قال كسر ليوشت «١» المغنيّ وقد قتل فهلوذ «٢» حين فاقه وكان تلميذه:
«كنت أستريح منه إليك ومنك إليه فأذهب شطر تمتّعي حسدك ونغل صدرك» ثم أمر أن يلقى تحت أرجل الفيلة فقال: أيها الملك، إذا قتلت أنا شطر طربك وأبطلته وقتلت أنت شطره الآخر وأبطلته، أليس تكون جنايتك على طربك كجنايتي عليه؟ قال كسرى: دعوه، ما دلّه على هذا الكلام إلا ما جعل له من طول المدّة.
وفي العفو أيضا: قال رجل للمنصور: «الانتقام عدل والتجاوز فضل ونحن نعيذ أمير المؤمنين بالله من أن يرضى لنفسه بأوكس النصيبين دون أن يبلغ أرفع الدرجتين» .
وفي العفو: جلس الحجاج يقتل أصحاب عبد الرحمن، فقام إليه رجل منهم فقال: أيها الأمير، إنّ لي عليك حقا. قال: وما حقك عليّ؟ قال: سبّك عبد الرحمن يوما فرددت عنك. قال: ومن يعلم ذاك؟ فقال الرجل: أنشد الله رجلا سمع ذاك إلا شهد به. فقام رجل من الأسرى فقال: قد كان ذاك أيها الأمير. فقال: خلّوا عنه. ثم قال للشاهد: فما منعك أن تنكر كما أنكر؟ قال:
لقديم بغضي إياك. قال: ويخلّى هذا لصدقه.
[ ١ / ١٧٣ ]
وفي العفو: أسر معاوية يوم صفّين رجلا من أصحاب عليّ صلوات الله عليه، فلما أقيم بين يديه قال: الحمد لله الذي أمكن منك. قال: لا تقل ذاك فإنها مصيبة. قال: وأيّة نعمة أعظم من أن يكون الله أظفرني برجل قتل في ساعة واحدة جماعة من أصحابي. إضربا عنقه. فقال: اللهم أشهد أن معاوية لم يقتلني فيك ولا لأنك ترضى قتلي، ولكن قتلني في الغلبة على حطام هذه الدنيا، فإن فعل فافعل به ما هو أهله، وإن لم يفعل فافعل به ما أنت أهله.
فقال: قاتلك الله! لقد سببت فأوجعت في السب ودعوت فأبلغت في الدعاء.
خلّيا سبيله.
وفي مثله. أخذ عبد الملك بن مروان سارقا فأمر بقطع يده فقال:
[طويل]
يدي، يا أمير المؤمنين، أعيذها بعفوك أن تلقى نكالا يشينها
فلا خير في الدنيا وكانت حبيبة إذا ما شمالي فارقتها يمينها
فأبى إلّا قطعها، فدخلت عليه أمّه فقال: يا أمير المؤمنين، واحدي وكاسبي. فقال: بئس الكاسب! هذا حدّ من حدود الله. فقال: اجعله من الذنوب التي تستغفر الله منها. فعفا عنه.
وفي مثله: أخذ عبد الله بن علي أسيرا من أصحاب مروان فأمر بضرب عنقه فلما رفع السيف ليضرب به ضرط الشامي فوقع العمود بين يدي الغلام ونفرت دابة عبد الله فضحك وقال: إذهب فأنت عتيق استك. فالتفت إليه وقال: أصلح الله الأمير! رأيت ضرطة قطّ أنجت من الموت غير هذه؟ قال:
[ ١ / ١٧٤ ]
لا، قال هذا والله الإدبار. قال: وكيف ذاك؟ قال: ما ظنك بنا وكنا ندفع الموت بأسنّتنا فصرنا ندفعه اليوم بأستاهنا.
وفي مثله: خرج النعمان «١» بن المنذر في غبّ سماء فمرّ برجل من بني يشكر جالسا على غدير ماء، فقال له: أتعرف النعمان؟ قال اليشكري: أليس ابن سلمى؟ قال: نعم. قال: والله لربما أمررت يدي على فرجها. قال له:
ويحك، النعمان بن المنذر! قال: قد خبرتك. فما انقضى كلامه حتى لحقته الخيل وحيّوه بتحية الملك. فقال له: كيف قلت؟ قال: أبيت اللعن، إنك، والله، ما رأيت شيخا أكذب ولا ألأم ولا أوضع ولا أعضّ ببظر أمه من شيخ بين يديك. فقال النعمان: دعوه، فأنشأ يقول: [مجزوء كامل]
تعفو الملوك عن العظي م من الذنوب لفضلها
ولقد تعاقب في اليسي ر وليس ذاك لجهلها
إلا ليعرف فضلها ويخاف شدّة نكلها
وفي مثله: لمّا أخذ المأمون إبراهيم بن المهدي استشار أبا إسحاق والعباس في قتله فأشارا به، فقال له المأمون: قد أشارا بقتلك. فقال إبراهيم: أما أن يكونا قد نصحا لك في عظم الخلافة وما جرت به عادة السياسة فقد فعلا، ولكنك تأبى أن تستجلب النصر إلا من حيث عوّدك الله.
