قال المصنف رحمه الله تعالى: وكثير من الناس يطيعون أنفسهم ويعصون عقولهم، ويتبعون أهواءهم، ويرفضون اديانهم، ويتجنبون ما حض الله تعالى عليه ورتبه في الألباب السليمة من العفة وترك المعاصي ومقارعة الهوى، ويخالفون الله ربهم ويوافقون إبليس فيما يحبه من الشهوة المعطبة، فيواقعون المعصية في حبهم.
وقد علمنا ان الله ﷿ ركب في الإنسان طبيعتين متضادتين: إحداهما لا تشير إلا بخير ولا تحض إلا على حسن، ولا يتصور فيها إلا كل أمر مرضي، وهي العقل، وقائده العدل؛ والثانية ضد لها، لا تشير إلا إلى الشهوات، ولا تقود إلا إلى الردى، وهي النفس، وقائدها الشهوة، والله تعالى يقول:) إن النفس لأمارة بالسوء «يوسف: ٥٣) وكنى بالقلب عن العقل فقال:) إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد «ق: ٣٧) .
وقال تعالى:) وحبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم «الحجرات: ٧) .
وخاطب أولي الألباب.
فهاتان الطبيعتان قطبان في الإنسان، وهما قوتان من قوى الجسد الفعال بهما، ومطرحان من مطارح شعاعات هذين الجوهرين العجيبين
[ ٢٦٧ ]
الرفيعين العلويين، ففي كل جسد منهما حظه على قدر مقابلته لهما في تقدير الواحد الصمد، تقدست أسماؤه، حين خلقه وهيأه؛ فهما يتقابلان أبدًا ويتنازعان دأبًا، فإذا غلب العقل النفس ارتدع الانسان وقمع عوارضه المدخولة واستضاء بنور الله وابتع العدل، وإذا غلبت النفس العقل عميت البصيرة، ولم يضح الفرق بين الحسن والقبيح، وعظم الالتباس وتردى في هوة الردى ومهواة الهلكة، وبهذا حسن الأمر والنهي، ووجب الامتثال، وصح الثواب والعقاب، واستحق الجزاء.
والروح واصل بين هاتين الطبيعتين، وموصل ما بينهما، ومحل الالتقاء بهما، وإن الوقوف عند حد الطاعة لمعدوم إلا بطول الرياضة وصحة المعرفة ونفاذ التمييز، ومع ذلك اجتناب التعرض للفتن ومداخلة الناس جملة والجلوس في البيوت، وبالحرى أن تقع السلامة المضمونة أو يكون الرجل حصورًا لا أرب له في النساء ولا جارحة له تعينه عليهن.
وقديمًا ورد: " من وقي شر لقلقه وقبقبه وذبذبه فقد وقي شر الدنيا بحذافيرها "؛ واللقلق: السان، والقبقب: البطن، والذبذب: الفرج.
ولقد أخبرني أبو حفص الكاتب، وهو من ولد روح بن زنباع الجذامي، انه سمع بعض المتسمين باسم الفقه من أهل الرواية المشاهير، وقد سئل عن هذا الحديث فقال: القبقب: البطيخ.
[ ٢٦٨ ]
وحدثنا أحمد بن محمد بن أحمد ثنا وهب بن مسرة ومحمد ابن أبي دليم عن محمد بن وضاح عن يحيى بن يحيى عن مالك ابن أنس عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، أن رسول الله (ﷺ) قال في حديث طويل: " من وقاه الله شر اثنتين دخل الجنة " فسئل عن ذلك فقال: " ما بين لحييه وما بين رجليه ".
وإني لأسمع كثيرًا ممن يقول: الوفاء في قمع الشهوات في الرجال دون النساء، فأطيل العجب من ذلك، وإن لي قولًا لا احول عنه: الرجال والنساء في الجنوح إلى هذين الشيئين سواء، وما رجل عرضت له امرأة جميلة بالحب وطال ذلك، ولم يكن ثم من مانع، إلا وقع في شرك الشيطان، واستهوته المعاصي، واستفزه الحرص وتغوله الطمع، وما امرأة دعاها رجل بمثل هذه الحالة إلا وأمكنته، حتمًا مقضيًا وحكمًا نافذًا لا محيد عنه البتة.
[ ٢٦٩ ]
ولقد أخبرني ثقة صدق من إخواني من أهل التمام في الفقه والكلام والمعرفة وذو صلابة في دينه، أنه احب جارية نبيلة أديبة ذات جمال بارع، قال: فعرضت لها فنفرت، ثم عرضت فأبت، فلم يزل الأمر يطول وحبها يزيد، وهي لا تطيع البتة، إلى ان حملني فرط حبي لها مع عمى الصبا على أن نذرت أني متى نلت منها مرادي أتوب إلى الله توبة صادقة؛ قال: فما مرت الأيام والليالي حتى أذعنت بعد شماس ونفار؛ فقلت له: أبا فلان، وفيت بعهدك فقال: أي والله، فضحكت.
وذكرت بهذه الفعلة ما لم يزل يتداول في أسماعنا من ان في بلاد البربر التي تجاوز أندلسنا يتعهد الفاسق على انه إذا قضى وطره ممن أراد أن يتوب إلى الله، فلا يمنع من ذلك، وينكرون على من تعرض له بكلمة ويقولون له: أتحرم رجلًا مسلمًا التوبة.
قال: ولعهدي بها تبكي وتقول: والله لقد بلغتني مبلغًا ما خطر قط لي ببال، ولا قدرت ان أجيب إليه أحدًا.
ولست أبعد أن يكون الصلاح في الرجال والنساء موجودًا، وأعوذ بالله أن أظن غير هذا، وإني رأيت الناس يغلطون في معنى هذه الكلمة، أعني " الصلاح " غلطًا بعيدًا.
