قال: حدّثني محمد بن خالد بن خداش قال: حدّثنا مسلم بن قتيبة عن شيخ من أهل المدينة قال: قال رجاء بن حيوة: قام عمر بن عبد العزيز ذات ليلة فأصلح من السّراج فقلت: يا أمير المؤمنين، لم لا أمرتني بذلك، أو دعوت له من يصلحه؟ فقال: قمت وأنا عمر وعدت وأنا عمر.
قال: حدّثني أبو حاتم عن الأصمعي قال: كتب محمد بن كعب فانتسب وقال: القرظيّ، فقيل له: أو الأنصاريّ. فقال: أكره أن أمنّ على الله بما لم أفعل.
قال: حدّثني أحمد بن الخليل قال: حدّثنا عبد الله بن مسلمة عن يعقوب بن حمّاد المدني عن عبد الرحمن بن يزيد عن أبيه قال: كان عمر بن الخطاب إذا سافر لا يقوم في الظلّ، وكان يراحلنا رحالنا ويرحّل رحله وحده.
وقال ذات يوم: [سريع]
لا يأخذ الليل عليك بالهمّ إذ البسن له القميص واعتمّ «١»
[ ١ / ٣٧٥ ]
وكن شريك نافع وأسلم ثم اخدم الأقوام حتى تخدم
وروى وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال:
جاء رجل إلى النبيّ ﷺ، فأصابته رعدة فقال النبيّ ﷺ: «هوّن عليك فإنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد» «١» .
قال: حدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ قال: جلس الأحنف على باب دار، فمرّت به ساقية فوضعت قربتها وقالت: يا شيخ، احفظ قربتي حتى أعود ومضت، فأتاه الآذن وقال: انهض. فقال: إن معي وديعة، وأقام حتى جاءت.
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ عن جرير بن حازم عن الزّبير بن الحارث عن أبي لبيد، قال: مرّ بنا زياد وهو أمير البصرة ومعه رجل أو رجلان وهو على بغلة قد طوّق الحبل في عنقها تحت اللجام.
الأصمعيّ قال: قال يحيى بن خالد: الشريف إذا نقّر «٢» تواضع والوضيع إذا نقّر تكبّر. الأصمعيّ قال: لا أراه أخذه إلا من كيس غيره.
حدّثنا حسين بن حسن المروزيّ قال؛ حدّثنا عبد الله بن المبارك عن يحيى بن أيّوب عن عمارة بن غزيّة عن عبد الله بن عروة بن الزّبير قال: إلى الله أشكو حمدي ما لا آتي، وذمّي ما لا أترك.
قال: حدّثني أحمد بن الخليل عن أبي نعيم عن مندل عن حميد عن أنس قال: مرّ النبيّ ﷺ وأنا في غلمان فسلم علينا.
وحدّثني أحمد بن الخليل عن عمر بن عامر عن شعبة عن جابر عن طارق التّيميّ عن جرير بن عبد الله البجليّ قال: مرّ رسول الله ﷺ بنسوة فسلّم عليهن.
[ ١ / ٣٧٦ ]
قال: حدّثنا أبو حاتم عن الأصمعيّ قال: أخبرني معمر قال: قلت لجار لعطاء السّلميّ: من كان يخدم عطاء؟ قال: مخنّثون كانوا في الدار يستقون له وضوءه. فقلت: أيوضّئه مخنّثون! فقال: هو كان يظنهم خيرا منه. الأصمعيّ عن رجل عن البتّي قال: آذى ابن لمحمد بن واسع رجلا، فقال له محمد:
أتؤذيه وأنا أبوك وإنما اشتريت أمّك بمائة درهم.
