ومن أفضل ما يأتيه الإنسان في حبه التعفف، وترك ركوب المعصية والفاحشة، وألا يرغب عن مجازاة خالقه له بالنعيم في دار المقامة، وألا يعصي مولاه المتفضل عليه الذي جعله مكانًا وأهلًا لأمره ونهيه، وأرسل إليه رسله، وجعل كلامه ثابتًا لديه، عناية منه بنا وإحسانًا إلينا.
وإن من هام قلبه، وشغل باله، واشتد شوقه، وعظم وجده، ثم ظفر فرام هواه ان يغلب عقله، وشهوته ان تقهر دينه، ثم أقام العدل لنفسه حصنًا، وعلم أنها النفس الأمارة بالسوء، وذكرها بعقاب الله تعالى وفكر في اجترائه على خالقه وهو يراه، وحذرها من يوم المعاد والوقوف بين يدي الملك العزيز الشديد العقاب الرحمن الرحيم الذي لا يحتاج إلى بينة، ونظر بعين ضميره إلى انفراده عن كل مدافع بحضرة علام الغيوب) يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم «الشعراء: ٨٨، ٨٩» يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات «الحجر: ٤٨» يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرًا وما عملت من سوء تود لو ان بينها وبينه أمدًا بعيدًا «آل عمران: ٣٠) يوم) وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلمًا «طه: ١١١) يوم) ووجدوا ما عملوا حاضرًا ولا يظلم ربك أحدًا (
[ ٢٩٥ ]
(الكهف: ٤٩» يوم الطامة الكبرى (،) يوم يتذكر الإنسان ما سعى، وبرزت الجحيم لمن يرى فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى.
وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى «النازعات: ٣٥ - ٤١) واليوم الذي قال الله تعالى فيه:) وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابًا يلقاه منشورًا.
اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبًا «الإسراء: ١٣، ١٤) عندها يقول العاصي:) يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها «الكهف: ٤٩) فكيف بمن طوي قلبه على أحر من جمر الغضا، وطوي كشحه على أحد من السيف، وتجرح غصصًا أمر من الحنظل، وشرف نفسه كرها عما طمعت فيه وتيقنت ببلوغه وتهيأت له ولم يحل دونها حائل - لحري أن يسر غدًا يوم البعث، ويكون من المقربين في دار الجزاء وعالم الخلود، وأن يأمن روعات القيامة وهول المطلع، وان يعوضه الله من هذه القرحة الأمن يوم الحشر.
حدثني أبو موسى هارون بن موسى الطبيب قال: رأيت شابًا حسن الوجه من أهل قرطبة قد تعبد ورفض الدنيا، وكان له أخ في الله قد سقطت بينهما مؤنة التحفظ، فزاره ذات ليلة وعزم على المبيت عنده، فعرضت لصاحب المنزل حاجة إلى بعض معارفه بالبعد عن منزله، فنهض لها على أن ينصرف مسرعًا، ونزل الشاب في داره مع امرأته، وكانت غاية في الحسن وتربًا للضيف في الصبا، فأطال رب المنزل المقام إلى أن مشى العسس ولم يمكنه الانصراف إلى منزله، فلما علمت المرأة بفوات الوقت وأن زوجها لا يمكنه المجيء تلك الليلة تاقت نفسها إلى ذلك الفتى فبرزت إليه ودعته إلى نفسها، ولا ثالث لهما إلا الله ﷿، فهم بها ثم ثاب إليه عقله.
وفكر في الله ﷿ فوضع إصبعه على السراج فتفقع ثم قال: يا نفس، ذوقي
[ ٢٩٦ ]
هذا وأين هذا من نار جهنم.
فهال المرأة ما رأت ثم عاودته، فعاودته الشهوة المركبة في الإنسان فعاد إلى الفعلة الأولى، فانبلج الصباح وسبابته قد اصطلمتها النار.
أفتظن بلغ هذا من نفسه هذا المبلغ إلا لفرط شهوة قد كلبت عليه أو ترى أن الله تعالى يضيع له هذا المقام كلا إنه لأكرم من ذلك وأعلم.
ولقد حدثتني امرأة أثق بها أنها علقها فتى مثلها في الحسن وعلقته وشاع القول عليهما، فاجتمعا يومًا خاليين فقال: هلمي نحقق ما يقال فينا.
فقالت: لا والله لا كان هذا أبدًا، وأنا أقرأ قول الله:) الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين «الزخرف: ٦٧) قالت: فما مضى قليل حتى اجتمعا في حلال.
ولقد حدثني ثقة من إخواني أنه خلا يومًا بجارية كانت له مفاركة في الصبا، فتعرضت لبعض تلك المعاني، فقال لها: لا، إن من شكر نعمة الله فيما منحني من وصالك الذي أقصى آمالي أن أجتنب هواي لأمره، ولعمري إن هذا لغريب فيما خلا من الأزمان، فكيف في مثل هذا الزمان الذي قد ذهب خيره وأتى شره.
