حدّثني يزيد بن عمرو عن عبد العزيز الباهليّ عن الأسود بن عبد الرحمن عن أبيه عن جدّه قال: قال رسول الله ﷺ: «ما خلق الله دابّة أكرم عليه من النّعجة وذلك أنه ستر عورتها ولم يستر عورة غيرها» .
وقال: حدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ عن إهاب بن عمير قال: كان لنا جمل يعرف كشح الحامل من غير أن يشمّها. قيل لابنة الخسّ «٤»: ما تقولين في مائة من المعز؟ قالت: قنى؛ قيل: فمائة من الضأن؟ قالت: غنى؛ قيل:
[ ٢ / ٨٦ ]
فمائة من الإبل؟ قالت: منى. والعرب تضرب المثل في الصّرد بالمعزى فتقول: «أصرد من عنز جرباء» «١» . وسئل دغفل عن بني مخزوم، فقال: معزى مطيرة، عليها قشعريرة، إلا بني المغيرة؛ فإنّ فيهم تشادق الكلام، ومصاهرة الكرام.
وقالت العرب فيما تقول على ألسنة البهائم: قالت المعزى: الاست جهوى «٢»، والذنب ألوى؛ والجلد رقاق، والشعر دقاق. قالوا: والضأن تضع مرة في السنة وتفرد ولا تتئم «٣»، والماعز قد تلد مرتين في السنة، تضع الثلاثة وأكثر وأقل، والنّماء والبركة والعدد في الضّأن؛ وكذلك الخنازير تضع الأنثى منها عشرين خنّوصا ولا نماء فيها. ويقال: الجواميس ضأن البقر، والبخت ضأن الإبل، والبراذين ضأن الخيل، والجرذان ضأن الفأر، والدّلدل ضأن القنافذ، والنمل ضأن الذّرّ. ويقول الأطبّاء في لحم الماعز: إنّه يورث الهمّ ويحرّك السّوداء ويورث النّسيان ويخبّل الأولاد ويفسد الدّم، ولحم الضأن يضرّ بمن يصرع من المرة «٤» إضرارا شديدا حتى يصرعهم في غير أوان الصّرع. وأوان الصرع الأهلّة وأنصاف الشهور؛ وهذان الوقتان هما وقت مدّ البحر وزيادة الماء والدّم. ولزيادة القمر إلى أن يصير بدرا أثر في زيادة الدّم والدماغ وجميع الرّطوبات؛ قال الشاعر «٥»: [وافر]
[ ٢ / ٨٧ ]
كأنّ القوم عشّوا لحم ضأن فهم نعجون قد مالت طلاهم «١»
وفي الماعزة: إنها ترتضع من خلفها «٢» وهي محفّلة حتى تأتي على كلّ ما فيه؛ قال ابن أحمر: [بسيط]
إني وجدت بني أعيا وجاملهم كالعنز تعطف روقيها فترتضع «٣»
وإذا رعت الضائنة والماعزة في قصير نبت لم ينبت ما تأكله الماعزة لأنّ الضائنة تقرضه بأسنانها والماعزة تقتلعه وتجذبه فتنثره من أصله. وإذا حمل على الماعزة فحملت أنزلت اللّبن في أوّل الحمل إلى الضّرع، والضائنة لا تنزل اللبن إلا عند الولاد، ولذلك تقول العرب: «رمّدت المعزى فرنّق رنّق» «٤» و«رمّدت الضأن فربّق ربّق» «٥» .
وذكور كلّ شيء أحسن من إناثه إلّا التّيوس فإنها أقبح من الصّفايا.
[ ٢ / ٨٨ ]
وأصوات الذكور من كلّ شيء أجهر وأغلظ إلا إناث البقر فإنها أجهر أصواتا من ذكورها.
قيل لأعرابيّ: بأيّ شيء تعرف حمل شاتك؟ قال: إذا ورم حياؤها ورجّت شعرتها واستفاضت خاصرتها.
قال الأصمعيّ: لبني عقيل ماعزة لا ترد، تجترىء بالرّطب. وقرأت في كتاب من كتب الروم: إن أردت أن تعرف ما لون جنين النعجة فانظر إلى لسانها فإنّ الجنين يكون على لونه. وقرأت فيه أنّ الإبل تتحامى أمّهاتها وأخواتها فلا تسفدها.
قالوا: وكلّ ثور أفطس «١»، وكلّ بعير أعلم «٢»، وكل ذباب أقرح «٣» .
