«١» حدّثني أبي، أحسبه عن الهيثم بن عديّ قال: لما كتب أبو بكر ﵁ إلى خالد بن الوليد يأمره بالمسير إلى الشام واليا مكان أبي عبيدة بن الجرّاح، أخذ على السّماوة «٢» حتى انتهى إلى قراقر «٣»، وبين قراقر
[ ١ / ٢٢٧ ]
وسوى «١» خمس ليال في مفازة، فلم يعرف الطريق، فدلّ على رافع بن عميرة الطائي وكان دليلا خرّيتا «٢» فقال لخالد: خلّف الأثقال واسلك هذه المفازة إن كنت فاعلا؛ فكره خالد أن يخلّف أحدا وقال: لا بد من أن نكون جميعا. فقال له رافع: والله إن الراكب المنفرد ليخافها على نفسه وما يسلكها إلا مغرّر مخاطر بنفسه، فكيف أنت بمن معك؟ فقال: لا بدّ من ذلك. فقال الطائي لخالد:
إبغني عشرين جزورا مسانّ «٣» عظاما ففعل فظمّأهنّ ثم سقاهنّ حتى روين ثم قطع مشافرهنّ وكعمهنّ «٤» لئلا تجترّ، ثم قال لخالد: سر بالخيول والأثقال فكلما نزلت منزلا نحرت من تلك الجزر أربعا ثم أخذت ما في بطونها من الماء فسقيته الخيل وشرب الناس مما تزوّدوا، ففعل. فلما صار إلى آخر المفازة انقطع ذلك وجهد الناس وعطشت دوابّهم، فقال له خالد: ويحك، ما عندك؟
قال: أدركت الريّ إن شاء الله، أنظروا هل تجدوا شجرة عوسج على ظهر الطريق؟ فنظروا فوجدوها فقال: إحفروا في أصلها، فحفروا فوجدوا عينا فشربوا منها وتزوّدوا، فقال رافع: والله ما وردت هذا الماء قطّ إلا مرة واحدة مع أبي وأنا غلام. فقال راجز المسلمين في ذلك: [رجز]
لله درّ رافع أنّى اهتدى فوّز من قراقر إلى سوى «٥»
أرضا إذا سار بها الجيش بكى ما سارها قبلك من إنس أوى
[ ١ / ٢٢٨ ]
قال ولما مرّ خالد بموضع يقال له البشر طلع على قوم يشربون وبين أيديهم جفنة «١» وأحدهم يتغنّى: [طويل]
ألا علّلاني قبل جيش أبي بكر لعلّ منايانا قريب وما ندري
ألا علّلاني بالزّجاج وكرّرا عليّ كميت اللون صافية تجري
أظنّ خيول المسلمين وخالدا سيطرقكم قبل الصباح من البشر
فهل لكم في السير قبل قتالهم وقبل خروج المعصرات من الخدر
فما هو إلا أن فرغ من قوله شدّ عليه رجل من المسلمين بالسيف فضرب عنقه فإذا رأسه في الجفنة، ثم أقبل على أهل البشر فقتل منهم وأصاب من أموالهم.
ابن الكلبي قال: أقبل قوم من أهل اليمن يريدون النبي، ﷺ، فأضلّوا الطريق ووقعوا على غير ماء فمكثوا ثلاثا لا يقدرون على الماء فجعل الرجل منهم يستذري بفيء السّمر «٢» والطّلح يأسا من الحياة، فبينا هم كذلك أقبل راكب على بعير فأنشد بعض القوم بيتين من شعر امرىء القيس: [طويل]
لمّا رأت أنّ الشريعة همّها وأنّ البياض من فرائصها دامي
تيمّمت العين التي عند ضارج يفيء عليها الظّل عرمضها «٣» طامي
فقال الراكب: من يقول هذا؟ قالوا: امرؤ القيس. قال: والله ما كذب، هذا ضارج عندكم، وأشار إليه، فجثوا على الرّكب فإذا ماء غدق وإذا عليه
[ ١ / ٢٢٩ ]
العرمض والظلّ يفيء عليه فشربوا منه ريّهم وسقوا وحملوا حتى بلغوا الماء، فأتوا النبي، ﷺ، فأخبروه وقالوا: يا رسول الله، أحيانا بيتان من شعر امرىء القيس قال: «ذاك رجل مذكور في الدنيا شريف فيها منسي في الآخرة خامل فيها، يجيء يوم القيامة معه لواء الشعراء يقودهم إلى النار» .
حدّثني عبد الرحمن بن عبد الله بن قريب عن عمه الأصمعي عن رجل من بني سليم أن رفقة ماتت من العطش بالشّجي، فقال الحجاج: إني أظنهم قد دعوا الله حين بلغهم الجهد فاحفروا في مكانهم الذي ماتوا فيه لعل الله يسقي الناس. فقال رجل من جلسائه: أيها الأمير، قد قال الشاعر: [طويل]
تراءت له بين اللّوى وعنيزة وبين الشّجى مما أحال على الوادي «١»
والله ما تراءت له إلا وهي على ماء. فأمر الحجاج عبيدة السلمي أن يحفر بالشجى بئرا فحفر فأنبط «٢»، ويقال: إنه لم يمت قوم قطّ عطشا إلا وهم على ماء.
[ ١ / ٢٣٠ ]
قالت العرب: «أن ترد الماء بماء أكيس» «١» . ويقال في مثل: «برد غداة غرّ عبدا من ظمأ» «٢» .