وكان في اعتذاره إليه أن قال: إنه وإن بلغ جرمي استحلال دمي فحلم أمير المؤمنين وفضله يبلغانني عفوه ولي بعدهما شفعة الإقرار بالذنب وحقّ الأبوة
[ ١ / ١٧٥ ]
بعد الأب. فقال المأمون: لو لم يكن في حق سببك حقّ الصفح عن جرمك لبلّغك ما أمّلت حسن تنصّلك ولطف توصّلك. وكان إبراهيم يقول بعد ذلك:
والله ما عفا عني المأمون صلة لرحمي ولا محبة لاستحيائي ولا قضاء لحق عمومتي، ولكن قامت له سوق في العفو فكره أن يفسدها بي. ومن أحسن ما قيل في مثله قول العتّابي «١»: [كامل]
رحل الرجاء إليك مغتربا حشدت عليه نوائب الدهر
ردّت إليك ندامتي أملي وثنى إليك عنانه شكري
وجعلت عتبك عتب موعظة ورجاء عفوك منتهى عذري
وقول علي «٢» بن الجهم للمتوكل: [متقارب]
عفا الله عنك ألا حرمة تعوذ بعفوك أن أبعدا
لئن جلّ ذنب ولم أعتمده لأنت أجلّ وأعلى يدا
ألم تر عبدا عدا طوره ومولى عفا ورشيدا هدى
ومفسد أمر تلافيته فعاد فأصلح ما أفسدا؟
أقلني أقالك من لم يزل يقيك ويصرف عنك الردى
وفي مثله. وجد بعض الأمراء على رجل فجفاه واطّرحه حينا ثم دعا به ليسأله عن شيء فرآه ناحلا شاحبا. فقال له: متى اعتللت؟ فقال: [سريع]
ما مسّني سقم ولكنني جفوت نفسي إذ جفاني الأمير
فعاد له.
[ ١ / ١٧٦ ]
وقال آخر: [طويل]
ألا إنّ خير العفو عفو معجّل وشرّ العقاب ما يجاز به القدر
وكان يقال: بحسب العقوبة أن تكون على مقدار الذنب.
وفي العفو: قال بعضهم: إن عاقبت جازيت وإن عفوت أحسنت والعفو أقرب للتقوى.
ونحوه: قال رجل لبعض الأمراء: أسألك بالذي أنت بين يديه أذلّ مني بين يديك، وهو على عقابك أقدر منك على عقابي إلّا نظرت في أمري نظر من برئي أحبّ إليه من سقمي وبراءتي أحبّ إليه من جرمي.
ونحوه قول آخر: قديم الحرمة وحديث التوبة يمحقان ما بينهما من الإساءة.
وفي مثله: أتى الأحنف بن قيس «١» مصعب بن «٢» الزّبير فكلّمه في قوم حبسهم، فقال، أصلح الله الأمير: إن كانوا حبسوا في باطل فالحق يخرجهم، وإن كانوا حبسوا في حق فالعفو يسعهم، فخلّاهم.
وفي مثله: أمر معاوية بعقوبة روح «٣» بن زنباع فقال له روح: أنشدك الله، يا أمير المؤمنين، أن تضع مني خسيسة أنت رفعتها أو تنقض مني مرّة «٤»
[ ١ / ١٧٧ ]
أنت أبرمتها أو تشمت بي عدوا أنت وقمته «١» وإلّا أتى حلمك وعفوك على جهلي وإساءتي. فقال معاوية: خلّيا عنه. ثم أنشد: [طويل]
إذا الله سنّى عقد أمر تيسّرا
وفي مثله. أمر عمر بن عبد العزيز بعقوبة رجل قد كان نذر إن أمكنه الله منه ليفعلنّ به وليفعلن. فقال له رجاء «٢» بن حيوة: قد فعل الله ما تحب من الظفر فافعل ما يحب الله من العفو.
