قال أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة: حدّثني محمد بن عبيد قال:
حدّثنا معاوية بن عمرو عن أبي إسحاق عن هشام والأوزاعيّ عن يحيى بن أبي كثير قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تمنّوا لقاء العدوّ فعسى أن تبتلوا بهم ولكن قولوا: اللهمّ اكفنا وكفّ عنّا بأسهم، وإذا جاءوكم يعزفون ويزحفون ويصيحون فعليكم الأرض جلوسا، ثم قولوا: اللهمّ أنت ربّنا وربّهم، ونواصينا ونواصيهم بيدك، فإذا غشوكم فثوروا في وجوههم» .
حدّثني محمد بن عبيد عن معاوية عن أبي إسحاق عن سعيد بن عبد العزيز عمن حدّثه أنّ أبا الدّرداء قال: أيها الناس: عمل صالح قبل الغزو فإنما تقاتلون بأعمالكم.
حدّثنا القاسم بن الحسن عن الحسن بن الربيع عن ابن المبارك عن حيوة بن شريح قال: كان عمر بن الخطاب ﵁ إذا بعث أمراء الجيوش أوصاهم بتقوى الله العظيم، ثم قال عند عقد الألوية: بسم الله وعلى عون الله وامضوا بتأييد الله بالنصر وبلزوم الحق والصبر، فقاتلوا في سبيل الله من كفر بالله ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين. لا تجبنوا عند اللقاء ولا تمثّلوا عند القدرة ولا تسرفوا عند الظهور ولا تقتلوا هرما ولا امرأة ولا وليدا.
[ ١ / ١٨٥ ]
وتوقّوا قتلهم إذا التقى الزّحفان وعند حمّة النّهضات «١» وفي شنّ الغارات. ولا تغلّوا عند الغنائم ونزّهوا الجهاد عن عرض الدنيا وابشروا بالرّباح في البيع الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم.
استشار قوم أكثم «٢» بن صيفيّ في حرب قوم أرادوهم وسألوه أن يوصيهم فقال: أقلّوا الخلاف على أمرائكم، واعلموا أن كثرة الصّياح من الفشل والمرء يعجز لا محالة. تثبّتوا فإن أحزم الفريقين الرّكين «٣»، وربّت عجلة تعقب ريثا «٤»، واتّزروا للحرب وادّرعوا الليل فإنه أخفى للويل، ولا جماعة لمن اختلف عليه.
وقال بعض الحكماء: قد جمع الله لنا أدب الحرب في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَأَطِيعُوا
[ ١ / ١٨٦ ]
اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ
«١» .
حدّثني محمد بن عبيد قال: حدّثنا معاوية بن عمرو عن أبي إسحاق عن الأوزاعيّ قال: قال عتبة بن ربيعة يوم بدر لأصحابه: ألا ترونهم- يعني أصحاب النبي ﷺ- جثيّا على الرّكب كأنهم خرس يتلمّظون تلمّظ الحيّات. قال:
وسمعتهم عائشة يكبّرون يوم الجمل فقالت: لا تكثروا الصياح فإن كثرة التكبير عند اللقاء من الفشل.
وذكر أبو حاتم عن العتبيّ عن أبي إبراهيم قال: أوصى أبو بكر ﵁ يزيد بن أبي سفيان حين وجّهه إلى الشام فقال: يا يزيد، سر على بركة الله. فإذا دخلت بلاد العدوّ فكن بعيدا من الحملة فإني لا آمن عليك الجولة، واستظهر بالزاد وسر بالأدلّاء ولا تقاتل بمجروح فإنّ بعضه ليس منه، واحترس من البيات «٢» فإنّ في العرب غرّة، وأقلل من الكلام فإنما لك ما وعي عنك. وإذا أتاك كتابي فأنفذه فإنما أعمل على حسب إنفاذه. وإذا قدمت عليك وفود العجم فأنزلهم معظم عسكرك وأسبغ عليهم النفقة وامنع الناس عن محادثتهم ليخرجوا جاهلين كما دخلوا جاهلين. ولا تلحّنّ في عقوبة فإن أدناها وجع ولا تسرعنّ إليها وأنت تكتفي بغيرها. واقبل من الناس علانيتهم وكلهم إلى الله في سرائرهم. ولا تجسّس عسكرك فتفضحه ولا تهمله فتفسده. وأستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه.