والصحيح في حقيقة تفسيرها أن الصالحة من النساء هي التي إذا ضبطت انضبطت، وإذا قطعت عنها الذرائع أمسكت، والفاسدة هي التي إذا ضبطت لم تنضبط، وإذا حيل بينها وبين الأسباب التي تسهل الفواحش تحيلت في أن تتوصل إليها بضروب من الحيل؛ والصالح من الرجال من لا يداخل أهل الفسوق ولا يتعرض إلى المناظر الجالبة للأهواء، ولا يرفع طرفه إلى الصور البديعة التركيب؛ والفاسق من يعاشر أهل النقص وينشر بصره إلى
[ ٢٧٠ ]
الوجوه البديعة الصنعة، ويتصدى للمشاهد المؤذية، ويحب الخلوات المهلكات؛ والصالحان من الرجال والنساء كالنار الكامنة في الرماد لا تحرق من جاورها إلا بأن تحرك، والفاسقان كالنار المشتعلة تحرق كل شيء.
وأما امرأة مهملة ورجل متعرض فقد هلكا وتلفا؛ ولهذا حرم على المسلم الالتذاذ بسماع نغمة امرأة أجنبية، وقد جعلت النظرة الأولى لك والأخرى عليك، وقد قال رسول الله (ﷺ): " من تأمل امرأة وهو صائم حتى يرى حجم عظامها فقد أفطر ".
وإن فيما ورد من النهي عن الهوى بنص التنزيل لشيئًا مقنعا؛ وفي إيقاع هذه الكلمة، أعني " الهوى " اسمًا على معان، وفي اشتقاقها عند العرب دليل على ميل النفوس وهويها إلى هذه المقامات.
وإن المتمسك عنها مقارع لنفسه محارب لها.
وشيء أصفه لك تراه عيانًا: وهو أني ما رأيت قط امرأة في مكان تحس أن رجلًا يراها أو يسمع حسها إلا وأحدثت حركة فاضلة كانت بمعزل، واتت بكلام زائد كانت عنه في غنية، مخالفين لكلامها وحركتها قبل ذلك؛ ورأيت التهمم لمخارج لفظها وهيئة تقلبها لائحًا فيها ظاهرًا عليها لا خفاء به؛ والرجال كذلك إذا أحسوا بالنساء.
وأما إظهار الزينة وترتيب المشي وإيقاع المزح عند خطور المرأة بالرجل واجتياز الرجل بالمرأة فهذا أشهر من الشمس في كل مكان.
والله ﷿ يقول:) قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم (وقال تقدست أسماؤه:) ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن «النور: ٣٠ - ٣١) .
فلولا علم الله ﷿ بدقة إغماضهن في
[ ٢٧١ ]
السعي لإيصال حبهن إلى القلوب، ولطف كيدهن في التحيل لاستجلاب الهوى، لما كشف الله عن هذا المعنى البعيد الغامض الذي ليس وراءه مرمى، وهذا حد التعرض فكيف بما دونه.
ولقد اطلعت من سر معتقد الرجال والنساء في هذا على أمر عظيم، وأصل ذلك أني لم أحسن قط بأحد ظنًا في هذا الشأن، مع غيرة شديدة ركبت في.
وحدثنا أبو عمر أحمد بن محمد بن أحمد، ثنا أحمد، ثنا محمد ابن عيسى بن رفاعة، حدثنا على بن عبد العزيز، حدثنا أبو عبيد القاسم ابن سلام عن شيوخه: أن رسول الله (ﷺ) قال: " الغيرة من الإيمان " فلم أزل باحثًا عن أخبارهن كاشفًا عن أسرارهن، وكن قد أنسن مني بكتمان، فكن يطلعنني على غوامض أمورهن.
ولولا أن أكون منبهًا على عوارت يستعاذ بالله منها لأوردت من تنبههن في الشر ومكرهن فيه عجائب تذهل الألباب.
وإني لأعرف هذا وأتيقنه، ومع هذا يعلم الله - وكفى به عليمًا - أني بريء الساحة، سليم الأديم، صحيح البشرة، نقي الحجزة، وإني أقسم بالله أجل الأقسام أني ما حللت مئزري على فرج حرام قط، ولا يحاسبني ربي بكبيرة الزنا مذ عقلت إلى يومي هذا، والله المحمود على ذلك، والمشكور فيما مضى، والمستعصم فيما بقي.
حدثنا القاضي أبو عبد الرحمن عبد الله بن عبد الرحمن ابن جحاف المعافري - وإنه لأفضل قاض رايته - عن محمد
[ ٢٧٢ ]
ابن إبراهيم الطليطلي، عن القاضي بمصر بكر بن العلاء، في قول الله ﷿:) وأما بنعمة ربك فحدث «الضحى: ١١) أن لبعض المتقدمين فيه قولًا، وهو أن المسلم يكون مخبرًا عن نفسه بما أنعم الله تعالى به عليه من طاعة ربه التي هي من أعظم النعم، ولاسيما في المفترض على المسلمين اجتنابه واتباعه.
وكان السبب فيما ذكرته أني كنت وقت تأجج نار الصبا وشرة الحداثة وتمكن غرارة الفتوة مقصورًا محظرًا علي بين رقباء ورقائب؛ فلما ملكت نفسي وعقلت صحبت أبا علي الحسين بن علي الفاسي في مجلس أبي القاسم عبد الرحمن بن أبي يزيد الأزدي شيخنا وأستاذي ﵁، وكان أبو علي المذكور عاقلًا عاملًا، ممن تقدم في الصلاح والنسك الصحيح وفي الزهد في الدنيا والاجتهاد للآخرة، وأحسبه كان حصورًا لأنه لم تكن له امرأة قط، وما رأيت مثله جملة علمًا وعملًا ودينًا وورعًا، فنفعني الله به كثيرًا وعلمت موقع الإساءة وقبح المعاصي.
ومات أبو علي ﵀ في طريق الحج.
