فأمَّا الأبْيات المُسْتكرهَةُ الألْفاظِ، المُتَفَاوتةُ النَّسْج، القَبِيحَةُ العِبَارةِ الَّتِي يَجِبُ الاحْترَازُ من مِثْلها فكَقَوْلِ الأَعْشَى:
(أَفِي الطَّوفِ خِفْتِ عليَّ الرَّدَى وكَمْ من رَدٍ أهْلَهُ لم يَرِمْ)
يُريدُ: لم يَرِمْ أهْلَهُ
وكقَوْلِ الرَّاعي:
(فَلمَّا أتاهَا حَبْتَرٌ بسِلاحِهِ مَضَىَ غَيرَ مَبْهورٍ ومُنْصُلَهُ انتضَى)
يُرِيدُ: وانتضَى مُنْصُلَهُ.
وكقَوْلِ عُروةَ بن أُذَينَة:
(واسْقِ العَدُوَّ بِكَأسِهِ وَاعْلَمْ لَهُ بالغَيْبِ أنْ قدْ كَانَ قبْلُ سَقاكَهَا)
[ ٦٧ ]
(واجْزِ الكَرَامَةَ مَنْ تَرىَ أنْ لَوْ لَهُ يَوْمًا بَذَلْتَ كَرَامةً لَجزَاكَهَا)
فقَوْلُهُ فِي البَيْتِ الأوَّلِ:
( وَاعْلَمْ لَهُ بالغَيْبِ . .)
كلامٌ غَثٌّ، و" لَهُ " رَدِيئَة الْموقع، بشِعَةُ المَسْمع.
والبَيْتُ الثَّاني كانَ مَخْرجُهُ أنْ يقولَ:
واجْزِ الكَرَامة من تَرىَ أنْ لَو بَذَلْتَ لَهُ يَوْمًا كَرامَةً لجَزَاكَها.
وكقَوْلهِ أيْضًا:
(وأعْمَلْتُ المَطِيَّةَ فِي التَّصَابي رَمِيضَ الخُفّ دامِيَةَ الأطلِّ)
(أقولُ لَهَا: لهَانَ عليَّ فِيمَا أَحِبُّ فَمَا اشتكاؤكِ أنْ تكَلِّي)
يُريدُ: أقولُ لَهَا: لهانَ عليَّ فِيمَا أحِبُّ أنْ تَكَلَّي فَمَا اشْتِكاؤك؟
وكقَوْلِ النَّابِغَة:
[ ٦٨ ]
(يُصَاحِبْنَهُمْ حَتَّى يُغِرنَ مُغَارَهُمْ مِن الضَّارِيَات بالدِّمَاءِ الدَّوارِب)
يُريدُ: من الضَّارِياتِ الدَّوارِب بالدِّماء.
وإنمَا يَقْبُحُ مثلُ هَذَا إذَا التَبْسَ بِمَا قبلَهُ، لأنَّ الدِّماءَ جَمْعٌ، والدَّوارِب جمعٌ، وَلَو كانَ: من الضَّارِيَات بالدمِ الدَّوارِب لم يَلْتَبِسْ، وإنْ كانَتْ هَذهِ الكلمةُ حاجِزَةً بينَ الْكَلِمَتَيْنِ؛ أَعْني: بَين الضَّارياتِ والدَّوارِب، اللَّتَيْنِ يجِبُ أَنْ تُقْرَنَا مَعًا.
وكقَوْلِ النَّابِغَةِ أَيْضًَا:
(يُثْرن الثَّرَى حَتَّى يُبَاشِرْنَ بَرْدَهُ إذَا الشَّمْسُ مُجَّتْ رِيقَهَا بالكَلاَكِلِ
يُريدُ: يُثْرَنَ الثَّرى حَتَّى يُبَاشِرْن بَرْدَه بالكَلاَكِلِ إِذا الشَّمْسُ مَجَّتْ رِيقَهَا.
وكقَوْلِ الشَّمَّاخ:
[ ٦٩ ]
(تخامصُ عَن بَرْدِ الوشَاحِ إِذَا مَشَتْ تَخَامُصَ حَافي الخَيْل - فِي الأَمْعَز - الوجِي)
يُرِيدُ: تخامُصَ حَافي الخَيْلِ الوَجِيِّ فِي الأمْعَز.
وكقَوْلِ النَّابِغَة الجَعْدي:
(وشَمُولِ قَهْوةٍ باكَرْتُهَا فِي التَّباشير - من الصُّبحِ - الأوَلْ)
يُريدُ: فِي التَّبَاشير الأوَل من الصبُّح.