[ ١ / ١٨٧ ]
قال أبو بكر لعكرمة حين وجهه إلى عمان: يا عكرمة، سر على بركة الله ولا تنزل على مستأمن ولا تؤمّننّ على حق مسلم وأهدر الكفر بعضه ببعض وقدّم النّذر «١» بين يديك. ومهما قلت إني فاعل فافعله ولا تجعل قولك لغوا في عقوبة ولا عفو، ولا ترج إذا أمّنت ولا تخافنّ إذا خوّفت ولكن انظر متى تقول وما تقول. ولا تعدنّ معصية بأكثر من عقوبتنا فإن فعلت أثمت وإن تركت كذبت. ولا تؤمّننّ شريفا دون أن يكفل بأهله ولا تكفلنّ ضعيفا أكثر من نفسه.
واتق الله فإذا لقيت فاصبر.
وأوصى عبد الملك بن صالح أمير سريّة إلى بلاد الروم فقال: أنت تاجر الله لعباده فكن كالمضارب الكيّس «٢» الذي إن وجد ربحا تجر، وإلا احتفظ برأس المال. ولا تطلب الغنيمة حتى تحوز السلامة. وكن من احتيالك على عدوّك أشدّ حذرا من احتيال عدوّك عليك.
وحدّثني محمد بن عبيد عن ابن عيينة قال: أخبرني رجل من أهل المدينة أنّ رسول الله ﷺ قال لزيد بن حارثة أو لعمرو بن العاص: «إذا بعثتك في سريّة فلا تتنقّهم واقتطعهم فإن الله ينصر القوم بأضعفهم» .
حدّثني محمد بن عبيد عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عبيد بن عمير قال: غزا نبيّ من الأنبياء أو غير نبي فقال: «لا يغزونّ معي رجل بنى بناء لم يكمله، ولا رجل تزوّج امرأة لم يبن بها، ولا رجل زرع زرعا ثم لم يحصده» .
وذكر ابن عباس عليا فقال: ما رأيت رئيسا يوزن به، لرأيته يوم صفّين
[ ١ / ١٨٨ ]
وكأنّ عينيه سراجا سليط وهو يحمّس أصحابه إلى أن انتهى إليّ وأنا في كثف «١» فقال: معشر المسلمين، إستشعروا الخشية وعنّوا «٢» الأصوات وتجلببوا السكينة وأكملوا اللّؤم وأخفّوا الخوذ «٣» وقلقلوا السيوف في أغمادها قبل السّلّة والحظوا الشّزر واطعنوا «٤» النّبر ونافحوا بالظّبا وصلوا السيوف بالخطا والرماح بالنّبل وامشوا إلى الموت مشيا سجحا. وعليكم بهذا السواد الأعظم والرّواق المطنّب فاضربوا ثبجه «٥» فإن الشيطان راكد في كسره نافج خصييه مفترش ذراعيه قد قدّم للوثبة يدا وأخّر للنّكوص رجلا.
ولما ولّى يزيد بن معاوية سلم بن زياد خراسان قال له: إن أباك كفى أخاه عظيما، وقد استكفيتك صغيرا فلا تتّكلنّ على عذر مني فقد اتكلت على كفاية منك. وإياك منّي قبل أن أقول إياي منك، فإنّ الظن إذا أخلف فيك أخلف منك. وأنت في أدنى حظك فاطلب أقصاه، وقد أتعبك أبوك فلا تريحنّ نفسك، وكن لنفسك تكن لك، واذكر في يومك أحاديث غدك ترشد إن شاء الله.
قال الأصمعي قالت أم جبغويه ملك طخارستان لنصر بن سيّار الليثي:
ينبغي للأمير أن تكون له ستة أشياء: وزير يثق به ويفشي إليه سرّه، وحصن يلجأ إليه إذا فزع فينجيه- يعني فرسا- وسيف إذا نازل به الأقران لم يخف خونه، وذخيرة خفيفة المحمل إذا نابته نائبة أخذها، وامرأة إذا دخل عليها
[ ١ / ١٨٩ ]
أذهبت همّه، وطبّاخ إذا لم يشته الطعام صنع له ما يشتهيه.
وبلغني عن عبّاد بن كثير عن عقيل بن خالد عن الزّهري عن عبيد الله ابن عبد الله عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «خير الأصحاب أربعة وخير السرايا أربعمائة وخير الجيوش أربعة آلاف وما غلب قوم قطّ يبلغون اثني عشر ألفا إذا اجتمعت كلمتهم» . وقال رجل يوم حنين: لن نغلب اليوم عن قلّة. وكانوا اثني عشر ألفا فهزم المسلمون يومئذ وأنزل الله ﷿: وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ
«١» الآية.
وقالوا كان يقال: ثلاث من كنّ فيه كنّ عليه: البغي، قال الله تعالى؛ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ
«٢» والمكر، قال الله تعالى:
وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ
«٣» والنّكث، قال ﷿: فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ
«٤» .