ولقد ضمني المبيت ليلة في بعض الأزمان عند امرأة من بعض معارفي مشهورة بالصلاح والخير والحزم، ومعها جارية من بعض قراباتها من اللاتي قد ضمتها معي النشأة في الصبا، ثم غبت عنها أعوامًا كثيرة، وكنت تركتها حين أعصرت ووجدتها قد جرى على وجهها ماء الشباب ففاض وانساب، وتفجرت عليها ينابيع الملاحة فترددت وتحيرت، وطلعت في سماء وجهها نجوم الحسن فأشرقت
[ ٢٧٣ ]
وتوقدت، وانبعث في خديها أزاهير الجمال فتمت واعتمت، فأتت كما أقول: [من البسيط] خريدة صاغها الرحمن من نور جلت ملاحتها عن كل تقدير لو جاءني عملي في حسن صورتها يوم الحساب ويوم النفخ في الصور لكنت أحظى عباد الله كلهم بالجنتين وقرب الخرد الحور وكانت من أهل بيت صباحة، وقد ظهرت منها صورة تعجز الوصاف، وقد طبق وصف شبابها قرطبة، فبت عندها ثلاث ليال متوالية، ولم تحجب عني على جاري العادة في التربية؛ فلعمري لقد كاد قلبي أن يصبو ويثوب إليه مرفوض الهوى، ويعاوده منسي الغزل.
ولقد امتنعت بعد ذلك من دخول تلك الدار خوفًا على لبي أن يزدهيه الاستحسان؛ ولقد كانت هي وجميع أهلها ممن لا تتعدى الأطماع إليهن، ولكن الشيطان غير مأمون الغوائل، وفي ذلك أقول: [من الكامل المجزوء] لا تتبع النفس الهوى ودع التعرض للمحن إبليس حي لم يمت والعين باب للفتن وأقول: [من المجتث] وقائل لي: هذا ظن يزيدك غيا فقلت: دع عنك لومي أليس إبليس حيا وما أورد الله تعالى علينا من قصة يوسف بن يعقوب وداود بن يشي رسل الله ﵈ إلا ليعلمنا نقصاننا وفاقتنا إلى
[ ٢٧٤ ]
عصمته، وان بنيتنا مدخولة ضعيفة، فإذا كانا صلى الله عليهما وهما نبيان رسولان ابنا أنبياء رسل ومن أهل بيت نبوة ورسالة، مكرمين في الحفظ، مغموسين في الولاية، محفوفين بالكلاءة، مؤيدين بالعصمة، لا يجعل للشيطان عليهما سبيل، ولا فتح لوسواسه نحوهما طريق، وبلغا حيث نص الله ﷿ علينا في قرآنه المنزل بالجملة المؤصلة، والطبع البشري والخلقة الأصيلة، لا بتعمد الخطيئة ولا القصد إليها - إذ النبيون مبرؤون من كل ما خالف طاعة الله ﷿، لكنه استحسان طبيعي في النفس للصور - فمن ذا الذي يصف نفسه بملكها ويتعاطى ضبطها إلا بحول الله وقوته وأول دم سفك في الأرض فدم أحد ابني آدم على سبب المنافسة في النساء؛ ورسول الله (ﷺ) يقول: " باعدوا بين أنفاس الرجال والنساء " وهذه امرأة من العرب تقول، وقد حبلت من ذي قرابة لها، حين سئلت: ما ببطنك يا هند فقالت: قرب الوساد وطول السواد؛ وفي ذلك أقول شعرًا منه: [من الرمل] لا تلم من عرض النفس لما ليس يرضي غيره عند المحن لا تقرب عرفجًا من لهب ومتى قربته قامت دخن لا تصرف ثقة في أحد فسد الناس جميعًا والزمن خلق النسوان للفحل كما خلق الفحل بلا شك لهن كل شكل يتشهى شكله لا تكن عن أحد تنفي الظنن
[ ٢٧٥ ]
صفة الصالح من إن صنته عن قبيح أظهر الطوع الحسن وسواه من ذا ثقفته أعمل الحيلة في خلع الرسن وإني لأعلم فتى من أهل الصيانة قد أولع بهوى له، فاجتاز بعض إخوانه فوجده قاعدًا مع من كان يحب، فاستجلبه إلى منزله، فأجابه إلى منزله بامتثال المسير بعده، فمضى داعيه إلى منزله وانتظره حتى طال عليه التربص فلم يأته، فلما كان بعد ذلك اجتمع به داعيه فعدد عليه وأطال لومه على إخلافه موعده، فاعتذر وورى، فقلت أنا للذي دعاه: أنا أكشف عذره صحيحًا من كتاب الله ﷿ إذ يقول:) ما أخلفنا موعدك بملكنا ولكنا حملنا أوزارًا من زينة القوم «طه: ٨٧) فضحك من حضر، وكلفت أن أقول في ذلك شيئًا فقلت: [من الطويل] .
وجرحك لي جرح جبار فلا تلم ولكن جرح الحب غير جبار وقد صارت الخيلان وسط بياضه كنيلوفر حفته روض بهار وكم قال لي من مت وجدًا بحبه مقالة محلول المقالة زاري وقد كثرت مني إليه مطالب ألح عليه تارة وأداري: أما في التداني ما يبرد غلة ويذهب شوقًا في ضلوعك ساري فقلت له: لو كان ذلك لم تكن عداوة جار في الأنام لجار وقد يتراءى العسكران لدى الوغى وبينهما للموت سبل بوار ولي كلمتان قلتهما معرضًا - بل مصرحًا - برجل من أصحابنا كنا نعرفه من أهل الطلب والعناية والورع وقيام الليل واقتفاء آثار النساك وسلوك مذاهب المتصوفين القدماء، باحثًا مجتهدًا، وقد كنا نتجنب المزاح بحضرته، فلم يمض الزمن حتى مكن الشيطان من نفسه، وفتك بعد لباس النساك، وملك إبليس من خطامه فسول له الغرور، وزين له الويل والثبور، وأجره رسنه بعد إباء، وأعطاه ناصيته بعد
[ ٢٧٦ ]
شماس، فخب في طاعته وأوضع، واشتهر بعد ما ذكرته في بعض المعاصي القبيحة الوضرة.
