وهو يوم أغارت فيه بنو عبس، على ربيعة بن مالك بن حنظلة، فأتى الصريخ بني يربوع، فركبوا
في طلب بني عبس، فأدركوهم بذات الجرف. قال: فقتلوا شريحا وجابرا ابني وهب من بني عوذ بن
غالب، وأسروا فروة وزنباعا ابني الحكم بن مروان بن زنباع. وأسر أسيد بن حناءة الحكم بن مروان
بن زنباع بن جذيمة بن رواحة بن ربيعة بن مازن بن الحارث بن قطيعة بن عبس. وقتل عصمة بن
حدرة ابن قيس بن عبد الله بن عمرو بن همام بن رياح سبعين رجلا من بني عبس - وقال قائل بل
قعنب بن عتاب بن الحارث بن عمرو بن همام هو الذي قتلهم فسمي في هذا اليوم قعنب المبير -
وقد كان العفاق بن الغلاق بن قيس بن عبد الله بن عمرو بن همام، خرج في طلب إبل له، فمرَّ ببني
عبس، فأخذه شريح وجابر ابنا وهب فقتلاه. قال: فنذر عصمة بن حدرة ألا يطعم خمرا، ولا يأكل
لحما، ولا يقرب امرأة، ولا يغسل رأسه، حتى يقتل به سبعين رجلًا من بني عبس فقال لما قتلهم:
[ ٢ / ٥٠٨ ]
الله قد أمكنني من عبس ساغَ شرابي وشفيتُ نفسي
وكنتُ لا أقرب طُهْرِ عِرسي ولا أشد بالوِخاف رأسي
ولم أكن أشربُ صَفْوَ الكأسِ
وقال في هذا اليوم الحطيئة وكان في الجيش فهرب:
لقد بلغوا الشفاءَ فأخبرونا بِقتلى من تقتلنا رياحُ
حَوتْنَا منهمُ لما التقينا رماحٌ في مراكزها رماحُ
وجُرِّدَ في الأعنَّةِ ملجماتٌ خفافُ الطَّرِف كلَّمها السلاحُ
إذا ثار الغبارُ خرجن منه كما خرجت من الغدر السراح
وما باءوا كَبَأرِهِمُ علينا بفضلِ دمائهم حتى أراحوا
قال: البأو: الكبر يقال منه، بأوت تبأى بأوا، قال وهو المصدر، قال: وقال في هذا اليوم أيضًا
شميت بن زنباع بن الحارث بن ربيعة بن زيد ابن رياح:
سائِلْ بنا عبسًا إذا ما لقيتَها على أي حيٍّ بالصرائم دَلَّتِ
قتلنا بها صبرًا شُريحًا وجابرًا وقد نهلت منها الرماح وعَلَّتِ
قال: شريح وجابر ابنا وهب، وهما من بني عوذ بن غالب.
جزيْنَا بما أمَّتْ أسيدةُ حِقبةً خويلةَ إذ آذنَّها فاستقلتِ
فأبلغ أبا حمرانَ أن رماحَنا قضت وَطرًا من غالبٍ وتغَلَّتِ
[ ٢ / ٥٠٩ ]
قوله وتغلت، يريد من الغلو وهو الزيادة، وهو من قولهم: قد غلا السعر وذلك إذ علا وارتفع. قال
وأبو حمران، عروة بن الورد العبسي.
فدىّ لرياحٍ إذ تداركَ ركضُها ربيعةَ إذ كانت بها النَّعْلُ زلَّتِ
فَطِرنا عُجالي للصريخِ ولا ترى لنا نَعمًا من حيثُ يُفزعُ شُلَّتِ
قوله شُلَّتِ، يريد لا يهمون بطرد إبلهم إذا فزعوا - وقال الأصمعي قال لبيد في مثل ذلك:
في جميعٍ حافظي عوراتِهم لا يهمُّون بإدعاقِ الشَّللْ
يقول: لا يهمون بطرد إبلهم، أي بالهرب إذا فزعوا وأتوا، ولكنهم يقيمون ثقة منهم بأنفسهم. وقال:
والشلل والطرد سواء. وقال الأصمعي: وقوله بادعاق، قال والأصل في إدعاق دعق يقال دعق يدعق
دعقا، قال وأرى أن أدعق إدعاقا لغة وهو الطرد -
وما كان دهري إن فخرتُ بدولة من الدهر إلا حاجةَ النفسِ سُلَّتِ
وقال في هذا اليوم رافع بن هريم الرياحي يرتجز:
فينا بقيَّاتٌ من الخيلِ صُرَّمٌ سبعةُ آلاف وأدراعٌ دُرُمْ
قوله درم، يعني ملسا غامضة المسامير. قال: وذلك لكثرة استعمالهم إياها املاست وسلست.
ونحن يومَ الجرفِ جئنا بالحَكمْ قَسرًا وأَسرى حوله لم تقتَسم
وصَدَّأ الدرعُ عليه كالحممْ
[ ٢ / ٥١٠ ]
وقال جرير يفخر على الفرزدق:
قُلْ لحفيف القَصَباتِ الجوفانْ جيئوا بمثلِ قعنبٍ والعلهانْ
والرِّدفِ عتَّابٍ غداة السُّوبانْ أو كأبي جزرةَ سُمَّ الفرسانْ
يعني عتيبة بن الحارث.
والحنتفينِ عند شَلِّ الأظعانْ وما ابنُ حِنَّاءةَ بالوغل الوانْ
ولا ضعيفٍ في لقاءِ الأقرانْ يومَ تسدَّى الحكمُ بنُ مروانْ
قوله تسدى، يقال من ذلك تسداه إذا علاه وركبه. وقوله الحكم، يعني الحكم بن مروان بن زنباع بن
جذيمة بن رواحة.
رجع إلى القصيدة:
إنَّ البعيثَ وعبدَ آل مُقاعسٍ لا يقرآنِ بسورةِ الأحبار
قوله وعبد آل مقاعس، أراد الفرزدق. ومقاعس هو الحارث وولده عبيد. قال: وعبيد وصريم ابنا
الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم، تقاعسوا عن الحلف فسموا مقاعسا. وقوله:
لا يقرآن بسورة الأحبار، فالباء زائدة. يقول: لا يقرآن سورة الأحبار. قال أبو عبد الله: يعني قوله
تعالى ﴿أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾ يعني لا يوفون بعهودهم.
[ ٢ / ٥١١ ]
أبلغْ بَني وقبانَ أنَّ نساءَهُمْ خُورٌ بَناتُ موقَّع خَوَّار
كُنتمْ بَني أمةٍ فأُغلقَ دُونكمْ بابُ المَكارم يا بني النَّخْوار
النخوار نبز نبزهم به. ويروى يا بني حجار. وحجار من بني مجاشع.
أبَني قُفيرةَ قدْ أناخَ إليكُمُ يومَ التَّقاسُم لُؤْمُ آلِ نزَار
إنَّ اللِّئامَ بني اللِّئامِ مُجاشعٌ والأخبثونَ محلَّ كُلِّ إزار
ضربَ الخميسُ على بناتِ مُجاشع حتَّى رجعنَ وهُنَّ غيرُ عذاري
إنَّ المواجنَ من بنات مُجاشَع مأوى اللُّصوص وملعبُ العُهَّار
تبْكي المُغيبةُ منْ بناتِ مُجاشع وَلهى إذا سمعتُ نُهاقَ حمار
لا تبتغي كمرًا بناتُ مُجاشع ويُردْنَ مثلَ بيازر القصَّار
قال: البيازر واحدتها بيزارة. قال: وكل عصا غليظة فهي بيزارة. قال: وهي هاهنا مواجن
القصارين، واحدتها ميجنة ن وهي التي تسميها الفرس الكذين.
أبُنَّي شِعرَةَ ما ظننتُ وحرْبُنا بعدَ المراس شديدةُ إلا ضْرار
سارَ القصائدُ واستبحنَ مُجاشعًا ما بينَ مصرَ إلى جنوب وَبار
سار القصائد واستبحن، يعني سلبوهم باحتهم ونزلوا بها. والباحة والساحة والعرصة كله واحد.
وقوله وبار، وهي أرض معروفة. وجنوبها يعني جوانبها.
يَتلاوَمون وقدْ أباحَ حريمهُمْ قينٌ أحلَّهُمُ بدارِ بوَارِ
قوله بوار، يريد به الهلاك، وهو من قوله تعالى ﴿وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ
[ ٢ / ٥١٢ ]
الْبَوَارِ﴾ يعني الهلاك.
لا تفخرَنَّ إذا سمعتَ مُجاشِعًا يَتخاوَرونَ تخاورَ الأثوار
أعْليَّ تغضَبُ أنْ قُفَيرةُ أشبهتْ منهُ مكانَ مُقَلَّدٍ وَعذار
قوله وعذار، يعني عارضيه. وعارضا الفرس خداه.
نامَ الفرزدقُ عنْ نَوار كنوْمِهِ عنْ عُقْرِ جعثِنَ ليلةَ الأحفار
قالَ الفرزدقُ إذْ أتاهُ حَديثُها ليستْ نوارُ مُجاشعٍ بنوَار
تَدْعو ضُرَيسَ بَني الحُتات إذا انتشَتْ وتقولُ ويحُكَ من أَحسَّ سواري
يقول تسكر فيضيع سوارها، فدعت ضُريس يطلب سوارها.
إنَّ القصائدَ لنْ يزلنَ سَوايخًا بحديث جعثنَ ما تَرَنَّمَ ساري
لمَّا بَنى الخطفى رضيتُ بما بَنى وأبو الفرزدق نافخُ الأكيار
وتبيتُ تشربُ عندْ كُلِّ مُقَصَّصٍ خضِلِ الأناملِ واكِفِ المعْصارِ
قوله مقصص أي ذمي قد جزت ناصيته.
لا تفخرَنَّ فإن دينَ مُجاشع دينُ المَجُوس تطُوفُ حَوْل دُوار
يعني صنما.
وقال الفرزدق في قتل قتيبة بن مسلم بن عمرو بن الحصين بن ربيعة بن خالد بن أسيد بن كعب بن
قضاعى بن هلال بن عمرو بن
[ ٢ / ٥١٣ ]
سلامان بن ثعلبة بن وائل بن معن بن مالك بن أعصر بن سعد بن
قيس بن عيلان بن مضر، وقتله وكيع بن حسان بن قيس بن أبي سود ابن كليب بن عوف بن مالك
بن غدانة بن يربوع، ويمدح سليمان بن عبد الملك ويهجو قيسًا وجريرا:
تحِنُّ بِزوراءِ المدينةِ ناقَتيِ حنينَ عجُولٍ تبتَغي البوَّرائِمِ
قوله حنين عجول، قال: العجول الثكلى، وهي المرأة تثكل أولادها، فشبه حنين الناقة بحنين الثكلى
وطلبها لولدها. قال: والبو جلد حوار يحشى ثمامًا ترأمه الناقة فهي تستدر به لينزل لبنها وتحسب
ذلك البو ولدها.
وَيا ليْتَ زوْراءَ المدينةِ أصبحتْ بِأَحفارِ فلْجٍ أَوْ بِسيفِ الكواظِمِ
قال: السيف شط البحر والكواظم يعني كاظمة وما حولها، وهو موضع معروف.
وكمْ نامَ عنِّي بالمَدينةِ لَمْ يُبَلْ إليَّ اُطِّلاعَ النَّفسِ دُونَ الحَيازِمِ
إذا جشَأَتْ نَفسِي أقولُ لَها أرْجُعي وراءَك واستحي بياضَ اللَّهازِمِ
جشأت ارتفعت لسوء وهمت بقبيح. يقول: كلما جشأت نفسي مما أجد وقرتها وقلت لها: استحي
بياض اللهازم وهو شبيه.
فإن التي ضَرَّتْكَ لَو ذُقْتَ طَعمها عليكَ منَ الأعباءِ يومَ التَّخاصُمِ
يقول: هذه القصيدة، أو الشيء الذي قاله من قصيدة، أو نحوها، لو
[ ٢ / ٥١٤ ]
ذقت طعمها يريد ثوابها من الأعباء والثقل لكان عليك ثقيلًا. قال: والمعنى يقول: كم نام عني بالمدينة من خلي أي من رخي
البال، لا يبالي ما أنا فيه من الكرب والغم الذي قد خرجت نفسي له من الحيازم إلى التراقي. قال:
والحيزوم الصدر. وقوله لم يبل يريد هو خلي البال كما تقول العرب "ويل للشجي من الخلي" يريد
للحزين من الفرح. قال أبو عبد الله: يقال إن هذا أراد به المرأة. وقوله يوم التخاصم، يريد يوم
القيامة لقول الله تعالى ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾.
ولسْتَ بِمأخوذٍ بَلْغو تقُولُهُ إذَا لَمْ تعمَّدْ عاقِداتِ العزَائِمِ
وروى أبو عبيدة بقول تقوله، بلغو قال: بقول لا يؤاخذك الله باللغو في كلامك فإن عزمت على شيء
وعقدته آخذك به.
ولمَّا أَبَوْا إلاَّ الرَّحِيلَ وأَعْلَقُوا عُرىً في بُرىً مَخْشوشَةٍ بالخزائمِ
يروى فلما أبوا إلا الرواح وأعلقوا ن يعني الأزمة في الأخشة، وهي جمع خشاش، وهي الخشبة في
أنف البعير، وهي البرى، وذلك حين أرادوا الرحيل، وكانت قبل ذلك معطلة في الرعي. والخزامة
حلقة من شعر تكون في أنف الناقة مكان البرة، والبرة من صفر.
وراحُوا بجثمانيِ وأمْسَكَ قلبهُ حُشاشتُهُ بينَ المصلَّى وواقِمِ
ويروى بجسماني وهو الجسم، وكذلك الجثمان، الحشاشة بقية الروح. وواقم بالمدينة، أراد حرة واقم.
ويروى قلبه، حبالته يعني حبالة القلب، أي تلك التي كلف بها قد صادت قلبه فكأنها حباله الصائد.
[ ٢ / ٥١٥ ]
أقولُ لمغْلوبٍ أماتَ عِظَامَهُ تَعاقُبُ أدْرَاجِ النُّجُومَ العَواتِمِ
مغلوب صاحب له غلب عليه النعاس والإعياء. أدراج النجوم سير العقب بالنجوم.
إذا نحنُ ناديْنَا أبَى أنْ يُجيبنَا وإنْ نحنُ فدَّينَاه غيرَ الغَماغم
قال: الغمغمة: صوت لا يفهمه من نعاسه وإعيائه.
سيُدْنيكَ مِنْ خَيْر البَريَّةِ فاعتَدلْ تناقُلُ نَصِّ اليملات الرَّواسِمِ
قوله فاعتدل يريد فانتصب لا تنم. ويروى أيضا فانتصب. التناقل: نقلها قوائمها في السير.
إلى المُؤْمِنِ الفَكاكِ كُلَّ مُقيَّدٍ يَداه ومُلقِي الثِّقلَ عنَّ كُلِّ غَارِمِ
بِكفَّينِ بيضَاوَيْنِ في رَاحتيهمَا حَيَا كُلِّ شَيءٍ بالغيُوثِ السَّواجِمِ
بِخَيرْ يَدْي مَنْ كانَ بعدَ مُحمَّدٍ وجارَيهْ والمظلُومِ للهِ صَائِمِ
فلمَّا حَبَا وَادي القُرى مِنْ ورائِنَا وأشرفْنَ أقتَارَ الفجَاجِ القواتِمِ
ويروى وأعرض أركان الرعان القواتم. وراءنا هاهنا أمامنا، حبا: أشرف. والقتمة: سواد في
الحمرة، وجارا النبي ﷺ، أبو بكر وعمر، والمظلوم عثمان ﵃.
لَوَى كُلُّ مُشتاقٍ مَنَ القومِ رأسَهُ بِمغرورِ قاتٍ كالشَّنانِ الهَزَائِم
ويروى من الركب. الهزائم المنكسرة. والشنة القربة الخلق تبرد الماء ولا تسيل.
[ ٢ / ٥١٦ ]
وأيَقَنَ أنَّا لن نرُدَّ صُدُورها ولمَّا تُواجهها جِبالُ الجَراجِمِ
وأيقن يعني الرجل. قال: وروى عمرو بن أبي عمرو وأيقن يعني النوق. قال: والجراجم نبط الشام،
واحدهم جرجماني.
أكُنتُمْ ظننتُمْ رِحلتي تنثنيِ بِكُمْ ولَمْ ينقُضِ الإدلاجُ طَيَّ العمائمِ
ويروى حسبتم رحلتي تنقضي. قوله تنثني بكم أي تصرفكم عن وجوهكم. والإدلاج: سير الليل كله،
والإدلاج التبكير.
لَبِئسَ إذًا حامي الحقيقةَ والَّذي يُلاذُ به في المعضِلاتِ العظائِمِ
وماءٍ كأنَّ المنَّ فوقَ جمامِهِ عباءٌ كستهُ من فُروجِ المخارِم
كسته ذلك الغبار الرياح، المخرم منقطع الطريق في الجبل.
رياحُ على أعطانه حيثُ تلتقِي عفَا وخَلا مِنْ عهدِهِ المُتقادِمِ
وردتَ وأعجازُ النُّجومِ كأنَّها وقَد غارَ تاليها هجائنُ هاجِمِ
ويروى وأرداف، وقوله هاجم هو طارد يطرد إبله، قوله هجائن هاجم، الهاجم صاحب إبل قد هجم
بها على الماء. وأراد اجتماع النجوم في الغرب للمغيب. وقد غار تاليها وهو آخرها، أي غابت هي
في المغيب، وتاليها: كوكب الصبح في المشرق وقد ذهب بها ضوء الفجر.
بغيدٍ وأطلاحٍ كأنَّ عُيونهَا نطاف أظلتُها قِلاتُ الجماجِمِ
بغيد يريد بفتيان شباب، لينة أعناقهم ومفاصلهم. وقوله وأطلاح، هي الإبل المعيية قد بلاها السفر.
ونطاف: مياه. وقوله أظلتها، يريد
[ ٢ / ٥١٧ ]
صيرتها في ظلال القلات. قال، والقلت: قلت العين مدخلها في
الرأس. والجماجم يعني رءوسها واحدتها، جمجمة. قال أبو عبد الله: قوله غيد يعني يثنون من
النعاس.
كأنَّ رحالَ الميْس ضمَّتْ رحالُها قناطرَ طيِّ الجندلِ المُتلاحم
الميس: شجر تتخد منه الرحال. والمتلاحم: المتراصف الذي قد أخذ بعضه بعضًا.
إليكَ وليَّ الحقِّ لاقَى غُروضها وأحقابَها إدْراجُها بالمنَاسِم
يقول: ضمرت فالتقت عرى الغروض، وهو مثل الحزم من الأدم. والأحقاب مثل الحبال. يقول:
كانت عراها لا تلتقي فلما أضمرها السفر التقت.
نواهضَ يحملن الهِمومَ التَّي جفتْ بنا عَنْ حَشَايا المُحصنات الكَرائم
ليبلُغنَ ملءَ الأرض نُورًا ورحمةً وعدلًا وغيثَ المُغبرات القَواتم
ويروى أمنا وعصمة.
جُعلتَ لأهْل الأرْضِ عدلًا ورحمَةً وبُرءًا لآثار الجُروح الكَوالم
كَما بعثَ الله النَّبيَّ مُحمَّدًا على فترَة والنَّاسُ مثلُ البَهائم
ورثتُمْ قناةَ المُلك غيرَ كلالَة عَن ابْني مَنَاف عَبْد شَمْس وهَاشم
تَرى التَّاجَ مَعقودًا عليْه كأنَّهُمْ نُجُومٌ حَواليْ بدْر مُلك قُماقم
عجِبْتُ إلى الجَحَّادِ أي إمارةٍ أرادَ لأنْ يزدادها أو دراهم
[ ٢ / ٥١٨ ]
يعني الحجاج بن يوسف.
وكانَ عَلى ما بينَ عمَّانَ واقفًا إلى الصِّين قَدْ ألقوا لهُ بالخزائم
قوله ما بين عمان، هو موضع ببلاد الشام، وقوله بالخزائم يعني ذلوا له وانقادوا، كما يذل البعير إذا
خزم بالبرة أو بالخشاش.
فلمَّا عَتَا الجَحَّادُ حينَ طَغَى به غنى قالَ إنِّي مُرتق في السلاَّلَم
ويروى طغت به مني. قوله مرتق في السلالم يريد أصعد إلى السماء.
