وللحب علامات يقفوها الفطن، ويهتدي إليها الذكي.
فأولها إدمان النظر؛ والعين باب النفس الشارع، وهي المنقبة عن سرائرها، والمعبرة لضمائرها، والمعربة عن بواطنها.
فترى الناظر لا يطرف، ينتقل بتنقل المحبوب وينزوي بانزوائه، ويميل حيث مال، كالحرباء مع الشمس، وفي ذلك أقول شعرًا منه: [من الطويل] فليس لعيني عند غيرك موقف كأنك ما يحكون من حجر البهت (٢)
[ ١٠٣ ]
أصرفها حيث انصرفت وكيفما تقلبت كالمنعوت في النحو والنعت ومنها الإقبال بالحديث، فما يكاد يقبل على سوى محبوبه ولو تعمد ذلك، وإن التكلف ليستبين لمن يرمقه فيه؛ والإنصات لحديثه إذا حدث، واستغراب كل ما يأتي به ولو انه عين المحال وخرق العادات؛ وتصديقه وإن كذب؛ وموافقته وإن ظلم؛ والشهادة له وإن جار، واتباعه كيف سلك وأي وجه من وجوه القول تناول؛ ومنها الإسراع بالسير نحو المكان الذي يكون فيه؛ والتعمد للقعود بقربه والدنو منه؛ واطراح الأشغال الموجبة للزوال عنه، والاستهانة بكل خطب جليل داع إلى مفارقته؛ والتباطؤ في المشي عند القيام عنه؛ وفي ذلك أقول شعرًا: [من الخفيف] وإذا قمت عنك لم أمش إلا مشي عان يقاد نحو الفناء في مجيئي إليك أحتث كالبد ر إذا كان قاطعًا للسماء وقيامي إن قمت كالأنجم العا لية الثابتات في الإبطاء ومنها بهت يقع وروعة تبدو على المحب عند رؤية من يحب فجأة وطلوعه بغتة؛ ومنها اضطراب يبدو على المحب عند رؤية من يشبه محبوبه أو عند سماع اسمه فجأة.
وفي ذلك أقول قطعة منها: [من الطويل]
[ ١٠٤ ]
إذا ما رأت عيناي لابس حمرة تقطع قلبي حسرة وتفطرا غدا لدماء الناس باللحظ سافكًا وضرج منها ثوبه فتعصفرا ومنها أن يجود المرء يبذل كل ما كان يقدر عليه مما كان يمتنع به قبل ذلك، كأنه هو الموهوب له والمسعي في حظه، كل ذلك ليبدي محاسنه ويرغب في نفسه؛ فكم بخيل جاد، وقطوب تطلق، وجبان تشجع، وغليظ الطبع تظرف، وجاهل تأدب، وتفل تزين، وفقير تجمل، وذي سن تفتى، وناسك تفتك، ومصون تهتك.
وهذه العلامات تكون قبل استعار نار الحب وتأجج حريقه، وتوقد شعله واستطارة لهبه.
فأما إذا تمكن وأخذ مأخذ فحينئذ ترى الحديث سرارًا، والإعراض عن كل من حضر إلا عن المحبوب جهارًا.
ولي أبيات جمعت فيها كثيرًا من هذه العلامات، منها: [من البسيط] أهوى الحديث إذا ما كان يذكر لي فيه ويعبق لي عن عنبر أرج عن قال لم أستمع ممن يجالسني إلى سوى لفظه المستظرف الغنج ولو يكون أمير المؤمنين معي ما كنت من أجله عنه بمنعرج فإن أقم عنه مضطرًا فإني لا أزال ملتفتًا والمشي مشي وجي عيناي فيه وجسمي عنه مرتحل مثل ارتقاب الغريق البر في اللجج أغض بالماء إن أذكر تباعده كمن تثاءب وسط النقع والرهج وأن تقل ممكن قصد السماء أقل نعم وإني لأدري موضع الدرج
[ ١٠٥ ]
ومن علاماته وشواهده الظاهرة لكل بصر: الانبساط الكثير الزائد [في المكان الضيق] والتضايق في المكان الواسع، والمجاذبة على الشيء يأخذه أحدهما، وكثرة الغمز الخفي، والميل بالأتكاء، والتعمد لمس اليد عند المحادثة، ولمس ما أمكن من الأعضاء الظاهرة، وشرب فضلة ما أبقى المحبوب في الإناء، وتحري المكان الذي يقابله فيه.