ولقد أطلت ملامة وتشددت في عذله إذ أعلن بالمعصية بعد استتار، إلى ان أفسد ذلك ضميره علي، وخبثت نيته لي، وتربص بي دوائر السوء، وكان بعض أصحابنا يساعده بالكلام استجرارًا إليه، فيأنس به ويظهر له عداوتي، إلى أن أظهر لله سريرته، فعلمها البادي والحاضر، وسقط من عيون الناس كلهم بعد أن كان مقصدًا للعلماء ومنتابًا للفضلاء، ورذل عند إخوانه جملة، أعاذنا الله من البلاء، وسترنا في كفايته، ولا سبلنا ما بنا من نعمته.
فيا سوءتاه لمن بدأ بالاستقامة ولم يعلم أن الخذلان يحل به، وأن العصمة ستفارقه لا إله إلا الله، ما أشنع هذا وأفظعه لقد دهمته إحدى بنات الحرس، وألقت عصاها به أم طبق من كان الله أولًا ثم صار للشيطان آخرًا، ومن إحدى الكلمتين: [من البسيط] .
أما الغلام فقد حانت فضيحته وانه كان مستورًا وقد هتكا ما زال يضحك من أهل الهوى عجبًا فالآن كل جهول منه قد ضحكا إليك لا تلح صبا هائمًا كلفًا يرى التهتك في دين الهوى نسكا قد كان دهرًا يعاني النسك مجتهدًا يعد في نسكه كل امرئ مسكا ذو محبر وكتاب لا يفارقه نحو المحدث يسعى حيث ما سلكا فاعتاض من سمر أقلام بنان فتى كأنه من لجين صيغ أو سبكا يا لائمي سفهًا في ذاك قل فلم تشهد حبيبين يوم الملتقى اشتبكا دعني ووردي في الآبار اطلبه إليك عني كذا لا أبتغي البركا
[ ٢٧٧ ]
إذا تعففت عف الحب عنك وغن تركت يومًا فإن الحب قد تركا ولا تحل من الهجران منعقدًا إلا اذا ما حللت الأزر والتككا ولا تصحح للسلطان مملكة أو تدخل البرد عن إنفاذه السككا ولا بغير كثير المسح يذهب ما يعلو الحديد من الأصداء ان سبكا وكان هذا المذكور من أصحابنا قد احكم القراءات إحكامًا جيدًا، واختصر كتاب الأنباري في الوقف والابتداء اختصارًا حسنًا أعجب به من رآه من المقرئين، وكان دائبًا على طلب الحديث وتقييده، والمتولي لقراءة ما يسمعه على الشيوخ المحدثين، مثابرًا على النسخ مجتهدًا به، فلما امتحن بهذه البلية مع بعض الغلمان رفض ما كان معتنيًا به وباع أكثر كتبه واستحال كلية، نعوذ بالله من الخذلان.
وقلت فيه كلمة وهي التالية للكلمة التي ذكرت منها في أول خبره ثم تركتها.
وقد ذكر أبو الحسين أحمد بن يحيى بن إسحاق الراوندي في كتاب " اللفظ والإصلاح " أن إبراهيم بن سيار النظام رأس المعتزلة، مع علو طبقته في الكلام وتمكنه وتحكمه في المعرفة، تسبب إلى ما حرم الله عليه من فتى نصراني عشقه بان وضع له كتابًا في تفضيل
[ ٢٧٨ ]
التثليث على التوحيد؛ فيا غوثاه عياذك يا رب من تولج الشيطان ووقوع الخذلان.
وقد يعظم البلاء وتكلب الشهوة، ويهون القبيح، ويرق الدين حتى يرضى الإنسان في جنب وصوله إلى مراده بالقبائح والفضائح، كمثل ما دهم عبيد الله بن يحيى الأزدي المعروف بابن الجزيري، فإنه رضي بإهمال داره وإباحة حريمه والتعريض بأهله طمعًا في الحصول على بغيته من فتى كان علقه - نعوذ بالله من الضلال ونسأله الحياطة وتحسين آثارنا وإطابة أخبارنا - حتى لقد صار المسكين حديثًا تعمر به المحافل، وتصاغ فيه الأشعار، وهو الذي تسميه العرب الديوث - وهو مشتق من التدييث، وهو التسهيل، وما بعد تسهيل من تسمح نفسه بهذا الشأن تسهيل، ومنه بعير مديث، أي مذلل.
ولعمري إن الغيرة لتوجد في الحيوان بالخلقة، فكيف وقد أكدتها عندنا الشريعة، وما بعد هذا مصاب.
ولقد كنت اعرف هذا المذكور مستورًا إلى أن استهواه الشيطان، ونعوذ بالله من الخذلان، وفيه يقول عيسى بن محمد بن مجمل الخولاني: [من الكامل] يا جاعلًا إخراج حر نسائه شركًا لصيد جآذر الغزلان إني أرى شركًا يمزق ثم لا تحظى بغير مذلة الحرمان
[ ٢٧٩ ]
وأقول أنا أيضًا: [من الطويل] .
أباح أبو مروان حر نسائه ليبلغ ما يهوى من الرشأ الفرد فعاتبته الديوث في قبح فعله فأنشدني إنشاد مستبصر جلد " لقد كنت أدركت المنى غير أنني يعيرني قومي بإدراكها وحدي " وأقول أيضًا: [من المتقارب] .
رأيت الجزيري فيما يعاني قليل الرشاد كثير السفاه يبيع ويبتاع عرضًا بعرض أمور وجدك ذات اشتباه ويأخذ ميما بإعطاء هاء ألا هكذا فليكن ذو النواهي ويبدل أرضًا تغذي النبات بأرض تحف بشوك العضاه لقد خاب في تجره ذو ابتياع مهب الرياح بمجرى المياه ولقد سمعته في المسجد يستعيذ بالله من العصمة كما يستعاذ به من الخذلان.