فكانَ كَمَا قَالَ ابنُ نُوح سأرتَقي إلى جبَل منْ خَشيَة الماءِ عَاصم
رَمَى الله في جُثمَانه مثلْ ما رَمَى عن القِبلةَ البيضاءَ ذاتِ المحارم
يقول لم ينفعه شيء. مثل ما رمى أي مثل ما رمى الله ﷿. قوله ذات المحارم يعني طيرًا
أبابيل جاءت تنصر البيت.
جُنودًا تسُوقُ الفيلَ حتى أعَادَها هباءٌ وكانُوا مُطرَ خمَّي الطَّراخم
نُصرتَ كنَصْر البيت إذْ ساقَ فيلَهُ إليه عَظيمُ المُشركينَ الأعَاجم
وما نُصر الحجاجُ الاَّ بغيره على كُلِّ يومْ مُستحرِّ المَلاحم
الملاحم القتال. يقول: هلكت الحبشة فكانوا كعصف مأكول.
بقَوْم أبوُ العَاصي أبُوهُمْ توارْثَوُا خلافةَ أُميَّ وخيْر الخَواتم
يعني النبي ﷺ، أنه خاتم الأنبياء، وهو خير الأنبياء ﷺ.
[ ٢ / ٥١٩ ]
ولاَ رَدَّ مُذْ خطَّ الصَّحيفَةَ ناَكثًا كَلامًا ولا باتَتْ لهُ عينُ نَائم
ولاَ رَجعُوا حتَّى رأَوا في شماله كتابًا لمغَرْور لدَى النَّار نَادم
ويروى حتى رأى. وقوله لدى النار، يريد إلى النار. الرواية لمغلول إلى النار.
أتَاني ورَحْلي بالمَديَنة وقعَةٌ لآل تَميم أقْعَدتْ كُلَّ قَائم
قال: يعني قتل وكيع بن حسان بن قيس بن أبي سود، أحد بني غدانة بن يربوع، قتيبة بن مسلم
الباهلي، على قتل ابني الأهتم. قال: والأهتم هو سنان بن سمي. وذلك أنه لما أراد قتيبة أن يستخلف
عبد الله ابن عبد الله بن الأهتم، أتاه بشير بن صفوان بن عمرو بن الأهتم، فقال له بشير: أصلح الله
الأمير، إنك تريد أن تستخلف عبد الله، وهو رجل حريص حسود غدور كفور. ومتى تستخلفه يخنك،
ويكفرك، ويغدر بك. فغيَّر منزلتنا عندك، وأفسدنا عليك. فحمله قتيبة على الحسد من بشير لعبد الله،
فقال له قتيبة: لا، ولكنك حسدت ابن عمك. قال: فاذكر قولي، واقبل عذري، إن فعل فاستخلفه، وغزا
فرغانة. - وقال أبو الحسن المدائني: لم يغز فرغانة وإنما غزا سجستان - حين ضمت إليه الجنود.
قال أبو عبيدة: فجعل عبد الله يشقق الكتب في قتيبة إلى الحجاج بعوراته، ويحمله عليه، ويطلب
عمله. فإذا وردت كتبه إلى الحجاج طواها في بطون كتب إلى قتيبة، فتمر بها الرسل إلى عبد الله،
فتطويه بها إلى قتيبة بفرغانة، حتى تواترت كتبه. قال: فلما رأى ذلك قتيبة، ضاق بذلك ذرعًا. قال:
فدعا عند ذلك نفرا من بني تميم، فشكى إليهم
[ ٢ / ٥٢٠ ]
عبد الله بن عبد الله بن الأهتم، فهرب عبد الله حتى أتى مكران،
ثم عبر إلى عمان، فأتى مكة، وأتى المدينة، وكان شبيهًا بالموالي في خلقته. قال: فعصب
إحدى عينيه بخرقة، وجعل يبيع الخمر والأدهان، يطوف بها على ظهره، ومعه غلمان له يبيعون
معه، فكتب فيه قتيبة إلى الحجاج أن عبد الله عدو الله، حمل بيت مال خراسان وهرب، وكتب فيه
إلى الوليد فكتب إلى الآفاق. فلم يقدر عليه لتنكره، وأخذ قتيبة شيبة ابنه أبا شبيب، وأخذ أخا لشيبة
بن عبد الله فقتلهما، وأخذ بشير بن صفوان بن عمرو بن الأهتم، فقال: قد كنت أخبرتك بغدره،
وتقدمت في المعذرة إليك، واستعهدتك من ذلك. فقال له قتيبة: صدقت، لقد أنبأتني بذلك، ولكنه دسيس
ومكر منكما، فإن تم لكما ما أردتما، لم يكن ذلك ضرك، وإن صرعكما الله، كنت قد أخذت لنفسك أمنا
ونجاة، فقتله، وقتل ابنا لبشير، وقتل معهم نفرا. قال: فمر وكيع بن حسان بن قيس ابن أبي سود،
وهريم بن أبي طحمة على بشير في السوق، وقد قطعت يداه ورجلاه وضربت عنقه - قال أبو
الحسن المدائني: بل قطع يديه ورجليه، وطرحه في الثلج حتى مات - وهما يريدان قتيبة، فلما دخلا
عليه، قال: يا وكيع ألم تر ما فعلت بصديقك أبي الزقاق، وهو يظن أن ذلك يوافق وكيعا، وكانا
يتنازعان كثيرا، وذلك للشحناء التي كانت بين حنظلة بن مالك بن زيد مناة، وبين بني سعد بن زيد
مناة بن تميم. فقال وكيع: سبحانه الله، ما بلغ كنه ما بيني وبينه، ما تبلغ عقوبته ما رأيت، فغضب
قتيبة حتى كاد يطير. وقام وكيع، فلم يزل قتيبة ينظر في قفاه حتى تغيب. قال: وتبعه هريم، فقال
لوكيع: لا تدع جفاءك. أبدا، تعمد إلى جبار يقطر سيفه دما، فتكلمه بمثل ما كلمته، حتى تربد وجهه
تربدا خفته عليك. وما زال يتئر بصره - أي يديم النظر - في قفاك حتى قلت: الساعة يأمر بك.،
فقال وكيع لهريم: لا تخشى أن
[ ٢ / ٥٢١ ]
يقتلني، فأنا والله أقتله. قال: فلم يصل وكيع يومئذ الظهر ولا العصر
ولا المغرب، فقيل له: ألا تصلي يا أبا المطرف؟ فقال: ما أصنع بالصلاة، وقد قُتل من بني الأهتم
من قُتل. لا يغضب لهم أحد لا من في الأرض ولا من في السماء. قال: فعزله قتيبة عن رئاسة بني
تميم، واستعمل مكانه ضرار بن حصن الضبي. قال زهير بن الهنيد: وكان أول ما هاج مقتل قتيبة
بخراسان، أن الوليد بن عبد الملك، في آخر عمره، أراد خلع سليمان، وأن يجعل ابنه عبد العزيز بن
الوليد، ولي عهد. ودس في ذلك إلى القواد والشعراء. فقال جرير في ذلك:
إذا قيل أيُّ الناس خيرُ خليفةٍ أشارت إلى عبدِ العزيزِ الأصابعُ
رأَوُهُ أحقَّ الناسِ كُلِّهِمُ بها وما ظَلموا إن بايعوه وسارعوا
وقال جرير أيضا يحض الوليد على بيعته:
إلى عبدِ العزيزِ سَمَتْ عيونُ ال رَّعيةُ إذ تُخيرِّتِ الرِّعاءُ
إليهِ دَعتْ دَواعِيَهُ إذا ما عمادُ المُلِك خَرَّتْ والسماءُ
وقال أولو الحكومةِ مِنْ قريشٍ علينا البيعُ إذ بَلغَ الغَلاءُ
رَأَوْا عبدَ العزيزِ وليَّ عهدٍ وما ظلموا بذاك ولا أساءوا
فماذا تنظرون بها وفيكم جُسورٌ بالعظائم واعتلاء
فزَحلِفها بأزفلِها إليه أميرُ المؤمنين إذا تشاء
قوله فزحلفها إليه، يعني ادفعها. وقوله بأزفلها يريد بأجمعها.
فإن الناس قد مدُّوا إليه أكُفَّهم وقد بَرِحَ الخفاء
ولو قد بايعوك ولي عهد لقام الوزن واعتدل البناء
[ ٢ / ٥٢٢ ]
قال أبو عثمان: حدثنا الأصمعي، وليس هذا من النقائض، قال للمذمر مكانان يمسهما المذمر،
فأحدهما ما بين الأذنين، إذا وجده غليظا تحت يده، علم أنه ذكر، وإذا رآه يموج تحت يده، علم أنه
أنثى. قال والمكان الآخر أن يمس طرف اللحى، فإن وجده لطيفا، علم أنه أنثى. وإن وجده جائسا،
علم أنه ذكر، ومن ذلك قول عتيبة بن مرداس. ويقال له ابن فسوة:
تطالعُ أهلَ السُّوقِ والبابُ دونها بمستفلك الذّفْرَى أسيلِ المُذَمَّرِ
قوله تطالع أهل السوق، وذلك لطول عنقها. وإنما يصف ناقة محبوسة في دار، فهي ترفع رأسها،
فتشرف من فوق الحائط، وقوله بمستفلك الذفرى، قال: الذفرى ما خلف الأذنين، قال أبو عثمان:
وأنشد الأصمعي للكميت:
وأنسى في الحروب مُذَمَّريكم نتاجَ اليتن ما صِقةَ السليل
يريد في حروب مخالفة، لا تنتج على استقامة. وإنما تنتج يتنًا. قال واليتن الذي تخرج رجلاه قبل
رأسه مقلوبا. يقول: فلا أدري أذكر هو أم أنثى، يضرب مثلا للأمر الذي لا يهتدى له، كما قال
الكميت:
وقال المُذَمِّرُ للناتجين متى ذُمِّرَتْ قبلي الأرْجُلُ
الزيادة إلى هنا
قال: فبايعه على خلع سليمان الحجاج بن يوسف، وقتيبة بن مسلم. قال: ثم طعن في نيط الوليد -
يعني مات. كما تقول: طُعن في جهازه،
[ ٢ / ٥٢٣ ]
وذلك إذا مات. قال: ونيط واحد وجمعه نياط - قال فقام
سليمان بن عبد الملك يوم السبت للنصف من جمادى الآخر - قال، وقال أبو الحسن المدائني،
للنصف من ربيع الآخر - سنة ست وتسعين، فخافه قتيبة، فخرج غازيًا حتى لحق بفرغانة في
الناس، وخلف حماد بن مسلم على مرو، قال: وبعث رسولًا إلى سليمان بثلاثة كتب، وقال لرسوله:
إذا دفعت إليه الكتاب الأول، وكان فيه وقيعة في يزيد بن المهلب، يذكر غدره وكفره وقلة شكره، فإن
قرأه ودفعه إلى يزيد، فادفع إليه هذا الآخر، وكان فيه ثناء على يزيد، فإن قرأه ودفعه إلى يزيد، فادفع
إليه هذا الكتاب الثالث، وكان فيه "لئن لم تقرني على ما كنت عليه، وتؤمني لأخلعنك خلع النعل،
ولأملأنها عليك خيلا ورجالا". قال: فدفع الأول إليه، ويزيد عنده، فلما اقترأه، دفعه إلى يزيد. فدفع
إليه الكتاب الثاني، فلما اقترأه، دفعه إلى يزيد أيضًا. قال: فدفع الكتاب الثالث إليه فلما اقترأه، وضعه
بين مثالين من المثل التي تحته، ولم يحر في ذلك مرجوعا. قال: ولم يشك الناس أنه مستعمل يزيد
بن المهلب. قال: وقد كان في نفس يزيد على قتيبة ما كان، لبعثه الحجاج إياه عليهم إلى خراسان،
فرهب أيضا ذلك. قال سعدان، قال أبو عبيدة، قال أبو مالك: وكان قتيبة لا يزال يلقي الكلمة بعد
الكلمة، يستطلع بذلك آراء الناس ولا يعالنهم، فقال يوما: هذه وفود الشام تقدم عليكم في البيعة،
فقولوا: لا نبايع إلا على أن يقسم فينا فيئنا، ولا تغزونا مرابطات أهل الشام. فقال جدي وكيع: أنت
الأمير، فابدأ فقل، ثم نقول نحن، فقال له قتيبة: اسكت لا أم لك. ومن سألك عن هذا؟ قال: أنت
آمرتنا فأجبتك. قال: وكانت فيه عليه غلظة، فعزله عن رئاسة بني تميم، وجعل عليها ضرار بن
حصن بن زيد الفوارس الضبي، ثم قال لهم يوما: استخلف عليكم يزيد بن ثروان، والناس يومئذ
عرب، فعرفوا أنه
[ ٢ / ٥٢٤ ]
عنى هبنقة، فشبه سليمان به، وهذا كله ابتيار منه للناس - يريد اختبار منه للناس
- ليدعوهم إلى خلعه، فلما لم يجب إلى ذلك، قام فيهم خطيبا، وهو عاتب عليهم، قال: فعرض ولم
يصرخ بالخلع وعاب القبائل وحضهم.
قال، وقال أبو عبيدة، قال زهير: وحدثني أبو نعامة، أنه قال: وقد كان مدد من الأعراب أمد بهم من
الهند وجزائر البحر فقال: "يا أهل السافلة، ولا أقول أهل العالية، إنما أنتم أو شاب من أو شاب كأبل
الصدقة جمعت من كل أوب، يا بكر بن وائل، يا فراش النار وذبان الطمع، بأي يوميكم تخوفوني،
أبيوم سلمكم أم بيوم حربكم؟ فو الله لأنا أعز منكم في الفتنة، وأمنع منكم في الجماعة، يا بني ذميم،
ولا أقول يا بني تميم، يا أهل الغدر والقصف - يعني الضعف والخور - كنتم تسمون الغدر في
الجاهلية كيسان، يا عبد القيس يا معشر الفساة، يا عبيد الكراب، ورعاء البقر، وسواق الحمير، خليتم
إبار النخل وحصد الزرع، وارتبطتم الحصن وركبتموها بعد طول الترقي في النخل، يا معشر الأزد
والله لانتم بأعنة السفن، ولبس التبابين، وجذب أعنة السفن، أحذق منكم بأعنة الخيل، رفضتم
المرادي، وأخذتم الرماح، والله إنها لبدعة في الإسلام، والأعراب وما الأعراب! ولعنة الله على
الأعراب، جمعتكم من منابت القرظ، والشيح، والقيصوم، ومنابت الغاف - وهو الينبوت - والقاتل،
ومن جزيرة عمان، ومن جزيرة ابن كاوان، تركبون البقر، وتاكلون القضب، حتى إذا اجتمعتم
اجتماع قزع الخريف، فحملتكم على الخيل وسلحتكم، وفتح الله لكم البلاد، وقلتم وقلتم كيت وكيت،
وذيت وذيت. كلاَّ والله، إنه ابن أبيه، وأخو
[ ٢ / ٥٢٥ ]
أخيه، العصا من العصية حول الصلبان الزمزمة - نبت
يعجب الإبل تزمزم حوله وتدور - لأعصبنكم عصب السلمة، يا أهل خراسان، والله لئن شئتم
لتجدني غشمشما، أغشى الشجر مثل البعير يمر بالشجر فيدقه لا يبالي. ألم أكن أيمن عليكم نقيبة من
حنيف الحناتم - وكان أحسن الناس قياما على إبله فضرب به المثل - من تيم اللات بن ثعلبة؟ ألم
أكن أغزيكم قبل الشتاء، وأقفلكم قبل الفراء، يا أهل العراق، انسبوني من أنا، والله لتجدني عراقيا ابن
عراقي، الشام أب مبرور، والعراق أب مكفور، حتى متى يتبطح أهل الشام في أفنيتكم وظلال
دياركم، إن هاهنا نارا حمراء فارموها أرم معكم، أرموا غرضكم الأقصى فقد استخلف عليكم أبو نافع
ذو الودعات. يا أهل خراسان، أتدرون لمن تبايعون. تبايعون يزيد بن ثروان! كأني بأمير فتى قد
أتاكم فأكل فيئكم وسامكم سوء العذاب. سميت هذا النهر معتقا - يعني نهر بلخ -
إنَّ امرءًا عرف اليمامةِ قلبُهُ أعطى الملوكَ مقادَةً لمضِلل
ويروى كلها أعطى - يا أهل خراسان، أما تذكرون ما كنتم فيه، وما أنتم اليوم فيه. فتحمدون الله
على ما أصبحتم فيه، فقد وليتكم الولاة قبلي وجربتموهم، فاذكروا كيف كنتم كيف كانت حالكم في
الفرقة بالأمس - يعني عبد الله بن خازم السلمي - ثم أتاكم أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد، فكان
كاسمه أمية الرأي، كان في رأيه ودينه وعقله كاسمه - أي أمة صغرت أمية - أمية الدين أمية العقل
في قرب أثره، لم يفتح أرضا، ولم ينك عدوا، وزعم أن جبايتها لا تكفي بطنه، فكتب إلى خليفته: إن
خراج خراسان لو كان في مطبخه لم يكفه. ثم أتاكم بعده المهلب، فدوَّم بكم أبو سعيد ثلاث سنين، لا
[ ٢ / ٥٢٦ ]
تدرون أفي معصية أنتم أم في طاعة، لم يجب مالا، ولم يستفئ فيئا، ولم ينك عدوا، ثم بنوه من بعده،
كأطباء الكلبة، منهم ابن دحمة حصانا تبارى له النساء صباح مساء. وجئتكم أنا، فانظروا كيف نعمة
الله اليوم منها قبل ذلك، وأين ما أنتم فيه اليوم مما كنتم فيه قبل؟ ألست أعظم منا عليكم من حنيف
الحناتم؟ ألست أغزيكم فلا أجمركم - معناه لا أحبسكم - فقد ترون ما أصبحتم فيه، إن الظعينة
لتخرج من مرو إلى سمر قند في غير جوار، فأرم القوم سكوتا، ما يحير أحد منهم جوابا. ثم قال: يا
معشر أهل خراسان أتيتكم وأنتم رجلان، رجل عند جرته - قال أبو عبد الله جرته بفتح الجيم - إن
هدرت هدر، وإن استقرت استقر. عليكم يزيد بن المهلب، لا بل ينقص لا يزيد، حمارا نهاقا ينهق
كلما برق له الصبح نهقة أو اثنتين، ثم التفت فإذا حوله من الصغد - والسغد يقال بالسين والصاد -
أربعة آلاف في الحديد، فقال: والله إن في هؤلاء لمنتصرا للدين، ومقارعة عن حريم المسلمين، قال:
ثم نزل فدخل رواقه ولبس قميصا وملحفة سابريين، ثم أمر بأبناء السغد، يعرضون عليه في السلاح،
معهم السيوف والخناجر ن وقد قتل آباءهم. قال: فعرض عليه أربعة آلاف منهم، ثم قال: ذهب الفتك
من السغد سائر الدهر. كأنه استقتل، فهمت به القبائل جمع. قال: وقد كان بعث إلى ذراري الذين معه
ليحوزهم إلى مدينة سمر قند دون فرغانة، ويأخذهم رهائن، فحشرهم حماد بن مسلم خليفته قال، وقال
زهير بن الهنيد فحدثني عمي المهلب ابن إياس بن زهير بن حيان بن قميئة، أنه لما بعث إلى
ذراري من معه، منع الناس وقطع نهر بلخ ن وبين عسكره وبين المفازة سبعون فرسخا، واستعمل
على ذلك مولى له يقال له بندة الخوارزمي، فنزل دون النهر إلى العراق، وجمع المعابر فحرقها. قال
زهير وكان مع قتيبة
[ ٢ / ٥٢٧ ]
أبي إياس بن زهير، وعماي عبيد الله بن حيان وعبد الله ابنا زهير بن حيان
بن قميئة، فقال أبي: أصلح الله الأمير، قد عرفت نصيحتي لك، وانقطاعي إليك، ولم أشعر بما أردت
ولم يعلمني الأمير ولم أكن أعلم بالذين بعثتهم إلى ذراريهم، وإن لي أصيبية صغارا، وضيعة ومالا،
وليس لهم من يغني شيئا ولا يجزي، فإن رأى الأمير أن يأذن لابني الهنيد فيكتب له جوازا، فيضم
مالي وضيعتي، ويحمل صبيتي فليفعل. فكتب له قتيبة بيده، وكذلك جوازه بخط يده قال، فقال الهنيد:
فأقبلت من عسكره وحدي ما أرى أحدًا يتحرك حتى قطعت المفازة من خوفه، فلما وقفت على شط
نهر بلخ مما يلي فرغانة، ألمعت بسيفي ليروني من الجانب الآخر، فيعلموا أني رسول فيأتوني
بالمعبر، قال: فلما ألمعت قطع إلي نفر في المعبر، فقالوا: من أنت؟ قال: فانتسبت وقلت: رسول
الأمير، فرجوا فأخبروا مولى قتيبة الخوارزمي، بقولي واسمي ونسبي، وعرفوني. قال: فردهم
فرجعوا يحملونني، فحملوني فأتيته في قصره، حتى إذا دخلت عليه في يوم قائظ، وقد أمعرت من
الزاد، وطال يومي، وأنا شاب أتضرم ولا أصبر، قال: فإذا خوانه مهيأ ليؤتى به، فلولا الحياء لملت
إلى الخوان فرجوت أن يعجل به خادمه، قال: فأقبل يستخبرني فيم وجهت، فقلت: في حاجة للأمير
مكتومة، وأقبل يستخبرني الأخبار وعن حال الناس، قال: ولهى عن الغداء، وأقلقني الجوع، فلما طال
على ذلك قلت لوصيف له: هلم ذلك الخوان، قال هو حينئذ قربه إليه. فجعلت آكل وهو يسألني وأنا
أحدثه.