وما أقدر في هذه الأخبار - وهي صحيحة - إلا أحد وجهين لا شك فيهما: إما طبع قد مال إلى غير هذا الشأن واستحكمت معرفته بفضل سواه عليه فهو لا يجيب دواعي الغزل في كلمة ولا كلمتين ولا
[ ٢٩٧ ]
في يوم ولا يومين، ولو طال على هؤلاء الممتحنين ما امتحنوا به لحلت طباعهم وأجابوا هاتف الفتنة، لكن الله عصمهم بانقطاع السبب المحرك نظرًا لهم وعلمًا بما في ضمائرهم من الاستعاذة به من القبائح، واستدعاء الرشد، لا إله إلا هو؛ وإما بصيرة حضرت في ذلك الوقت، وخاطر تجرد انقمعت به طوالع الشهوة في ذلك الحين، لخير أراد الله ﷿ لصاحبه، جعلنا الله ممن يخافه ويرجوه، آمين.
وحدثني أبو عبد الله محمد بن عمر بن مضا عن رجال من بني مروان ثقات يسندون الحديث إلى أبي العباس الوليد بن غانم أنه ذكر أن الإمام عبد الرحمن بن الحكم غاب في بعض غزواته شهورًا وثقف القصر بابنه محمد الذي ولي الخلافة بعده ورتبه في السطح، وجعل مبيته ليلًا وقعوده نهارًا فيه، ولم يأذن له في الخروج البتة، ورتب معه في كل ليلة وزيرًا وفتى من أكابر الفتيان يبيتان معه في السطح؛ قال أبو العباس: فأقام على ذلك مدة طويلة وبعد عهده بأهله، وهو في سن العشرين أو نحوها إلى أن وافق مبيتي في ليلتي نوبة فتى من أكابر الفتيان، وكان صغيرًا في سنه وغاية في حسن وجهه.
قال أبو العباس: فقلت في نفسي: إني أخشى الليلة على محمد بن عبد الرحمن الهلاك بمواقعة المعصية وتزيين إبليس وأتباعه
[ ٢٩٨ ]
له، قال: ثم أخذت مضجعي في السطح الخارج ومحمد في السطح الداخل المطل على حرم أمير المؤمنين، والفتى في الطرف الثاني القريب من المطلع فظللت أرقبه ولا أغفل وهو يظن أني قد نمت ولا يشعر باطلاعي عليه، قال: فلما مضى هزيع من الليل رأيته قد قام واستوى قاعدًا ساعة لطيفة، ثم تعوذ من الشيطان ورجع إلى منامه، ثم قام الثالثة ولبس قميصه ودلى رجليه من السرير، وبقي كذلك ساعة ثم نادى الفتى باسمه فأجابه، فقال له: انزل عن السطح وابق في الفصيل الذي تحته، فقام الفتى مؤتمرًا له.
فلما نزل قام محمد وأغلق الباب من داخله وعاد إلى سريره، قال أبو العباس: فعلمت من ذلك الوقت ان لله فيه مراد خير.
حدثنا أحمد بن محمد بن الجسور عن أحمد بن مطرف عن عبيد الله بن يحيى عن أبيه عن مالك عن حبيب بن عبد الرحمن الأنصاري عن حفص بن عاصم عن أبي هريرة عن رسول الله (ﷺ) أنه قال: " سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله ﷿، ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابا في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه، ورجل دعته امرأة ذات حسب وجمال، فقال إني أخاف الله، ورجل تصدق صدقة فأخفى حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ".
وإني أذكر أني دعيت إلى مجلس فيه بعض من تستحسن الأبصار صورته، وتألف القلوب أخلاقه، للحديث والمجالسة دون منكر
[ ٢٩٩ ]
ولا مكروه، فسارعت إليه وكان هذا سحرًا، فبعد أن صليت الصبح وأخذت زيي طرقني فكر فسنحت لي أبيات، ومعي رجل من إخواني فقال لي: ما هذا الإطراق فلم أجبه حتى أكملتها، ثم كتبتها ودفعتها إليه، وأمسكت عن المسير حيث كنت نويت، ومن الأبيات: [من الطويل] .
أراقك حسن غيبه لك تأريق وتبريد وصل سره فيك تحريق وقرب مزار يقتضي لك فرقة وشكًا ولولا القرب لم يك تفريق ولذة طعم معقب لك علقمًا وصابًا وفسح في تضاعيفه ضيق ولو لم يكن جزاء ولا عقاب ولا ثواب لوجب علينا إفناء الأعمار، وإتعاب الأبدان، وإجهاد الطاقة، واستنفاد الوسع، واستفراغ بالعقل الذي ابتدأنا بالنعم قبل استئهالها، وامتن علينا بالعقل الذي به عرفناه، ووهبنا الحواس والعلم والمعرفة ودقائق الصناعات، وصرف لنا السموات جارية بمنافعها، ودبرنا التدبير الذي لو ملكنا خلقنا لم نهتد إليه، ولا نظرنا لأنفسنا نظره لنا، وفضلنا على أكثر المخلوقات، وجعلنا مستودع كلامه ومستقر دينه، وخلق لنا الجنة دون أن نستحقها، ثم لم يرض لعباده ان يدخلوها إلا بأعمالهم لتكون واجبة لهم، قال الله تعالى:) جزاء بما كانوا يعملون «السجدة: ١٧) ورشدنا إلى سبيلها، وبصرنا وجه ظلها، وجعل غاية إحسانه إلينا وامتنانه علينا حقًا من حقوقنا قبله، ودينًا لازمًا له، وشكرنا على ما أعطانا من الطاعة التي رزقنا قواها، وأثابنا بفضله على تفضله - هذا كرم لا تهتدي إليه العقول، ولا يمكن أن تكيفه الألباب.