وقرأت في كتاب للهند: لا ظفر مع بغي، ولا صحّة مع نهم، ولا ثناء مع كبر، ولا صداقة مع خبّ «٥»، ولا شرف مع سوء أدب، ولا برّ مع شحّ، ولا اجتناب محرّم مع حرص، ولا محبة مع زهو، ولا ولاية حكم مع عدم فقه،
[ ١ / ١٩٠ ]
ولا عذر مع إصرار، ولا سلامة مع ريبة، ولا راحة قلب مع حسد، ولا سؤدد مع انتقام، ولا رياسة مع غرارة وعجب، ولا صواب مع ترك المشاورة، ولا ثبات ملك مع تهاون وجهالة وزراء.
خرجت خارجة بخراسان على قتيبة بن مسلم فأهمّه ذلك فقيل له: ما يهمّك منهم؟ وجّه إليهم وكيع بن أبي سود فإنه يكفيكهم. فقال: لا، إنّ وكيعا رجل به كبر يحتقر أعداءه، ومن كان هكذا قلّت مبالاته بعدوّه فلم يحترس منه فيجد عدوّه منه غرّة.
وقرأت في بعض كتب العجم أنّ ملكا من ملوكهم سئل: أيّ مكايد الحرب أحزم؟ فقال: إذكاء العيون واستطلاع الأخبار وإفشاء الغلبة وإظهار السرور وأمانة الفرق والاحتراس من البطانة من غير إقصاء لمن يستنصح ولا استنصاح لمن يستغشّ ولا تحويل شيء عن شيء إلا بسدّ ناحية من المراتب وحسن مجاملة الظنون وإشغال الناس عما هم فيه من الحرب بغيره. وسئل عن وثائق الحزم في القتال فقال: مخاتلة العدوّ عن الرّيف وإعداد العيون على الرّصد وإعطاء المبلّغين على الصدق ومعاقبة المتوصّلين بالكذب وألّا تحرج هاربا إلى قتال ولا تضيّق أمانا على مستأمن ولا تشبّ عن أصحابك للبغية ولا تشدهنّك الغنيمة عن المحاذرة.
وقرأت في كتاب للهند: الحازم يحذر عدوّه على كل حال. يحذر المواثبة إن قرب، والغارة إن بعد، والكمين إن انكشف، والاستطراد إن ولّى، والمكر إن رآه وحيدا. ويكره القتال ما وجد بدّا لأن النفقة فيه من الأنفس والنفقة في غيره من المال.
وقرأت في الآيين: قد جرت السنة في المحاربة أن يوضع من كان من الجند أعسر في الميسرة ليكون لقاؤه يسرا ورميه شزرا وأن يكون اللقاء من
[ ١ / ١٩١ ]
الفرسان قدما وترك ذلك على حال ممايلة أو مجانبة وأن يرتاد للقلب مكانا مشرفا ويلتمس وضعه فيه فإن أصحاب الميمنة والميسرة لا يقهرون ولا يغلبون وإن زالتا بعض الزوال ما ثبت الماذيان «١» فإن زالت الماذيان لم ينتفع بثبات الميمنة والميسرة. وإذا عيّ الجند فليناوش أهل الميمنة والماذيان فأما الميسرة فلا يشذّنّ منهم أحد إلّا أن يبادر إليهم من العدوّ من يخاف بائقته فيردّون عاديتهم مع أنّ أصحاب الميمنة والماذيان لا يقدرون على لقاء من يناوشهم والرجوع إلى أصحابهم عاطفين، وأصحاب الميسرة لا يقدرون على مناوشة إلّا مائلين ويعجزهم الرجوع عاطفين. ولا يألونّ صاحب الجيش على حال من الحال أن يستدبر جنده عين الشمس والريح، ولا يحاربنّ جندا إلا على أشدّ الضرورة وعلى حال لا يوجد معها من المحاربة بدّ، فإذا كان كذلك فليجهد صاحب الجيش أن يدافع بالحرب إلى آخر النهار. وينبغي على كل حال أن يخلّى بين المنهزمين وبين الذهاب ولا يحبسوا. وإن كان الجند قد نزلوا على ماء وأراد العدوّ أن ينالوا من الماء فليس من الرأي أن يحال بينهم وبينه لئلا يحرجوا إلى الجدّ في محاربتهم. وإن كان العدوّ قد نزلوا بماء وأراد الجند غلبتهم عليه فإن وقت طلب ذلك عند ريّ العدوّ من الماء وسقيهم دوابّهم منه وعند حاجة الجند إليه، فإنّ أسلس ما يكون الإنسان عن الشيء عند استغنائه عنه وأشدّ ما يكون طلبا للشيء عند حاجته إليه. ولتسر الطلائع في قرار من الأرض ويقفوا على التّلاع ولا يجوزوا أرضا لم يستقصوا خبرها.