فقال زهير بن الهنيد، وجهم وأبو مالك: فأبرمت اليمانية أمرها، وأجمعت رأيها على الخروج عليه،
والنهض به على قتله، فلما تبايعت على ذلك، وكانوا أول الناس فعل ذلك، قالوا: لو دعونا حلفاءنا
[ ٢ / ٥٢٨ ]
وأدخلناهم في أمرهم، قال: فأتوا الحضين بن المنذر. قال أبو عبد الله: كل اسم فهو الحصين بالصاد
غير معجمة غير هذا فإنه بالضاد معجمة، وهو صاحب رايه قومه يوم صفين. وقد روى عن علي
بن أبي طالب ﵁ فعرضوا ذلك عليه، ودعوه إلى أن يدخل فيما دخل فيه الناس، فقال
الحضين: هل دعوتم إلى أمركم هذا أحدًا من بني تميم؟ قالوا: لا ولا نريد إدخالهم في هذا الأمر، ولا
إطلاعهم عليه، قال: قد عرفتم أن بني تميم أعد أهل خراسان رجلا عربيا، ومتى تريدوا هذا الأمر
يكونوا أشد الناس عليكم، فلا يغرنكم ما كان بينهم وبين قتيبة، فانكم إن لم تدخلوهم في هذا الأمر، لم
يسلموه أبدا، فإن نصرته تميم تجمعت له مضر، وإن اجتمعت مضر، وقد علمتم أن العجم جنود
خراسان وبيت المال معهم. والمال لهم والسلطان لهم. لم ير بعضنا مصرع بعض، ثم قال لهم: لست
من هذا ولا جملي ولا رحلي، أنا أول لاحق بقتيبة حتى ينجلي هذا الأمر، فقالوا لا وحشة بنا إليهم،
فرجعوا عنه ولم يجبهم. قال زهير: فتدافعوا، لا يتقلدها أحد اتقاء ألا يتم الأمر هيبة لقتيبة، قال:
وكان قتيبة أشد سلطانا من الحجاج، وهيبة في صدور الجند. قال: وكان الحجاج استعمله على فرض
أهل الكوفة إلى خراسان. وكان أبوه زحر بن قيس من وجوه أصحاب عليّ - ﵁ - قال:
واستعمل سعد بن نجد من الجراميز ابن الحارث بن مالك ابن فهم من الأزد، على فرض أهل
البصرة من الأزد إلى خراسان. فلما عرس أمرهم - أي عسر - قالوا: لو أتينا الحضين فأشار علينا.
فأتوه فقالوا له: ما الرأي؟ فقال: الرأي عندي أن تأتوا الأهوج من بني تميم - يعني وكيع بن سود -
فتقلدوه هذا الأمر - وقال جهم: فإن تأتوا هذا الرجل من بني تميم - فإنكم إن قلدتموه هذا الأمر،
أعانته تميم أو كف عنكم من لم يرد نصره - وقال جهم: أو كف من لم يعنه - فلم ينصر
[ ٢ / ٥٢٩ ]
قتيبة، فإن انصرفت تميم عن قتيبة انصرفت مضر وتخاذلت. وإن نصر قتيبة بعضهم كنتم قد ألقيتم بأسهم
بينهم، فإن ظفرتم فهو ما طلبتم، وإن لم يتم هذا الأمر كان البلاء بهم، ولم يستحر الشر إلا ببني تميم.
قال فأتوا وكيعا فيابعوه، وأخذ منهم الطلاق والعتق، وجعل يأتي الفقير عبد الله بن مسلم، فيشرب
عنده إلى هدء من الليل ثم يرجع، قد واعدهم تلك الليلة بعد رجعته، فيأتيه الناس فيبايعونه على
الطلاق والعتق، وجعل يأتي شباب بني مسلم ويشرب معهم، ويتساكر، وليس به سكر حتى فشا ذلك
في الناس وعرفوه، فقال ضرار ابن حصين الضبي، رأس بني تميم لقتيبة، وخبره بكل ما كان من
أمرهم، فقال له عبد الله بن مسلم، إنه عندي وعند شبابنا يخرج كل ليلة سكران ما يبت سكرًا، قال
فاكذب عنه، وجل وكيع يأتي أهل مسلم، ولا يجهد الشراب، ويتساكر عليهم. قال: وربما تناوم، وربما
راهم أن الشراب قد غلبه، حتى يحمل إلى منزله في كساء، فجعل أمره يستبين، ويأتي ضرار بذلك
قتيبة من أمره، حتى كاد يأخذ ذلك في قتيبة. قال: وكان عبد الله لا يصدق أن وكيعًا يفعل شيئا تلك
الساعة لما يراه به. قال: فقال ابعث من ينظر إليه، فبعث قتيبة فوجده عند عبد الله سكران، فرجعوا
فأخبروا قتيبة. قال: فتراخى عنه حتى أشعلها عليه، فأتى ضرار قتيبة. فقال برئت إليك من جناية
وكيع، فقد دسست اليه ابن عمي ضرار بن سنان الضبي فبايعه، قال: ووضح أمر وكيع، وقام ابن
توسعة فقال:
تنمَّرْ وشَمِّرْ يا قتيبَ بنَ مسلمٍ فإن تميما ظالمٌ وابنُ ظالمِ
ولا تأَمنَنَّ الثائرينَ ولا تنَمْ فإن أخا الهيجاءِ ليس بنائمِ
ولا تثِقَنْ بالأزدِ فالغَدرُ منهمُ وبكرٍ فمنهم مُسْتحلُّ المحارمِ
وإني لأخشى يا قتيبَ عليكُمُ معرَّةَ يومٍ مثلِ يومِ ابنِ خازمِ
[ ٢ / ٥٣٠ ]
قال، فقال له قتيبة: صدقت اجلس، فبعث إلى وكيع عبد الله بن رألان، وهو رجل من عدي الرباب.
فقال له: قل له، لتأتيني، أو لأبعثن إليك من يأتيني برأسك. قال أبو مالك: فوجد قد طلا ساقيه وجسده
بصندل أحمر، وعلَّق على ساقيه كعوب ظباء وخرزا، قال ابن رألان: فجئته وقد طلا ساقيه بمغرة
الجأب، وإذا عنده رجلان من طاحية بن سود من الأزد يرقيانه من الشوكة، قال جهم: وقد علق على
ساقيه مع الطلاء كعوب ظباء وخرزا، قال ابن رألان: فأبلغته ما قال قتيبة. فقال وكيع: بي الشوكة
ولا أقدر على المجيء أما تراني مريضا؟ قال: فأتيت قتيبة بما قال وكيع. قال: فأرسل اليه صاحب
شرطه ورقاء بن نصر الباهلي، من بني قتيبة بن معن، وأخاه صالح بن مسلم وأمرا لخيل، فركبت
إليه معهما، فقال: إن أجاب وإلا فأتياني برأسه، فقد حذرني الحجاج غدر بني تميم. قال فدخل عليه
فقال له: أجب الأمير وإلا احتززنا رأسك. قال: نعم، أصب عليَّ ماء من هذا الطلاء، قال: فدخل
حجرة له، فشن عليه الدرع، ثم خرج من كفاء الخباء، قال زهير: وكان عند وكيع ثمامة ابن ناجية
من عدي الرباب، فقال ثمامة: فدعا بماء فغسل المغرة عن ساقيه وأمرني، فقال: ناد يا خيل الله
اركبي إلى وكيع وأبشري، قال ثمامة: فدعوت بما أمرني به من نواحي العسكر، قال ثمامة: فكان
أول من تجمع إليه مائة من بني العم، مرة بن مالك بن حنظلة. قال أبو مالك: كان أول من ثاب إليه
ابن أخيه إسحاق بن محمد في خمسة عشر فارسا من أهله مجففة. قال: وتقاعس الناس بعض
التقاعس، وتربصوا. قال: فأمر إسحاق أن يحرق، يريد بذلك أن يشغلهم ويرهبهم ويريهم أنهم كثير،
ولينشط أصحابه فيخرجوا. قال: فثاب الناس واجتمعوا. قال أبو الخنساء: فخرج وكيع فرأى رجلا
[ ٢ / ٥٣١ ]
اجتهره، فقال: من أنت؟ قال: بشر بن غالب. قال: ممن؟ قال: من بني أسد. قال: خذ الحربة فأخذها،
فسار بها حتى طعن قتيبة فجعل وكيع يرتجز ويقول:
شُدَّا عليَّ سُرَّتي لا تنقلف يومٌ لهمدانَ ويوم للصُّدَف
ولتميم مثلُها أو تعترف
قال أبو عبد الله: للصدَف بفتح الدال، قال: ولقي سليمان الضبي صالح بن مسلم فرماه فأثقله، قال:
وزعمت الأزد أن زياد بن عبد الرحمن، أخا لمدرك بن شريك بن مالك بن فهم حمل على صالح بعد
ذلك، فطعنه فقتله. قال: حظارا فيه بخاتيه، وأطافوا به قال: وهرب عبد الله بن مسلم فقُتل في هربه،
وقتل عبد الرحمن بن مسلم أخو قتيبة، قتله قصاب، قال زهير: ولم يبق من بني تميم معه، غير
إياس بن زهير بن قميئة، وعبد الله بن رألان العدويين، فإنهما وفيا له فلم يزالا قاعدين معه في
فسطاطه، حتى أتى إياس بن زهير أخواه عبد الله وعبيد الله ابنا زهير، فأخذا بضبعي إياس أخيهما
وقالا، حتى متى تكون مع قيس وقد أسلمت أنفسها؟ قال: وقتيبة يرى ما يصنعان ويسمع قولهما،
فأخرجاه. قال أبو مالك: فلما قيل لقتيبة إن وكيعا قد تجمع إليه أصحابه، قال هريم بن أبي طحمة:
هذا الباطل أنا أجيئك به. قال: فوليت غير بعيد، فسمعتهم يقولون لا تدعه فيلحق بوكيع، ولن يرجع
إليك. قال: فغمزت فرسي برجلي المتوارية عنهم، ونوديت فتصاممت حتى فت القوم. قال أبو مالك
ك فجاء إليَّ ما حيال وجهه، من صف أصحاب وكيع، فجعل يضرب وجوه خيلهم برمحه، ويقول: سووا
[ ٢ / ٥٣٢ ]
صفوفكم، ولم يأت وكيعا، قال، وقال عمر بن عبد الله بن أبي بكرة، قال، قال بشير بن عبد
الله: فلما أطافوا بفسطاطه، دعا ببرذون له مدرب، كان يتطير إليه في الزحوف. ودعا بعمامة كان
يعتم بها، فقرب البرذون إليه ليركبه، قال: فجعل البرذون يقمص به حتى أعياه، قال: فلما رأى ذلك،
عاد إلى سريره فقعد عليه، فقال: دعوه فإن هذا أمر يراد، قال: وجاء حيان النبطي، وكان قائد العجم،
وكان مولى بكر بن وائل، فقال: أنا أكفيكم العجم، فقال لهم: ما لكم وللعرب تهرقون دماءكم فيما
بينهم، دعوهم يقتل بعضهم بعضا، واعتزلوا شرهم. قال: فمالوا براياتهم، فقال قتيبة لجعفر بن جزء
الوحيدي: يا أخا بطحاء أين قومك؟ قال: حيث جعلتهم. قال بشير فغشوا الفسطاط، ثم قطَّعوا أطنابه
علينا، فلولا سريره لقتلنا، ولكن السرير رد عادية الفسطاط عنا، قال زهير، فقال جهم لسعد انزل
فحزَّ رأسه. قال: وقد أثخن جراحا. فقال: أخاف أن تجول الخيل جولة. فقال: أتخاف وأنا إلى جنبك،
فنزل سعد فشق عنه صومعة الفسطاط - ويروى صوقعة - فاحتز رأسه فغيبه فقال الحضين بن المنذر:
وإن ابنَ سعدٍ وابنَ زَحْرٍ تعاورا بسيفِهما رأسَ الهمامِ المُتَوجِ
وما أدركت في قيسِ عيلانَ وِتَرها بنو مِنْقَرٍ إلاَّ بأزدٍ ومِذحجِ
عَشِيَّةَ جئنا بابنِ زَحْرٍ وجئتُمُ بأدغَمَ مَرقومِ الذراعينِ دَيْزَجِ
أصَمُّ غُدانيٌّ كأَنَّ جبينَه لطاخةُ نقسٍ في أديمٍ مَمجْمَح
قال ك وصوقعة الفسطاط رأسه الذي فيه العمود. قال: فقتلوه سنة ست وتسعين وقتل من بني مسلم
أحد عشر رجلا. قال: فصلبهم وكيع. سبعة منهم لصلب مسلم، وأربعة من بني أبنائهم، وهم: قتيبة،
وعبد الرحمن، وعبد الله الفقير، وعبيد الله، وصالح، وبشار، ومحمد.
[ ٢ / ٥٣٣ ]
هؤلاء بنو مسلم. وكثير بن قتيبة، ومغلس بن عبد الرحمن. قال ولم ينج من صلب مسلم غير عمرو،
وكان عامل الجوزجان. وضرار، وكانت أمه الغراء بنت ضرار بن القعقاع بن معبد بن زرارة،
قال: فجاء أخواله فدفعوه حتى نجوه. قال ففي ذلك يقول الفرزدق:
عشيةَ ما ودَّ ابنُ غراءَ أنه له من سوانا إذ دعا أبوان
قال: وضرب أياس بن عمرو أخو مسلم بن عمرو على رقبته فعاش. فلما قتل مسلمة يزيد بن
المهلب، استعمل على خراسان سعيد بن عبد العزيز بن الحارث بن الحكم بن أبي العاص، قال
فحبس عمال يزيد، وحبس فيهم جهم بن زحر الجعفي، وعلى عذابه رجل من باهلة. فقيل له: هذا
قاتل قتيبة فقتله في العذاب، قال: فلامه سعيد، فقال: أمرتني أن استخرج منه المال فعذبته، فأتى عليه
أجله! قال: فصعد وكيع المنبر حين غيَّب الرأس فلم يحمد الله ﷿، ولم يصل على النبي صلى
الله عليه وسلم وقال:
من ينك العير ينك نياكا
وقال:
أنا ابنُ خندفٍ تنميني قبائلها للصالحات وعمي قيسُ عيلانِ
أين الرأس، والله لا أنزل حتى أوتى برأس سعد بن نجد، أو يخرج الرأس، قال: فأراد أن يبث
الخيل على الأزد، فأتوا سعدا فانتزعوا الرأس منه، فأتوا به وكيعًا فهدأ الناس، قال: ثم إن وكيعا بعث
برءوس بني مسلم، مع أنيف بن حسان بن بشير بن عدي التيمي، أحد بني ذكوان،
[ ٢ / ٥٣٤ ]
ومعه رجل من الأزد إلى سليمان بن عبد الملك. فقال جمانة بن عبد الملك، رجل من بني أوس بن معن بن مالك
يرثي قتيبة:
كأنَّ أبا حفصٍ قتيبةَ لم يَسِرْ بجيشٍ إلى جيشٍ ولم يعلُ منبرا
ولم تخفق الراياتُ والقومُ حولَه وقوفٌ ولم يشهد له الناسُ عسكرا
دعتْهُ المنايا فاستجابَ لربِّهِ وراح إلى الجنَّاتِ عَفًا مطهرا
وما رُزِئَ الأقوامُ بعد محمدٍ بمثل أبي حفصٍ فبكيهِ عبهَرا
ويروى وما رزيء الإسلام بعد محمد، وقال ثابت بن قطنة العتكي:
ألم تَرَ أن الباهليَّ ابنَ مسلمٍ بفرغانةَ القُصْوَى بدارِ هوان
تمورُ أسابِيُّ الدماءِ بوجهه وقد كان صعبًا دائمَ الخطران
الأسابي طرائق الدم، وقوله الخطران: أي كان يوعد ويهدد.
وقال نهار بن توسعة التيمي في ذلك:
أراد بنو عمروٍ لتهلكَ ضيعة فقد تُركت أجسادُهم بمضيعِ
ستبلغ أهلَ الشام عنا وقيعةٌ صَفَا ذكرُها للحظليِّ وكيعِ
وقد أسندت أهلُ العراقِ أمورَها إلى حاملٍ مما حمَّلوه منيع
له رايةٌ بالثغرِ سوداءُ لم تزل تفضُّ بها للمشركين جموعُ
مباركةٌ تَهدي الجنودَ كأنها عُقابٌ نَحَتْ من ريشها لوقوع
على طاعةِ المهديِّ لم يبقَ غيرُها فَأُبنا وأمرُ المسلمينَ جميع
على خيرِ ما كانت تكونُ جماعةٌ على الدين دينا ليس فيه صدوعُ
[ ٢ / ٥٣٥ ]
قال فأتاه دهقان بجام فضة فيه ورق، وبدابة، فأمره وكيع بدفعه إلى نهار بن توسعة، قال عبد الله بن
عمرو ن من بني تيم اللات، فركب وكيع ذات يوم، فأتوه بسكران فأمر به فقتل. فقيل له: ليس عليه
القتل، إنما عليه الحد، فقال لا أعاقب بالسياط، إنما بالسيف فقال ابن توسعة:
كنا نُبَكِّي من الباهلي فهذا الغدانيُّ شرٌّ وشر
وقال أيضا:
ولما رأينا الباهليَّ ابنَ مسلم تَجَبَّر عَمَّمناه عَضْبًا مهندا
وقال الفرزدق يذكر وقعة وكيع:
ومنا الذي سلَّ السيوفَ وشامَها عشَّيةَ بابِ القصرِ من فَرَغَانِ
عشيةَ لم تمنع بنيها قبيلةٌ بِعِزِّ عراقيٍّ ولا بيمان
عشيةَ ودَّ الناسُ أنهم لنا عبيدٌ إذ الجمعانِ يضطربان
عشيةَ ما ودَّ ابنُ غرَّاءَ أنه له من سوانا إذ دَعا أبوان
عشيةَ لم تستر هوازنُ عامرٍ ولا غطفانٌ عورةَ ابنِ دخان
رأوا جبلا يعلو الجبال إذا التقت رءوسُ كبيرَيْهن ينتطحان
رجالٌ على الاسلام إذ ما تجالدوا على الدين حتى شاع كل مكان
وحتى دعا في سُورِ كلِّ مدينةٍ منادٍ ينادي فوقها بأذان
فيُجزَى وكيعٌ بالجماعةِ إذ دعا اليها بسيفٍ صارمٍ وسنان
جزاءٌ بأعمالِ الرجالِ كما جَزَا ببدرٍ وباليرموك فيءَ جنان
[ ٢ / ٥٣٦ ]
وقال الفرزدق أيضا في ذلك:
أتاني ورحلي بالمدينة وقعةٌ لآل تميمٍ أقعدت كُلِّ قائمِ
قال: ولم يكن الفرزدق برح المدينة، حتى جاءت وقعة وكيع، فقال جرير يجيبه:
وإنَّ وكيعًا حين خارت مُجَاشِعٌ كَفَى شِعْبَ صَدعِ الفتنةِ المتفاقم
قال سعدان، قال أبو عبيدة، قال أبو هشام، قال بيهس بن حاجب ابن ذبيان:
وردَّ على سعدٍ وكيعٌ دماءَها حفاظًا وأوفَى للخليفةِ بالعهدِ
ولما دَعَا فينا وكيعٌ أجابَهُ فوارسُ ليسوا بالرِّبابِ ولا سعد
فوارسُ من أبناءِ عمروٍ ومالكٍ سراعٌ إلى الداعي سراعٌ إلى المجدِ
ميامينُ لا كُشْفُ اللقاءِ لدى الوغَى ولا نُكُدٌ إن حُشَّتِ الحربُ بالنُّكْد
قال أبو عبيدة، قال أبو هشام، وهو من بني العجيف بن ربيعة بن مالك بن حنظلة، فحج سليمان بن
عبد الملك، فبلغه بمكة إيقاع وكيع بقتيبة، قال فخطب الناس بعرفات، فذكر غدر بني تميم، ووثوبهم
على سلطانهم، وإسراعهم إلى الفتن، وقال: إنهم أصحاب فتن، وأهل غدر، وقلة شكر. قال: فقام
الفرزدق وفتح رداءه فقال: يا أمير المؤمنين، هذا ردائي رهن لك بوفاء تميم، والذي بلغك كذب. فقال
الفرزدق، حيث جاءت ربيعة وكيع لسليمان بن عبد الملك:
فِدىً لسيوفٍ من تميمٍ وَفى بها ردائي وجلَّت عن وجوه الأهاتِم
[ ٢ / ٥٣٧ ]
قال أبو مالك: فخبرني محمد بن وكيع، قال فكنت فيمن أشخص حماد بن مسلم من مروفي الذراري،
فإذا نفر على البريد، فقالت امرأة معنا: لو ركبت راحلتي، وتحولت عن سرجك، فإني أخاف عليك.