وكقَوْلِ ذِي الرُّمَّة:
(كأنّ أَصْوَاتَ من إيغَالِهِنَّ بِنَا أوَاخِر المَيْسِ أصْواتُ الفرارِيج)
يُريدُ: كأنّ أصواتَ أواخرِ المَيْسِ أصواتُ الفَراريج من إيغَالِهِنَّ بِنَا.
وكقَوْلِهِ أَيْضا:
(نَضَا البْردَ عَنْهُ وهَو من ذُو جُنونهِ أجَارِيَّ تَسْهاكٍ وَصوْتَ صُلاصِلِ
[ ٧٠ ]
يُريدُ: وَهُوَ من جُنونِه ذُو أجَارِيَّ.
وكَقْولِ عَمْرو بن قَمِيئَةَ:
(لمَّا رأتْ سَاتِيدَ مَا اسْتَعْبَرَتْ لله ذَر - اليوْمَ - من لامَهَا)
يُرِيدُ: لله درُّ من لامَهَا اليَوْم.
وكَقوْلِ أبي حَيَّةَ النُّمَيْريِّ:
(كَمَا خُطَّ الكِتَابُ بكفِّ يَوْمًا يَهُودىِّ يُقَارِبُ أَو يُزِيلُ)
يُرِيدُ: كَمَا خُطّ الكتابُ يَوْمًا بكَفِّ يهوديٍّ يقارِبُ أَو يُزيل.
وكقَوْل امرأةٍ من قَيْسٍ:
[ ٧١ ]
(هُمَا أخَوَا فِي الحَرْبِ مَنْ لَا أخَالَهُ إذَا خَافَ يَوْمًا نَبْوةً ودَعاهُمَا)
تُرِيدُ: هُمَا أخَوا من لَا أخَالَهُ فِي الحَرْب.
وكقَوْلِ الفَرَزْدَق:
(ومَا مِثْلُهُ فِي النَّاسِ إلاّ مُمَلَّكًا أبُو أمَّةِ حَيُّ أبوهُ يُقَارِبُهْ)
فهذَا من الكَلامِ الغَثَّ المُسْتكَرَهِ الغَلِق، وكذَلك مَا تَقَدَّمَهُ، فَلَا تَجْعَلَنَّ هَذَا حُجَّةً، ولْتَجُتَنِبْ مَا أشْبَههُ.
وَالَّذِي يُحُتَمل فِيهِ بَعْضُ هَذا إِذا وَرَدَ فِي الشَعْرِ هُوَ مَا يُضْطَرُّ إِلَيْهِ الشَّاعرُ عِنْد اقِتِصَاصِ خَبَرٍ أَو حِكَايةِ كَلامٍ إنْ أَزِيلَ عَن جِهَتَهِ لم يَجُزْ، وَلم يَكُنْ صِدْقًا، وَلَا يكون للشاعر مَعَهُ اختيارُ لأنَّ الكلامَ يملكُهُ حيِنَئذٍ فيحتَاجُ إِلَى اتَّباعِهِ والانِقيادِ لَهُ. فأمَّا مَا يُمَكّنُ الشَّاعرُ فِيهِ من تَصْريف القَولِ وتَهذِيبِ الألْفَاظِ واختصارِها وتَسْهيلِ مَخَارِجها فَلَا عذْرَ لَهُ عِنْد الإتْيَانِ بمثلِ مَا وصَفْنَاهُ من هذَه الأبياتِ المُتَقَدَّمَة.