ومما يشبه هذا أني أذكر أني كنت في مجلس فيه إخوان لنا عند بعض مياسير أهل بلدنا، فرأيت بين بعض من حضر وبين من كان بالحضرة أيضًا من أهل صاحب المجلس أمرًا أنكرته وغمزًا استبشعته، وخلوات الحين بعد الحين، وصاحب المجلس كالغائب أو النائم، فنبهته بالتعويض فلم ينتبه، وحركته بالتصريح فلم يتحرك، فجعلت أكرر عليه بيتين قديمين لعله يفطن، وهما هذان: [من الخفيف] .
إن إخوانه المقيمين بالأم س أتوا للزناء لا للغناء قطعوا أمرهم وأنت حمار موقر من بلادة وغباء
[ ٢٨٠ ]
وأكثرت من إنشادهما حتى قال لي صاحب المجلس: قد أمللتنا من سماعهما فتفضل بتركهما أو إنشاد غيرهما، فأمسكت وأنا لا أدري أغافل هو أم متغافل؛ وما أذكر أني عدت إلى ذلك المجلس بعدها، فقلت فيه قطعة منها: [من الخفيف] .
أنت لا شك أحسن الناس ظنا ويقينًا ونية وضميرًا فانتبه إن بعض من كان بالأم س جليسًا لنا يعاني كبيرا ليس كل الركوع فاعلم صلاة لا ولا كل ذي لحاظ بصيرا وحدثني ثعلب بن موسى الكلاذاني قال، حدثني سليمان بن أحمد الشاعر قال، حدثتني امرأة اسمها هند كنت رأيتها في المشرق، وكانت قد حجت خمس حجات، وهي من المتعبدات المجتهدات، قال سليمان: فقالت لي: يا ابن أخي، لا تحسن الظن بامرأة قط فإني أخبرك عن نفسي بما يعلمه الله ﷿: ركبت البحر منصرفة من الحج وقد رفضت الدنيا وأنا خامسة خمس نسوة، كلهن قد حججن من الحج وقد رفضت الدنيا وأنا خامسة خمس نسوة، كلهن قد حججن، وصرنا في مركب في بحر القلزم، وفي بعض ملاحي السفينة رجل مضمر الخلق مديد القامة واسع الأكتاف حسن التركيب، فرأيته أول ليلة قد أتى إلى إحدى صواحبي فوضع إحليله في يدها، وكان ضخمًا جدًا، فأمكنته في الوقت من نفسها، ثم مر عليهن كلهن في ليال متواليات، فلم يبق له غيرها، تعني نفسها، قال: فقلت في نفسي: لأنتقمن منك؛ فأخذت موسى وأمسكتها بيدي، فأتى في الليل على جاري عادته، فلما فعل كفعله في سائر الليالي سقطت الموسى عليه فارتاع وقام لينهض، قال: فأشفقت عليه وقلت له وقد أمسكته:
[ ٢٨١ ]
لا زلت أو آخذ نصيبي منك، قالت العجوز: فقضى وطره وأستغفر الله.
وإن للشعراء من لطف التعريض عن الكتابة لعجبًا؛ ومن بعض ذلك قولي حيث أقول: [من الطويل] .
أتاني وماء المزن في الجو يسفك كمحض لجين إذ يمد ويسبك هلال الدياجي انحط من جو أفقه فقل في محب نال ما ليس يدرك وكان الذي إن كنت لي عنه سائلا فمالي جواب غير أني أضحك لفرط سروري خلتني عنه نائمًا فيا عجبا من موقن يتشكك وأقول أيضًا قطعة منها: [من البسيط] .
أتيتني وهلال الجو مطلع قبيل قرع النصارى للنواقيس كحاجب الشيخ عم الشيب أكثره واخمص الرجل في لطف وتقويس ولاح في الأفق قوس الله مكتسيًا من كل لون كأذناب الطواويس وإن فيما يبدو إلينا من تعادي المتواصلين في غير ذات الله تعالى بعد الألفة، وتدابرهم بعد الوصال، وتقاطعهم بعد المودة، وتباغضهم بعد المحبة، واستحكام الضغائن، وتأكد السخائم في صدورهم، لكاشفًا ناهيًا لو صادف عقولًا سليمة، وآراء نافذة وعزائم صحيحة.
فكيف بما أعد الله لمن عصاه من النكال الشديد يوم الحساب وفي دار الجزاء، ومن الكشف على رؤوس الخلائق) يوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد «الحج: ٢) جعلنا الله ممن يفوز برضاه ويستحقُّ رحمته.
ولقد رأيتُ امرأةً كانت مودتها في غير ذات الله ﷿،
[ ٢٨٢ ]
فعهدتها أصفى من الماء، وألطف من الهواء، وأثبت من الجبال، وأقوى من الحديد وأشد امتزاجًا من اللون في الملون، وأنفذ استحكامًا من الأعراض في الأجسام، وأضوأ من الشمس، وأصح من العيان، وأثقب من النجم، وأصدق من كدر القطا، واعجب من الدهر، واحسن من البر، وأجمل من وجه أبي عامر، وألذ من العافية، وأحلى من المنى، وأدنى من النفس، وأقرب من النسب، وأرسخ من النقش في الحجر، ثم لم ألبث أن رأيت تلك المودة قد استحالت عداوة أفظع من الموت، وأنفذ من السهم، وأمر من السقم، وأوحش من زوال النعم، وأقبح من حلول النقم، وأمضى من عقم الرياح، وأضر من الحمق، وأدهى من غلبة العدو، وأشد من الأسر، وأقسى من الصخر، وأبغض من كشف الأستار، وانأى من الجوزاء، وأصعب من معاناة السماء، وأكبر من رؤية المصاب، وأشنع من خرق العادات، وأقطع من فجأ البلاء، وأبشع من السم الزعاف، وما لا يتولد مثله عن الذحول والتراث وقتل الآباء وسبي الأمهات.