وليكمن الكمين في الخمر «٢» والأماكن الخفية. وليطرح الحسك في المواضع
[ ١ / ١٩٢ ]
التي يتخوّف فيها البيات. وليحترس صاحب الجيش من انتشار الخبر عنه فإنّ في انتشاره فساد العسكر وانتقاضه. وإذا كان أكثر من في الجند من المقاتلة مجرّبين ذوي حنكة وبأس فبدار العدوّ الجند إلى الوقعة خير للجند. وإذا كان أكثرهم أغمارا ولم يكن من القتال بدّ فبدار الجند إلى مقاتلة العدوّ أفضل للجند. وليس ينبغي للجند أن يقاتلوا عدوّا إلا أن تكون عدّتهم أربعة أضعاف عدّة العدوّ أو ثلاثة أضعافهم، فإن غزاهم عدوّهم لزمهم أن يقاتلوهم بعد أن يزيدوا على عدّة العدوّ مثل نصف عدّتهم. وإن توسّط العدوّ بلادهم لزمهم أن يقاتلوهم وإن كانوا أقل منهم، وينبغي أن ينتخب للكمين من الجند أهل جرأة وشجاعة وتيقّظ وصرامة وليس بهم أنين ولا سعال ولا عطاس ويختار لهم من الدواب ما لا يصهل ولا ينهت «١»، ويختار لكمونهم مواضع لا تغشى ولا تؤتى، قريبة من الماء حتى ينالوا منه إن طال مكثهم، وأن يكون إقدامهم بعد الرويّة والتشاور والثقة بإصابة الفرصة، ولا يخيفوا سباعا ولا طيرا ولا وحشا. وأن يكون إيقاعهم كضريم الحريق، وليجتنبوا الغنائم ولينهضوا من المكمن متفرقين إذا ترك العدوّ الحراسة وإقامة الرّمايا، وإذا أونس من طلائعهم توان وتفريط وإذا أمرجوا دوابّهم في الرعي، وأشدّ ما يكون البرد في الشتاء وأشدّ ما يكون الحر في الصيف. وأن يرفضّوا ويفترقوا إذا ثاروا من مكمنهم بعد أن يستخير بعضهم بعضا وأن يسرعوا الإيقاع بعدوّهم ويتركوا التلبّث والتلفّت.
وينبغي للمبيّتين أن يفترصوا البيات إذا هبّت ريح أو أونس من نهر قريب منهم خرير فإنه أجدر ألا يسمع لهم حسّ. وأن يتوخّى بالوقعة نصف الليل أو أشدّ ما يكون إظلاما. وأن يصير جماعة من الجند وسط عسكر العدوّ وبقيتهم حوله، ويبدأ بالوقعة من يصير منهم في الوسط ليسمع بالضجّة والضوضاء من
[ ١ / ١٩٣ ]
ذلك الموضع لا من حوله، وأن يشرّد قبل الوقعة الأفره فالأفره من دوابّهم ويقطّع أرسانها وتهمز بالرماح في أعجازها حتى تتحيّر وتعير ويسمع لها ضوضاء، وأن يهتف هاتف ويقول: يا معشر أهل العسكر، النجاء النجاء فقد قتل قائدكم فلان وقتل خلق وهرب خلق. ويقول قائل: أيها الرجل، استحيني لله. ويقول آخر: العفو العفو. وآخر: أوّه أوّه، ونحو هذا من الكلام. وليعلم أنه إنما يحتاج في البيات «١» إلى تحيير العدوّ وإخافته وليجتنبوا التقاط الأمتعة واستياق الدوابّ وأخذ الغنائم. قال: وينبغي في محاصرة الحصون أن يستمال من يقدر على استمالته من أهل الحصن والمدينة ليظفر منهم بخصلتين:
إحداهما استنباط أسرارهم، والأخرى إخافتهم وإفزاعهم بهم، وأن يدسّ منهم من يصغّر شأنهم ويؤيسهم من المدد ويخبرهم أنّ سرّهم منتشر في مكيدتهم، وأن يفاض حول الحصن ويشار إليه بالأيدي كأن فيه مواضع حصينة وأخر ذليلة ومواضع ينصب المجانيق «٢» عليها ومواضع تهيّأ العرّادات «٣» لها ومواضع تنقب نقبا ومواضع توضع السّلالم عليها ومواضع يتسوّر منها ومواضع يضرم النار فيها ليملأهم ذلك رعبا، ويكتب على نشّابة «٤»: إياكم أهل الحصن والاغترار وإغفال الحراسة، عليكم بحفظ الأبواب فإن الزمان خبيث وأهله أهل غدر فقد خدع أكثر أهل الحصن واستميلوا، ويرمى بتلك النّشابة في الحصن ثم يدسّ لمخاطبتهم المنطيق «٥» المصيب الدّهيّ الموارب المخاتل غير المهذار ولا المغفّل. وتؤخّر الحرب ما أمكن ذلك فإن في المحاربة جرأد منهم على من
[ ١ / ١٩٤ ]
حاربهم ودليلا على الحيلة والمكيدة، فإن كان لا بد من المحاربة فليحاربوا بأخفّ العدّة وأيسر الآلة. وينبغي أن يغلب العدوّ على الأرض ذات الخمر «١» والشجر والأنهار للمعسكر ومصافّ الجنود ويخلّى بين العدوّ وبين بساط الأرض ودكادكها «٢» .