ومنها علامات متضادة، وهي على قدر الدواعي والعوارض الباعثة والأسباب المحركة والخواطر المهيجة.
والأضداد أنداد، والأشياء إذا أفرطت في غايات تضادها، ووقفت في انتهاء حدود اختلافها تشابهت، قدرة من الله ﷿ تضل فيها الأوهام.
فهذا الثلج إذا أدمن حبسه في اليد فعل فعل النار، ونجد الفرح إذا أفرط قتل، والغم إذا أفرط قتل، والضحك إذا كثر واشتد أسال الدمع من العينين.
وهذا في العالم كثير، فنجد المحبين إذا تكافيا في المحبة وتأكدت بينهما تأكدًا شديدًا كثر تهاجرهما بغير معنى، وتضادهما في القول تعمدا، وخروج بعضهما على بعض في كل يسير من الأمور، وتتبع كل منهما لفظة تقع من صاحبه وتأولها على غير معناها، كل هذه تجربة ليبدو ما يعتقده كل واحد منهما في صاحبه.
والفرق بين هذا وبين حقيقة الهجرة والمضادة المتولدة عن الشحناء ومحاربة التشاجر سرعة الرضى، فإنك بينما ترى المحبين
[ ١٠٦ ]
قد بلغا الغاية من الاختلاف الذي لا تقدره يصلح عند الساكن النفس السالم من الأحقاد في الزمن الطويل، ولا ينجبر عند الحقود أبدًا، فلا تلبث أن تراهما قد عادا إلى أجمل الصحبة، وأهدرت المعاتبة، وسقط الخلاف، وانصرفا في ذلك الحين بعينه إلى المضاحكة والمداعبة، هكذا في الوقت الواحد مرارًا.
وإذا رأيت هذا من اثنين فلا يخالجك شك ولا يدخلنك ريب ألبتة ولا تتمار في أن بينهما سرًا من الحب دفينًا، واقطع فيه قطع من لا يصرفه عنه صارف.
ودونكها تجربة صحيحة وخبرة صادقة.
هذا لا يكون إلا عن تكاف في المودة وائتلاف صحيح، وقد رأيته كثيرًا.
ومن أعلامه أنك تجد المحب يستدعي سماع اسم من يحب، ويستلذ الكلام في أخباره ويجعلها هجيراه، ولا يرتاح لشيء ارتياحه لها، ولا ينهنهه عن ذلك تخوف ان يفطن السامع ويفهم الحاضر، وحبك الشيء يعمي ويصم.
فلو أمكن المحب ألا يكون حديث في مكان فيه إلا ذكر من يحبه لما تعداه.
ويعرض للصادق المودة ان يبتدئ في الطعام وهو له مشته فما هو إلا وقت ما يهتاج له ذكر من يحب صار الطعام غصة في الحلق وشجى في المرئ، وهكذا في الماء، وفي الحديث، فإنه يفاتحكه مبتهجا، فتعرض له خطرة من خطرات الفكر فيمن يحب، فتستبين
[ ١٠٧ ]
الحوالة في منطقه، والتقصير في حديثه، وآية ذلك الوجوم والإطراق وشدة الانغلاق، فبينما هو طلق الوجه خفيف الحركات صار منطبقًا متثاقلًا حائر النفس جامد الحركة يبرم من الكلمة ويضجر من السؤال.
ومن علاماته حب الوحدة، والأنس بالانفراد، ونحول الجسم دون حر يكون فيه، ولا وجع مانع من التقلب والحركة والمشي؛ دليل لا يكذب، ومخبر لا يخون عن علة في النفس كامنة.