فأبيت وتنحيت عن الطريق، وبعثت غلامي يستخبر، فقالوا: قتل وكيع قتيبة. فقال: هذا ابن وكيع،
فمالوا إليَّ فلما دنوا مني سجدوا لي. قال زهير: ثم بعث بطاعته، وبرأس قتيبة إلى سليمان بن عبد
الملك. قال: فوقع ذلك من سليمان كل موقع، فجعل يزيد بن المهلب لعبد الله بن الأهتم مائة ألف
درهم على أن ينقر وكيعا عنده، فقال: أصلح الله أمير المؤمنين، والله ما أحد أوجب شكرا، ولا أعظم
عندي يدا من وكيع، لقد أدرك لي بثأري، وشفاني من عدوي، ولكرامة أمير المؤمنين أعظم وأوجب
عليَّ حقا، وإن النصيحة لتلزمني لأمير المؤمنين، إن وكيعا لم تجتمع له مائة عنان قط، إلا حدث
نفسه بغدرة، خامل في الجماعة، نابه في الفتنة، فقال: ما هو إذن ممن أستعين به.
قال: وكانت قيس تزعم أن قتيبة لم يُخلع. قال: فاستعمل سليمان ابن عبد الملك يزيد بن المهلب على
حرب العراق، وأمره إن أقامت قيس البينة أن قتيبة لم يخلع فينزع يدا من طاعة، أن يقيد وكيعا به.
قال فغدر يزيد بن المهلب فلم يعط عبد الله بن الأهتم المائة الألف التي كان جعلها له. قال: فلما قدم
يزيد واسطا، وقد غدر بابن الأهتم، فلم يعطه ما كان ضمن له، وجه ابنه مخلد بن يزيد إلى وكيع.
قال: فلما دنا جمع وكيع بني تميم وبلغه الخبر، فقال: أما لابن العبسية خصيان. إن هذا الغلام قد دنا،
وهو قادم غدا عليكم مترفا أبلخ، فإن أطعتموني شددته وثاقا. قالوا: قد أراح الله من الفتنة، فما نصنع
بالخلاف. قال: فقدم مخلد، فسلَّم له وكيع ما في يده. قال: فلما
[ ٢ / ٥٣٨ ]
قدم يزيد، قال له وكيع: ما يسرني أنك جبان. قال: لم؟ قال: لأنك لو كنت جبانا قتلتني!
قال: فحبسه في سلسلة، فإذا قعد الناس أقعد خلف يزيد. قال: وكان رأي يزيد إهدار دم قتيبة،
قال: وقال عمر بن عبيد الله: فشهد عنده بشير بن عبد الله بن أبي بكرة، أن قتيبة لم ينزع يدًا عن طاعة،
وأنه لم يخلع، وأنه قُتل مظلوما. قال: فأمر يزيد بحبس وكيع، فلم يفلت من يده، حتى أقرَّ له بموضع نهره،
الذي في السبخة في الفرسخ الرابع من نهر معقل، فلم يزل في يده حتى حفره له،
فقاده إلى سباخ وراء ذلك من ميسان وراء النخل الذي عليه سكة البريد، فهو اليوم يقال: نهر يزيد بن المهلب.
قال ثم خلى سبيله. قال جهم: فلما قدم يزيد خراسان، قال: لا تدعوا أزديا إلا حضرني الليلة،
فجُمعوا له، فلما كان السمر، دخلوا عليه، فقال: يا معشر الأزد، كنتم أذل خمس بخراسان،
حتى أن الرجل من الحي الآخر، ليشتري الشيء فيتسخركم،
فتحملونه له، حتى قدم المهلب وقدمت، فلم ندع موضعا يستخرج منه درهم، إلا استعملناكم عليه،
وحملنا على رقاب الناس، حتى صرتم وجوها، وأخبرت أمير المؤمنين، أن أعز أهل العراق قومي،
وكنتم أصحاب هذا الأمر، وقد بلغكم أني قد استعملت على العراق، فعجزتم أن تولوا أمركم رجلا
منكم، يقوم لكم به، وأنتم أهل القرحة، حتى عمدتم إلى رجل من غيركم، فوليتموه أموركم، وقلدتموه
شأنكم. فقام مخلد بن يزيد فقال: إن هذا اللحاء لا يأتي بخير، أتقول مثل هذا لأعمامك؟ قال: فضرب
يزيد برجله في صدره، فقال عبد الرحمن بن نعيم الأزدي: قدمت خراسان غير مرة، ووليتها وأنت
أعلم بها منا، وقد علمت أن تميما أكثرها عربيا، وأن الجند بها أربعة وعشرون ألفا معهم، وبيت
المال والسلطان معهم، فإن تجمعوا، لم ير أحد منا مصرع صاحبه، فأردنا أن نفرق جمعهم، وننكئ
عدونا، ثم لو كنت، أصلحك
[ ٢ / ٥٣٩ ]
الله، ببست لم تدركنا، فدع أنك بالشام. قال: وكان وصول التركي أبو
ابن صول هذا، في قرية من أدنى قرى جرجان إلى خراسان، يقال لها دهستان، فكان يغير على قرى
خراسان، فكتب يزيد إلى سليمان يستأذنه في غزوه، فأذن له، فغزاه، فأقام عليه سنتين حتى قتله.
وافتتح جرجان وأقبل إلى البصرة، ولم يفتح شيئا غيرها، فمات سليمان قبل أن يدخلها يزيد، فأخذه
عدي بن أرطاة فحبسه أيضا في المرة الثانية، وضن بما في يديه وجمع له. فقال نهار بن توسعة في
ذلك:
لقد صَبرتْ للذلِّ أعوادُ منبرٍ تقوم عليها في يديكَ قضيبُ
رأيتُكَ لمَّا شِبْتَ أدرَكَكَ الذي يُصيبُ شيوخَ الأزدِحين تَشيب
بخِفِّةِ أحلامٍ وقلَّةِ نائلٍ وفيك لمن عاب المَزونَ مُعيب
ويروى وفيك لمن عاب المزون عيوب. المزون لقب. ويروى أخفة أحلام، وقلة نائل. قال أبو عبد
الله: المزون قرية بالبحرين تنسب الأزد اليها. قال أبو عبد الله: لقبهم به نسبهم إلى قرية بعمان وهم
نبط. قال، وقال الفرزدق: وكان يزيد كتب اليه من جرجان أن يأتيه:
دعاني إلى جرجانَ والريُّ دونه لآتيه إني إذًا لزءُورُ
لآتي من آل المهلَّبِ ثائرا لأعراضِكم والدائراتُ تدور
سأبي وتأبى لي تميمٌ وربما أبيتُ فلم يقدِرْ عليَّ أمير
قال: فلما قدم الفرزدق الكوفة، قال له عثمان بن المفضل: قد كان أُعد لك مائة ألف درهم، فقال لابنه
لبطة: صدق، ولكن كان يقتلني، فما ينفعني منها بعد موتي. قال، وقال سعيد بن خالد: ثم قدم حيان
[ ٢ / ٥٤٠ ]
النبطي البصرة، يريد الحج، فتعرف مسلم بن الشمردل الباهلي تحته برذونا زردا، رآه تحته أيام
عدي بن أرطاة، فضبث به - أي تشبث - فرفعهما إلى إياس بن معاوية، قاضي البصرة، قال: فجعل
حيان ينفض بنائق قبائه ويقول: أخاصم في برذون ودم قتيبة في بركات قبائي! وأعان وكيع حيان
وشهد له، فقال له إياس: مالك وللشهادات، إنما هي من صنعة الموالي، قال: وقيل لوكيع، إنه لا يقبل
شهادتك، فقال: والله لئن ردها لأعلون رأسه بجرزي هذا. قال، وقال الزعل الجرمي في قتل عبد الله
بن خازم، وفي قتل قتيبة بن مسلم، ويحض الأزد عليهم:
أبعدَ قتيلينَا بمروٍ تعُدُّنا تميمٌ نسيبا أو ترجِّي لنا نصرا
فنحن معَ السَّاعي عليكم بسيفِهِ إذا نحن آنسنَا لعظِمكُمُ كَسْرا
ربيعةُ لا تنسى الخنادقَ ما مشت ولا الأزدُ قتلتُمْ سراتكُمُ قَسْرا
ويروى سراتهم قسرا، قال: فهذا يدل على أن الأزد قد كانت مع ربيعة أيام ابن خازم، فأجابه جرير
بن عرادة فقال:
أَلمْ تُرِني أن الثريا تلومني وقبلَكَ ما عاصيْتُ لومَ العواذِل
ألا حينَ كان الرأسُ لونين منهما سوادٌ ومخضوبٌ به الشيبُ شاملُ
تقول: أَتَى يومُ القيامة فاصْطَنعْ لِنفسِكَ خيرًا، قلت: إني لفاعِلُ
كريمةَ قومٍ حمَلونيَ مجدَهم وإني لهم ما دمتُ حيًّا لحاملُ
وقد قلتُ للزَّعْلَى لا تنطقُ الخنا فإني لم أفخر عليك بباطلِ
متى تلقَنَا عند المواسمِ تحتقرْ سُليمًا وتغمرْك الذرىَ والكواهلُ
وترجعْ وقد قلَّدت قومَكَ سُبَّةً يعضُّون من مخزاتِها بالأنامل
ومنا رسولُ اللهِ أُرسلَ بالهُدى وأنت مع الجَحَّادِ سحَّارُ بابلِ
يعني المختار الثقفي.
[ ٢ / ٥٤١ ]
ولم يجعل اللهُ النبوةَ فيكم ولا كنتُمُ أهلا لتلك الرسائِل
ولكنكم رُعيانُ بِهمٍ وثُلَّةٍ تردُّون للمِعزَى بطونَ المسايلِ
إذا الخيلُ ألوتْ بالنَّهابِ فَزِعتُمُ إلى حُفَّلِ الضَّراتِ قُمْر الجحافلِ
إلى حَرَّةٍ سوداءَ تشوي وجوهَكم وأقدامَكم رمضاؤُها بالأصائلِ
فإن كنتَ أزمعتَ المُهاداةَ فَالتَمِسْ مساعيَ صِدْقٍ قبلَ ما أنتَ قائلُ
فإنك مُجريَ في الجيادِ فمُتعبٌ إلى أمدٍ لم تخشَهُ مُتماحِلُ
وأنت حديثُ السنِّ مستنبطُ الثَّرى سقطت حديثًا بين أيدي القوابلِ
وذاك ولم تسمع بأعورَ سابقٍ دقيقِ الشُّوى أرساغُهُ كالمغازلِ
نصبتم لبيتِ اللهِ ترمون رُكنهُ وكان عظيمًا رميُهُ بالجنادلِ
ونحن حززنا من قتيبة أذنهُ وذاق ابنُ عجْلَى حدَّ أبيضَ قاصِل
عشيَّةَ نحدوُ قيسَ عيلانَ بالقنا وهم بارزوا الأستاهِ حُدلَ الكواهلِ
رجع إلى شعر الفرزدق:
كأَنَّ رُءُوسَ النَّاسِ إذْ سَمعُوا بِهَا مُدَمَّغةٌ مِنْ هازمات أمَائِمِ
ويروى هاماتهم بالأمائم. قوله: أمائم يعني مأمومة. قال: وهي الشجة تهجم على أم الدماغ.
فِدىً لِسيوفٍ مِنْ تَميمٍ وَفَى بِهَا رِدائي وجلَّىْ عَنْ وُجُوه الأهاتِمِ
وروى أبو عمرو: وفى بها وكيع وجلت، قوله: الأهاتم، يعني الأهتم بن سمي بن سنان بن خالد بن
منقر بن عبيد بن الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم. وقوله ردائي وجلت:
يعني قوله لسليمان بن عبد الملك هذا ردائي رهن عن بني تميم.
شَفينَ حَزازاتِ النُّفُوسِ ولَمْ تَدعْ عَليْنَا مقالًا في وفاءٍ للاَئِمِ
أَبأُنا بِهمْ قتلِىَ ومَا فِي دِمائِهمْ وفاءٌ وهُنَّ الشَّافِياتُ الحوائِمِ
[ ٢ / ٥٤٢ ]
قال: الحوائم: العطاش، وهي التي تحوم حول الماء. قال: وتخفض الحوائم، كما تقول: الحسن
الوجه، وهو القول. والمعنى: أن الحوائم هي الشاقيات لأنها حامت على دمائهم، كما تحوم الطير على
القتلى حين أدركوا بثأرهم.
جَزى اللهُ قَوْمِي إذْ أرادَ خِفَارتِي قُتيبةُ سَعيَ الأفضلينَ الأكارِمِ
ويروى سعي المدركين.
هُمُ سَمِعوا يومَ المُحصبِ مِنْ منىً نِدَائِي إذا التقَّتْ رفَاقُ الموَاسِمِ
هُمُ طَلبوهَا بِالسُّيُوف وَبالقِنا وجُرْدٍ شَجٍ أَفواهُها بِالشَّكائِمِ
قوله شج أفواهها، يعني عاضة بلجمها. وروى ابن الأعرابي: شحًا أفواهها أي فتح أفواهها بالشكائم
وهي حدائد اللجام.
تُقادُ وما رُدَّتُ إذا ما تَوهَّسَتْ إلى البأسِ بالمُستبسلينَ الضَّراغِمِ
ويروى ترد. توهست وطئت وطئًا شديدًا. ويروى بالمستلأمين.
كَأنَّكَ لَمْ تَسْمَعْ تَميمًا إذا دَعتْ تَميمُ ولَمْ تَسمعْ بِيومِ ابْنِ خَازِمِ
ويروى لم تعلم تميما، يعني عبد الله بن خازم السلمي صاحب خراسان ن قتله ابن الدورقية، وهو
وكيع بن عمير القريعي.
وقَبْلَكَ عجَّلْنا ابْنَ عَجْلى حِمامَهُ بِأسيافِنا يَصدعْنَ هامَ الجَماجِمِ
ويروى وقبلك أعطينا ابن عجلى حسابه، أي قتلناه. يصدعن يشققن. قوله ابن عجلى: يعني عبد الله
بن خازم وأمه عجلى وكانت
[ ٢ / ٥٤٣ ]
حبشية. قال: وابن خازم أحد أغربة العرب. قال: وأغربة العرب أربعة،
منهم عنترة بن شداد العبسي وأمه زبيبة سوداء. ومنهم خفاف بن ندبة وأمه ندبة سوداء. ومنهم سليك
بن السلكة وكانت أمه سوداء. قال أبو عثمان سعدان بن المبارك، وأما أبو عمرو الشيباني فقال:
خفاف بن ندبة مكان ابن خازم. قال أبو جعفر: عبد الله بن خازم إسلامي لا يعد في الأغربة، ولو
عددناه لوجدنا مثله في الإسلام كثيرا، ولكنهم عنترة، وخفاف بن ندبة، وسليك بن السلكة، والمنتشر
بن قاسط الباهلي.
وَما لَقِيتْ قَيسُ بنُ عَيلانَ وقعةً وَلا حَلاَّ يوْمٍ مِثْلَ يَوْمِ الأراقِمِ
ويروى ولا خزي يوم. قال: والأراقم هم: جشم وهم رهط مهلهل. وعمرو بن كلثوم، وعمرو بن
ثعلبة رهط الهذيل بن هبيرة، وخنش بن مالك، ومعاوية، والحارث بنو بكر بن حبيب بن عمرو بن
غنم بن تغلب. قال أبو عبد الله: ليس في العرب حُبيب غير هذا، بضم الحاء. وسائر ذلك حَبيب
بالفتح. فأما جشم ومالك فهما يسميان الروقين. قال: وإنما سموا الأراقم، لأن حازيتهم - وهي الكاهنة
- نظرت إليهم وهم صبيان، كانوا تحت دثار لهم، فكشفت الدثار فقالت: كأنهم نظروا إليَّ بعيون
الأراقم. قال: والأراقم ضرب من الحيات، الواحد أرقم، والأنثى رقماء، فلذلك سموا الأراقم.
عشيَّةَ لاقَى ابْنُ الحبابِ حَسابَهُ بِسنْجارَ أَنْضاءَ السُّيوفِ الصَّوارِمِ
قال: وابن الحباب، يريد عمير بن الحباب السلمي، قتلته بنو تغلب
[ ٢ / ٥٤٤ ]
يوم سنجار بالجزيرة. والأنضاء الأخلاق القديمة. والصوارم القواطع.
نَبحْتَ لِقَيسٍ نبحَةً لَمْ تدعْ لَها أنوفًا ومرَّتْ طيرُها بِالأشائِمِ
ندمتَ على العِصيانِ لمَّا رأيتنَا كأنَّا ذُرَى الأطوادِ ذاتِ المَخارِمِ
المخرم منقطع أنف الجبل.
عَلى طاعَةٍ لَوْ أنْ أجبالَ طيءٍ عمدنَ بِهَا والهَضْبَ هَضْبَ التهائِمِ
لينقُلنَهَا لَمْ يستطِعْنَ الَّذِي رَسا لَها عِنْدَ عالٍ فَوْقَ سبعينِ دائِمِ
يعني بسبعين السموات السبع والأرضين السبع. رساثبت
وألقيتَ مِنْ كفيكَ حبلَ جماعةٍ وطاعةَ مهديٍّ شَديدِ النَّقائِمِ
فإن تَكُ قيسٌ في قُتيبةَ أُغضبتْ فلاَ عطسَتْ إلاَّ بأجدعَ راغِمِ
وَما كان إلاَّ باهِليًَّا مُجدَّعا طغَى فسقيناهُ بكأسِ ابنِ خازِمِ
ويروى مسلطا. ويروى بكأس علاقم.
لقدْ شَهدتْ قيسٌ فَما كانَ نصرُهَا قُتيبةَ إلاَّ عضَّهَا بالأباهِمِ
فإن تقعدُوا تقعُدْ لئِامٌ أذلَّةٌ وإنْ عُدتُمْ عُدنْا ببِيضٍ صَوَارم
ويروى فإن تقعدي، وإن عدت عدنا بالسيوف الصوارم. ويروى فإن عدتم عادت ظباة الصوارم.
ويروى سيوف الصوارم.
أَتغضبُ أَنْ أُذنَا قُتيبةَ حُزَّتَا جهارًا ولَمْ تغضبْ ليوْمِ ابِنْ خازِمِ
ومَا مِنهُمَا إلاَّ بعثْنا برأسِهِ إلى الشَّأم فَوقَ الشَّاحجاتِ الرَّواسِمِ
[ ٢ / ٥٤٥ ]
ويروى نقلنا دماغه. وروى عطوة وأبو الجراح وما منهما إلا ملخنا دماغه.
تذبذبُ في المخِلاةِ تحتَ بُطونِها مُحذَّفَةَ الأذنابِ جُلحَ المقادِمِ
يعني بغال البريد. جلح لا نواصي لها.
ستعلَمُ أيُّ الوادييِن لَهُ الثَّرى قَدِيمًا وأولى بالبُحُورِ الخَضارِمِ
ويروى به الثرى ومن هو أولى قال: وهذا البيت للشمردل بن شريك اليربوعي فلما سمعه الفرزدق.
قال والله لتدعنه أو لتدعن عرضك، فقال خذه لا بارك الله فيه.
فَمَا بينَ مَنْ لَمْ يُعطِ سمعًا وطاعةً وبينَ تميمٍ غيرُ حزِّ الحلاقِمِ
وكانَ لهُمْ بومانِ كانَا عليهمُ كأيَّامِ عادٍ بالنُّحوسِ الأشائِمِ
قوله يومان كان لقيس يوم ذي نجب ويوم الوتدات.