وتلك عادة الله في أهل الفسق القاصدين سواه، الآمين غيره؛ وذلك قوله ﷿) يا ليتني لم أتخذ فلانًا خليلًا لقد أضلني عن الذكر بعد إذ
[ ٢٨٣ ]
جاءني «الفرقان: ٢٨) .
فيجب على اللبيب الاستجارة بالله مما يورط فيه الهوى: فهذا خلف مولى يوسف بن قمقام القائد المشهور كان أحد القائمين مع هشام بن سليمان بن الناصر، فلما أسر هشام وقتل وهرب الذين وازروه، فر خلف في جملتهم ونجا، فلما أتى القسطلات لم يطق الصبر عن جارية كانت له بقرطبة فكر راجعًا، فظفر به أمير المؤمنين المهدي، فأمر بصلبه، فلعهدي به مصلوبًا في المرح على النهر الأعظم وكأنه القنفذ من النبل.
ولقد اخبرني أبو بكر محمد بن الوزير عبد الرحمن بن الليث ﵀ أن سبب هروبه إلى محلة البرابر أيام تحولهم مع سليمان الظافر إنما كان لجارية يكلف بها تصيرت عند بعض من كان في تلك الناحية، ولقد كاد أن يتلف في تلك السفرة.
وهذان الفصلان وإن لم يكونا من جنس الباب فإنهما شاهدان على ما يقود إليه الهوى من الهلاك الحاضر الظاهر، الذي يستوي في فهمه العالم والجاهل، فكيف من العصمة التي لا يفهمها من ضعفت بصيرته.
ولا يقولن امرؤ: خلوت، فهو وغن انفرد فبمرأى ومسمع من علام الغيوب.
) الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور (، (غافر: ١٩» ويعلم السر وأخفى «طه: ٧) و) ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا وهو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما
[ ٢٨٤ ]
كانوا «المجادلة: ٧) / و) هو عليم بذات الصدور (وهو) عالم الغيب والشهادة (و) ويستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم «النساء: ١٠٨) وقال:) لقد خلقنا الآنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد.
إذ يتلقى الملتقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد.
ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد «ق: ١٦ - ١٨) .
وليعلم المستخف بالمعاصي، المتكل على التسويف، المعرض عن طاعة ربه ان إبليس كان في الجنة مع الملائكة المقربين فلمعصية واحدة وقعت منه استحق لعنة الأبد وعذاب الخلد، وصير شيطانًا رجيمًا، وأبعد عن رفيع المقام، وهذا آدم (ﷺ) بذنب واحد أخرج من الجنة إلى شقاء الدنيا ونكدها؛ ولولا انه تلقى من ربه كلمات وتاب عليه لكان من الهالكين.
افترى هذا المغتر بالله ربه وبإملائه ليزداد إثمًا يظن أنه أكرم على خالقه من أبيه آدم الذي خلقه ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته الذين هم أفضل خلقه عنده أو عقابه اعز عليه من عقوبته إياه كلا، ولكن استعذاب التمني، واستيطاء مركب العجز، وسخف الرأي، قائدة أصحابها إلى الوبال والخزي.
ولو لم يكن عند ركوب المعصية زاجر من نهي الله تعالى ولا حام من غليظ عقابه لكان في قبيح الأحدوثة عن صاحبه وعظيم الظلم الواقع في نفس فاعله اعظم مانع وأشد رادع لمن نظر بعين الحقيقة، واتبع سبيل الرشد، فكيف والله ﷿ يقول:) ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثامًا، يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانًا «الفرقان: ٦٨ - ٦٩) .
[ ٢٨٥ ]
حدثنا الهمذاني في مسجد العمري بالجانب الغربي من قرطبة سنة إحدى وأربعمائة، حدثنا ابن شبويه وأبو إسحاق البلخي بخراسان سنة خمس وسبعين وثلاثمائة، قالا ثنا محمد بن يوسف ثنا محمد بن إسماعيل ثنا قتيبة بن سعيد ثنا جرير عن الأعمش عن أبي وائل عن عمرو بن شرحبيل قال: قال عبد الله وهو ابن مسعود، قال رجل: يا رسول الله، أي الذنب أكبر عند الله قال: ان تدعو لله ندًا وهو خلقك، قال: ثم أي قال: أن تقتل ولدك أن يطعم معك.
قال: ثم أي قال: أن تزاني حليلة جارك.
فانزل الله تصديقها:) والذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون «الفرقان: ٦٨) وقال ﷿:) الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة، ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله «النور: ٢) .
حدثنا الهمذاني عن أبي إسحاق البلخي وابن شبويه عن محمد ابن يوسف عن محمد بن اسماعيل عن الليث عن عقيل عن ابن شهاب الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وسعيد بن
[ ٢٨٦ ]
المسيب المخزوميين وأبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري أن رسول الله (ﷺ) قال: " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ".
وبالسند المذكور إلى محمد بن إسماعيل عن يحيى بن بكير عن الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن أبي سلمة وسعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: " أتى رجل إلى رسول الله (ﷺ) وهو في المسجد فقال يا رسول الله، إني زنيت، فأعرض عنه، ثم رد عليه أربع مرات، فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه النبي (ﷺ) فقال: أبك جنون قال: لا، قال: فهل أحصنت قال: نعم، فقال النبي (ﷺ) اذهبوا به فارجموه ".
قال ابن شهاب: فاخبرني من سمع جابر بن عبد الله قال: كنت فيمن رجمه، فرجمناه بالمصلى، فلما أذلقته الحجارة هرب فأدركناه بالحرة فرجمناه.
حدثنا أبو سعيد مولى الحاجب جعفر في المسجد الجامع عن أبي بكر المقرئ عن أبي جعفر بن النحاس عن سعيد بن بشر عن عمرو بن رافع عن منصور عن الحسن عن حطان بن عبد الله الرقاشي عن عبادة بن الصامت عن رسول الله (ﷺ) أنه قال: " خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا: البكر بالبكر جلد وتغريب سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم ".