وفي بعض كتب العجم أن بعض الحكماء سئل عن أشدّ الأمور تدريبا للجنود وشحذا لها، فقال: إستعادة القتال وكثرة الظّفر، وأن تكون لها موادّ من ورائها وغنيمة فيما أمامها؛ ثم الإكرام للجيش بعد الظّفر والإبلاغ بالمجتهدين بعد المناصبة، والتشريف للشجاع على رؤوس الناس.
قال المدائني: قال نصر بن سيّار: كان عظماء الترك يقولون: القائد العظيم ينبغي أن تكون فيه خصال من أخلاق الحيوان: شجاعة الدّيك، وتحنّن الدجاجة، وقلب الأسد، وحملة الخنزير، وروغان الثعلب، وختل الذئب. وكان يقال في صفة الرجل الجامع: له وثبة الأسد، وروغان الثعلب، وختل الذئب وجمع الذّرّة، وبكور الغراب.
وكان يقال: أصلح الرجال للحرب المجرّب الشجاع الناصح.
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعي عن أبي الأصمّ قال: قيل لعمرو بن معاوية العقيلي وكان صاحب صوائف: بم ضبطت الصوائف؟ أي الثغور قال:
بسمانة الظهر وكثرة الكعك والقديد «٣» . وفي كتاب الآيين: ليكن أوّل ما تحمله معك خبزا ثم خبزا. وإياك والمفارش والثياب. أبو اليقظان قال: قال شبيب الخارجي: الليل يكفيك الجبان ونصف الشجاع. وكان إذا أمسى قال
[ ١ / ١٩٥ ]
لأصحابه: أتاكم المدد، يعني الليل. وقيل لبعض الملوك: بيّت عدوّك. قال:
أكره أن أجعل غلبتي سرقة.
المدائني قال: لما اشتغل عبد الملك بمحاربة مصعب بن الزبير اجتمع وجوه الروم إلى ملكهم فقالوا: قد أمكنتك الفرصة من العرب بتشاغل بعضهم ببعض، فالرأي أن تغزوهم في بلادهم. فنهاهم عن ذلك وخطّأ رأيهم، ودعا بكلبين فأرّش «١» بينهما فاقتتلا قتالا شديدا، ثم دعا بثعلب فخلّاه بينهما، فلما رأى الكلبان الثعلب تركا ما كانا فيه وأقبلا على الثعلب حتى قتلاه، فقال لهم ملك الروم: هذا مثلنا ومثلهم. فعرفوا صدقه وحسن رأيه ورجعوا عن رأيهم.
وأوصى بعض الحكماء ملكا فقال: لا يكن العدوّ الذي قد كشف لك عن عداوته بأخوف عندك من الظّنين الذي يستتر لك بمخاتلته، فإنه ربما تخوّف الرجل السّمّ الذي هو أقتل الأشياء وقتله الماء الذي يحيي الأشياء، وربما تخوّف أن يقتله الملوك التي تملكه ثم قتلته العبيد التي يملكها. فلا تكن للعدوّ الذي تناصب بأحذر منك للطعام الذي تأكل. وأنا لكل أمر أخذت منه نذيرك وإن عظم آمن منّي من كل أمر عرّيته من نذيرك وإن صغر. واعلم أن مدينتك حرز من عدوّك، ولا مدينة تحرّز فيها من طعامك وشرابك ولباسك وطيبك، وليست من هذه الأربع واحدة إلا وقد تقتل بها الملوك.