ويومٌ لهُمْ مِنَّا بحِّومانةَ التقتْ عليهِمْ ذُرى حوماتِ بَحْرٍ قماقِمِ
تَخلَّى عَن الدُّنيا قُتيبةُ إذْ رأى تَميمًا عليهَا البيضُ تحتَ العمائِمِ
غداةَ اضمحلَّتْ قيسُ عيلانَ إذْ دَعا كَما يضمحلُّ الآلُ فوقَ المخَارِمِ
لتمنعهُ قيسٌ ولا قيسَ عِندهُ إذا ما دَعا أو يرتقِي في السَّلالِمِ
تُحرِّكُ قيسٌ في رءوسٍ لئيمةٍ أنُوفًا وآذانًا لئَامَ المصالِمِ
قال: المصالم أنوفها ومجادعها. يقول: هم مقاريف فأنوفهم لئيمة
[ ٢ / ٥٤٦ ]
من بين أخثم وأفطس، والمصالم هو مشتق من الصلم ومنه قولهم اصطلمهم الموت.
إذا قطع أصلهم فلم يبق منهم أحد.
ولمَّا رأينَا المُشركِينَ يقُودُهُمْ قُتيبةُ زَحْفًا في جُمُوعِ الزِّمَازِمِ
قوله الزمازم يعني المجوس لأنه استعان بهم في حربه. قال أبو سعيد: الزمزمة جماعة من الناس
وأبطل المجوس.
ضَرَبْنَا بِسيفٍ في يمينكَ لَمْ نَدعْ بِهِ دُونَ بَابِ الصِّينِ عَيْنًا لِظَالمِ
بِهِ ضَربَ الله الذَّينَ تحزَّبوا ببدْرٍ عَلَى أعناقِهِمْ والمَعاصِمِ
فإن تَميمًا لَمْ تكُنْ أُمُّهُ ابتغتْ لهُ صِحَّةً في مَهْدِهِ بالتَّمائِمِ
قال أبو عبد الله: يقال إنه ولد وقد نبتت ثنياته فأكل. يقول لم تعلق عليه أمه التميمة التماس الصحة.
كَأَنَّ أكُفَّ القَابِلاتِ لأمِّهِ رَمينَ بِعاديِّ الأسودِ الضِّراغِمِ
وروى أبو عبيدة: بعاد من شبول الضراغم، يقول: كأن أكف قابلاته رميت بأسد عاد.
تَأزَّرَ بَيْنَ القابِلاتِ ولَمْ يكُنْ لَهِ توأمٌ إلا دهاءٌ لِحازِمِ
يقول ساعة ولد قام فاتزر وهو بين القوابل، وكان توأمه الذي ولد معه الدهاء والحزم.
وضَبَّةُ أخْوالي هُمُ الهَامَةُ الَّتي بِهَا مُضَرٌ دَماغَةٌ للِجَماجِمِ
إِذا هِي مَاسَتْ في الحَدِيدِ وأعلَمَتْ تَميمٌ وجاشَتْ كالبُحُورِ الخَضَارِمِ
فَمَا النَّاسُ في جميعهمُ غيرُ حِشَوةٍ إذا خَمَد الأصواتُ غيرَ الغَمَاغِمِ
[ ٢ / ٥٤٧ ]
كَذبتَ ابنَ دِمْنِ الأرضِ وَابْنَ مَراغِهَا لآلُ تَميمٍ بِالسُّيُوفِ الصُّوَارِمِ
ويروى بالرماح الغواشم.
جَلوْا حُممًا فوقَ الوُجوهِ وأنزلوا بِعيلانَ أيَّامًا عِظامَ الملاحِمِ
فَما أنْتَ مِنْ قيسٍ فتنبحَ دُونها ولاَ مِنْ تميمٍ في الرءوس الأعاظمِ
ويروى عنهم بدل دونها. ويروى في الذرى والغلاصم.
وإنَّكَ إذْ تهْجو تُميمًا وترتشِي تباينَ قيسٍ أو سُحُوقَ العَمائِمِ
كمُهْرِيقِ ماءٍ بِالفلاةِ وغرَّهُ سرابٌ أثارتْهُ رِياحُ السَّمائِمِ
ويروى نجوم السمائم. ويروى لكما لمهريق الماء لما جرى له، ويروى سراب أذاعته وأذابته.
بَلَى وأبِيكَ الكَلْب، إنِّي لعالِمٌ بِهِمْ فهُمُ الأدنْونَ يوْمَ التَّزاحُمِ
ويروى الأعلون تحت التخاصم.
فَقَرِّبْ إلى أشياخِنا إذْ دَعَوتهُمْ أباكَ ودَعْدِعْ بالجْداءِ التَّوائِمِ
لعَمرِي لَئِنْ قيسٌ أمصَّتْ أيُورَها جريرًا وأعطتهُ زُيُوفَ الدَّراهِمِ
لَكمْ طبقْنَ مِنْ قيسَ عيلانَ مِن حِر وَقَدْ كانَ قَبقابًا رِماحُ الأراقِمِ
فمنهن عِرْسُ ابْنِ الخُباب الَّذي ارتمتْ بأوصالِهِ عُرْجُ الضِّباعِ القَشاعِمِ
تظلُّ النَّصارَى مُبركينَ بنَاتِهمْ عَلى رُكبٍ مُقِّ الرُّفُوغِ الخَلاجِمِ
إذا غابَ نصرانيُّهُ في حنيفها أهلَّتْ بحجَّ فَوْقَ ظهرِ العجارمِ
[ ٢ / ٥٤٨ ]
أي هي مسلمة وذلك نصراني. أبو جعفر حنيفها. وسعدان جنينها. قال وجنينها الذي تجنه هو
فرجها. والعجارم الذكر الغليظ.
وهَلْ يا ابْنَ ثَفرِ الكلْبِ مِثلُ سُيوفِنا سُيُوفٌ ولا قَبْص العدِيدِ القَمَاقِمِ
فَلَوْ كُنْتَ مِنْهُمْ لَمْ تعِبْ مِدْحتي لهُمْ ولكِنْ حمارٌ وشْيهُ بِالقوائِمِ
منعتَ تمِيمًا مِنكَ إنِّي أنا ابنُها وراجِلُها المعروفُ عِندَ المواسِمِ
ويروى ووافدها. ويروى وشاعرها.
أَنا ابْنُ تَميمٍ والمُحامِي وراءَها إذا أسلمَ الجاني ذِمارَ المَحارِمِ
إذا مَا وُجوهُ الناسِ سالَتْ وجوهُها مِنَ العرقِ المعبُوطِ تحتَ العمائِمِ
المعبوط السائل معتبطا من ساعته ومنه قولهم داهية شديدة تعرق الوجه.
أَبِي مَنْ إذا قِيلَ مَنْ أنتَ مُعْتزٍ إذا قِيلَ ممَّنْ قومُ هذا المُراجِمِ
قال أبو عبيدة، قال لي أعرابي: إذا لم نرك فإلى من نعزوك؟ معتز منتسب. المراجم المخاصم.
أدِرْسانَ قيسٍ لا أبا لكَ تشترِي بِأَعراضِ قوْمٍ هُمْ بُناةُ المَكارِمِ
درسان خلقان الواحد دريس. ويروى بأحساب قوم يعني بني غالب.
ومَا عَلِمَ الأقوامِ مثلُ أسيرِنا أسيرًا وَلا أجدافِنا بِالكَواظِمِ
أجدافنا لغة تميم، ويروى أجداثنا. وروى ابن الأعرابي: وما وجد الأقوام. قوله مثل أسيرنا، يعني
حاجب بن زرارة بن عدس، فإنه لم
[ ٢ / ٥٤٩ ]
يسمع بملك ولا سوقه افتدى بمثل فداء حاجب. قال: وذلك أنه
أدعى أسره ذو الرقيبة القشيري يوم جبلة. قال واسم ذي الرقيبة مالك من بني عامر بن صعصعة.
قال وادعاه الزهدمان، وهما من بني عبس. قال فحكمته عبس وعامر في نفسه، فحكم أنه أسير ذي
الرقيبة. قال: ولهذين العبسيين بما نالا من ثيابي مائة ناقة، وأعطى ذا الرقيبة ألف بعير، وأطلق له
مائة من الأسارى، أسارى قيس كانوا في بني تميم. قال: وإنما ديات الملوك ألف بعير، فزادهم
حاجب على فداء الملوك مائة ناقة ومائة أسير. قال: وزعمت قيس في أشعارها، أنها أخذت منه ألف
عبد، وألفي ناقة، ومعها أولادها. وقد قال في ذلك باهلة:
حتى افتدوا حاجبًا منها وقد جعلت سمر القيود برجلي حاجب أثرا
بألفٍ عبدٍ وألفي رائم جعلوا أولادهن لنا من رائم جزرا
قال: وأما صاحب الجدث بالكواظم، فهو أبو الفرزدق غالب بن صعصعة. قال ولا يعلم قبر أجار
ولا قرى في جاهلية ولا إسلام غيره، وقد ذكرته العرب في أشعارها. قال وذكروا أن أبا ثمامة الوليد
بن القعقاع بن خليد القيسي استجار بقبر هشام بن عبد الملك من يزيد بن هبيرة، وهو على قنسرين.
قال فبعث إليه يزيد فضربه حتى مات. فقال بو الشغب العبسي في ذلك:
يا آل مروانَ إن الغدرَ مدركُكُم حتى ينيخُكُمُ يوما بجعجاعِ
أضحت قبورُ بني مروانَ مخرُءَةُ لا تستجار ولا يُرْعىَ لها الراعي
قبرُ التميميِّ خيرٌ من قبورِكم يسعَى بذمته في قومِه ساع
إن البريةَ قالت عند غدرِكم قُبحًا لقبرٍ به عاذَ ابنُ قعقاع
قبرٌ لا حول كان الصنجُ همَّتهُ والمزنيات ودفٌّ عند إسماع
[ ٢ / ٥٥٠ ]
وقال في ذلك المقري:
بقرِ ابنِ ليلى غالبٍ عذتُ بعدما خشيت الردى أو أن أُرَدَّ إلى قبر
بقبرِ امرئٍ يَقري المئينَ عظامُه ولم يكُ إلا غالبًا ميِّتٌ يقري
ويروى يقري المئين ولم يكن، من الناس إلا غالبًا.
فقال لي القبرُ المباركُ إنما فكاكُكَ أن تلقَى الفرزدقَ بالمِصرِ
قال: وأصاب رجل من بني الأبيض بن مجاشع دما. قال: فسأل في الناس فلم يعطوه شيئا، فاستغاث
بقبر غالب فافتكه الفرزدق بمائة ناقة، فهو حيث يقول:
دعا دعوةً بين المقرَّين غالبًا وعاذ بقبرٍ تحته خيرُ أعظُم
فقلت له أقَريك من قبرِ غالبٍ هُنيدةَ إن كانت شِفاء من الدم
ينام الطريدُ بعدها نومةَ الضحى ويرضَى بها ذو الأحنةِ المتجرِّم
ألا هل علمتم ميْتًا قبلَ غالب قَرَى مائةً ضيفًا له لم يكلم
قال أبو عثمان، حدثني الأصمعي، قال: قلت لأعرابي ما يحملكم على نومة الضحى؟ قال: إنها مبردة
في الصيف، مسخنة في الشتاء. قال في ذلك بعض الأعراب يصدق ما أقول:
وما العيشُ إلا شرقةٌ وتبطُّحٌ وتمرٌ كأكبادِ الرباعِ وماءُ
قال أبو عبيد الله، أخبرنا أحمد بن يحيى: أن الأعرابي أنشدهم:
تُمنيِّن الطلاقَ وأنت عندي بعيش مثل مشرقة الشمالِ
[ ٢ / ٥٥١ ]
وقال الأخطل بن غالب أخو الفرزدق:
بني الخطفى هاتُم أبًا مثلَ دارمٍ وإلا فَجارًا منكم مثلَ غالبِ
قَرَى مائةً ضيفًا أناخَ بقبرِهِ فآب إلى أصحابِهِ غيرَ خائب
رجع إلى شعر الفرزدق:
إذَا عجزَ الأحياءُ أنْ يحمِلوا دَمًا أناخَ إلى أجداثِنَا كُلُّ غَارِمِ
ويروى إذا عجز الأقوام أن يحملوا دما. ويروى أجدافنا.
تَرَى كُلَّ مظلُوم اليَنّا فِرَارُهُ ويَهُرُبُ مِنَّا جهدَهُ كُلُّ ظالِمِ
أَبَتْ عامرٌ أَنْ يأخُذُوا بأسيرِهِمْ مِئِينَ مِنَ الأسرى لَهُمْ عِندْ دَارِمِ
وقَالُوا لَنَا زِيُدوا عليْهمْ فانَّهُمْ لَفاءٌ وإنْ كانُوا ثُغامَ اللَّهازِمِ
ويروى ولو كانوا. لفاء باطل وهو مادون الحق. ثغام أي شيب شمط، بيض اللهازم لهازمهم كبياض
الثغام، وهو شجر إذا يبس أبيض الشيب به الواحدة ثغامة.
رأوْا حاجِبًا أغْلَى فِداءً وقومَهُ أحَقَّ بأيَّام العُلا والمَكارِمِ
فَلاَ نقتُلُ الأسرى ولكنْ نفُكُّهُمْ إذا أثقلَ الأعناقَ حملُ المغارِمِ
فهَلْ ضربةُ الرُّومِيِّ جاعِلةً لكُمْ أبًا عَنْ كُليبٍ أَوْ أَبًا مِثلَ دارِمٍ
كذاكَ سُيوفُ الهِندِ تنبُو ظُباتُها ويقطعنَ أحيانًا مناطَ التَّمائِمِ
قال فهل ضربة الرومي جاعلة لكم. قال أبو عبيدة: إن رؤبة بن العجاج قال: كان سليمان بن عبد
الملك حج وحجت الشعراء معه، وحججت معهم، قال: فلما كان سليمان بالمدينة، تلقوه بنحو من
[ ٢ / ٥٥٢ ]
أربعمائة أسير من الروم. قال: فقعد سليمان بن عبد الملك، وأقربهم مجلسًا عبد الله بن الحسن بن
الحسن بن علي بن أبي طالب، ﵄، فقدم بطريقهم، فقال سليمان بن عبد الملك لعبد الله
بن الحسن: يا عبد الله قم فاضرب عنقه. قال: فما أعطاه أحد سيفًا حتى دفع إليه حرسي سيفه،
فضربه فأبان الرأس وأطن الساعد وبعض الغل - ويروى وعض بالغل - فقال سليمان: والله ما هو
من جودة السيف أجاد الضربة، ولكن بجودة حسبه وشرف مركبه. قال: وجعل سليمان يدفع البقية
إلى الوجوه وإلى الناس، فيقتلونهم حتى دفع إلى جرير بن الخطفى رجلًا منهم، قال فدست إليه بنو
عبس سيفًا قاطعًا في قراب أبيض، قال: فضربه فأبان رأسه. قال: ودفع إلى الفرزدق أسيرًا، فلم يجد
سيفًا، فدسوا إليه سيفًا ددانا - يعني كليلًا أنيثا كهاما لا يقطع - قال: فضرب الفرزدق الأسير
ضربات فلم يصنع شيئًا، قال: فضحك سليمان وضحك القوم منه ومن سوء ضربته. قال: وشمت به
بنو عبس، وهم أخوال سليمان: قال: فألقى السيف الفرزدق مغضبًا مغمومًا من شماته القوم به وأنشأ
يقول، يعتذر إلى سليمان بن عبد الملك، ويأتسي بنبو سيف ورقاء عن رأس خالد:
إن يك سيفٌ خانَ أو قدَرٌ أبى لتأخير نفسٍ، حتفُها غيرُ شاهد
فسيفُ بني عبسٍ وقد ضربوا به نَبَا بَيديْ ورقاءَ عن رأسِ خالد
كذاك سيوفُ الهند تنبو ظُباتُها ويقطعنَ أحيانًا مناطَ القلائد
قال يعني ورقاء بن زهير بن جذيمة العبسي. قال: وذلك أنه ضرب خالد بن جعفر بن كلاب. قال
وخالد مكب على أبيه زهير، وقد ضربه
[ ٢ / ٥٥٣ ]
بالسيف وصرعه. قال: فأقبل ورقاء بن زهير، فضرب خالدًا ضربات فلم يصنع شيئًا. فقال ورقاء:
رأيت زهيرا تحت كلكلِ خالدٍ فأقبلتُ أسعَى كالعجولِ أبادرُ
فشُلَّتْ يميني يومَ أضربُ خالدا ويمنعه مني الحديدُ المظاهر
وقال الفرزدق في مقامه ذلك:
أيضحك الناسُ أن أضحكت خيرَكم خليفةَ الله يُستسقى به المطرُ
وما نبا السيفُ من جُبنٍ ولا دَهَشٍ عند الإمامِ ولكن أُخِّر القدر
وما يُعجِّلُ نفسا قبل ميتتها جمعُ اليدين ولا الصمامةُ الذكر
وقال جرير في ذلك:
بسيف أبي رغوانَ سيفِ مجاشعٍ ضربتَ ولم تضرب بسيفِ ابنِ ظالمِ
ضربتَ به عند الإمامِ فأُرعشَتْ يداك وقالوا مُحدثٌ غير صارم
قوله بسيف ابن ظالم، يعني الحارث بن ظالم المري، وكان من فتاك العرب، فتك بخالد بن جعفر،
وهو إذ ذاك نازل بالنعمان بن المنذر بن ماء السماء.
رجع إلى شعر الفرزدق:
ويومَ جعلنَا الظِّلَّ فِيهِ لِعامِرٍ مُصَمَّمَةً تفأى شُؤُونَ الجَماجِمِ
[ ٢ / ٥٥٤ ]
قوله تفأى تقديره تفعى، ومعنى تفأى تعشق. وقوله مصممة، أي هي سيوف تصمم في العظام لا
يردها شيء عظم ولا غيره، يقال من ذلك، صمم السيف، قال وذلك إذا صادف العظم فقطعه، وإذا
صادف المفصل فمضى فيه، قيل حينئذ قد طبق السيف، وهو من قولهم قد صمم الرجل، وذلك إذا
مضى في الأمر، ولم يحبسه شيء ولم يثنه. كما لا يرد السيف شيء ولا يثنيه. والشؤون مجتمع
قبائل الرأس الواحد شأن.
فَمِنْهنَّ يومٌ للبريكْينِ إذْ تَرَى بنُو عامِرٍ أَنْ غَانِمٌ كُلُّ سَالِمِ
قوله يوم البريكين إذ ترى بنو عامر. قال: والبريكان هما بريك وأخوه بارك، وهما من بني قشير
بن كعب، قتلهما بنو يربوع يوم المروت.
ومِنْهُنَّ إذْ أَرْخَى طفيلُ بنُ مالِكٍ على قُرزُلٍ رِجلَي ركُوضِ الهَزائِمِ
قرزل فرس طفيل بن مالك بن جعفر بن كلاب. قال وذلك أنه كان هرب على قرزل فرسه، وذلك
يوم ملزق، ويوم السوبان. قال: ويوم ملزق لبني سعد على بني عامر، وقال في هذا اليوم يقول
الفرزدق:
نحن تركنا عامرًا يومَ ملزقٍ كثيرًا على قبل البيوت هجومها
ونجَّى طفيلًا من علالةَ قرزلٌ قوائم نجَّى لَحمهُ مستقيمُها
قال وفي ذلك أيضًا أوس بن مغراء السعدي:
[ ٢ / ٥٥٥ ]
ونحن بملزق يوما أبرنا فوارسَ عامرٍ لما لقونا
وقوله ركوض الهزائم: يريد ركوض عند الهزائم، وذلك كما قال لبيد بن ربيعة العامري الجعفري:
ونحنُ ضَربنَا مِنْ شُتيرِ بنِ خالدٍ عَلى حيثُ تستسقِيهِ أُمُّ الجَماجِمِ
قوله أم الجماجم: يريد الهامة. وشتير، يريد شتير بن خالد بن نفيل بن عمر بن كلاب، قتله ضرار
بن عمرو الضبي ويروى أم العمائم، ويروى أم الغمائم. والغمائم ما يدخل في الشجة، مثل غمامة
الناقة.
ويومَ ابِنْ ذِي سِيدانَ إذْ فوَّزَتْ بِهِ إلى الموتِ أعجازُ الرِّماحِ الغْواشِمِ
ويروى ويوم ابن سيدان الذي فوزت به. فوز أي مات. ويروى العواسم، الشداد الصلاب. وقوله
ويوم ابن ذي سيدان، يريد طريف ابن سيدان، وهو من بني أبي عوف بن عمرو بن كلاب، قتله
زويهر بن عبد الحارث بن ضرار يوم غول.