والسهر من أعراض المحبين، وقد أكثر الشعراء في وصفه وحكوا انهم رعاة الكواكب وواصفو طول الليل؛ وفي ذلك أقول وأذكر كتمان السر وأنه يتوسم بالعلامات: [من الوافر] تعلمت السحائب من شؤوني فعمت بالحيا السكب الهتون وهذا الليل فيك غدا رفيقي بذلك على سهري معيني فإن لم ينقض الإظلام إلا [إذا] ما أطبقت نومًا جفوني فليس إلى النهار لنا سبيل وسهد زائد في كل حين كأن نجومه والغيم يخفي سناها عن ملاحظة العيون ضمير في ودادك يا منايا فليس يبين إلا بالظنون
[ ١٠٨ ]
وفي مثل ذلك قطعة منها: [من الكامل] أرعى النجوم كأنني كلفت أن أرعى جميع ثبوتها والخنس فكأنها والليل نيران الجوى قد أضرمت في فكري من حندس وكأنني أمسيت حارس روضة خضراء وشح نبتها بالنرجس لو عاش بطليموس أيقن أنني أقوى الورى في رصد جري الكنس والشيء قد يذكر لما يوجبه: وقع لي في هذه الأبيات تشبيه شيئين بشيئين في بيت واحد، وهو البيت الذي أوله " فكأنها والليل " في بيت واحد، وتشبيه أربعة أشياء في بيت واحد، وكلاهما في هذه القطعة أوردها وهي: [من الطويل] مشوق معنى ما ينام مسهد بخمر التجني ما يزال يعربد ففي ساعة يبدي إليك عجائبًا يمر ويستحلي ويدني ويبعد كأنه النوى والعتب والهجر والرضى قران وأنداد ونحس وأسعد رثى لغرامي بعد طول تمنع وأصبحت محسودًا وقد كنت أحسد نعمنا على نور من الروض زاهر سقته الغوادي فهو يثني ويحمد كأن الحيا والمزن والروض عاطرًا دموع وأجفان وخد مورد ولا ينكر علي منكر قولي " قران " فأهل المعرفة بالكواكب يسمون التقاء كوكبين في درجة واحدة قرانًا.
ولي أيضًا ما هو أتم من هذا، وهو تشبيه خمسة أشياء في بيت واحد في هذه القطعة وهي: [من الطويل] خلوت بها والراح ثالثة لنا وجنح ظلام الليل مذ مد ما انبلج
[ ١٠٩ ]
فتاة عدمت العيش إلا بقربها فهل في ابتغاء العيش ويحك من حرج كأني وهي والكاس والخمر والدجى ثرى وحيا والدر والتبر والسبح فهذا أمر لا مزيد فيه ولا يقدر أحد على اكثر منه، إذ لا يحتمل العروض ولا بنية الأسماء أكثر من ذلك.
ويعرض للمحب القلق عند أحد أمرين: أحدهما عند رجائه لقاء من يحب فيعرض عند ذلك حائل.
خبر: وإني لأعلم بعض من كان محبوبه يعده الزيارة، فما كنت أراه إلا جائيًا وذاهبًا لا يقر به القرار ولا يثبت في مكان واحد، مقبلا مدبرًا قد استخفه السرور بعد ركانة، وأشاطه بعد رزانة؛ ولي في معنى انتظار الزيارة: [من الطويل] أقمت إلى أن جاءني الليل راجيًا لقاءك يا سؤلي ويا غاية الأمل فأيأسني الإظلام عنك ولم أكن لأيأس يومًا إن بدا الليل يتصل وعندي دليل ليس يكذب خبره بأمثاله في مشكل الأمر يستدل لأنك لو رمت الزيارة لم يكن ظلام ودام النور فينا ولم يزل والثاني عند حادث يحدث بينهما من عتاب لا تدرى حقيقته إلا بالوصف.
فعند ذلك يشتد القلق حتى يوقف على الجلية، فإما أن
[ ١١٠ ]
يذهب تحامله إن رجا العفو، وإما أن يصير القلق حزنًا وأسفًا إن تخوف الهجر.
ويعرض للمحب الاستكانة لجفاء المحبوب عليه، وسيأتي مفسرًا في بابه إن شاء الله تعالى.
ومن أعراضه الجزع الشديد والحيرة المفظعة تغلب عندما يرى من إعراض محبوبه عنه ونفاره منه، وآية ذلك الزفير وقلة الحركة والتأوه وتنفس الصعداء.
وفي ذلك أقول شعرًا منه: جميل الصبر مسجون و: دموع العين سارحة ومن علاماته أنك ترى المحب يحب أهل محبوبه وقرابته وخاصته حتى يكونوا أحظى لديه من أهله ونفسه ومن جميع خاصته.