فيا لشنعة ذنب أنزل الله وحيه مبينًا بالتشهير بصاحبه، والعنف بفاعله، والتشديد لمقترفه، وتشدد في عقوبة رجمه الا يرجم إلا بحضرة أوليائه.
وقد أجمع المسلمون إجماعًا لا ينقضه إلا ملحد أن الزاني المحصن عليه الرجم حتى يموت.
فيا لها قتلة
[ ٢٨٧ ]
ما أهولها، وعقوبة ما أفظعها، وأشد عذابها وأبعدها من الإراحة وسرعة الموت.
وطوائف من أهل العلم منهم الحسن بن أبي الحسن وابن راهويه وداود وأصحابه يرون عليه مع الرجم جلد مائة، ويحتجون عليه بنص القرآن وثابت السنة عن رسول الله (ﷺ) وفعل علي ﵁ بأنه رجم امرأة محصنة في الزنا بعد أن جلدها مائة.
وقال: جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله؛ والقول بذلك لازم لأصحاب الشافعي، لأن زيادة العدل في الحديث مقبولة.
وقد صح في إجماع الأمة المنقول بالكافة الذي يصحبه العمل عند كل فرقة وفي أهل كل نحلة من نحل أهل القبلة - حاشا طائفة يسيرة من الخوارج لا يعتد به - أنه لا يحل دم امرئ مسلم إلا بكفر بعد إيمان، أو نفس بنفس، أو بمحاربة لله ورسوله يشهر فيها سيفه ويسعى في الأرض فسادا مقبلًا غير مدبر، وبالزنا بعد الإحصان فإن حد ما جعل الله مع الكفر بالله ﷿ ومحاربته وقطع حجته في الأرض ومنابذته دينه لجرم كبير ومعصية شنعاء.
والله تعالى يقول:) إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم «النساء: ٣١» والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم.
إن ربك واسع المغفرة «النجم: ٣٢) وإن كان أهل العلم اختلفوا في تسميتها فكلهم مجمع - مهما اختلفوا فيه منها - أن الزنا يقدم فيها، لا اختلاف بينهم في ذلك، ولم يوعد الله ﷿ في كتابه بالنار بعد
[ ٢٨٨ ]
الشرك الا في سبع ذنوب، وهي الكبائر: الزنا أحدها، وقذف المحصنات أيضًا منها، منصوصًا ذلك كله في كتاب الله ﷿.
وقد ذكرنا أنه لا يحب القتل على أحد من ولد آدم إلا في الذنوب الأربعة التي تقدم ذكرها: فأما الكفر منها فإن عاد صاحبه إلى الاسلام أو بالذمة إن لم يكن مرتدًا قبل منه ودرى عنه الموت، وأما القتل فان قبل الولي الدية في قول بعض الفقهاء أو عفا في قول جميعهم سقط عن القاتل القتل بالقصاص، وأما الفساد في الأرض فإن ناب صاحبه قبل أن يقدر عليه هدر عنه القتل، ولا سبيل في قول أحد مؤالف أو مخالف في ترك رجم المحصن ولا وجه لرفع الموت عنه البتة.
ومما يدل على شنعة الزنا ما حدثنا القاضي أبو عبد الرحمن: ثنا القاضي أبو عيسى عن عبيد الله بن يحيى عن أبيه يحيى بن يحيى عن الليث عن الزهري عن القاسم بن محمد بن أبي بكر عن عبيد بن عمير: ان عمر بن الخطاب ﵁ أصاب في زمانه ناسًا من هذيل، فخرجت جارية منهم فاتبعها رجل يريدها عن نفسها فرمته بحجر فقضت كبده.
فقال عمر: هذا قتيل الله والله لا يودى أبدًا.
وما جعل الله ﷿ فيه أربعة شهود، وفي كل حكم شاهدين، إلا حياطة منه ألا تشيع الفاحشة في عباده، لعظمها وشنعتها
[ ٢٨٩ ]
وقبحها، وكيف لا تكون شنيعة ومن قذف بها أخاه المسلم أو أخته المسلمة دون صحبة علم أو تيقن معرفة فقد أتى كبيرة من الكبائر استحق عليها النار غدًا، ووجب عليه بنص التنزيل ان تضرب بشرته ثمانين سوطًا.
ومالك ﵁ يرى ألا يؤخذ في شيء من الأشياء حد بالتعريض دون التصريح إلا في قذف.
وبالسند المذكور عن الليث بن سعد عن يحيى بن سعيد عن محمد بن عبد الرحمن عن أمه عمرة بنت عبد الرحمن عن عمر بن الخطاب ﵁ انه أمر أن يجلد رجل قال لآخر: ما أبي بزان ولا أمي بزانية.
في حديث طويل.
وبإجماع من الأمة كلها دون خلاف من أحد نعلمه انه إذا قال رجل لآخر: يا كافر، أو يا قاتل النفس التي حرم الله، لما وجب عليه حد احتياطًا من الله ﷿ ألا تثبت هذه العظيمة في مسلم ولا مسلمة.
ومن قول مالك ﵀ أيضًا أنه لا حد في الإسلام إلا والقتل يغني عنه وينسخه إلا حد القذف، فإنه إن وجب على من قد وجب عليه القتل حد ثم قتل.
قال الله تعالى:) والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا وأولئك هم الفاسقون.
إلا الذين تابوا «النور: ٤، ٥) .
وقال تعالى:) عن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والاخرة ولهم عذاب عظيم «النور: ٢٣) .
وروي عن رسول الله
[ ٢٩٠ ]
(ﷺ) انه قال في الغضب واللعنة المذكورين في اللعان: إنهما موجبتان.