وذكر عبد الملك بن صالح الهاشمي أن خالد بن برمك، حين فصل مع قحطبة من خراسان، بينا هو على سطح بيت في قرية قد نزلاها وهم يتغدّون نظر إلى الصحراء فرأى أقاطيع ظباء قد أقبلت من جهة الصحارى حتى كادت تخالط العسكر، فقال لقحطبة: أيها الأمير ناد في الناس: يا خيل الله اركبي،
[ ١ / ١٩٦ ]
فإن العدوّ قد نهد إليك وحثّ، وغاية أصحابك أن يسرجوا ويلجموا قبل أن يروا سرعان الخيل، فقام قحطبة مذعورا فلم ير شيئا يروعه ولم يعاين غبارا، فقال لخالد: ما هذا الرأي؟ فقال خالد: أيها الأمير، لا تتشاغل بي وناد في الناس. أما ترى أقاطيع الوحش قد أقبلت وفارقت مواضعها حتى خالطت الناس؟ إن وراءها لجمعا كثيفا. قال: فوالله ما أسرجوا ولا ألجموا حتى رأوا ساطع الغبار فسلموا، ولولا ذلك لكان الجيش قد اصطلم.
وقال بعض الحكماء لبعض الملوك: آمرك بالتقدّم والأمر ممكن، وبالإعداد لغد من قبل دخولك في غد كما تعدّ السلاح لمن تخاف أن يقاتلك وعسى ألا يقاتلك، وكما تأخذ عتاد البناء من قبل أن تصيبه السماء وأنت تدري لعلها لا تصيبه، بل كما تعدّ الطعام لعدد الأيام وأنت لا تدري لعلك لا تأكله. وكان يقال: كل شيء طلبته في وقته فقد مضى وقته.
وقرأت في كتاب سير العجم أن فيروز بن يزدجرد بن بهرام لمّا ملك سار بجنوده نحو خراسان ليغزو اخشنوار ملك الهياطلة ببلخ، فلما انتهى إلى بلاده اشتدّ رعب اخشنوار منه وحذره له، فناظر أصحابه ووزراءه في أمره، فقال له رجل منهم: أعطني موثقا وعهدا تطمئن إليه نفسي أن تكفيني أهلي وولدي وتحسن إليهم وتخلفني فيهم، ثم اقطع يديّ ورجليّ وألقني على طريق فيروز حتى يمرّ بي هو وأصحابه فأكفيك مؤونتهم وشوكتهم وأورّطهم مورّطا تكون فيه هلكتهم. فقال له اخشنوار: وما الذي تنتفع به من سلامتنا وصلاح حالنا إذا أنت قد هلكت ولم تشركنا في ذلك؟ قال: إني قد بلغت ما كنت أحبّ أن أبلغه من الدنيا وأنا موقنّ بأن الموت لا بدّ منه وإن تأخّر أياما قلائل، فأحب أن أختم عمري بأفضل ما تختم به الأعمار من النصيحة لإخواني والنكاية في عدوّي فيشرف بذلك عقبى وأصيب سعادة ووحظوة فيما
[ ١ / ١٩٧ ]
أمامي، ففعل به ذلك وأمر به فألقي حيث وصف له. فلما مرّ به فيروز سأله عن أمره فأخبره أن اخشنوار فعل ذلك به وأنه احتال حتى حمل إلى ذلك الموضع ليدلّه على عورته وغرّته وقال: إني أدلك على طريق هو أقرب من هذا الذي تريدون سلوكه وأخفى، فلا يشعر اخشنوار حتى تهجموا عليه فينتقم الله لي منه بكم، وليس في هذا الطريق من المكروه إلا تفويز يومين ثم تفضون إلى كل ما تحبون. فقبل فيروز قوله بعد أن أشار عليه وزراؤه بالاتهام له والحذر منه وبغير ذلك، فخالفهم وسلك الطريق حتى انتهى بهم إلى موضع من المفازة لا صدر عنه ثم بيّن لهم أمره فتفرقوا في المفازة يمينا وشمالا يلتسمون الماء فقتل العطش أكثرهم ولم يخلص مع فيروز منهم إلا عدّة يسيرة فإنهم انطلقوا معه حتى أشرفوا على أعدائهم وهم مستعدّون لهم فواقعهم على تلك الحالة وعلى ما بهم من الضرّ والجهد فاستمكنوا منهم وأعظموا النكاية فيهم، ثم رغب فيروز إلى اخشنوار وسأله أن يمنّ عليه وعلى من بقي من أصحابه على أن يجعل لهم عهد الله وميثاقه ألا يغزوه أبدا فيما يستقبل من عمره وعلى أنه يحدّ فيما بينه وبين مملكته حدّا لا تجاوزه جنوده، فرضي اخشنوار بذلك وخلّى سبيله وانصرف إلى مملكته، فمكث فيروز برهة من دهره كئيبا ثم حمله الأنف على أن يعود لغزوه ودعا أصحابه إلى ذلك فردّوه عنه وقالوا: إنك قد عاهدته ونحن نتخوّف عليك عاقبة البغي والغدر مع ما في ذلك من العار وسوء المقالة. فقال لهم: إني إنما شرطت له ألّا أجوز الحجر الذي جعلته بيني وبينه فأنا آمر بالحجر ليحمل على عجلة أمامنا.