يريد يزيد بن الصعق - والصعق لقب وذلك أن صاعقة أصابته، واسم الصعق خويلد بن نفيل بن
عمرو بن كلاب بن ربيعة بن عامر ابن صعصعة - قال وكان أسره أنيف بن الحارث بن حصبة بن
أزنم ابن عبيد بن ثعلبة بن يربوع قال: وأم الفراخ يريد الدماغ.
ونحنُ قَتلنا ابنَيْ هُتَيْم وأَدْرَكْتَ بُجيرًا بِنا رَكْضُ الذُّكُورِ الصَّلادِمِ
قال: وابنا هتيم، هما من بني عمرو بن كلاب، قتلهما بنو ضبة يوم
[ ٢ / ٥٥٦ ]
دارة مأسل، وهو يوم أخذوا إبل النعمان. قال: وفي ذلك يقول ذو الرمة:
نجائبُ من ضربِ العصافيرِ ضربُها أخذنا أباها يومَ دارةَ ماسل
وقال في ذلك اليوم عمر بن لجأ:
لا تهجُ ضبةَ يا جريرُ فإنهم قتلوا مِنَ الرؤساءِ ما لم تقتلِ
قتلوا شُتيرًا يومَ غَولٍ وابنَه وابني هُتيمٍ يومَ دارةَ مأسلِ
قال: وبجير بن عبد الله بن سلمة بن قشير، قتله قعنب بن عتاب بن هرمي بن رياح بن يربوع يوم
المروت.
ونحنُ قَسمْنَا مِنْ قُدامَةَ رأسَهُ بِصَدْعٍ عَلَى يافُوخِهِ مُتفاقِمِ
ويروى شققنا. قوله من قدامة، يعني قدامة الذائد بن عبد الله بن سلمة بن قشير، قتلته بنو ضبة يوم
النسار. قال: وقالت أخته في ذلك اليوم أيضًا:
شَفَى الله نفسَي من معشرٍ أضاعوا قدامةَ يومَ النسارِ
أضاعوا به غيرَ رِعديدةٍ كريمَ الصَّباحِ بعيدَ المزارِ
وعمْرًا أَخا عَوْفٍ تَركْنا بِمُلتقىً مِنَ الخيلِ في سَامِ مِنَ النقَّعْ قَاتِمِ
رجع:
قال: يعني عمرو بن الأحوص بن جعفر بن كلاب، أخا عوف بن الأحوص جد علقمة بن علاثة،
قتله خالد بن مالك بن
[ ٢ / ٥٥٧ ]
ربعي بن سلمي بن جندل بن نهشل، يوم ذي نجب. سام أي مرتفع قاتم أسود
يضرب إلى الحمرة وهي القتمة.
ونحنُ ترَكنَا مِنْ هِلالِ بِنْ عامرٍ ثَمانينَ كهْلًا لِلنُّسُورِ القَشَاعِم
ويروى صرعى. يعني يوم الوتدات، وكان لبني نهشل على بني هلال، وناس من بني عامر. قال
وشهد هذا اليوم سمي بن زياد بن نهيك بن هلال، وظبيان بن زياد. قال: وهو جد زرعة بن ضمرة
الهلالي. وشهد هذا اليوم طفيل الغنوي، فاستجار عصمة بن سنان بن خالد بن منقر. قال: فأجاره فنجا
يومئذ، فقال طفيل في ذلك:
عُصيمةُ أجزيهِ بما قدَّمتْ له يداه وإلا أجزهِ السَّعيَ أكفر
تداركني وقد برِمتُ بحيلتي بحبلِ امرئٍ إن يُوردِ الجارَ يُصدِر
أفدِّي بأميَ الحصَانِ وقد بدت من الوتِداتِ لي جبالُ معبِّر
قال: والوتدات رمال بالدهناء معروفة.
بِدهنا تميمٍ حيثُ سُدَّتْ عليهمْ بِمُعتركٍ مِنْ رَملِها المُتراكِمِ
ويروى سد عليهم. ويروى بمعتلج. ويروى بدهنا تميم حيث سالت عليهم.
ونحنُ منعنَا مِنْ مِصادٍ رِمَاحنا وكُنَّ إذا يلقييْنَ غيرَ حَوائِمٍ
ويروى شفينا وسقينا. ويروى وكن إذا يسقين غير حوائم، أي
[ ٢ / ٥٥٨ ]
عطاش، أي هي روية أبدا من الدم.
وقوله مصاد، يعني مصاد بن عوف بن عمرو بن كلاب، قتلته بنو ضبة يوم قادم وغول. قال: وكان
على الجيش يومئذ، حبيش بن دلف. وفي ذلك اليوم يقول الأخطل لرجلين من قومه:
لم تظلما أن تكفيا الحيَّ ضيفَهم وأن تسعيَا سعيَ الرجالِ الأكارمِ
وأن تنحرا بَكرينِ مما جمعتما وشرُّ النداما من صحا غيرَ غارم
وأن تسعيَا مسعاةَ سَلَمى بنِ جندلٍ وسعيَ حُبيشٍ يومَ غولٍ وقادم
رُدينية صُمَّ الكُعُوبِ كأنَّها مَصابيحُ في تركيبها المتلاحمِ
ونحنُ جدعَنا أنفَ عيلانَ بِالقَنا وبالراسبات البِيض ذَاتِ القَوائِمِ
قال أبو جعفر: الراسبات بالباء الغامضات في الضريبة.
ولَوْ أَنَّ قَيْسًا قَيْسَ عَيلانَ أصبحتْ بِمُستَنِّ أبوالِ الرِّبابِ ودَارِمِ
لَكانُوا كأقذاءٍ طَفتْ في غُطامِطٍ مِنَ البحرِ في آذيِّها المُتلاطِمِ
قوله غطامط، يعني مجتمع الماء وكثرته، ومضطرب الأمواج حتى تسمع له صوتا لكثرة مائه
واضطرابه.
فإِنَّا أُناسٌ نشتري بِدِمائِنا دِيارَ المَنايا رَغبةٌ في المَكارِمِ
يعني بديار المنايا القبور. يقول: إذا رأينا أمرًا أدركه كرم وفخر خاطرنا بأنفسنا وحملناها عليه،
ويقال: إن معناه، أن من نزل ثغرًا يقاتل فيه فقد نزل دار منيته.
[ ٢ / ٥٥٩ ]
أَلسنَا أَحقَّ النَّاس يَومَ تَقايسُوا إلى المَجدِ بالمُستأثراتِ الجَسائِمِ
مُلوكٌ إذا طمَّتْ عليكَ بُحورُها تطحطحطتَ في آذيِّها المُتصادمِ
إذا ما وُزنَّا بالجبال رأيتنا نميلُ بأنضاد الجِبالِ الأضاخمِ
تَرانا إذا صعَّدتَ عينكَ مُشرفًا عليكَ بأطوادٍ طِوالِ المَخارِمِ
ولوْ سُئلتْ مَنْ كفؤُنا الشَّمْسُ أَوْ ماتْ إلى ابْنَي منافٍ عبدِ شمسٍ وهاشِمِ
وكيفَ تُلاقِي دارِمًا حيْن تلتقيِ ذُراها إلى حيث النُّجومِ التَّوائِمِ
لقدْ تركتْ قيسًا ظُباةُ سُيوفُنا وأيدٍ بأعجازِ الرِّماحِ اللَّهاذِمِ
وقائعُ أيامٍ أرينَ نِساءَهُمْ نهارًا صَغيراتِ النُّجومِ العَوائِمِ
العوائم السوابح في الفلك.
بِذِي نجبٍ يومٌ لِقيسٍ شَريدهُ كثيرُ اليتامىَ في ظِلالِ المآتِمِ
ونحنُ تركنَا بالدَّفينةِ حاضِرًا لآلِ سُليمٍ هامُهُمْ غيرُ نائِمِ
ويروى بالدثينة وهي لبني مازن بن مالك بن عمرو بن تميم. قال وذلك أنه أغار على بني سليم
حجش بن عثمان المازني فقتل الحصين الرعلي فقال في ذلك عباس بن ريطة الرعلي:
أغرَّكَ مني ان رأيتَ فوارسي ثوى منهم يوم الدثينة حاضرُ
بأيدي رجال أغضبتهم رماحُنا وأسيافُنا إن الأمور دوائرُ
وذلك ما جرَّت علينا رماحُنا وكلُّ امرئ يوما به الجدُّ عاثر
وأُمُّكم ترجو التُّؤامَ لبعلها وأمُّ أخيكم كزَّةُ الرحمِ عاقر
فيالَ بني رعلٍ وأفناءِ فالج لما ظلمتنا في المقامة عامر
فالج من بني سليم - والتؤام أن تلد اثنين اثنين.
[ ٢ / ٥٦٠ ]
حلفتُ برَبِّ الرَّاقصاتِ إلى منىً بقينَ نهاراَ دامياتِ المناسم
عليهنَّ شُعثٌ ما اتقَّوا مِنْ وديقةٍ إذَا ما التظتْ شهباؤُهَا بِالعَمائِم
لتحتلِبَنْ قيسُ بنُ عيلانَ لقحةً صَرَى ثرةٍ أخلافُها غيرِ رائِمِ
قوله صرى ثرة، يريد صرى ناقة ثرة أخلافها. قال: والصرى ما اجتمع في الضرع من اللبن. قال،
وصرى في موضع نصب. وإنما ضربه مثلًا للحرب، يقول الحرب غير رئمة.
لعَمْرِى لَئنَ لاَمتْ هوازِنُ أَمرَهَا لقدْ أصبحتْ حلَّتْ بِدَارِ المَلاَومِ
ولَوْلا ارتفاعي عَنْ سُليمَ سقيتُها كِئاسَ سِمامٍ مُرَّةً وعلاقِمِ
فَمَا أنتمُ مِنْ قيسِ عيلانَ في الذُّرى وَلا مِنْ أثافيِها العِظامِ الجَماجِمِ
إذا حُصِّلَتْ قيسٌ فأنتُمْ قليلُها وأبعدها من صُلبٍ قيسٍ لعالِمِ
وأنتُمْ أذلُّ قيس عيلانَ حُبوةً وأعجزُها عِندَ الأمورِ العوارِمِ
سيُخبِرُ خُصيا ابِنَ الحُبابِ ورأسُهُ عُمير عَلى ما كانَ يومَ الأراقِمِ
عَشيَّةً ألقَوا في الخريطَةِ رأسَهُ وخُصييهِ مشدُوخًا سَليبَ القوائِمِ
ويروى مسدوحا ومبطوحًا.
عشيَّةَ يدعُوهم قُتيبةُ بعدَما رَأَى أنَّهُ لَمْ يعتصِمْ بِالعواصِمِ
تركنَا أُيُورَ الباهِليينَ بينَهُمْ مُعلَّقَةً تحتَ اللِّحَى كالتَّمائِمِ
ومَا كانَ هذا النَّاسُ حتَّى هداهُمُ بنا الله إلاَّ مِثْلَ شاءِ البهائِمِ
ويروى هذي البهائم.
[ ٢ / ٥٦١ ]
فمَا مِنْهُمُ إلاَّ يُقادُ بأَنفِهِ إلى ملكٍ مِنْ خندِفٍ بالخزائِمِ
عجبتُ إلى قيسٍ وما قَدْ تكلَّفَتْ مِنَ الشِّقْوَةِ الحمقاءِ ذاتِ النَّقائِمِ
يلُوذُونَ مِني بالمراغةِ وابنها وما مِنهُما مِنيِّ لقيسٍ بعاصِمِ
فأجابه جرير فقال:
ألاَ حيِّ رَبْع المنزِل المُتقادِمِ ومَا حَلَّ مُذْ حلَّتْ بِهِ أُمُّ سالِمِ
تميميَّةٌ حلَّتْ بحومانتي قسىً حِمَى الخيلِ ذادتْ عَنْ قسى فالصَّرائِمِ
حومانة، أرض فيها غلظ منقادة. والصرائم، رمال تنقطع من معظم، الرمل الواحد صريمة.
أبيتِ فلاَ تقضِينَ دينًا وطَالمَا بخِلْتِ بحاجاتِ الصَّديقِ المُكارِمِ
بِنَا كالجَوَى مِمَّا يُخافُ وقدْ نَرَى شِفاءَ القُلوبِ الصَّادِياتِ الحوائِمِ
الجوى: فساد الجوف، يقال من ذلك جويت المعدة فهي تجوى، جوى مقصور، قال: وذلك إذا فسدت.
أعاذلَ هيجينيِ لبينٍ مصارِمٍ غدًا أَوْ ذَرِيني مِنْ عِتَابِ المُلاومِ
أَغَرَّكِ مِنَّي أنَّما قادني الهَوَى إليكَ ومَا عهدٌ لكنَّ بِدائِمِ
ألاَ رُبَّما هاجَ التَّذدُّرُ والهَوى بتلعةَ إرشاشَ الدُّمُوعِ السَّواجِمِ
تلعة موضع ذكرها به فسالت دموعه.
عَفتْ قَرقرى والوشمُ حَّى تنكَّرتْ أَواذِيُّها والخيمُ مثلُ الدَّعائِمِ
[ ٢ / ٥٦٢ ]
قرقرى موضع. قال أبو عثمان: زعم الجرمازي أن الوشم ثمانون قرية.
وأقفرَ وادِي ثرمداءَ ورُبَّما تَدانَى بِذِي نَهْدا حُلُولُ الأصارِمِ
الأصارم: بيوت متفرقة، واحدها صرم، ثم يجمع أصرام وأصاريم وأصارم.
لقدْ ولدتْ أُمُّ الفرزدقِ فاجِرًا وجاءتْ بِوزُوازٍ قصيرِ القوائِمِ
قوله بوزواز،، قال: هو الخفيف على الأرض.
ومَا كانَ جارٌ للفرزدق مسلمٌ ليأمَنَ قِردًا ليلُهُ غيرٌ نائِمِ
قوله ليأمن قردًا، يرميه بالزناء، والعرب تقول هو أزنى من قرد. فرماه بالفجور.
يُوصِّلُ حبليْهِ إذا جَنَّ ليلُهُ ليرقَى إلى جاراتهِ بالسَّلالِمِ
أتيتَ حُدُودَ اللهِ مُذْ أنتَ يافِعٌ وشِبْتَ فَما ينهاكَ شِيبُ اللَّهازِمِ
ويروى مذ كنت يافعًا.
تتبَّعُ في الماخُورِ كُلَّ مُريبةٍ ولستَ بأهلِ المحصناتِ الكرائِمِ
رأيتُكَ لا تُوفي بِجارٍ أجرتَهُ وَلا مُستعِفًا عَنْ لِئامِ المطاعِمِ
ويروى فإنك لا موف لجار. ولا مستعف.
هُو الرِّجْسُ يا أهلَ المدينةِ فأحذروا مُداخلَ رِجسٍ بالخبِيثاتِ عالم
لقَدْ كانَ إخراجُ الفرزدق عنكُمُ طهُورًا لِما بينَ المُصلَّى وواقِمِ
[ ٢ / ٥٦٣ ]
قال سعدان، قال أبو عبيدة: قال جرير هذا البيت، لقد كان إخراج الفرزدق عنكم طهورا، وذلك أن
الفرزدق كان قدم على عمر بن عبد العزيز، وهو على المدينة واليها، من قبل الوليد بن عبد الملك،
فأنزله عمر منزلًا قريبًا منه، وأكرمه وأحسن ضيافته، ثم إنه بلغه عنه أنه صاحب فجور. قال: فبعث
اليه عمر بألطاف مع جارية له، وقال: اغسلي رأسه، وألطفيه جهدك. قال: وإنما يريد أن يختبره
بذلك، ليعلم حاله، فأتته الجارية، وفعلت ما أمرها به مولاها، ثم قالت له الجارية: أما تريد أن تغسل
رأسك؟ قال: بلى فقربت اليه الغسل، ثم ذهبت لتغسل رأسه، فوثب الشيخ عليها، وامتنعت منه. ثم
عادت، فعاد بمثل ذلك، وذلك بعين عمر، وهو يتطلع عليه من خوخة له. قال: فخرجت الجارية إلى
عمر، قال: فبعث إليه أن اخرج عن المدينة، ولئن أخذتك فيها، ما دام لي سلطان، لأعاقبنك، قال:
فنفاه عمر عن المدينة، فذلك قول جرير حيث يقول:
نفاك الأغرُّ ابنُ عبدِ العزيز بحقكَ تُنْفَى عن المسجد
قال: فلما خرج الفرزدق، فصار على راحلته، قال: قاتل الله ابن المراغة، كأنه كان ينظر إليَّ حيث
يقول:
وكنتَ إذا نزلتَ بدارِ قوم رحلت بخزيةٍ وتركتَ عارًا
قال: ثم قدم جرير على عمر، فأنزله في منزل الفرزدق، وبعث إليه بتلك الجارية بعينها، وأمرها أن
تفعل بجرير ما فعلت بالفرزدق، فألطفته، وفعلت به مثلما فعلت بالفرزدق، وقالت له: قم أيها الشيخ
[ ٢ / ٥٦٤ ]
فاغسل رأسك فقام، فقال للجارية: تنحي عني، قالت له الجارية: سبحان الله، إنما بعثني سيدي
لأخدمك. فقال: لا حاجة لي في خدمتك. قال: ثم أخرجها من الحجرة، وأغلق الباب عليه، وائتزر،
فغسل رأسه. قال: وعمر ينظر إليه، من حيث بعث بالجارية، إلى أن خرجت من عنده. فلما راح
أهل المدينة من منازلهم إلى عمر، قال: فحدثهم عمر بفعل الفرزدق وجرير، وما كان من أمرهما، ثم
قال عمر: عجبت لقوم يفضلون الفرزدق على جرير، مع عفة بطن جرير وفرجه، وفجور الفرزدق
وخبثه وقلة ورعه وخوفه لله ﷿!!
تَدَلَّيتَ تزْنِي مِنْ ثَمانِينَ قامَةً وقصَّرتَ عنْ باعِ العُلا والمَكارِمِ
ويروى تجري، قوله تدليت تجري من ثمانين قامة. وذلك أنه عير الفرزدق بقوله:
هما دلتاني من ثمانين قامة كما انقضَّ بازِ أقتمُ الريشِ كاسره
أتمدحَ يَا ابْنَ القَيْنِ سَعدًا وقَدْ جرَتْ لِجَعثِنَ فِيهمْ طَيْرها بِالأشائِمِ
قال: يعني جعثن أخت الفرزدق لأبيه وأمه. قال، وقال اليربوعي: كذب عليها جرير. قال، وكان
جرير يقول كثيرًا: استغفر الله مما قلت لجعثن، وكانت إحدى الصالحات.
وتمدح يا ابْنَ القينِ سَعْدًا وقَدْ تَرَى أديَمَكَ مِنْها واهِيًا غيرَ سالمٍ
تُبرئُهُمْ مِنْ عِقْرِ جِعْثِنَ بَعْدَما أتَتكَ بِمَسْلُوخِ البَظارَةِ وارِمِ
تُنادي بِنْصفِ اللَّيلِ يالَ مُجاشِعٍ وقَدْ قشَرُوا جِلْد اسْتِها بالعُجارِمِ
[ ٢ / ٥٦٥ ]
فإن مَجَر جِعثِنَ ابَنةِ غالِبٍ وكيرَيْ جُبيْرِ كانَ ضَرْبَةَ لازِم
قال: وذلك أن جبيرًا كان قينا لصعصعة جد الفرزدق، فنسب أباه غالبًا إلى القين، قال وذلك قول
جرير:
وجدنا جبيرًا أبا غالب بعيد القرابة من معبد
أتجعل ذا الكير من دارم وأين سهيل من الفرقد
تلاقي بنات القين من خُبثِ مائِهِ ومِنْ وهجان الكِير سُودَ المعاصِمِ
وإنَّكَ يا ابْنَ القَيْنِ لَسْتَ بِنافِخِ بكيرك إلاَّ قاعدًا غيرَ قائِمِ
فَمَا وَجَدَ الجِيرانُ حَبْلَ مُجاشِعِ وفيًَّا ولاَ ذَامِرَّةٍ في العَزائِمِ
ولامت قُريشٌ في الزُّبيرِ مُجاشِعًا ولَمْ يعذِرُوا مَنْ كَانَ أهلَ المَلاوِمِ
وقالتْ قُريشٌ ليتَ جارَ مُجاشِعٍ دَعَا شَبثًا أَوْ كانَ جارَ ابنَ خَازِمِ
قال: يعني شبث بن ربعي الرياحي. وعبد الله بن خازم السلمي. الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد
بن عبد العزى بن قصي، قتله عمرو ابن جرموز، أخو بني ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد بن مناة
بن تميم. وشبث بن ربعي بن الحصين بن عيثم بن ربيعة بن زيد بن رياح ابن يربوع. وابن خازم
هو صاحب خراسان وهو عبد الله بن خازم بن أسماء بن الصلت بن حبيب بن حارثة بن هلال بن
حرام بن السمال ابن عوف بن امريء القيس بن بهثة بن سليم بن منصور.
