ يانعًا منَ الوَارِدِ البَطحاءِ مَنْ نخلِ مَلهَمَا
[ ١ / ٢٢٤ ]
قوله سربلن يانعًا شبّه ما على الهوادج من الرقُم، بالبُسر الأحمر اليانع، وهو المدرك في حمرته
وصفرته، وملهم قرية باليمامة لبني يشكر، وأخلاط من بكر.
سُقيت دَمَ الحيَّاتِ ما بالُ زائِرٍ يُلِمُّ فيُعطَى نَائلًا أن يُكلَّما
سُقيت دم الحيات دعا عليها، يقول: تعدّين كلامك نائلًا لي، ودم الحيات سمها.
وعهدي بِهنِدِ والشَّبَابُ كأنهُ عَسيبٌ نَمَا في رِيَّةٍ فتَقوَّمَا
العسيب هاهنا البردية؛ والرية العين الكثيرة الماء، ونما ارتفع، وإنما يريد أنه غض، لين المفاصل،
حسن القوام، وروي وأحدث عهدي والشباب.
بهِندٍ وهندٌ هَمُّهُ غيرَ أنهَا ترى البُخلَ والعِلاَّتِ في الوَعدِ مَغنَمَا
لقد عَلِقَتْ بالنفسِ مِنها عَلائِقٌ أبَتْ طُولَ هذا الدهرِ أن تتصرَّما
دَعتكَ لها أسبابُ طُولِ بَليَّةٍ ووجدٌ بِها هاجَ الحديثَ المكَتَّما
ويروى أسباب كل بلية، ويروى هاج الفؤاد المتيما. الحديث المكتم حبه إياها.
على حين أنْ ولَّى الشبابُ لشَأنِهِ وأصبحَ بالشَّيبِ المُحِيلِ تعَمَّما
المحيل الذي قد أحال السواد إلى البياض.
ألا ليتَ هذا الجهلَ عنا تصَرَّما وأحدَثَ حِلمًا قلبُهُ فتَحَلَّما
أُنيخَتْ رِكَابي بالأحِزَّةِ بعدما خَبَطنَ بَحورانِ السَّريحَ المُخَدَّمَا
[ ١ / ٢٢٥ ]
الأحزة جمع حزيز وهو ما غلُظ من الأرض وانقاد، وظهر البصرة يسمى الحزيز وحوران من عمل
دمشق. والسريح النعال، واحدتها سريحة. والمخدم المشدود إلى أرساغها بالسيور الخدام.
وأُدني وسَادي مِنْ ذِراعِ شِمِلَّةٍ وأترُكَ عَاجًا قد علِمتِ ومعصَمَا
الشملة الخفيفة. والعاج أسورة من عاج، ومن ذبل، ومن قرون، يقال لها: المسك أيضًا.
وعَاوٍ عَوى من غيرِ شَيئٍ رَمَيتُهُ بِقَارِعَةٍ أنَفَاذُهَا تَقطُرُ الدَّمَا
أنفاذها جماعة نفذ، ورويَ إنفاذُها، وإنفاذها مصدر، وروى أبو عبيدة أقطارُها تقطر الدما.
وإني لقَوالٌ لكلِّ غَريبةَ ورُودٍ إذا السَّارِي بَلَيلٍ تَرَنَّما
الغريبة من الشعر التي لم يُقل مثلها. والورود التي ترد البلدان على أفواه من يتغنى بها إذا سار ليله
كما قال الفرزدق:
تَغنَّى يا جريرُ لغيرِ شيءٍ وقد ذهبَ القصائدُ للرُّواةِ
فكيفَ ترُدُّ ما بعُمانَ منها وما بجبالِ مصرَ مُشَهَّراتِ
وكما قال الأعشى:
به تُنفَضُ الأحلاسُ في كلِّ منزلٍ وتُعقَدُ أطرافُ الحبالِ وتُطلَقُ
خَروجٍ بأفواهِ الرُّواةِ كأنها قَرى هُندُوانِيٍّ إذا هُزَّ صَمَّمَا
[ ١ / ٢٢٦ ]
قرى كل شيء متنه، وتصميم السيف مضيه في ضريبته. سيف مطبق إذا وقع في المفصل.
والمصمم الذي يقطع العظام وغيرها من السلاح، والسراط كذلك، والسقاط الذي يقطع الضريبة
ويسقط من ورائها، وأنشد للنمر بن تولب:
تظلُّ تحفِرُ عنهُ إن ضَربتَ به بعدَ الذراعينِ والساقين والهادي
خروج ماضية، يعني ما قال فيه من الشعر، والرواة حملة الشعر، الواحد راوية وهو مأخوذ من
الرواية، وهو ما استُقي عليه من جمل أو غيره، والقرى الظهر، وهندواني سيف منسوب إلى الهند،
وصمم مضى في العظم.