فقالوا له: أيها الملك، إنّ العهود والمواثيق التي يتعاطاها الناس بينهم لا تحمل على ما يسرّ المعطي لها ولكن على ما يعلن المعطى، وإنك إنما جعلت له عهد الله وميثاقه على الأمر الذي عرفه لا على أمر لم يخطر بباله. فأبى
[ ١ / ١٩٨ ]
فيروز ومضى في غزاته حتى انتهى إلى الهياطلة وتصافّ الفريقان للقتال فأرسل اخشنوار إلى فيروز يسأله أن يبرز فيما بين صفيّهم ليكلمه، فخرج إليه فقال له اخشنوار قد ظننت أنه لم يدعك إلى غزونا إلّا الأنف مما أصابك.
ولعمري لئن كنّا احتلنا لك بما رأيت، لقد كنت التمست منّا أعظم منه، وما ابتدأناك ببغي ولا ظلم ولا أردنا إلا دفعك عن أنفسنا وعن حريمنا، ولقد كنت جديرا أن تكون، من سوء مكافأتنا بمنّنا عليك وعلى من معك من نقض العهد والميثاق الذي وكّدت على نفسك، أعظم أنفا وأشدّ امتعاضا مما نالك منّا، فإنّا أطلقناكم وأنتم أسرى ومننّا عليكم وأنتم مشرفون على الهلكه وحقنّا دماءكم وبنا قدرة على سفكها، وإنّا لم نجبرك على ما شرطت لنا بل كنت أنت الراغب إلينا فيه والمريد لنا عليه ففكّر في ذلك وميّل بين هذين الأمرين فانظر أيّهما أشدّ عارا وأقبح سماعا، إن طلب رجل أمرا فلم يتح له وسلك سبيلا فلم يظفر فيها ببغيته واستمكن منه عدوّه على حال جهد وضيعة منه وممن معه، فمنّ عليهم وأطلقهم على شرط شرطوه وأمر اصطلحوا عليه فاضطرّ لمكروه القضاء واستحيا من النّكث والغدر أن يقال امرؤ نكث العهد وختر «١» الميثاق. مع أني قد ظننت أنه يزيدك نجاحا ما تثق به من كثرة جنودك وما ترى من حسن عدّتهم وطاعتهم لك، وما أجدني أشكّ أنهم أو أكثرهم كارهون لما كان من شخوصك بهم عارفون بأنك قد حملتهم على غير الحق ودعوتهم إلى ما يسخط الله، فهم في حربنا غير مستبصرين ونيّاتهم في مناصحتك اليوم مدخولة، فانظر ما قدر غناء من يقاتل على مثل هذه الحال، وما عسى أن تبلغ نكايته في عدوّه إذا كان عارفا بأنه. إن ظفر فمع عار وإن قتل
[ ١ / ١٩٩ ]
فإلى النار، فأنا أذكّرك الله الذي جعلته على نفسك كفيلا ونعمتي عليك وعلى من معك بعد يأسكم من الحياة وإشفائكم على الممات، وأدعوك إلى ما فيه حظّك ورشدك من الوفاء بالعهد والاقتداء بآبائك الذين مضوا على ذلك في كل ما أحبوه أو كرهوه، فأحمدوا عواقبه وحسن عليهم أثره، ومع ذلك إنك لست على ثقة من الظّفر بنا والبلوغ لنهمتك فينا وإنما تلتمس منا أمرا نلتمس منك مثله وتناويء عدوّا لعله يمنح النصر عليك فقد بالغت في الاحتجاج عليك وتقدّمت في الإعذار إليك ونحن نستظهر بالله الذي اعتززنا به ووثقنا بما جعلته لنا من عهده إذا استظهرت بكثرة جنودك وازدهتك عدّة أصحابك، فدونك هذه النصيحة فوالله. ما كان أحد من نصحائك ببالغ لك أكثر منها ولا زائد لك عليها، ولا يحرمنّك منفعتها مخرجها مني فإنّه لا يزري بالمنافع عند ذوي الرأي أن كانت من قبل الأعداء كما لا يحبّب المضارّ إليهم أن تكون على أيدي الأولياء. واعلم أنه ليس يدعوني إلى ما تسمع من مقالتي ضعف أحسّه من نفسي ولا قلة من جنودي، ولكني أحببت أن أزداد حجّة واستظهارا، وأزداد به من الله للنصر والمعونة استيجابا ولا أؤثر على العافية