وَلَوْ حبلَ تَيميٍّ تَناوَلَ جارُكُمْ لَما كانَ عَارًا ذِكرُهُ في المواسِمِ
فغيرُكَ أدَّى للخليفةِ عهدهُ وغيرُكَ جلَّى عَنْ وُجُوهِ الأهاتِم
قوله فغيرك أدى للخليفة عهده، يعني وكيع بن حسان بن قيس بن أبي سود. قال: وذلك أنه قتل قتيبة
بن مسلم فتكا، وبعث برأسه إلى
[ ٢ / ٥٦٦ ]
سليمان بن عبد الملك، وبعث بطاعته مع الرأس، وذلك أن قتيبة بن
مسلم كان قد خلع سليمان بن عبد الملك.
فإن وَكيعًا حينَ خارَتْ مُجاشِعٌ كَفَى شَعْب صَدْعِ الفِتنَةِ المُتفاقِمِ
لَقَدْ كُنتَ فِيها يا فرزدقُ تابَعًا ورَيشُ الذُّنابىَ تابِعٌ للِقُوادِمِ
قال: والقوادم هن الريشات العشر اللواتي في أول الجناح، وبعدها الخوافي.
نُدافِعُ عنْكُم كُلَّ يَومِ عظيمةٍ وأنْتَ قُراحِيٌّ بِسيفِ الكَواظِمِ
القراحي صاحب القرية، ملازم لها ليس ببدوي، وقراح موضع على شاطئ البحر.
أجُبْنًا وفخرًا يا بَنِي زُّبداستِها ونحنُ نشُبُّ الحربِ شيبَ المقَادِمِ
أباهِلَ ما أحببتُ قتلَ ابنِ مُسلِمٍ وَلا أَنْ ترُوعُوا قَوْمَكُمْ بِالمَظالِمِ
أباهِلَ قَدْ أوفيتُمُ مِنْ دِمائِكُم إذا ما قتلتُمْ رَهطَ قيسِ بنِ عاصِمِ
ويروى قد أوفيتم. قوله أباهل، يريد أباهلة، لأن قتيبة بن مسلم كان باهليا.
تُحضِّضُ يا ابْنَ القَيْنِ قَيْسًا ليجعلُوا لِقَوْمِكَ يَوْمًا مِثْلَ يَوْمِ الأرَاقمِ
قوله مثل يوم الأراقم، يعني بني تغلب على قيس، حين قتلوا عمير بن الحباب بسنجار من الجزيرة.
إذا رَكِبتْ قيسٌ خُيُولًا مُغيرَةً عَلى القَينِ يَقرَعْ سِنَّ خزيانَ نادِمِ
ويروى بخيل مغيرة.
[ ٢ / ٥٦٧ ]
وقَبْلَكَ مَا أَخْزى الأخيطِلُ قومَهُ وأسلمهم للِمْأزِقِ المُتلاحِمِ
ويروى في المأزق. قال المأزق يعني المضيق. قال: وهو موضع ملتقى الحرب. قال: وجعله
متلاحمًا لشدته وضيقه عليهم. قال: وعنى بقوله وقبلك ما أخزى الأخيطل قومه، أراد به قول
الأخطل، حين دخل على عبد الملك بن مروان، وعنده الجحاف بن حكيم السلمي، وقد كان الجحاف
اعتزل حربهم تحرجا، ولم يدخل منها في شيء، فلما رآه الأخطل عند عبد الملك قال:
ألا أبلغ الجَحَّافَ هل هو ثائرٌ بقتلَى أصيبت من سُليمٍ وعامرِ
ويروى ألا سائل الجحاف. فلما سمع الجحاف ذلك من الأخطل، غضب وجعل يجر مطرفه حمية
وجزعا وغضبا، فقال عبد الملك للأخطل: ما أراك إلا قد جررت على قومك شرًا طويلًا. قال ومضى
الجحاف حتى أتى قومه وافتعل كتبا على لسان عبد الملك بالولاية، ثم أنه حشى جربا ترابا، وقال إن
عبد الملك قد ولاَّني بلاد بني تغلب، وهذه الحرب فيها الأموال، فتأهبوا وامضوا معي، فلما أشرف
على بلاد بني تغلب، نثر التراب وخرَّق الكتب، ثم قال لهم: ما من ولاية ولكني غضبت لكم -
وأخبرهم بقول الأخطل له عند عبد الملك - فاثأروا بقومكم. قال فشد على بني تغلب بالبشر ليلا وهم
غارون آمنون. فقتل منهم مقتلة عظيمة، قال: وهرب الأخطل من ليلته مستغيثًا بعبد الملك، فلما دخل
عليه الأخطل أنشأ يقول:
[ ٢ / ٥٦٨ ]
لقد أوقع الجحافُ بالبشرِ وقعةً إلى الله منها المشتكىَ والمعوَّلُ
فإلا تغيِّرها قريشٌ بمُلكها يكن عن قريشٍ مستماز ومزحل
فقال عبد الملك: إلى أين يا ابن اللخناء؟ قال: إلى النار يا أمير المؤمنين. فقال له عبد الملك: لو قلت
غيرها، لقطعت لسانك، أو الذي فيه عيناك. ثم إن الجحاف لقي بعد ذلك الأخطل فقال:
أبا مالك هل لمتني إذ حَضَضتني على الحربِ أم هل لامني لك لائمُ
متى تدعني يومًا أُجبك بمثلها وأنت امرؤٌ بالحقِ ليس بعالم
لقد أوقدت نار الشمردى بأرؤس عظامِ اللِّحى مُعرنزمات اللهازم
الشمردى رئيس من تغلب، قال أبو عمرو، فحدثني أو مخنف، لوط ابن يحيى، قال: قتل الجحاف#
منهم ثلاثة وعشرين ألفًا.
رُوَيْدَكُمُ مسْحَ الصَّلِيبِ إذا دَنا هِلالُ الجِزىَ واستعجلُوا بِالدراهمِ
قوله الجزى يعني الجزية. يريد خراج رءوسهم، يقول يؤدونه وهم صاغرون لقول الله تعالى ﴿حَتَّى
يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾
وما زالَ في قَيْسٍ فَوارِسُ مَصدَق حُماةٌ وحمَّالُونَ ثِقلَ المَغارِمِ
وقيسٌ هُمُ الفضْلُ الذي نستعِدُّهُ لِفَضْلِ المَساعِي وابتناءِ المَكارِمِ
ويروى الكهف. ويروى لدفع الأعادي.
[ ٢ / ٥٦٩ ]
إذا حَدَبتْ قيسٌ عليَّ وخِندفٌ أخذتُ بِفضلِ الأكثرِينَ الأكارِمِ
أَنا ابنُ فُرُوعِ المجدَ قيسٍ وخندِفٍ بَنوْا ليِ عاديَّا رَفيعَ الدَّعائِمِ
فإن شِئْتَ منْ قيسٍ ذُرى مُتَمنِّعٍ وإنْ شِئْتَ طَوْدًا خندفيَّ المخَارِمِ
ألَمْ تَرَنِي أَرِدْي بأَرْكانِ خنْدِفٍ وانْ كان قيسٌ نَعمَ كهفُ المُراجِمِ
وقيسٌ هُمُ الكهفُ الَّذي نستَعِدُّهُ لدَفْعِ الأعادِيَ أَوْ لحملِ العظائِمِ
بنُو المَجْدِ قيسٌ والعَواتِكُ مِنْهُمُ ولدْنَ بُحُورًا لِلْبُحورِ الخْضَارِمِ
قال سعدان، قال أبو عبيده: العواتك من بني سليم، نقله إلينا العلماء من المحدثين، أن رسول الله
ﷺ، كذا، قال في يوم حنين أنا ابن العواتك من سليم. قال فمنهن أم هاشم والمطلب
وعبد شمس بني عبد مناف، وأمهم عاتكة بنت مرة بن هلال بن فالج بن ذكوان بن ثعلبة بن بهثة بن
سليم بن منصور. وعاتكة بنت فالج بن ذكوان أم جده هاشم ابن عبد مناف وعاتكة بنت الأوقص بن
مرة بن هلال بن فالج بن ذكوان. أم وهب بن عبد مناف بن زهرة، جد رسول الله، صلى الله عليه
وسلم، من قبل أمه، آمنة بنت وهب بن عبد مناف. وسائر العواتك أمهات رسول الله صلى الله عليه
وسلم، من غير بني سليم، فهن تسع. قال أبو عبد الله، حدثنا أبو عبد الله محمد بن عيسى الواسطي،
قال حدثنا محمد بن خالد بن عبد الله، قال حدثني أبي، عن سعيد، عن قتادة أن النبي صلى الله عليه
وسلم، شد على المشركين يوم حنين، وهو يقول:
أنا النبيُّ لا كذب أنا ابنُ عبد المطلب
أنا ابن العواتك.
[ ٢ / ٥٧٠ ]
لَقدْ حدبتْ قيسٌ وأفناءُ خنْدَفٍ عَلى مُرهبٍ حامٍ ذِمارَ المخارِمِ
ويروى لقد خاطرت. ويروى حامي ذمار. والمخارم بالخاء معجمة، مواضع.
فَما زادَنِي بُعْدُ المَدَى نقضَ مرَّةٍ ولا رقَّ هظمِي للضُّرُوسِ العَواجِمِ
تعجم تعض.
تَرانِي إذا ما النَّاسُ عَدُّوا قدِيمهُمْ وفضْلَ المَساعي مسفرًاغيرَ واجمِ
بأيَّامِ قومِي ما لقْومِكَ مِثلُها بِها سهَّلوا عنَّي خبارَ الجراثِمِ
إذا ألْجمت قيسٌ عَناجيجَ كالقَنا مَججنَ دَمًا مِنْ طُولِ علكِ الشَّكائِمِ
عناجيج طوال الأعناق. والشكيمة حديدة اللجام.
سَبَوْا نِسْوةَ النُّعمانَ وابنيْ مُحَرِّقٍ وعمرانَ قادُوا عنوةً بالخزائِمِ
قال سعدان، قال لنا أبو عبيدة: معنى البيت أن هبيرة بن عامر بن سلمة بن قشير بن كعب بن ربيعة
بن عامر بن صعصعة، أغار على النعمان بن المنذر ملك الحيرة، وهو على سفوان ماء من البصرة،
على رأس أربعة فراسخ منها، قال: فأخذ امرأته المتجردة في نسوة من نساء المنذر. قال: وأصاب
أموالا كثيرة وهرب النعمان منه، فلحق بالحيرة، قال: ففي ذلك اليوم يقول نابغة بني جعده:
وظلَّ لنسوةِ النعمانِ منَّا على سفوانِ يومَ أرْوَناني
فأردفنا حليلته وجئنا بما قد كان جمعٌ من هجان
[ ٢ / ٥٧١ ]
فظِلتُ كأنني نادمتُ كسرى له قاقُزَّةٌ ولىَ اثنتان
ويروى قاقوزة، وهي نبطية. قال: وابنا محرق، هما ابن عمرو بن هند، وهو عمُّ عمِّ النعمان بن
المنذر بن ماء السماء. وعمران بن مرة بن ذهل بن شيبان، قتله قرة بن هبيرة يوم قارة أهوى، وهو
يوم القويرة، وكان بدء ذلك، أن عمران بن مرة أخا بني شيبان، جمع جمعًا من بني شيبان، فانطلق
بهم، حتى ورد أرض بني نمير بن عامر فلما دنا منهم أرسل ربيئة من بني شيبان فانطلق حتى أتى
أرض بني نمير، يعتان، - أي يكون لهم عينا - فلم يجد بها أحدا من بني نمير. قال: وكان عظمهم
في الغزو. قال: فأخبره ربيئة بالخبر، وقال الناس: متفرقون يطلبون الكلأ، وليسوا بجميع، قال
عمران لبني شيبان: أغيروا. فأغاروا، فاستاقوا النعم، وأصابوا نساء من بني نمير، فانطلقوا راجعين،
قال: وأفلت رجل من بني نمير، فأخبر أصحابه بالخبر، قال: وكان الذي أصاب من بني عمرو بن
الحارث بن نمير، فركب عروة بن شريح، أحد بني عبد الله بن الحارث بن نمير، فلما مرَّ عمران
بسبايا بني نمير، أخذ على سواج، فمر بناس من بني قشير، فأخبروا أن عمران أخا بني شيبان، معه
سبايا من بني نمير، فنادى قرة بن هبيرة: يا بني قشير. قال: فجاء من كان منهم بحضرته، فتبعوا
عمران بن مرة وجيشه، فأرادت بنو قشير أن تقع بهم، حتى إذا ورودا قارة أهوى، إذا نواصي خيل
بني نمير قد حفت بهم، فلحقوا، واجتمعت بنو نمير وقشير، وإذا بنت شريح خلف عمران، فلما رأت
أخاها عروة بن شريح، وثبت عن البعير، وحمل قرة بن هبيرة على عمران فطعنه، وهو يوم طعن
أبو سحيمة بن قرة، الردفين فصرعهما، وحمل قرة بن هبيرة على رجل من بني شيبان على ناقة له،
فنظمه بمؤخر الرحل. قال: وانهزمت
[ ٢ / ٥٧٢ ]
بنو شيبان، وارتدت بنو عامر ما كان مع جيش عمران من السبايا، فقال الجعدي في ذلك:
جزى الله عنَّا رهطَ قرةَ نصرةً وقرةً إذ بعضُ الفعالِ مزلَّجُ
جلا الخزيَ عن جُلِّ الوجوه فاسفرت وكانت عليها هبوةٌ ما تبلَّج
هم اليومُ إذ بادَ الملوكُ ملوكُنا فعالًا ومجدًا غيرَ أن لم يُتَوَّجوا
تدارك عمرانَ بنَ مرةَ ركضُهم بقارَةَ أهوَى والجوافح تخلج
بأرعنَ مثلِ الطودِ تحسب أنهم وقوفٌ لحاج والركابُ تهملج
تبيت إذا جاء الصباح نساؤُهم تشدِّدُ خلاَّتِ الدروع وتُشرِج
على نارِ حيَّ يصطلون كأنهم جمالٌ طلاها بالعلية مهرج
وقال الجعدي أيضًا:
إن قومي عزِّ نصرُهُم قد شَفُوني من بني عَنمه
تركوا عمرانَ منجدلا للضباعِ حوله رزَمه
في صلاه ألَّةٌ حُشُرٌ وقناةُ الرمح منقسمة
كلَّ قومٌ كان سعيهُم دون ما يسعى بنو سلمه
سيِّد الأملاكِ سيِّدُهم وعِداه الخانةُ الأثمة
وقال عياض بن كلثوم:
وعمرانَ بنَ مرةَ قد تركنا نجيعَ دمٍ للحيتهِ خضابا
سقيناه بأَهوَى كأسَ حتفٍ تحسَّاها مع العَلَقِ اللعابا
رجع إلى شعر جرير:
[ ٢ / ٥٧٣ ]
وَهُمْ أنزلُوا الجونين في حَوْمَةِ الوَغى ولَمْ يمنَع الجَونين عقْدُ التَّمائِمِ
قال أبو عبد الله: ويروى وهم قتلوا. قال: والجونان هما عمرو ومعاوية ابنا شراحيل بن عمرو بن
الجون قال: والجون هو معاوية ابن حجر، آكل المرار ن بن عمرو بن معاوية بن ثور. قال: وثور،
هو كندة - كانا في أخوالهما بني بدر، في يوم الشعب - وهو يوم جبلة فأسر عوف بن الأحوص بن
جعفر بن كلاب عمرا، وأسر طفيل بن مالك بن جعفر معاوية. قال: فجز عوف ناصية عمرو بن
الجون، وخلى سبيله. قال: فمر ببني عبس فقتلوه. فغضبت بنو عامر من ذلك. قال: وأتى عوف بني
عبس، فقال: يا بني عبس، قتلتم طليقي، وقد علمتم أنه كان في جواري حتى يبلغ مأمنه، فقالوا: ما
علمنا أنه كان في جوارك. قال: فاختاروا مني إحدى ثلاث: إما أن تردوه عليَّ حيًَّا كما كان، أو
تدفعوا إليَّ رجلًا أقتله به، أو تعطوني ديته. قال، فقال له قيس بن زهير: يا عوف انصرف عنا
يومنا هذا، فإنا سنعطيك بعض ما سألت. قال: وكان قيس أحزم الناس رأيا، قال: فانطلق قيس إلى
طفيل، فقال له: ادفع إليَّ معاوية بن الجون، حتى أدفعه إلى عوف بأخيه، فإنا قد قتلناه، وأنا اتخوف
أن يعظم فيه الشر. قال: فدفع طفيل معاوية بن الجون إلى قيس بن زهير. قال: فانطلق به قيس،
فدفعه إلى عوف، فقدم عوف معاوية بن الجون فضرب عنقه فقتلا كلاهما. قال: فأثاب قيس ابن
زهير طفيل بن مالك من ابن الجون فرسًا له، يدعى قرزلا.
قال أبو عبد الله، أخبرنا أبو العباس، عن ابن الأعرابي، قال: القرزل أن تمشط المرأة مشطة تكون
على أحد جانبي رأسها.
[ ٢ / ٥٧٤ ]
قال سعدان، وأما أبو عبيدة، فزعم أن قيس بن زهير اشترى معاوية أسيره بألف بعير، وهي ديات
الملوك، وأعطاه من خيله فرسه المزنوق بالقيمة، حتى وفاه الألف، فدفعه إلى عوف مكان أخيه، فقال
عوف لمعاوية أرضيت أن تكون مكان صاحبك، وبرئت من خفارتي؟ قال: نعم. قال: الحق بأبيك،
وسكن الناس. فتحولت بنو عبس إلى بني أبي بكر بن كلاب فحالفوهم، وعقد لهم الحلف أبو هلال
ربيعة بن قرط، فقال قيس في ذلك:
أحاولُ ما أحاولُ ثم آوي إلى جارٍ كجارِ أبي دؤادِ
منيعٍ وسطَ عكرمةَ بن قيسٍ وهوب للطريف وللتلادِ
كفاني ما أخاف أبو هلالٍ ربيعةُ فانتهت عني الأعادي
قال سعدان، قال أبو الوثيق: وذلك قول عامر بن الطفيل:
قضينا الجونَ عن عبسٍ وكانت منيَّةُ معبدٍ فينا هُزالا
رجع إلى شعر جرير:
كأنَّكَ لَمْ تشهدْ لقيِطًا وَحاجِبًا وعَمَرو بْنَ عَمْرو إذا دَعوْايا لدَارِمِ
يعني لقيط بن زرارة - قال: وجاور أبو دؤاد هلال بن كعب بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد
مناة بن تميم، وكان قد أسن، وأتى عليه دهر طويل، فبينما الغلمان يلعبون في مستنقع ماء،
ويتغاطون، إذا غطوا ابن أبي دؤاد فمات في ذلك الغطاط فقال أبو دؤاد:
ألم تر أنني جاورتُ كعبًا وكان جوارُ بعض الناسِ غِيّا
فأبلوني بليتكم لعلي أصالحكم وأستدرج نوَيّا
[ ٢ / ٥٧٥ ]
أراد: نواي فذهب به إلى مثل قفي وهوي، وهو الوجه الذي يريدونه. استدرج، يقول: أترككم
وأذهب. فلما سمه هلال بذلك، أمر بنيه فأخرجوه إلى نادي قومه، فقال: ألا ترون. لا والذي يحلف به
لا يبقى غلام شهد ابن أبي دؤاد إلا قتلته، فأعطوه حتى رضي، فزعموا أن هلالا قال لأبي دؤاد
احتكم عليهم حكم الصبي على أهله - قال ولقيط بن زرارة قتل يوم جبلة، وحاجب بن زرارة أسر
ذلك اليوم أيضا. وعمرو ابن عمرو بن عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم، ألح عليه مرداس بن أبي
عامر، أبو عباس بن مرداس، يوم جبلة، وعمرو على فرسه الخنثى. قال فلما كاد يلحق بمرداس
حصانه هوت يده في ثبرة - أي في هوة - وتمطت الخنثى بفارسها عمرو، ففاتت: فقال مرداس في
ذلك:
تمطَّت كميتٌ كالهراوةِ صلدمٌ بعمرِو بن عمروٍ بعد ما مُسَّ باليدِ
فلولا مدى الخنثى وطولُ جرائِها لَرُحتَ بطيء المشي غيرَ مقيد
قال: ثم إن قيس بن المنتفق، والحارث بن الأبرص العقيليين اعتورا عمرو بن عمرو، فسبقه قيس
فاعتنقاه فلما صرع أعان الحارث قيسًا على عمرو بحبل فشده به، فأراد الحارث قتل عمرو، وأمر
قيسا بذلك، فعصاه قيس، وذلك طماعية منه في الفداء، فجز ناصيته وخلى عنه. ثم أتياه يطلبان الفدية
عنده - قال: وكان الحارث من أجمل الناس - قال: فجعلت عيون بنات عمرو تسمو إلى الحارث،
وذلك لجماله، وكان قيس دميم المنظر، فقال أبوهن: عليكن الرجل الآخر، فإنه ولي نعمة أبيكن، وإن
هذا قد أراد ليقتلني، فعصاه، ثم لم يرضهما. فقال الحارث بن الأبرص في ذلك:
تعجبُ من شواري بنتُ عمرو وما أنا في تأسِّينا بِغَمْرِ
[ ٢ / ٥٧٦ ]
فكم من فارسٍ لم ترزئيه أخي الفتيان في عُرفٍ ونُكرَ
لقد آمرته فعصَى إماري بأمرِ حزامةٍ في جنب عمرو
أمرتُ به لتخمش حنَّتاه فضيَّع أمرَه قيسٌ وأمري
رجع إلى شعر جرير:
ولمْ تشهَد الجَوْنينْ والشِّعبَ ذا الصْفا وشَدَّات قيسٍ يومَ ديرِ الجَماجم
ويروى بالشعب. قال: والجونان، عمرو ومعاوية ابنا الجون. قال والشعب ذا الصفا يعني شعب
جبلة.