وفي مثله: قال ابن القرّيّة «٣» للحجاج في كلام له: أقلني عثرتي وأسغني ريقي فإنه لا بد للجواد من كبوة ولا بد للسيف من نبوة ولا بد للحليم من هفوة. فقال الحجاج: كلّا، والله حتى أوردك جهنّم. ألست القائل برستقباذ «٤»: تغدّوا الجدي قبل أن يتعشّاكم.
وفي مثله: أمر عبد الملك بن مروان بقتل رجل فقال: يا أمير المؤمنين، إنك أعزّ ما تكون أحوج ما تكون إلى الله، فاعف له فإنك به تعان وإليه تعود.
فخلّى سبيله.
وفي مثله. قال خالد بن عبد الله لسليمان بعد أن عذبه بما عذّبه به: إن القدرة تذهب الحفيظة وقد جلّ قدرك عن العتاب ونحن مقرّون بالذنب، فإن
[ ١ / ١٧٨ ]
تعف فأهل العفو وإن تعاقب فبما كان منا. فقال: أمّا حتّى تأتي الشام راجلا فلا عفو.
وفي مثله: ضرب الحجاج أعناق أسارى أتي بهم، فقال رجل منهم:
والله لئن كنا أسأنا في الذنب فما أحسنت في المكافأة. فقال الحجاج: أفّ لهذه الجيف! أما كان فيهم أحد يحسن مثل هذا! وكفّ عن القتل.
وفي مثله: أخذ مصعب بن الزبير رجلا من أصحاب المختار فأمر بضرب عنقه. فقال: أيها الأمير، ما أقبح بك أن أقوم يوم القيامة إلى صورتك هذه الحسنة ووجهك هذا الذي يستضاء به فأتعلّق بأطرافك وأقول: أي ربّ سل مصعبا فيم قتلني. قال: أطلقوه. قال: إجعل ما وهبت لي من حياتي في خفض. قال: أعطوه مائة ألف. قال: بأبي أنت وأمي، أشهد الله أنّ لابن قيس «١» الرّقيّات منها خمسين ألفا. قال: ولم؟ قال: لقوله فيك: [خفيف]
إنما مصعب شهاب من الل هـ تجلّت عن وجهه الظّلماء
ملكه ملك رحمة ليس فيه جبروت يخشى ولا كبرياء
تتّقي الله في الأمور وقد أفل لح من كان همّه الإتقاء
فضحك مصعب، وقال: أرى فيك موضعا للصنيعة، وأمره بلزومه وأحسن إليه فلم يزل معه حتى قتل.
وفي مثله: قال عبد الله «٢» بن الحجاج الثعلبي لعبد الملك بن مروان:
[ ١ / ١٧٩ ]
هربت إليك من العراق. قال: كذبت، ليس إلينا هربت، ولكنك هربت من دم الحسين وخفت على دمك فلجأت إلينا. ثم جاء يوما آخر فقال: [كامل]
أدنوا لترحمني وترتق «١» خلّتي وأراك تدفعني فأين المدفع؟
ونحوه قول الآخر: [خفيف]
كنت من كربتي أفرّ إليهم فهمو كربتي فأين الفرار «٢»؟
وفي مثله: قنّع الحجاج رجلا في مجلسه ثلاثين سوطا وهو في ذلك يقول: [طويل]
وليس بتعزير الأمير خزاية عليّ إذا ما كنت غير مريّب «٣»
ونحوه: [طويل]
وإن أمير المؤمنين وفعله لكالدهر، لا عار بما فعل الدهر
وفي مثله: مر الحسن البصري برجل يقاد منه. فقال للوليّ: يا عبد الله، إنك لا تدري لعل هذا قتل وليّك وهو لا يريد قتله، وأنت تقتله متعمدا، فانظر لنفسك. قال: قد تركته لله.
وفي مثله: حدّثني أبو حاتم عن الأصمعي عن عيسى بن عمر قال:
رمي الحجاج فقال: أنظروا من هذا؟ فأومأ رجل بيده ليرمي. فأخذ فأدخل عليه وقد ذهبت روحه. قال عيسى بصوت ضعيف يحكي الحجاج: أنت الرّامينا منذ الليلة؟ قال: نعم أيها الأمير. قال، ما حملك على ذلك؟ قال:
[ ١ / ١٨٠ ]
الغيّ، والله، واللؤم. قال: خلّوا عنه. وكان إذا صدق انكسر.
وفي مثله: حدّثني أبو حاتم عن الأصمعي عن عثمان الشحّام قال: أتي الحجاج بالشّعبي فقال له: أخرجت علينا يا شعبي؟ قال: أجدب بنا الجناب وأحزن بنا المنزل واستحلسنا الخوف واكتحلنا السهر وأصابتنا خزية لم نكن فيها بررة أتقياء ولا فجرة أقوياء. فقال الحجاج: لله أبوك. ثم أرسله.