ومن عرف ربه ومقدار رضاه وسخطه هانت عنده اللذات الذاهبة والحطام الفاني، فكيف وقد أتى من وعيده ما تقشعر لسماعه الأجساد، وتذوب له النفوس، وأورد علينا من عذابه ما لم ينته إليه أمل؛ فأين المذهب عن
[ ٣٠٠ ]
طاعة هذا الملك الكريم، وما الرغبة في لذة ذاهبة لا تذهب الندامة عنها، ولا تفنى التباعة منها، ولا يزول الخزي عن راكبها، وإلى كم هذا التمادي وقد أسمعنا المنادي، وكأن قد حدا بنا الحادي إلى دار القرار، فإما إلى جنة وإما إلى النار.
ألا إن التثبط في هذا المكان لهو الضلال المبين، وفي ذلك أقوال: [من المنسرح] .
أقصر عن لهوه وعن طربه وعف في حبه وفي غربه فليس شرب المدام همته ولا اقتناص الظباء من أربه قد آن للقلب أن يفيق وأن يزيل ما قد علاه من حجبه ألهاه عما عهدت يعجبه خيفة يوم تبلى السرائر به يا نفس جدي وشمري ودعي عنك اتباع الهوى على لغبه وسارعي في النجاة واجتهدي ساعية في الخلاص من كربه علي أحظى بالفوز فيه وأن أنجو من ضيقه ومن لهبه يا أيها اللاعب المجد به ال دهر أما تتقي شبا نكبه كفاك من كل ما وعظت به ما قد أراك الزمان من عجبه دع عنك دارًا تفنى غضارتها ومكسبًا لاعبًا بمكتسبه لم يضطرب في محلها أحد إلا نبا حدها بمضطربه من عرف الله حق معرفة لوى وحل الفؤاد في رهبه ما منقضي الملك مثل خالده ولا صحيح التقى كمؤتشبه ولا تقي الورى كفاسقهم وليس صدق الكلام من كذبه فلو أمنا من العقاب ولم نخش من الله متقى غضبه ولم نخف ناره التي خلقت لكل جاني الكلام محتقبه لكان فرضًا لزوم طاعته ورد وفد الهوى على عقبه
[ ٣٠١ ]
وصحة الزهد في البقاء وأن يلحق تفنيدنا بمرتقبه فقد رأينا فعل الزمان بأه ليه كفعل الشواظ في حطبه كم متعب في الإله مهجته راحته في الكريم من تعبه وطالب باجتهاده زهر ال دنيا عداه المنون عن طلبه ومدرك ما ابتغاه ذي جذل حل به ما يخاف من سببه وباحث جاهد لبغيته فإنما بحثه على عطبه بينا ترى المرء ساميًا ملكًا صار إلى السفل من ذرى رتبه كالزرع للرجل فوقه عمل ان ينم حسن النمو في قصبه كم قاطع نفسه أسى وشجا في إثر جد يجد في هربه أليس من ذاك زاجر عجب يزيد ذا اللب في حلى أدبه فكيف والنار للمسيء إذا عاج عن المستقيم من عقبه ويوم عرض الحساب يفضحه ال له ويبدي الخفي من ريبه ثاني من قد حباه الإله رحمته موصولة بالمزيد من نشبه فصار من جهله يصرفها فيما نهى الله عنه في كتبه أليس هذا أحرى العباد غدًا بالوقع في ويله وفي حربه شكرًا لرب لطيف قدرته فينا كحبل الوريد في كثبه رازق أهل الزمان اجمعهم من كان من عجمه ومن عربه والحمد لله في تفضله وقمعه للزمان في نوبه أخدمنا الأرض والسماء ومن في الجو من مائه ومن شهبه فاسمع ودع من عصاه ناحية لا يحمل الحمل غير محتطبه وأقول أيضًا: [من الطويل] .
أعارتك دنيا مسترد معارها غضارة عيش سوف يذوي اخضرارها وهل يتمنى المحكم الرأي عيشة وقد حان من دهم المنايا مزارها
[ ٣٠٢ ]
وكيف تلذ العين هجعة ساعة وقد طال فيما عاينته اعتبارها وكيف تقر النفس في دار نقلة قد استيقنت أن ليس فيها قرارها وأنى لها في الأرض خاطر فكرة ولم تدر بعد الموت أين محارها أليس لها في السعي للفوز شاغل أما في توقيها العذاب ازدجارها فخابت نفوس قادها لهو ساعة إلى حر نار ليس يطفى أوارها لها سائق حاد حثيث مبادر إلى غير ما أضحى إليه مدارها تراد لأمر وهي تطلب غيره وتقصد وجهًا في سواه سفارها أمسرعة فيما يسوء قيامها وقد أيقنت أن العذاب قصارها تعطل مفروضًا وتغنى بفضلة لقد شفها طغيانها واغترارها إلى ما لها منه البلاء سكونها وعما لها منه النجاح نفارها وتعرض عن رب دعاها لرشدها وتتبع دنيا جد عنها فرارها فيا أيها المغرور بادر برجعة فلله دار ليس تخمد نارها ولا تتخير فانيًا دون خالد دليل على محض العقول اختيارها أتعلم أن الحق فيما تركته وتسلك سبلًا ليس يخفى عوارها وتترك بيضاء المناهج ضلة لبهماء يؤذي الرجل فيها عثارها تسر بلهو معقب بندامة إذا ما انقضى لا ينقضي مستثارها وتفنى الليالي والمسرات كلها وتبقى تباعات الذنوب وعارها فهل أنت يا مغبون مستيقظ فقد تبين من سر الخطوب استتارها فعجل إلى رضوان ربك واجتنب نواهيه إذ قد تجلى منارها يجد مرور الدهر عنك بلاعب وتغرى بدنيا ساء فيك سرارها فكم أمة قد غرها الدهر قبلنا وهاتيك منها مقفرات ديارها تذكر على ما قد مضى واعتبر به فإن المذكي للعقول اعتبارها تحامى ذراها كل باغ وطالب وكان ضمانًا في الأعادي انتصارها توافت ببطن الأرض وانشت شملها وعاد إلى ذي ملكه مستعارها وكم راقد في غفلة عن منية مشمرة في القصد وهو شعارها ومظلمة قد نالها متسلط مدل بأيد عند ذي العرش ثارها