حدثنا الهمذاني عن أبي إسحاق عن محمد بن يوسف عن محمد بن إسماعيل عن عبد العزيز بن عبد الله، قال: ثنا سليمان عن ثور بن يزيد عن أبي الغيث عن أبي هريرة عن النبي (ﷺ) أنه قال: اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: وما هن يا رسول الله قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات ".
وإن في الزنا من إباحة الحريم، وإفساد النسل، والتفريق بين الأزواج الذي عظم الله أمره، ما لا يهون على ذي عقل أو من له أقل خلاق.
ولولا مكان هذا العنصر من الإنسان وانه غير مأمون الغلبة لما خفف الله عن البكرين وشدد على المحصنين.
وهذا عندنا وفي جميع الشرائع القديمة النازلة من عند الله ﷿ حكمًا باقيًا لم ينسخ ولا أزيل، فتبارك الناظر لعباده الذي لم يشغله عظيم ما في خلقه ولا يحيف قدرته كبير ما في عوالمه عن النظر لحقير ما فيها، فهو كما قال ﷿:) الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم «البقرة: ٢٥٥) وقال:) يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها «سبأ: ٢) وقال:) عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض «سبأ:) .
[ ٢٩١ ]
وإن اعظم ما يأتي به العبد هتك ستر الله ﷿ في عباده؛ وقد جاء في حكم أبي بكر الصديق ﵁ في ضربه الرجل الذي ضم صبيًا حتى أمنى ضربًا كان سببًا للمنية.
وفي إعجاب مالك ﵀ باجتهاد الأمير الذي ضرب صبيًا مكن رجلًا من تقبيله حتى أمنى الرجل، ضربه إلى أن مات، ما ينسي شدة دواعي هذا الشأن وأسبابه.
والتزيد في الاجتهاد، وإن كنا لا نراه، فهو قول كثير من العلماء يتبعه على ذلك عالم من الناس.
وأما الذي نذهب اليه فالذي حدثناه الهمذاني عن البلخي عن الفربري عن البخاري قال ثنا يحيى بن سليمان ثنا ابن وهب قال: أخبرني عمرو أن بكيرًا حدثه عن سليمان بن يسار بن عبد الرحمن بن جابر عن أبيه عن أبي بردة الأنصاري قال: سمعت رسول الله (ﷺ) يقول: " لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله ﷿ ".
وبه يقول أبو جعفر محمد بن علي النسائي الشافعي ﵀.
وأما فعل قوم لوط فشنيع بشيع قال الله تعالى:) أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين «الأعراف: ٨٠) .
وقد قذف الله فاعليه بحجارة من طين مسمومة.
ومالك ﵀ يرى على الفاعل والمفعول به الرجم، أحصنا أم لم يحصنا، واحتج بعض المالكيين في ذلك بان الله ﷿ يقول في رجمه فاعليه بالحجارة) وما هي من الظالمين ببعيد «هود: ٨٣) فوجب بهذا انه من ظلم الآن بمثل فعلهم قربت منه.
والخلاف في هذه المسالة ليس هذا موضعه.
وقد ذكر أبو إسحاق
[ ٢٩٢ ]
إبراهيم بن السري أن أبا بكر ﵁ أحرق فيه بالنار، وذكر أبو عبيدة معمر بن المثنى اسم المحرق فقال: هو شجاع ابن ورقاء الأسدي، أحرقه بالنار أبو بكر الصديق لأنه يؤتى في دبره كما تؤتى المرأة.
وإن عن المعاصي لمذاهب للعاقل واسعة، فما حرم الله شيئًا إلا وقد عوض عباده من الحلال ما هو أحسن من المحرم وأفضل، لا إله إلا هو؛ وأقول في النهي عن اتباع الهوى على سبيل الوعظ: [من الطويل] .
أقول لنفسي ما مبين كحالك " وما الناس إلا هالك وابن هالك " صن النفس عما عابها وارفض الهوى فإن الهوى مفتاح باب المهالك رأيت الهوى سهل المبادي لذيذها وعقباه مر الطعم ضنك المسالك فما لذة الإنسان والموت بعدها ولو عاش ضعفي عمر نوح بن لامك فلا تتبع دارًا قليلا لباثها فقد أنذرتنا بالفناء المواشك وما تركها إلا إذا هي أمكنت وكم تارك إضماره غير تارك فما تارك الآمال عجيًا جآذرًا كتاركها ذات الضروع الحواشك
[ ٢٩٣ ]
ومن قابل الأمر الذي كان راغبًا بشهوة مشتاق وعقل متارك لأحرى عباد الله بالفوز عنده لدى جنة الفردوس فوق الأرائك ومن عرف الأمر الذي هو طالب رأى سفهًا ما في يدي كل مالك ومن عرف الرحمن لم يعص أمره ولو انه يعطى جميع الممالك سبيل التقى والنسك خير المسالك وسالكها مستبصرًا خير سالك فما فقد التنغيص من عاج دونها ولا طاب عيش لامرئ غير ناسك وطوبى لأقوام يؤمون نحوها بخفة أرواح ولين عرائك لقد فقدوا غل النفوس وفضلوا بعز سلاطين وأمن صعالك فعاشوا كما شاءوا وماتوا كما اشتهوا وفازوا بدار الخلد رحب المبارك عصوا طاعة الأجساد في كل لذة بنور مجل ظلمة الغي هاتك فلولا اغتذاء الجسم أيقنت انهم يعيشون عيشًا مثل عيش الملائك فيا رب قدمهم وزد في صلاحهم وصل عليهم حيث حلوا وبارك ويا نفس جدي لا تملي وشمري لنيل سرور الدهر فيما هنالك وأنت متى دمرت سعيك في الهوى علمت بأن الحق ليس كذلك فقد بين الله الشريعة للورى بابين من زهر النجوم الشوابك فيا نفس جدي في خلاصك وانفذي نفاذ السيوف المرهفات البواتك فلو أعمل الناس التفكر في الذي له خلقوا ما كان حي بضاحك
[ ٢٩٤ ]