والسلامة شيئا ما وجدت إليهما سبيلا، فأبى فيروز إلا تعلّقا بحجّته في الحجر الذي جعله حدّا بينه وبينه وقال: لست ممن يردعه عن الأمر يهمّ به وعيد ولا يقتاده التهدّد والترهيب، ولو كنت أرى ما أطلبك غدرا مني ما كان أحد أنظر ولا أشدّ اتقاء منيّ على نفسي فلا يغرّنّك منّا الحال التي صادفتنا عليها في المرّة الأولى من القلّة والجهد والضعف. قال اخشنوار: لا يغرّنّك ما تخدع به نفسك من حملك الحجر أمامك، فإنّ الناس لو كانوا يعطون العهود على ما تصف من إسرار أمر وإعلان آخر، إذا ما كان ينبغي لأحد أن يغترّ بأمان ولا يثق بعهد، وإذا لما قبل الناس شيئا مما يعطونه من ذلك، ولكنّه وضع على العلانية وعلى نية من تعقد العهود والشروط له. فانصرفا يومهما ذلك فقال فيروز لأصحابه:
[ ١ / ٢٠٠ ]
لقد كان اخشنوار حسن المحاورة. وما رأيت للفرس الذي كان تحته نظيرا في الدواب فإنه لم يزل قوائمه ولم يرفع حوافره عن موضعها ولا صهل ولا أحدث شيئا يقطع به المحاورة في طول ما تواقفنا. وقال اخشنوار لأصحابه: لقد واقفت فيروز كما علمتم وعليه السلاح كلّه فلم يحرّك رأسه ولم ينزع رجله من ركابه ولا حنا ظهره ولا التفت يمينا ولا شمالا، ولقد تورّكت أنا مرارا وتمطيت على فرسي وتلفّت إلى من خلفي ومددت بصري أمامي وهو منتصب ساكن على حاله، ولولا محاورته إياي لظننت أنه لا يبصرني. وإنما أرادا بما وصفا من ذلك أن ينتشر هذان الحديثان في أهل عسكريهما فيشغلوا بالإفاضة فيهما عن النظر فيما تذاكراه. فلما كان في اليوم الثاني أخرج اخشنوار الصحيفة التي كتبها لهم فيروز، فرفعها على رمح لينظر إليها أهل عسكر فيروز فيعرفون غدره وبغيه ويخرجون من متابعته، فانتقض عسكر فيروز واختلفوا وما لبثوا إلا يسيرا حتى انهزموا وقتل منهم خلق كثير وهلك فيروز، فقال اخشنوار: لقد صدق الذي قال: لا رادّ لما قدّر، ولا أشدّ إحالة لمنافع الرأي من الهوى واللّجاج، ولا أضيع من نصيحة يمنحها من لا يوطّن نفسه على قبولها والصبر على مكروهها، ولا أسرع عقوبة ولا أسوأ عاقبة من البغي والغدر، ولا أجلب لعظيم العار والفضوح من إفراط الفخر والأنفة.
وقال أبو اليقظان: لما خرج شبيب «١» بن يزيد بن نعيم الخارجي بالموصل بعث إليه الحجّاج قائدا فقتله ثم قائدا فقتله كذلك حتى أتى على
[ ١ / ٢٠١ ]
خمسة قوّاد قتلهم وهزم جيوشهم وكان أحد القوّاد موسى بن طلحة بن عبيد الله، ثم خرج شبيب من الموصل يريد الكوفة وخرج الحجّاج من البصرة يريد الكوفة فطمع شبيب أن يلقى الحجاج قبل أن يصل إلى الكوفة فأقحم الحجاج خيله فدخل الكوفة قبله، ومرّ شبيب بعتاب بن ورقاء فقتله ومرّ بعبد الرحمن بن محمد بن الأشعث فهرب منه، وقدم شبيب الكوفة وآلى ألّا يبرح عنها أو يلقى الحجاج فيقتله أو يقتل دونه؛ فخرج الحجاج إليه في خيله، فلما قرب منه عمد إلى سلاحه فألبسه أبا الورد مولاه وحمله على الدّابة التي كان عليها، فلما تواقفا قال شبيب: أروني الحجاج، فأومأ له إلى أبي الورد فحمل عليه فقتله، ثم خرج من الكوفة يريد الأهواز فغرق في دجيل وهو يقول: ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ
«١» .