[ ٣٠٣ ]
أراك إذا حاولت دنياك ساعيًا على أنها باد إليك ازورارها وفي طاعة الرحمن يقعدك الونى وتبدي أناة لا يصح اعتذارها تحاذر أحزانًا ستفنى وتنقضي وتنسى التي فرض عليك حذارها كأني أرى منك التبرم ظاهرًا مبينًا إذا الأقدار حل اضطرارها هناك يقول المرء من لي بأعصر مضت كان ملكًا في يدي خيارها تنبه ليوم قد أظلك ورده عصيب يوافي النفس فيه احتضارها تبرأ فيه منك كل مخالط وآن من الآمال فيه انهيارها فأودعت في ظلماء ضنك مقرها يلوح عليها للعيون اغبرارها تنادى فلا تدري المنادي مفردًا وقد حط عن وجه الحياة خمارها تنادى إلى يوم شديد مفزع وساعة حشر ليس يخفى اشتهارها إذا حشرت فيه الوحوش وجمعت صحائفنا وانثال فينا انتشارها وزينت الجنات فيه وأزلفت واذكي من نار الجحيم استعارها وكورت الشمس المنيرة بالضحى وأسرع من زهر النجوم انكدارها لقد جل أمر كان منه انتظامها وقد حل أمر كان منه انتثارها وسيرت الأجبال والأرض بدلت وقد عطلت من مالكيها عشارها فإما لدار ليس يفنى نعيمها وإما لدار لا يفك إسارها بحضرة جبار رفيق معاقب فتحصى المعاصي كبرها وصغارها ويندم يوم البعث جاني صغارها وتهلك أهليها هناك كبارها ستغبط أجساد وتحيا نفوسها إذا ما استوى إسرارها وجهارها إذا حفهم عفو الإله وفضله وأسكنهم دارًا حلالًا عقارها
[ ٣٠٤ ]
سيلحقهم أهل الفسوق إذا استوى بحلبة سبق طرفها وحمارها يفر بنو الدنيا بدنياهم التي يظن على أهل الحظوظ اقتصارها هي الأم خير البر فيها عقوقها وليس بغير البذل يحمى ذمارها فما نال الحظ إلا مهينها وما الهلك إلا قربها واعتمارها تهافت فيها طامع بعد طامع وقد بان للب الذكي اختبارها تطامن لغمر الحادثات ولا تكن لها ذا اعتمار يجتنبك غمارها وإياك أن تغتر منها بما ترى فقد صح في العقل الجلي عيارها رأيت ملوك الأرض يبغون عدة ولذة نفس يستطاب اجترارها وخلوا طريق القصد في مبتغاهم لمعقبة الصغار جم صغارها وإن التي يبغون نهج لغية مكين لطلاب الخلاص اختصارها هل العز إلا همة صح صونها إذا صان همات الرجال انكسارها وهل رابح إلا امرؤ متوكل قنوع غني النفس باد وقارها ويلقى ولاة الملك خوفًا وفكرة تضيق بها ذرعًا ويفنى اصطبارها عيانًا نرى هذا ولكن سكرة أحاطت بنا ما إن يفيق خمارها تدبر من الباني على الأرض سقفها وفي علمه معمورها وقفارها ومن يمسك الأجرام والأرض أمره بلا عمد يبنى عليه قرارها ومن قدر التدبير فيها بحكمة فصح لديها ليلها ونهارها ومن فتق الأمواه في صفح وجهها فمنها تغذى حبها وثمارها ومن صير الألوان في نور نبتها فأشرق فيها وردها وبهارها فمنهن مخضر يروق بصيصه ومنهن ما يغشى اللحاظ احمرارها ومن حفر الأنهار دون تكلف فثار من الصم الصلاب انفجارها ومن رتب الشمس المنير ابيضاضها غدوًا ويبدو بالعشي اصفرارها
[ ٣٠٥ ]
ومن خلق الأفلاك فامتد جريها واحكمها حتى استقام مدارها ومن إن ألمت بالعقول رزية فليس إلى حي سواه افتقارها تجد كل هذا راجعًا نحو خالق له ملكها منقادة وائتمارها أبان لنا الآيات في أنبيائه فأمكن بعد العجز فيها اقتدارها فأنطلق أفواهًا بألفاظ حكمة وما حلها إثغارها واتغارها وأبرز من صم الحجارة ناقة وأسمعهم في الحين منها حوارها ليوقن أقوام وتكفر عصبة أتاها بأسباب الهلاك قدارها وشق لموسى البحر دون تكلف وبان من الأمواج فيه انحسارها وسلم من نار الأتون خليله فلم يؤذه إحراقها واحترارها ونجى من الطوفان نوحًا وقد هدى به أمة أبدى الفسوق شرارها ومكن داودًا بأيد وإبنه فتعشيرها ملقى له وبذارها وذلل جبار البلاد لأمره وعلم من طير السماء حوارها وفضل بالقرآن أمة أحمد ومكن في أقصى البلاد مغارها وشق له بدر السماء وخصه بآيات حق لا يحل مغارها وأنقذنا من كفر أربابنا به وكان على قطب الهلاك مدارها فما بالنا لا نترك الجهل ويحنا لنسلم من نار ترامى شرارها
[ ٣٠٦ ]
[خاتمة]
هنا أعزك الله انتهى ما تذكرته ايجابًا لك، وتقمنا لمسرتك، ووقوفًا عند أمرك، ولم أمتنع أن أورد لك في هذه الرسالة أشياء يذكرها الشعراء ويكثرون القول فيها، موفيات على وجهها، ومفردات في أبوابها، ومنغمات التفسير، مثل الإفراط في صفة النحول وتشبيه الدموع بالأمطار وأنها تروي السفار، وعدم النوم البتة، وانقطاع الغذاء جملة، إلا أنها أشياء لا حقيقة لها، وكذب لا وجه له، ولكل شيء حد، وقد جعل الله لكل شيء قدرًا.