ودير الجماجم عنى بذلك خروج أهل العراق، مع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث الكندي فواقعوه
بدير الجماجم. قال: وإنما سمي ذلك الموضع دير الجماجم، لأنه كانت تعمل فيه الأقداح، فلذلك سمي
ديرالجماجم. والجمجمة القدح. قال: فهرب ابن الأشعث من الحجاج، حتى دخل على رتبيل كابل شاه،
فقال عبد الله أو عبيد الله بن أبي سبيع، أخو بني ربيعة بن حنظلة بن مالك بن زيد لرتبيل: ما تصنع
بمحاربة العرب وإدخالهم أرضك، دعني أخرج إلى الحجاج، فأكون بينك وبينه قال: فخرج سرًا حتى
قدم على الحجاج، فوعد الحجاج عبد الله أو عبيد الله بن أبي سبيع ألف ألف درهم، إن أتاه بعبد
الرحمن حيا. قال: فخرج عبد الله أو عبيد الله حتى قدم على رتبيل، فأخبره أنه قد صالح الحجاج،
على أن يدفع اليه ابن الأشعث، وترجع عنه الجيوش. فقال له رتبيل: ويلك، إني أكره أن أرى الغدر
وأنا قاعد، قال: فإذا جلس إليك، فقم. قال: وجمع عبد الله بضعة وعشرين رجلًا من بني ربيعة بن
حنظلة، وأجلسهم قريبًا منه، قال: وجاء ابن الأشعث، فجلس عند
[ ٢ / ٥٧٧ ]
رتبيل، وقام رتبيل، فوثب القوم جميعا على عبد الرحمن الأشعث فأوثقوه رباطا، وخرج به إلى الحجاج.
قال: وانتهب الترك ما كان بيد العرب الذين مع عبد الرحمن بن الأشعث. قال: فقتل عبد الرحمن نفسه في الطريق بفارس،
وذلك أنه رمى بنفسه من فوق القصر، فأدرك بآخر رمق، وهو يقول: قطني قطني ومات مكانه،
فاجتز عبد الله بن أبي سبيع رأسه فأتى به الحجاج.
أكلفتَ قيسًا أنْ نَبا سيفُ غالبٍ وشاعتْ لَهُ أحدوثةٌ في المَواسِمِ
بسِيفِ أَبي رغَوانَ سيفِ مُجاشِعٍ ضربتَ ولمَ تضْرِبْ بسيفٍ ابنِ ظالِمٍ
ضربتَ بِهِ عَندَ الأمامِ فأرعشتْ يَداكَ وقالُوا مُحدثٌ غيرُ صارِمِ
ضربتَ بِه عرقُوبَ نابٍ بِصوارِ ولا تضربونَ البِيضَ تحتَ الغماغمِ
الغمغمة: الصوت الذي لا يعرف. ويروى تحت العمائم. قال: وإنما عنىبذلك، معاقرة غالب بن
صعصعة أبي الفرزدق، سحيم بن وثيل الرياحي. قال سعدان: وحديثه في كتاب المعاقرات. الغماغم:
أصوات لا تفهم، يكون ذلك في الحرب عند القتال. قال أبو عثمان، سمعت أبا عبيدة يقول: الغماغم:
شبيه بالزئير عند المسابقة يحرض بلك نفسه. قال أبو عبيدة: حدثني أعين بن لبطة، وجهم السليطي،
عن إياس بن شبة بن عقال بن صعصعة، قالوا: أجدبت بلاد بني تميم، وأصابت بني حنظلة سنة في
خلافة عثمان، ﵁، فبلغهم خصب عن بلاد كلب بن وبرة فانتجعها بنو حنظلة، فنزلوا
صوأر، وهي فوق الكوفة، مما يلي الشأم، وكانت بنو يربوع قدام الناس، فنزلوا أقصى الوادي،
وتسرع غالب بن صعصعة، ناجية بن عقال بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع فيهم وحده، دون
بني مالك بن حنظلة،
[ ٢ / ٥٧٨ ]
فلم يكن مع بني يربوع من بني مالك، غير غالب، فلما نزلوا، وردت إبل غالب
فحبس منها ناقة كوماء، فنحرها وأطعمها. قال، فقال أناس: ليس فينا من بني مالك، غير رجل واحد،
وقد نحر ولم ننحر. فقالوا لسحيم بن وثيل الرياحي: انحر. فلما وردت إبل سحيم، حبس منها ناقة،
فنحرها من الغد فأطعمها. قال جهم: فقيل لغالب إنما نحر سحيم مواءمة، فضحك غالب، وقال: كلا،
لكنه امرؤ كريم وسوف أنظر. فلما وردت إبل غالب، حبس منها ناقتين، فنحرهما فأطعمهما. فلما
وردت إبل سحيم، نحر ناقتين فاطعمهما. فقال غالب: الآن علمت أنه يوائمني. قال إياس، فلما وردت
إبل غالب، حبس منها عشرا فعقلها، ثم أخذ الحربة فجعل ينحرها، فانفلتت ناقة منها، فانشامت في
بني يربوع، فركب غالب فرسه، فأدركها عند بيت الخرماء، وهي أسماء بنت عوف بن القعقاع،
وكانت امرأة الهذلق بن ربيعة بن عتيبة فعقرها، ثم لتب في سبلتها - أي وجأ، والسبلة موضع
المنحر وذلك المكان لا يخلو من شعرات هناك - فقالت الخرماء: مالك قطع الله يدك. فقال دونك
فاجتزريها، فإني لا اشتم ابنة العم، ولكن أجزرها. فسألت من هذا؟ فقالوا: هذا غالب بن صعصعة.
فقالت واسوأتاه. ورجع غالب فنصب قدوره، وغاظ ذلك بني يربوع، فأتوا سيدهم الهذلق فتجمعوا
اليه، فقالوا: ما ترى، قد فضحنا هذا، وصنع ما ترى، فما الرأي؟ قال الهذلق: أرى أن تأتوه فتأكلوا
من طعامه، وتنحروا كما نحر، وتصنعوا مثل صنعه. قالوا: لا، بل إذا فرغ من قدوره، غدونا،
فكفأناها، بما فيها، ففضحناه، فإن بني مالك حلماء رجح فنصغى إناءه، ونأتيهم، فنقر لهم بحقهم،
فيغفرون لنا، وذلك بمسمع من الخرماء أسماء بنت عوف، فتقنعت بملحفتها، وخرجت من كسر بيتها،
[ ٢ / ٥٧٩ ]
فأتت غالبا، فقالت له: قد سير بك وأنت لا تشعر، فأخبرته بما يريدون به. قال ومن أنت؟ قالت:
أسماء بنت عوف، وإنهم يريدون أن يكفؤا قدورك بما فيها، فيقنعوك خزية. فقال: هل شعر بك أحد؟
قالت: لا. قال فارجعي بأبي أنت وأمي، فحمل ابنه وابن أخ له على فرسين، ثم قال لهما: خذا أعداء
الوادي - أي ناحيتيه، أي أنت عن يمين، وأنت عن شمال، هاهنا وهاهنا - فانظرا أول صرم تريانه
من بني مالك، فعلي به، واحشرا من لقيتما منهم، فلقي أحدهما صرما من بني فقيم، ولقي الآخر
صرما من بني سبيع، ثم من بني طهية، فحشراهم، فأقبلوا على كل صعب، وذلول، حتى نزلوا حول
غالب، واستيقظ الهذلق، فقام من آخر الليل، فإذا أبيات ورجال لم يكن عهدهم من أول النهار، فقال:
إني لا تعرف وجوهًا لم أرها أول الليل، وأبنية ورجالا، فبعث إلي بني يربوع فقال: أترون ما أرى؟
قالوا: نعم. قال: جاءكم قوم يمنعون قدورهم، أليس هذا فلان وهذا فلان؟ أفترون أن تقتلوا هؤلاء في
غير جرم، قالوا فما الرأي؟ قال: أرى أن تأكلوا من طعامه، وتنحروا كما ينحر، وتصنعوا مثل ما
يصنع، فقعدوا فأكلوا من طعامه، ثم قالوا لسحيم: أعقر. فقال: والله إني ما أقوم لنحاري بني مالك،
إنما أقوم لنوكاهم. قالوا: إنا نرفدك. قال: فعلى بني مالك تعولون بالرفد، وهم أكثر منكم أموالا، ثم
وردت إبل سحيم فعقر منها خمس عشرة أو عشرين فضحك غالب.
قال أبو عبيدة، قال جهم: وكانت إبل غالب ترد لخمس، فجاء غلمته قد جبوا في حياضهم أنصافها،
فقال لهم: قدكم الآن، فقد أرويتم. قالوا له: وكيف أروينا وإنما جبينا في أنصاف الحياض، وكنا
نملؤها، ثم لا نضبطها، حتى نأخذ عليها قبلا سقيا على رءوسها فنسقيها. فقال:
[ ٢ / ٥٨٠ ]
بلى، قد أرويتم فحسبكم، فلما حان وردها - قال أعين بن لبطة - فلبس حلته وأخذ سيفه وانطلق معه الفرزدق.
قال: وصوأر واد ذاهب في الأرض. قال الفرزدق: فعلوناه وجاءت الأبل، فأمهل حتى إذا أدبرت،
فلم يبق منها شيء. انتضى سيفه فأهوى لعرقوبي آخرها، فنفرن لما رأين الدم، ووجدن ريحه،
فذعرن فأقبلن، حتى أطفن بالحياض نوافر عطاشا، وأقبل في أثرها، فلما لحقها، جعل يقول: عقرا
عقرا، ويقول للفرزدق: ردها يا هميم، فجعل الفرزدق يقول: إيه عقرا. إيه عقرا. قال أبو عبيدة، قال
إياس: فجعل يحول بينها وبين الحياض، فكلما ورد بعير عقره. قال جهم: حتى اضطرها إلى بيت أم
سحيم ليلى بنت شداد، فعقر عن يمينه وشماله، ومن ورائه، حتى قطعت أطنابه، فوقع عليها،
فخرجت عليه فسبته ودعت عليه، وقالت: يا غالب إن عقرك لن يذهب لؤمك، أو قالت: إن هذه
ليست مذهبة بلؤمك. فقال: إني لا أشتم ابنة العم، ولكن كلوا من هذا شحما ولحما. قال فجعل يعقرها
ويرتجز:
خذلني قومي وحان وِردي أسوقُها بذي حسامٍ فردِ
هل أنتَ يا سحيمُ غيرُ عبدِ أسودُ كالفلذِ من المغدِ
وقال أيضًا:
آل رياحٍ إنه الفَضَاحُ وإنها المخاضُ واللقاحُ
قد شاع في أسؤقها الجراحُ فلا تضجِّي واصبري رياحُ
قال أعين: وفيها غلام لغالب، يقال له سحيم، أبصر الناس بالإبل وأرعاهم، فجعل يقول يا أبا الصمة
ويأبى غالب. قال سحيم: فلم أزل
[ ٢ / ٥٨١ ]
أطمع أن يكف حتى مر بفحل منها، ثمنه أربعة آلاف درهم، فعقره.
فلما عقره علمت أنه لن يستبقي شيئًا، فذهب سحيم غلامه يكفه عنه، فأهوى إليه السيف فأصاب
ركبته فقطع إحدى رجليه، فاستعدى عليه عثمان بن عفان، ﵁، فاعتقه، فلما قتل عثمان،
﵁، استرقه غالب. قال أعين: فعقر أربعمائة بعير، وزعم إياس أنها كانت مائة وأربعين
ناقة، فلما عقر مائة منها، ورأت البارقة ووجدت ريح الدم طار منها أربعون فندت، فنادى غالب: أنا
غالب بن صعصعة، من أخذ بعيرا فهو له. وأحرج على رجل يجمع بين بعيرين، فإني لا أحل له.
فطلبه عثمان، ﵁، ليعاقبه، فركب إلى أبيه صعصعة، فرحب به، وقال: حاجتك؟ قال:
جئت لتخلف عليَّ ما عقرت، فقد رحضت عنك الذم والعار فاخلف لي، قال: نعم وكرامة أخلف ما
عقرت، وأشترط عليك أن لا تعقر بعيرًا ولا بهيمة، ولا تذبها ولا تمثل بها، قال غالب لا أعطيك هذا
الشرط أبدا. قال: فلا إلا على هذا الشرط. فلحق بالبصرة، فأتى منزل الحتات بن يزيد فالتزمه وقبله،
وقال: أقم تخرج أعطيه الحي، وفيهم ثمانون على الفين، فنقاسمك من أعطيتهم، ففعل فأخذ أربعين
الفا، فارتحل بحمل ورق، فأتى الموسم براحلة دراهم، فلما قضى نسكه، زار البيت في أول الناس، ثم
ركب بين خرجيه بعيرا نجيبا لا يجارى. ثم نادى بالبطحاء: يا أيها الناس، أنا غالب بن صعصعة،
فمن أخذ شيئا فهو له، ثم فتح الخرجين، ثم حثى أمامه، وعن يمينه، وعن شماله، ووراءه، حتى إذا
فرغ الخرجين من الورق، أحال السوط في بطن البعير، ثم نجا، فقيل لعثمان: عتبت على غالب في
العقر، وأخفته وطلبته لتعاقبه، فها هو ذاك قد أنهب ماله فبعث في طلبه فهرب فأعجزهم.
[ ٢ / ٥٨٢ ]
قال أبو عبيدة: وأما زبان أو مطرف الصبيري، وسعيد الرياحي، فزعما أن امرأة من بني رياح،
نذرت إن زوجت ابنها عجردا أن تنحر جزورين، فزوجته فنحرت جزورين لنذرها، فوافق ذلك نحر
غالب، فظن أنه مواءمة فلج الأمر، وفي ذلك يقوم الأخوص الرياحي:
فكنا بخير قبل قُبَّةِ عجردٍ وقبلَ جزورَي أُمِّه يوم صوأرِ
يعني قبة البيت الذي ابتنى فيه بامرأته. وبلغ بني مالك غضب بني يربوع فقال ذو الخرق الطهوي:
ما كان ذنبُ بني مالك بأن سُبَّ منهم غلامٌ فَسَبْ
عراقيب كومٍ طوالِ الذُّري تخرُّ بوائكُها للركب
واحدة البوائك بائكة، وهي الكريمة من الأبل.
بأبيضَ يهتزُّ ذي هبَّةٍ يقطُّ العظامَ ويبري العصب
فلا تبعثوا ساقيا منكم قصيرَ الرِّشا ضعيفَ الكَرب
يسامي بحورَ بني مالك ترامىَ أواذيها بالخشب
وأبقى سحيمٌ على ماله وملَّ السؤالَ وخاف الحَرَب
وقال شعبة بن عمير:
لعمري لقد أروَى ابنُ ليلى لبونَه على صوأرِ والماءِ لزنَّ مشاربه
جرى سابقا لا يبلغ الجهدُ عفوه إلى غايةِ المجدِ الذي هاب صاحبه
وقال الفرزدق في ذلك وذكر عقر غالب يوم صوأر:
[ ٢ / ٥٨٣ ]
ألم تعلما يا ابن المجشَّر أنها إلى السيف تستبكي إذا لم تُعقَّر
منا عيشُ للمولى مرائيبُ للثأَى معاقيرُ في يوم الشتاء المذكر
وما عقرت إلا على عثم يُرى عراقيبُها مذعقَّرت يومَ صوأرِ
رجع إلى شعر جرير:
عَنيفُّ بِهز السَّيفِ قَيْنُ مُجاشِعٍ رَفيقٌ بأَخراتِ الفؤُوسِ الكرازِمِ
قوله رفيق بأخرات، يريد خرت الفأس، وهو الذي يقع فيه عموده، وهو ثقب الفاس، يريد أنه حداد.
قال والكرازم الفؤوس التي لها رأس عظيم عريض، ويقال: لها كرَزَم وكرْزم. وكَرْزن وكُرزنِ. قال
سعدان، وأنشدنا أبو عبيدة لقيس بن زهير في ذلك:
فقد جعلت أكبادنا تجتويكم كما تجتوي سوق العضاه الكرازنُ
ستُخبرُ يا ابنَ القينِ أنَّ رِماحَنا أباحَتْ لَنَا ما بَيْنَ فَلَج وعَاسَمِ
ويروى ألم تر. ويروى أباحت لكم.
ألاَ رُبَّ قوم قَدْ وفدْنَا عليهمِ بصُمِّ القنا والمقرباتِ الصَّلادِمِ
ويروى قد نكحنا بناتهم بسمر القنا أي سبينا هن ولم يكن هناك تزويج.
لقْدَ حظِيت يَوْمًا سُليمٌ وعامِرٌ وعبسٌ بِتجريدِ السُّيوفِ الصوارِم
وعبسٌ هُمُ يومَ الفرُوقينِ طرَّفُوا بأسيافِهمْ قُدموسَ رأسٍ صُلادِمِ
[ ٢ / ٥٨٤ ]
ويروى مصادم. قوله طرفوا ردوا ومنعوا. والقدموس شيء ينتأ في رأس الجبل طولًا يشبه به رأس
القوم وسيدهم وكبيرهم، عنى بذلك رأس بني سعد بن زيد مناة بن تميم. وذلك أن بني عبس في
حرب داحس، ساروا إلى هجر ليمتاروا منها، فنزلوا في بني سعد بأمان ثلاث ليال، فنظر بنو سعد
إلى قلتهم، وإلى ظعنهم وكثرة أموالهم، فأجمعوا على الغدر بهم، فبلغهم ذلك، وقال لهم عنترة بن شداد
بن عمرو بن معاوية بن ذهل بن قراد بن مخزوم بن ربيعة بن مالك بن غالب بن قطيعة بن عبس،
إن القوم أجمعوا على الغدر بكم، وهم كثير، فإذا جنَّكم الليل، ففرقوا النيران فيما حولكم من الشجر،
واظعنوا، فإن القوم إذا نظروا إلى النيران، ظنوا أنكم في منزلكم. ففرقوا النيران فميا حولهم من
الشجر، وارتحلوا وقد قدموا عيالاتهم وأموالهم بين أيديهم، وتخلَّف الفرسان، وأصبح بنو سعد فغدوا
ليقتسموا أموال بني عبس وظعنهم، فوجدوهم قد ساروا فتبعوهم حتى لحقوهم بالفروق، فاقتتلوا قتالا
شديدا، وامتنعت بنو عبس، ومنعوا ظعنهم وأموالهم، ورجع بنو سعد يتفادى بعضهم ببعض، لم ينالوا
خيرا. ففي ذلك يقوم عنترة بن شداد العبسي:
ألا قاتل الله الطلولَ البواليا وقاتلَ ذكراكَ السنينَ الخواليا