وعَلى الشَّاعرِ إِذا اضْطُرَّ إِلَى اقْتِصَاصِ خَبَرٍ فِي شِعْرٍ دَبَّرهُ تَدْبيرًا يَسْلُسُ
[ ٧٢ ]
لَهُ مَعَهُ القَوْلُ وَيَطَّردُ فِيهِ المَعْنى، فَيَبْني شِعْرَهُ على وَزنٍ يَحْتَمِلُ أَن يُحْشَى بِمَا يحتاجُ إِلَى اقتصاصه بزيادةٍ من الكَلامِ يُخلطُ بِهِ أَو نَقْصٍ يَحْذَفُ مِنْهُ، وتكونُ الزَّيادةُ والنُّقْصانُ يَسِيرينِ غير مُخدجَيْنِ لما يُسْتَعانُ فِيهِ بهما، وَتَكون الألفاظُ المَزِيدةُ غَيرَ خَارجةٍ من جِنْسِ مَا يَقْتَضِيهِ بل تكونُ مؤَيدةً لَهُ وزائدةً فِي رَوْنقهِ وَحُسْنِهِ كَقَوْل الأعْشَى فِيمَا اقتَصَّهُ من خَبرِ السَّموأل فقَال:
(كُنْ كالسَّموألِ إِذْ طَافَ الهُمَام بهِ فِي جَحْفَلٍ كَزُهَاء الَّليلِ جَرَّارِ)
(بالأبْلِق الفَرْدِ من تَيماءَ مَنْزِلُهُ حِصْنُ حَصِينُ وجارُ غَيْرُ غَدَّارِ)
(إذْ سَامَهُ خُطَّتَيْ خَسْفٍ، فَقَالَ لَهُ: اعْرُضْ عَليَّ كَذاَ أَسْمعهُمَا، حَارِ)
[ ٧٣ ]
(فَقَالَ: غَدْرُ وثُكْلُ أنتَ بَينهمَا فَاخْتَرْ، وَمَا فيهِما حَظُّ لمُخْتَارِ)
(فَشَكَّ غَيْرَ طَوِيل ثمَّ قَال لَهُ: اقُتَلْ أسِيركَ إنَّي مانِعُ جَارِي)
(إنَّ لَهُ خَلَفًا إنْ كنتَ قاتِلَهُ وإنْ قَتَلْتَ: كَرِيمًا غير عُوَّار)
(مَالًا كَثيرًا وعِرْضًا غير ذِي دَنَسٍ وإخوَةً مِثْلهُ لَيسُوا بأشرارِ)
(جَرَوْا على أدبٍ مِنَّي فَلَا نَزَقُ وَلَا إِذا شَمَّرَتْ حَرْبٌ بأغْمَارِ)
(وسَوْفَ يُخْلفُهُ إِن كنتَ قاتلهُ رَبٌ كَرِيمٌ وبيضٌ ذَات أطهارِ)
(لَا سِرُّهُنَّ لدَيَّ ضَائِعُ مَذِقُ وكاتِمَاتٌ إِذا استُودِعْنَ أَسْراري)
(فَقَالَ تَقْدِمَةً إْذْ قَامَ يَقْتُلُهُ أشْرِفْ سَمَوْأل فانْظُرْ للدَّم الجَاري)
(أأقْتلُ ابْنَكَ صَبْرًا أَو تَجِيء بَها طَوْعًا، فأنْكَرَ هَذَا أيَّ إنكاري)
(فشَكَّ أوداجَهُ، والصَّدرُ فِي مَضَضِ عَلَيهِ مُنْطَوِيًا كاللَّذع بالنَّار)
[ ٧٤ ]
(واخْتَارَ أدْرَاعَهُ أَنْ لَا يُسَبَّ بِهَا وَلَمْ يَكُنْ عَهْدُهُ فِيهَا بِخَتَّارِ)
(وقَال: لَا أشْتَري مَالًا بمَكْرُمَةً فاخْتَار مَكْرُمَةَ الدُّنْيَا على العَارِ)
(والصَّبْرُ مِنْهُ - قَدِيمًا - شيمةٌ خُلُقٌ وزَنْدُهُ فِي الوَفَاءِ الثَّاقِبُ الوَارِي)
فانظُرْ إِلَى اسْتِوَاء هَذَا الْكَلَام، وسهولةِ مخَرجهِ، وتَمامِ مَعَانِيه، وصِدْقِ الحكايةِ فِيهِ، ووقُوعِ كلِّ كلمةٍ مَوْقِعَها الَّذِي أُرِيدَتْ لَهُ؛ من غير حَشْوٍ مُجْتَلبٍ، وَلَا خَلَلٍ شَائنٍ، وتأمَّلْ لُطْفُ الأَعْشَى فِيمَا حَكَاهُ واختصَرهُ فِي قَوْلِه:
(أأقْتلُ ابْنَكَ صَبْرًا أَو تَجِيء بَها .)
فأضْمَرَ ضَمْرَ الهَاءِ فِي قَوْله:
(واخْتَارَ أدْرَاعَهُ أَنْ لَا يُسَبَّ بِهَا .)
فَتَلافَى ذَلِك الخَلَلَ بِهَذَا الشَّرح، فاستَغْنَى سَامِعُ هَذِه الأبْيَاتِ
[ ٧٥ ]
عَن اسْتِمَاع القِصَّةِ فِيهَا لاشْتِمَالها على الخَبَرِ كُلِّهِ بأوجزَ كلامٍ، وأبلغ حكايةٍ، وأحْسَنِ تأْلِيفٍ وألْطَفِ إيمَاءٍ.