والنحول قد يعظم ولو صار حيث يصفونه لكان في قوام الذرة أو دونها، ولخرج عن حد المعقول.
والسهر قد يتصل ليالي، ولكن لو عدم الغذاء أسبوعين لهلك، وإنما قلنا الصبر عن النوم أقل من الصبر عن الطعام لان النوم غذاء الروح، والطعام غذاء الجسد، وإن كانا يشتركان في كليهما ولكنا حكينا على الأغلب.
وأما الماء فقد رأيت أن ميسورًا البناء جارنا بقرطبة يصبر عن الماء أسبوعين في حمارة القيظ ويكتفي بما في غذائه من رطوبة.
وحدثني القاضي أبو عبد الرحمن بن جحاف انه كان يعرف من كان لا يشرب الماء شهرًا.
وإنما اقتصرت في رسالتي على
[ ٣٠٧ ]
الحقائق المعلومة التي لا يمكن وجود سواها أصلًا، وعلى أني قد أوردت من هذه الوجوه المذكورة أشياء كثيرة يكتفي بها لئلا أخرج عن طريقة أهل الشعر ومذهبهم.
وسيرى كثير من إخواننا أخبارًا لهم في هذه الرسالة مكنيًا فيها عن اسمائهم على ما شرطنا في ابتدائها.
وأنا أستغفر الله تعالى مما يكتبه الملكان ويحصيه الرقيبان من هذا وشبهه، استغفار من يعلم أن كلامه من عمله؛ ولكنه إن لم يكن من اللغو الذي لا يؤاخذ به المرء فهو إن شاء الله من اللمم المعفو، وإلا فليس من السيئات والفواحش التي يتوقع عليها العذاب، وعلى كل حال فليس من الكبائر التي ورد النص فيها.
وأنا أعلم أنه سينكر علي بعض المتعصبين علي تألفي لمثل هذا ويقول: إنه خالف طريقته، وتجافى عن وجهته.
وما أحل لأحد أن يظن في غير ما قصدته، قال الله ﷿:) يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرًا من الظن إن بعض الظن إثم «الحجرات: ١٢) .
وحدثني أحمد ابن محمد بن الجسور، ثنا ابن أبي دليم، ثنا ابن وضاح عن يحيى بن يحيى عن مالك بن أنس عن أبي الزبير المكي عن أبي شريح الكعبي عن رسول الله (ﷺ) أنه قال: " إياكم والظن فإنه أكذب الكذب ".
وبه إلى مالك عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن الأعرج عن أبي هريرة عن رسول الله (ﷺ) أنه قال: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت.
وحدثني صاحبي أبو بكر محمد بن إسحاق ثنا عبد الله بن يوسف الأزدي ثنا يحيى بن عائذ ثنا أبو عدي عبد العزيز بن
[ ٣٠٨ ]
علي بن محمد بن إسحاق بن الفرج الإمام بمصر ثنا أبو علي الحسن ابن القاسم بن دحيم المصري ثنا محمد بن زكريا الغلابي ثنا أبو العباس ثنا أبو بكر عن قتادة عن سعيد بن المسيب أنه قال: وضع عمر بن الخطاب ﵁ للناس ثماني عشرة كلمة من الحكمة منها: ضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك على ما يغلبك عليه.
ولا تظن بكلمة خرجت من في امرئ مسلم شرًا وأنت تجد لها في الخير محملا.
فهذا أعزك الله أدب الله وأدب رسوله (ﷺ) وأدب أمير المؤمنين.
وبالجملة فإني لا أقول بالمراياة ولا أنسك نسكًا أعجميًا.
ومن أدى الفرائض المأمور بها، واجتنب المحارم المنهي عنها، ولم ينس الفضل فيما بينه وبين الناس فقد وقع عليه اسم الإحسان، ودعني مما سوى ذلك وحسبي الله.