وقالوا: البعير إذا صعب وخافه الناس استعانوا عليه حتى يبرك ويعقل ثم يركبه فحل آخر فيذلّ. والعرب تعرف البعير المغدّ «٤» بسقوط الذباب عليه.
ويقولون: بعير مذبوب إذا عرض له داء يدعو الذباب إلى السقوط عليه. وقال بعض القصّاص: مما فضّل الله به الكبش أن جعله مستور العورة من قبل ومن دبر، ومما أهان به التّيس أن جعله مهتوك السّتر مكشوف القبل والدّبر.
حدّثني عبد الرحمن بن عبد المنعم عن أميّة عن وهب بن منبّه أنه قال:
كان في مناجاة عزير: اللهم إنك اخترت من الأنعام الضائنة، ومن الطير الحمامة، ومن النبات الحبلة «٥»، ومن البيوت بكّة «٦» وإيلياء، ومن إيلياء بيت
[ ٢ / ٨٩ ]
المقدس. وفي الحديث أنّ امرأة أتت النبي ﵇ فقالت: يا رسول الله، صلى الله عليك، إني اتخذت غنما أبتغي نسلها ورسلها «١» وإنها لا تنمو فقال رسول الله ﷺ. «ما ألوانها»؛ قالت: سود، فقال: «غفّري»، «وبعث إلى الرّعيان «من كانت له غنم سود فليخلطها بعفر فإنّ دم عفراء «٢» أزكى من دم سوداوين» . وقال: «الغنم إذا أقبلت أقبلت وإذا أدبرت أقبلت. والإبل إذا أدبرت أدبرت وإذا أقبلت أدبرت ولا يأتي نفعها إلا من جانبها الأشأم» «٣» . والأقط «٤» قد يكون من المعزى؛ قال امرؤ القيس: [وافر]
لنا غنم نسوّقها غزار كأنّ قرون جلّتها «٥» عصيّ
فتملأ بيتنا أقطا وسمنا وحسبك من غنى شبع وريّ «٦»
وقالوا: شقشقة البعير: لهاته يخرجها. ومن أحسن ما قيل في الغنم قول مخارق «٧» بن شهاب في تيس غنمه. [طويل]
[ ٢ / ٩٠ ]
وراحت أصيلانا كأنّ ضروعها دلاء وفيها واتد القرن لبلب «١»
له رعثات كالشّنوف وغرّة شديخ ولون كالوذيلة مذهب «٢»
وعينا أحمّ المقلتين وعصمة يواصلها دان من الظلف مكنب «٣»
إذا دوحة من مخرف الضّال أذبلت عطاها كما يعطو ذرى الضال قرهب «٤»
أبو الحور والغرّ اللواتي كأنّها من الحسن في الأعناق جزع مثقّب «٥»
ترى ضيفها فيها يبيت بغبطة وضيف ابن قيس جائع يتحوّب «٦»
فوفد ابن قيس هذا على النّعمان فقال: كيف المخارق فيكم؟ قال:
سيّد كريم من رجل يمدح تيسه ويهجو ابن عمّه. قال العجّاج في وصف شاة:
حمراء المقدّم شعراء المؤخّر إذا أقبلت حسبتها نافرا، وإذا أدبرت حسبتها ناثرا، أي كأنها تعطس، يريد من أيّ أقطارها رأيتها وجدتها مشرقة.
[ ٢ / ٩١ ]
قال الأصمعيّ: قال أعرابيّ يهزأ بصاحبه: اشتر لي شاة فقماء «١» كأنها تضحك، مندلقة «٢» خاصرتاها، لها ضرع أرقط «٣» كأنّه جيب؛ قال: فكيف العطل؟ قال: إنّي لهذا عطل! العطل: العنق. يقول: من سمنها يحسب أنه لا عنق لها.
ومما تقوله العرب على ألسنة البهائم. قالت الضائنة: أولّد رخالا «٤» وأجزّ جفالا وأحلب كثبا ثقالا ولم تر مثلي مالا حفالا «٥» . تقول: أجزّ مرّة وذلك أنّ الضائنة إذا جزّت لم يسقط من صوفها شيء إلى الأرض حتى يؤتي عليه؛ والكثب جمع كثبة وهي الدّفعة من اللبن، تقول: أحلب دفعا ثقالا من اللبن، وذلك لأن لبنها أدسم وأخثر من لبن المعز فهو أثقل.