فانِّي لهاجيهِم بكلِّ غريبة شَرُودٍ إذا الساري بلَيلٍ تَرَنَّما
غرائبَ أُلاَّفًا إذا حانَ وردُهَا أخَذنَ طريقًا للقصائدِ مَعلَمَا
لعمري لقد جَارَى دَعيُّ مجاشع عَذُومًا على طول المُجارَاة مرجَمَا
عذوما عضوضًا. مرجما يرجم الأرض بنفسه رجمًا شديدًا، أي يضربها ضربًا.
فأينَ بَنو القعقاعِ عَن ذَودِ فَرتَنَا وعن أصلِ ذاكَ القِنِّ أن يُتَقَسَّمَا
يعني القعقاع بن معبد بن زرارة، كانت أم البعيث أمَة له، واسمها وردة، من سبي إصبهان اشتراها
منه، أو وهبها له بشر بن خالد، فولدت البعيث، وكل أمَة عند العرب فهي تُدعى فرتنا، والقن ابن
العبد والأمة، وقوله أن يُتقسما المعنى: أين
[ ١ / ٢٢٧ ]
هم عنه أن لا يتقسموه فإنه هو عبد لهم.
فتؤخذَ مَن عندِ البعَيثِ ضَريبَةٌ ويُترَكَ نَسَّاجًا بدَارِينَ مُسلَمَا
أرى سَوءةً فَخرَ البَعيث وأمُّهُ تُعَارِضُ خالَيه يَسَارًا ومُقسَمَا
يبَينُ إذا ألقى العمَامَةَ لُؤمُهُ وتعرفُ وجهَ العَبد حينَ تَعَمَّما
فهلاَّ سَألتَ الناسَ إن كُنتَ جاهلًا بأيّامِنَا يا ابنِ الضَّروُطِ فتَعلَمَا
ورِثْنَا ذُرى عِزٍّ وتُلقَى طريقَنَا إلى المجدِ عَادِيَّ الموَارِدِ مَعلَمَا
ويروى نحوط حمى مجد وتُلقى، الموارد الطرق واحدها مورد، عادي قديم، معلم ظاهر، والمجد
الشرف، ويقال في مثل: في كل شجر نار، واستمجد المرخ والعفار. يضرب مثلًا للرجل، يخبر
بفضله، ثم يُبر عن غيره أنه أفضل منه.
وما كانَ ذُو شَغبٍ يُمارِسُ عيصَنَا فينظُرَ في كَفَّيه إلا تَنَدَّما
العيص الشجر الملتف، وقوله فينظر في كفيه. يقول: إذا تعيّف فنظر في يديه علم أنه لاقٍ شرًا.
سَأحمَدُ يَربوعًا على أنّ وردَهَا إذا ذيدَ لم يُحبَس وإن ذادَ حَكَّمَا
الورد هاهنا الجيش، شبهه بالورد من الإبل، والورد الإبل بعينها، والورد الماء والورد الحمّى،
والورد العطش، والورد الجزء من الليل يكون على الرجل يُصلّيه ويقرؤه وأنشد:
ظلَّت تَخفَّقُ أحشائي على كبدي كأنني من حِذارِ البَينِ مورُودُ
[ ١ / ٢٢٨ ]
وذيد حبس، يقول: إذا دُفع لم يندفع، وإذ ذاد هو منع، والتحكيم المنع، والحاكم من هذا أُخذ لأنه يمنع
الناس من الظلم، وكذلك حكمة اللجام، لأنها تمنع من غرب الدابة، ويقال قد حكم الرجل إذا انتهى
وكف. قال المرقّش:
يأتي الشبابُ الأقورِينَ ولا تَغبِط أخاكَ أن يُقالَ حَكَم
مَصَاليتُ يومَ الرَّوعِ تَلقى عصيَّنَا سُرَيجيَّةً يَخلينَ ساقًا ومَعصَمَا
مصاليت ماضون، واحدهم مصلات، والسريجية نسبها إلى بني سريج من بني معرض بن عمرو
بن أسد بن خزيمة، وكانوا قيونا. ويخلين يقطعن كما يُخلى البقل.
وإنّا لقَوَّالُونَ للخَيلِ أقدَمي إذا لم يَحِدْ وغُل الفوارِسَ مُقدَمَا
الوغل الضعيف، والوغل دخول الرجل على القوم يأكلون ويشربون، ليس منهم، فيأكل معهم من
غير أن يُدعى. وقال عمرو بن قميئة:
إنْ أكُ مِسكيرًا فلا أشربُ ال وَغْلَ ولا يسلَمُ مني البعير
والواغل الطفيلي وهو الراشن، والوغل ما جلّ في الغربال عن دقة.
ومَنَّا الذي ناجى فَلم يُخزِ قَومَهُ بأمرٍ قويٍّ مُحرزا والمُثلَّمَا
المناجي عميرة بن طارق، والمناجيان البرجميان اللذان ناجاهما عميرة، حين أراد أبجر أن يغزو
بني يربوع، وهو يوم بلقاء،
[ ١ / ٢٢٩ ]
ويوم صمد، ويوم أود، ويوم ذي طلوح.
ويومَ أبي قابُوسَ لم نُعطِهِ المُنى ولكن صَدَعْنَا البْيَضَ حتى تَهزَّمَا