والكلام في مثل هذا إنما هو مع خلاء الذرع وفراغ القلب، وإن حفظ شيء وبقاء رسم وتذكر فائت لمثل خاطري لعجب على ما مضى ودهمني؛ فأنت تعلم أن ذهني متقلب وبالي مهصر بما نحن فيه من نبو الديار، والجلاء عن الأوطان، وتغير الزمان، ونكبات السلطان، وتغير الإخوان، وفساد الأحوال، وتبدل الأيام، وذهاب الوفر، والخروج عن الطارف والتالد، واقتطاع مكاسب الآباء والأجداد، والغربة في البلاد، وذهاب المال والجاه، والفكر في صيانة الأهل والولد، واليأس
[ ٣٠٩ ]
عن الرجوع إلى موضع الأهل، ومدافعة الدهر، وانتظار الأقدار، لا جعلنا الله من الشاكين إلا إليه، وأعادنا إلى أفضل ما عودنا.
وإن الذي أبقى لأكثر مما أخذ، والذي ترك أعظم من الذي تحيف، ومواهبه المحيطة بنا ونعمه التي غمرتنا لا تحد، ولا يؤدى شكرها، والكل منحه وعطاياه، ولا حكم لنا في أنفسنا ونحن منه، وإليه منقلبنا وكل عارية فراجعة إلى معيرها، وله الحمد أولًا وآخرًا وعودًا وبدءًا وأنا أقول: [من الوافر] .
جعلنا اليأس لي حصنًا ودرعًا فلم ألبس ثياب المتضام وأكثر من جميع الناس عندي يسير صانني دون الأنام إذا ما صح لي ديني وعرضي فلست لما تولى ذا اهتمام تولى الأمس والغد لست ادري أأدركه ففي ماذا اغتنامي جعلنا الله وإياك من الصابرين الشاكرين الحامدين الذاكرين، آمين آمين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا.
[ ٣١٠ ]
الملحق (١
(ص ٢٢٧) وممن رثى قرطبة أيضًا، من وجوه أهلها وأرباب النعم المؤثلة بها، وأكثر التفجع على دياره منها، لما استولى الخراب عليها عند فرار البرابر عنها، الفقيه الأديب أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد ابن حزم، ابن وزير آل عامر الأكبر.
فإني وجدت بخطه في خبر ذكره قال: وقفت على أطلال منازلنا بحومة بلاط مغيث من الأرباض الغريبة، ومنازل البرابر المستباحة عند معاودة قرطبة.
فرأيتها قد محت رسومها، وطمست أعلامها، وخفيت معاهدها، وغيرها البلى؛ وآكلامًا مشوهة بعد الحسن، وخرائب مفزعة بعد الأمن، ومآوي للذئاب، وملاعب للجان، ومغاني للغيلان، ومكامن للوحوش، ومخابئ للصوص، بعد غنيانها برجال كالسيوف، وفرسان كالليوث، تفيض لديهم النعم الفاشية، وتغص منهم بكثرة القطين الحاشية، وتكنس في مقاصيرهم ظباء الإنس الفاتنة، تحت زبرج من غضارة الدنيا تذكر نعيم الآخرة، حال الدهر عليهم بعد طول النضرة فبدد شملهم حتى صاروا في البلاد أيادي سبا، تنطق عنهم الموعظة، فكان تلك المحاريب المنمقة، والمقاصير المرشقة، التي كانت في تلك الديار كبروق السماء إشراقًا وبهجة، يقيد حسنها الأبصار، ويجلي منظرها الهموم،
[ ٣١١ ]
كان لم تغن بالأمس، ولا حلتها سادة الإنس، قد عبث بها الخراب، وعمها الهذم، فأصبحت أوحش من أفواه السباع فاغرة، تؤذن بفناء الدنيا، وتريك عواقب أهلها، وتخبرك عما يصير إليه كل ما قد بقي ماثلًا فيها، وتزهدك فيها.
وكررت النظر، ورددت البصر، وكدت استطار حزنًا عليها، وتذكرت أيام نشأتي فيها، وصبابة لداتي بها؛ مع كواعب غيد، إلى مثلهن يصبو الحليم؛ ومثلت لنفسي انطواءهن بالفناء، وكونهن تحت الثرى إثر تقطع جمعنا بالتفرق والجلاء في الآفاق النائية، والنواحي البعيدة، وصدقت نفسي عن فناء تلك النصبة، وانصداع تلك البيضة، بعد ما عهدته من حسنها ونضارتها وزبرجها وغضارتها، ونضوته بفراقها من الحال الحسنة، والمرتبة الرفيعة، التي رفلت في حللها ناشئًا فيها، وأرعيت سمعي صوت الصدى والبوم زاقيًا بها، بعد حركات تلك الجماعة المنصدعة بعرصاتها، التي كان ليلها تبعًا لنهارها، في انتشارها بسكانها، والتقاء عمارها، فعاد نهارها تبعًا لليلها في الهدو والاستيحاش، والخفوت والإخفاش.