قال عامر بن الظّرب العدوانيّ: يا معشر عدوان، إن الخير ألوف عروف عزوف، وإنه لن يفارق صاحبه حتى يفارقه، وإني لم أكن حكيما حتى صحبت الحكماء، ولم أكن سيدكم حتى تعبّدت لكم. قال عروة بن الزبير:
التواضع أحد مصايد الشرف. كان يقال: اسمان متضادّان بمعنى واحد:
التواضع والشرف. وقال بزرجمهر: ثمرة القناعة الراحة، وثمرة التواضع المحبة. وقال الوليد: خدمة الرجل أخاه شرف. وقال عبد الله «١» بن طاهر:
[وافر]
أميل مع الذّمام على ابن عمّي وأحتمل الصديق على الشقيق
وإن ألفيتني ملكا مطاعا فإنك واجدي عبد الصديق
أفرّق بين معروفي ومنّي وأجمع بين مالي والحقوق
وقال آخر: [طويل]
وإني لعبد الضّيف من غير ذلّة وما فيّ إلّا تلك من شيمة العبد «٢»
[ ١ / ٣٧٧ ]
ويقال: كلّ نعمة محسود عليها إلّا التواضع. قال المسيح ﵇ لأصحابه: إذا اتّخذكم الناس رؤوسا فكونوا أذنابا. اعتمّ هشام بن عبد الملك فقام الأبرش ليسوّي عمامته، فقال هشام: مه إنا لا نتخذ الإخوان خولا. كان عمر بن الخطاب يلقط النّوى ويأخذ النّكث من الطريق، فإذا مرّ بدار رمى بها فيها وقال: انتفعوا بهذا.
قال يوسف بن أسباط: يجزي قليل الورع من كثير العلم، ويجزي قليل التواضع من كثير الاجتهاد. وقال بكر بن عبد الله: إذا رأيت أكبر منك فقل:
سبقني بالإسلام والعمل الصالح فهو خير منّي، وإذا رأيت أصغر منك فقل:
سبقته بالذنوب والمعاصي فهو خير منّي، وإذا رأيت إخوانك يكرمونك فقل:
نعمة أحدثوها، وإذا رأيت منهم تقصيرا فقل: بذنب أحدثته. قال عبد الملك ابن مروان: أفضل الرجال من تواضع عن رفعة، وزهد عن قدرة، وأنصف عن قوّة. قال ابن السّمّاك لعيسى بن موسى: تواضعك في شرفك خير لك من شرفك. وقال عبد الملك بن مروان: ثلاثة من أحسن شيء: جود لغير ثواب، ونصب «١» لغير دنيا، وتواضع لغير ذلّ.
قال إبراهيم النّخعيّ: كان رسول الله ﷺ يجيب دعوة العبد ويركب الحمار ردفا. الأعمش عن أنس: كان رسول الله ﷺ يدعى إلى خبز الشعير والإهالة السّنخة «٢» فيجيب. قال غيره: وكان لا يأكل متّكئا ويأكل بالحضيض، ويقول: «إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد» قال أوس ابن الحدثان: رأيت أبا هبيرة وهو أمير المدينة راكبا على حمار عري يقول: الطريق الطريق، قد جاء الأمير. قال حفص بن غياث: رأيت الأعمش خارجا إلى العيد على حمار
[ ١ / ٣٧٨ ]
مقطوع الذنب قد سدل رجليه من جانب. المدائنيّ قال: بينا عمر بن الخطاب ﵁ على المنبر إذ أحسّ من نفسه بريح خرجت منه، فقال: أيها الناس إني قد ميّلت بين أن أخافكم في الله وبين أن أخاف الله فيكم، فكان أن أخاف الله فيكم أحبّ إليّ، ألا وإني قد فسوت، وهأنذا أنزل لأعيد الوضوء. كان يقال: من لم يستح من الحلال قلّت كبرياؤه وخفّت موازينه.
قال معاوية: ما منا أحد إلا فتّش عن جائفة أو منقّلة «١» خلا عمر بن الخطاب.
المنقّلة الشجة التي يخرج منها العظام، والجائفة التي تبلغ جوف الدماغ.