والبكاء من علامات المحب ولكن يتفاضلون فيه، فمنهم غزير الدمع هامل الشؤون تجيبه عينه وتحضره عبرته إذا شاء، ومنهم جمود العين عديم الدمع، وأنا منهم.
وكان الأصل في ذلك إدماني أكل الكندر لخفقان القلب، وكان عرض لي في الصبا، فإني لأصاب بالمصيبة الفادحة فأجد قلبي يتفطر ويتقطع، وأحس في قلبي غصة أمر من العلقم تحول بيني وبين توفية الكلام حق مخارجه، وتكاد تشرقني
[ ١١١ ]
بالنفس أحيانًا ولا تجيب عيني البتة إلا في الندرة بالشيء اليسير من الدمع.
خبر: ولقد أذكرني هذا الفصل يومًا ودعت أنا وأبو بكر محمد بن إسحاق صاحبي أبا عامر محمد بن [أبي] عامر صديقنا - ﵀ - في سفرته إلى المشرق التي لم نره بعدها، فجعل أبو بكر يبكي عند وداعه وينشد متمثلًا بهذا البيت: [من الطويل] ألا إن عينًا لم تجد يوم واسط عليك بباقي دمعها لجمود وهو في رثاء يزيد بن عمر بن هبيرة ﵀، ونحن وقوف على ساحل البحر بمالقة، وجعلت أنا أكثر التفجع والأسف
[ ١١٢ ]
ولا تساعدني عيني، فقلت مجيبًا لأبي بكر: [من الطويل] وإن امرءًا لم يفن حسن اصطباره عليك وقد فارقته لجليد وفي المذهب الذي عليه الناس أٌول من قصيدة قلتها قبل بلوغ الحلم، أولها: [من الطويل] دليل الأسى نار على القلب تلفح ودمع على الخدين يهمي ويسفح إذا كتم المشغوف سر ضلوعه فإن دموع العين تبدي وتفضح إذا ما جفون العين سالت شؤونها ففي القلب داء للغرام مبرح ويعرض في الحب سوء الظن واتهام كل كلمة من أحدهما وتوجيهها إلى غير وجهها، وهذا أصل العتاب بين المحبين.
وإني لأعلم من كان أحسن الناس ظنًا، وأوسعهم نفسًا، وأكثرهم صبرًا، وأشدهم احتمالًا، وأرحبهم صدرًا، ثم لا يحتمل ممن يحب شيئًا، ولا يقع له معه أيسر مخالفة حتى يبدي من التعديد فنونًا، ومن سوء الظن وجوهًا.
وفي ذلك أقول شعرًا منه: [من المنسرح] أسيء ظني بكل محتقر تأتي به، والحقير من حقره كي لا يرى أصل هجرة وقلى فالنار في بدء أمرها شرره وأصل عظم الأمور أهونها ومن صغير النوى ترى شجره وترى المحب إذا لم يثق بنقاء طوية محبوبه له، كثير التحفظ مما لم يكن يتحفظ منه قبل ذلك، مثقفًا لكلامه، مزينًا لحركاته، ومرامي طرفه، ولا سيما إن دهي بمتجن وبلي بمعربد.
ومن آياته مراعاة المحب لمحبوبه، وحفظه لكل ما يقع منه، وبحثه عن أخباره حتى لا يسقط عنه دقيقه ولا جليله، وتبعه لحركاته.
ولعمري لقد ترى البليد يصير في هذه الحالة ذكيًا، والغافل فطنًا.
[ ١١٣ ]
خبر: ولقد كنت يومًا بالمرية قاعدًا في دكان إسماعيل بن يونس الطبيب الإسرائيلي، وكان بصيرًا بالفراسة محسنًا لها، وكنا في لمة، فقال له مجاهد بن الحصين القيسي: ما تقول في هذا وأشار إلى رجل منتبذ عنا ناحية اسمه حاتم ويكنى أبا البقاء، فنظر إليه ساعة يسيرة ثن قال: هو رجل عاشق، فقال له: صدقت: فمن أين قلت هذا قال: لبهت مفرط ظاهر على وجهه فقط دون سائر حركاته، فعلمت أنه عاشق وليس بمريب.
[ ١١٤ ]