فأبكى ذلك عيني على جمودها، وقرع كبدي على صلابتها، وهاج بلابلي على تكاثرها، وحركني للقول على نبو طبعي؛ فقلت: [من الطويل] سلام على دار رحلنا وغودرت خلاء من الأهلين موحشة قفرا تراها كان لم تغن بالأمس بلقعًا ولا عمرت من أهلها قبلنا دهرا فيا دار لم يقفرك منا اختيارنا ولو أننا نستطيع كنت لنا قبرا ولكن أقدارًا من الله أنفذت تدمرنا طوعًا لما حل أو قهرا ويا خير دار قد تركت حميدة سقتك الغوادي ما اجل وما أسرى ويا مجتلى تلك البساتين حفها رياض قوارير غدت بعدنا غبرا ويا دهر بلغ ساكنها تحيتي ولو سكنوا المروين أو جاوزوا النهرا
[ ٣١٢ ]
فصبرا لسطو الدهر فيهم وحكمه وإن كان طعم الصبر مستثقلا مرًا لئن كان أظمانا فقد طال ما سقى وإن ساءنا فيها فقد طال ما سرا وأيتها الدار الحبيبة لا يرم ربوعك جون المزن يهمي بها القطرا كأنك لم يسكنك غيد أوانس وصيد رجال أشبهوا الأنجم الزهرا تفانوا وبادوا واستمرت نواهم لمثلهم أسكبت مقلتي العبرى سنصبر بعد اليسر للعسر طاعة لعل جميل الصبر يعقبنا يسرا وإني ولو عادت وعدنا لعهدها فكيف من أهلها سكن القبرا ويا دهرنا فيها متى أنت عائد فنحمد منك العود إن عدت والكرا فيا رب يوم في ذراها وليلة وصلنا هناك الشمس باللهو والبدرا فوا جسمي المضنى وواقلبي المغرى ووانفسي الثكلى وواكبدي الحرى ويا هم ما أعدى، ويا شجو ما أبرا ويا وجد ما أشجى، ويا بين ما أفرا ويا دهر لا تبعد، ويا عهد لا تحل ويا دمع لا تجمد، ويا سقم لا تبرا سأندب ذاك العهد ما قامت الخضرا على الناس سقفًا واستقلت بنا الغبرا
[ ٣١٣ ]
صفحة فارغة
[ ٣١٤ ]
الملحق (٢
(ص ٢٥٧) أحمد بن كليب النحوى، أديب شاعر مشهور الشعر، ولا سيما شعره في أسلم وكان قد أفرط في حبه حتى أداه ذلك إلى موته، وخبره في [٦٢ ب] ذلك طريف.
حدثني أبو محمد علي بن أحمد، قال: حدثني أبو عبد الله محمد بن الحسن المذحجي، قال: كنت أختلف في النحو إلى أبي عبد الله محمد بن خطاب النحوي في جماعة، وكان معنا عنده أبو الحسن أسلم بن أحمد بن سعيد بن قاضي الجماعة أسلم ابن عبد العزيز، صاحب المزني والربيع، قال محمد بن الحسن: وكان من اجمل من رأته العيون، وكان يجيء معنا إلى محمد بن خطاب، أحمد بن كليب، وكان من أهل الأدب البارع، والشعر الرائق، فاشتد كلفه بأسلم، وفارق صبره، وصرف فيه القول متسترًا بذلك إلى أن فشت أشعاره فيه وجرت على الألسنة، وتنوشدت في المحافل؛ فلعهدي
[ ٣١٥ ]
بعرس في بعض الشوارع بقربطة، والنكوري الزامر قاعد في وسط الحفل، وفي رأسه قلنسوة وشي وعليه ثوب خز عبيدي، وفرسه بالحلية المحلاة يمسكه غلامه، وكان فيما مضى يزمر لعبد الرحمن الناصر، وهو يرمز في البوق بقول أحمد بن كليب في أسلم: [من المتقارب] أسلمني في هوا هـ أسلم هذا الرشا غزال له مقلة يصيب بها من يشا وشى بيننا حاسد سيسأل عما وشى ولو شاء أن يرتشي على الوصل روحي ارتشى ومغن محسن يسايره فيها؛ قال: فلما بلغ هذا المبلغ انقطع أسلم عن جميع مجالس الطلب، ولزم بيته والجلوس على بابه، فكان أحمد بن كليب لا شغل له إلا المرور على باب دار أسلم سائرًا، ومقبلًا نهاره كله، فانقطع أسلم عن الجلوس على باب داره نهارًا، فإذا صلى المغرب واختلط الظلام خرج مستروحًا وجلس داره نهارا، فإذا صلى صبر أحمد بن كليب، فتحيل في بعض الليالي ولبس جبة من جباب أهل البادية، واعتم بمثل عمائمهم، وأخذ بإحدى يديه دجاجًا، وبالأخرى قفصًا فيه بيض، وتحين جلوس أسلم عند اختلاط الظلام على بابه، فتقدم إليه وقبل يده، وقال يأمر مولاي بأخذ هذا، فقال له أسلم: ومن انت فقال: صاحبك في الضيعة الفلانية، وقد كان تعرف أسماء ضياعه وأصحابه فيها، فأمر أسلم بأخذ ذلك منه، ثم جعل أسلم يسأله عن الضيعة، فلما جاوبه أنكر الكلام وتأمله فعرفه، فقال له: يا أخي وهنا بلغت بنفسك، وإلى هاهنا تبعتني، أما كفاك انقطاعي عن مجالس الطلب، وعن الخروج جملة، وعن القعود على بابي نهارًا، حتى قطعت علي جميع ما لي فيه راحة، فقد صرت من سجنك.
والله، لا فارقت بعد هذه الليلة قعر منزلي، ولا قعدت ليلًا
[ ٣١٦ ]
ولا نهارًا على بابي.
ثم قام وانصرف أحمد بن كليب كئيبًا حزينًا.