يحيى بن آدم عن محمد بن طلحة عن أبي حمزة قال: قال إبراهيم: لقد تكلّمت ولو وجدت بدّا ما تكلمت، وإنّ زمانا تكلمت فيه لزمان سوء. كان رجل من خثعم ردي فقال في نفسه: [كامل]
لو كنت أصعد في التكرّم والعلا كتحدّري أصبحت سيّد خثعم
فباد أهل بيته حتى ساد فقال: [كامل]
خلت الدّيار فسدت غير مسوّد ومن الشّقاء تفرّدي بالسؤّدد
أنشدني أبو حاتم عن الأصمعيّ في مثله: [طويل]
إنّ بقوم سوّدوك لحاجة إلى سيّد لو يظفرون بسيّد
قال يحيى بن خالد: لست ترى أحدا تكبّر في إمارته إلّا وهو يعلم أن الذي نال فوق قدره، ولست ترى أحدا يضع نفسه في إمارة إلّا وهو في نفسه أكثر مما نال في سلطانه. ومثله، قيل لعبيد الله بن بسّام: فلان غيرّته الإمارة، فقال: إذا ولي الرجل ولاية فرآها أكثر منه تغيّر، وإذا ولي ولاية يرى أنه أكثر منها لم يتغيّر. ويقال: التواضع مع السخافة والبخل أحمد من السخاء والأدب مع الكبر، فأعظم بنعمة عفّت من صاحبها بسيّئتين، وأقبح بسيئة حرمت
[ ١ / ٣٧٩ ]
صاحبها حسنتين. وفي بعض كتب العجم: علامة الأحرار، أن يلقوا بما يحبون ويحرموا أحبّ إليهم من أن يلقوا بما يكرهون ويعطوا؛ فانظر إلى خلّة أفسدت مثل الجود فاجتنبها، وانظر إلى خلّة عفّت مثل البخل فالزمها. كان يقال: الشرف في التواضع، والعزّ في التّقوى، والغنى في القناعة. أبو الحسن قال: خطب سلمان إلى عمر فأجمع على تزويجه، فشقّ ذلك على عبد الله ابن عمر وشكاه إلى عمرو بن العاص فقال: أنا أردّه عنك، فقال: إن رددته بما يكره أغضبت أمير المؤمنين، قال: عليّ أن أردّه عنك راضيا، فأتى سلمان فضرب بين كتفيه بيده، ثم قال: هنيئا لك أبا عبد الله، هذا أمير المؤمنين يتواضع بتزويجك، فالتفت إليه مغضبا وقال، أبي يتواضع! والله لا أتزوّجها أبدا. وقال المرّار بن منقذ العدويّ «١»: [بسيط]
يا حبّذا، حين تمسي الريح باردة وادي أشيّ وفتيان به هضم «٢»
مخدّمون، كرام في مجالسهم، وفي الرحال، إذا لاقيتهم، خدم
وما أصاحب قوما ثم أذكرهم إلّا يزيدهمو حبّا إليّ هم «٣»
ابن المبارك عن ذرّ عن الشعبيّ قال: ركب زيد بن ثابت، فدنا عبد الله
[ ١ / ٣٨٠ ]
ابن عباس ليأخذ بركابه، فقال: لا تفعل يا ابن عمّ رسول الله، فقال: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا. فقال زيد: أرني يدك، فأخرج يده فقبّلها زيد، ثم قال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبيّنا ﵇. قال عبد الله بن مسعود: رأس التواضع أن تبدأ من لقيت بالسّلام، وأن ترضى بالدّون من المجلس. ابن أبي الزّناد عن أبيه أن العبّاس بن عبد المطّلب لم يمرّ قطّ بعمر ولا بعثمان وهما راكبان إلّا ترجّلا حتى يجوزهما إجلالا له أن يمرّ وهما راكبان وهو يمشي. كان سلمان يتعوّذ بالله من الشيطان والسلطان والعلج «١» إذا استعرب. المدائنيّ قال؛ سلّم رجل على حسّان بن أبي سنان فدعا له، فقيل: أتدعو لمثل هذا! فقال: إن مما يفضلني به أن يرى أنّى خير منه. قال عبد الله بن شدّاد: أربع من كنّ فيه فقد برىء من الكبر: من اعتقل العنز، وركب الحمار «٢»، ولبس الصوف، وأجاب دعوة الرجل الدّون.