وفي مثله: أتي موسى بن المهدي برجل كان قد حبسه فجعل يقرّعه بذنوبه، فقال الرجل: يا أمير المؤمنين، إعتذاري مما تقرّعني به ردّ عليك وإقراري بما تعتدّه عليّ يلزمني ذنبا لم أجنه، ولكني أقول: [طويل]
فإن كنت ترجو بالعقوبة راحة فلا تزهدن عند المعافاة في الأجر
وفي مثله: قال الحسن بن سهل لنعيم بن حازم وقد اعتذر إليه من ذنب عظّمه: على رسلك أيها الرجل، تقدّمت لك طاعة وتأخّرت لك توبة، وليس لذنب بينهما مكان، وما ذنبك في الذنوب بأعظم من عفو أمير المؤمنين في العفو.
وفي الدعاء له: قال رجل لبعض الأمراء: «إني لو كنت أعرف كلاما يجوز ألقى به الأمير غير ما جرى على ألسن الناس، لأحببت أن أبلغ ذلك فيما أدعو به له وأعظّم من أمره، غير أن أسأل الله الذي لا يخفى عليه ما تحتجب به الغيوب من نيات القلوب أن يجعل ما يطّلع عليه مما تبلغه نيتي في إرادته للأمير أدنى ما يؤتيه إياه من عطاياه ومواهبه» .
وفي الدعاء له: قرأت في كتاب رجل من الكتاب «لا زالت أيامك ممدودة بين أمل لك تبلغه وأمل فيك تحقّقه حتى تتملّى من الأعمار أطولها وترقى من الدرجات أفضلها» .
[ ١ / ١٨١ ]
وفي الدعاء: دخل محمد بن عبد الملك «١» بن صالح على المأمون حين قبضت ضياعه فقال: السلام عليك أمير المؤمنين. محمد بن عبد الملك سليل نعمتك وابن دولتك وغصن من أغصان دوحتك، أتأذن له في الكلام؟ قال:
نعم. فتكلّم بعد حمد الله والثناء عليه. فقال: «نستمتع الله لحياطة ديننا ودنيانا ورعاية أدنانا وأقصانا ببقائك يا أمير المؤمنين ونسأله أن يزيد في عمرك من أعمارنا وفي أثرك من آثارنا ويقيك الأذى بأسماعنا وأبصارنا. هذا مقام العائذ بظلّك الهارب إلى كنفك وفضلك الفقير إلى رحمتك وعدلك» ثم تكلّم في حاجته.
وفي شكر السلطان وفي حمده: قدم رجل على سليمان بن عبد الملك في خلافته فقال له: ما أقدمك عليّ؟ فقال: يا أمير المؤمنين، ما أقدمني عليك رغبة ولا رهبة. قال: وكيف ذاك؟ قال: أما الرغبة فقد وصلت إلينا وفاضت في رحالنا وتناولها الأقصى والأدنى منّا، وأما الرّهبة فقد أمنّا بعدلك، يا أمير المؤمنين، علينا وحسن سيرتك فينا من الظلم، فنحن وفد الشكر.
وفي حمده: كتب بعض الكتّاب إلى وزير: «كلّ مدى يبلغه القائل بفضلك والواصف لأيامك والشاكر للنعمة الشاملة بك قصد أمم «٢» عند الفضائل الموفورة لك والمواهب المقسومة للرعية بك، فواجب على من عرف قدر النعمة بك أن يشكرها وعلى من أظله عزّ أيامك أن يستديمه وعلى من حاطته دولتك أن يدعو الله ببقائها ونمائها، فقد جمع الله بك الشّتات وأصلح بها الفساد وقبض الأيدي الجائرة وعطف القلوب النافرة، فأمّنت سرب البريء وخفضت جأشه وأخفت سبل الجاني وأخذت عليه مذاهبه ومطالعه ووقفت
[ ١ / ١٨٢ ]
بالخاصّة والعامة على قصد من السيرة أمنوا بها من العثار والكبوة» .
وفي حضّه على شكر الله، ﷿، قال شبيب بن شيبة «١» للمهدي:
إن الله، ﷿، لم يرض أن يجعلك دون أحد من خلقه، فلا ترض بأن يكون أحد أشكر له منك والسلام.
تم كتاب السلطان، ويتلوه كتاب الحرب
[ ١ / ١٨٣ ]