قال محمد بن الحسن: واتصل ذلك بنا، فقلنا لأحمد بن كليب، وخسرت دجاجك وبيضك فقال: هات كل ليلة قبلة يده وأخسر أضعاف ذلك.
قال: فلما يئس من رؤيته ألبتة نهكته العلة، وأضجعه المرض.
قال محمد بن الحسن: فاخبرني أبو عبد الله محمد بن خطاب شيخنا، قال: فعدته فوجدته بأسوأ حال، فقلت له: ولم لا تتداوى فقال: دوائي معروف، وأما الأطباء فلا حيلة لهم في ألبتة، فقلت له: وما دواؤك فقال: نظرة من أسلم، فلو سعيت في أن يزورني لأعظم الله أجرك بذلك، وكان هو والله أيضًا يؤجر، قال: فرحمته وتقطعت نفسي له، ونهضت إلى أسلم فاستأذنت عليه، فأذن لي وتلقاني بما يجب، فقلت له: لي حاجة، قال: وما هي قلت: قد علمت ما جمعك مع أحمد بن كليب من ذمام الطلب عندي، فقال: نعم، ولكن قد تعلم انه برح بي، وشهر اسمي وآذاني، فقلت له: كل ذلك يغتفر في مثل الحال التي هو فيها، والرجل يموت، فتفضل بعيادته، فقال والله ما أقدر على ذلك، فلا تكلفني هذا، فقلت له: لابد، فليس عليك في ذلك شيء، وإنما هي عيادة مريض، قال: ولم أزل به حتى أجاب، ولا خلف، قال: نعم.
فانصرفت إلى أحمد بن كليب، وأخبرته بموعده بعد تأبيه، فسر بذلك وارتاحت نفسه.
قال: فلما كان الغد بكرت إلى أسلم وقلت له: الوعد، قال: فوجم وقال: والله لقد تحملني على خطة صعبة علي، وما أدري كيف أطيق ذلك.
قال: فلما أتينا منزل أحمد بن كليب، وكان يسكن في آخر درب طويل، وتوسط الدرب، وقف واحمر وخجل، وقال لي: الساعة والله أموت، وما أستطيع أن أنقل قدمي، ولا أن أعرض هذا على نفسي، فقلت: لا تفعل، بعد أن بلغت المنزل تنصرف قال: لا سبيل والله إلى ذلك ألبتة، قال: ورجع مسرعًا فاتبعته، وأخذت بردائه
[ ٣١٧ ]
فتمادى وتمزق الرداء، وبقيت قطعة منه في يدي لسرعته وإمساكي له، ومضى ولم أدركه، فرجعت ودخلت إلى أحمد بن كليب، وقد كان غلامه دخل عليه إذ رآنا من أول الدرب مبشرًا، فلما رآني تغير وقال: وأين أبو الحسن فأخبرته بالقصة، فاستحال من وقته واختلط، وجعل يتكلم بكلام لا يعقل منه أكثر من الترجع، فاستشنعت الحال، وجعلت أترجع وقمت، فثاب إليه ذهنه وقال لي: أبا عبد الله قلت: نعم.
قال: اسمع مني واحفظ عني، ثم أنشأ يقول: [مخلع البسيط] أسلم يا راحة العليل رفقًا على الهائم النحيل وصلك أشهى إلى فؤادي من رحمة الخالق الجلي قال: فقلت له: اتق الله ما هذا العظيمة فقال لي: قد كان؛ قال: فخرجت عنه، فوالله ما توسطت الدرب حتى سمعت الصراخ عليه، وقد فارق الدنيا.
قال لنا أبو محمد علي بن أحمد: وهذه قصة مشهورة عندنا، ومحمد بن الحسن ثقة ومحمد بن خطاب ثقة.
وأسلم هذا من بيت جليل، وهو صاحب الكتاب المشهور في أغاني زرياب، وكان شاعرًا أديبًا، وقد رأيت ابنه أبا الجعد.
قال أبو محمد: لقد ذكرت هذه الحكاية لأبي عبد الله محمد ابن سعيد الخولاني الكاتب فعرفها، وقال لي: لقد أخبرني الثقة أنه رأى أسلم هذا في يوم شديد المطر، لا يكاد أحد يمشي في طريق، وهو قاعد على قبر أحمد بن كليب زائرًا له، وقد تحين غفلة الناس في مثل ذلك الوقت.
وقال لنا أبو محمد: وحدثني أبو محمد قاسم بن محمد القرشي، قال: كتب ابن كليب إلى محمد بن خطاب شعرًا يتغزل فيه بأسلم فعرضه ابن خطاب على أسلم، فقال: هذا ملحون، وكان
[ ٣١٨ ]
ابن كليب قد أسقط التنوين في لفظة في بيت من الشعر، قال: فكتب ابن خطاب بذلك إلى ابن كليب فكتب إليه ابن كليب مسرعًا: [من السريع] ألحق لي التنوين في مطمع فإنني أنسيت إلحاقه لا سيما إذ كان في وصل من كدر لي في الحب أخلاقه وأنشدني أبو محمد علي بن أحمد، قال: أنشدني محمد بن عبد الرحمن بن أحمد التجيبي، لأحمد بن كليب، وقد أهدى إلى أسلم في أوائل أمره كتاب " الفصيح " لثعلب: [من المجتث] هذا كتاب الفصيح بكل لفظ مليح وهبته لك طوعًا كما وهبتك روحي
[ ٣١٩ ]