قال: حدّثني الزّياديّ قال: حدّثنا حمّاد بن زيد عن هشام عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ: «أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم كان إذا خرج من منزله قال: اللهم، إنّي قد تصدّقت بعرضي على عبادك» .
حدّثنا زياد بن يحيى قال: حدّثنا بشر بن المفضّل عن يونس عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الغضب جمرة توقد في جوف ابن آدم، ألم تروا إلى حمرة عينيه وانتفاخ أوداجه» «١» . قال: حدّثني أحمد بن الخليل قال:
حدّثني عبد الله بن رجاء عن إسرائيل عن أبي حصين عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رجل: يا رسول الله أوصني، فقال: لا تغضب، ثم أعاد عليه فقال: لا تغضب، ثم أعاد عليه فقال: لا تغضب. قال: حدّثني أحمد بن الخليل قال: حدّثني عبد الله بن نافع عن مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيّب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «ليس الشديد بالصّرعة «٢» إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» . قال: حدّثنا حسين بن الحسن المروزيّ، قال: حدّثنا عبد الله بن المبارك قال: حدّثنا حبيب بن حجر القيسيّ قال: كان يقال: ما أحسن الإيمان يزينه العلم وما أحسن العلم يزينه
[ ١ / ٣٩٦ ]
العمل وما أحسن العمل يزينه الرفق، وما أضيف شيء إلى شيء أزين من حلم إلى علم ومن عفو إلى مقدرة. وكان يقال: من حلم ساد ومن تفهّم ازداد.
والعرب تقول: أحلم تسد. وقال: سمّي الله يحيى سيدا بالحلم. وقال عبد الملك بن صالح: الحلم يحيا بحياة السّؤدد. أغلظ رجل لمعاوية فحلم عنه، فقيل له: تحلم عن هذا! فقال: إنّي لا أحول بين الناس وبين ألسنتهم ما لم يحولوا بيننا وبين سلطاننا. شتم رجل الأحنف وألحّ عليه، فلما فرغ قال له:
يا ابن أخي، هل لك في الغداء؟ فإنك منذ اليوم تحدو بجمل ثفال «١» .
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن بكر المزنيّ قال: جاء رجل فشتم الأحنف فسكت عنه، وأعاد فسكت، فقال:
والهفاه! ما يمنعه من أن يردّ عليّ إلّا هواني عليه.
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ قال: أخبرنا عبد الله بن صالح من آل حارثة بن لأم، قال: نزلت برجل من بني تغلب فأتاني بقرى فانفلت منّي فقلت: [كامل]
والتّغلبيّ إذا تنحنح للقرى حكّ استه وتمثّل الأمثالا
فانقبضت فقال: كل أيها الرجل فإنما قلت كلمة مقولة.
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ، قال: أسمع رجل الشعبيّ كلاما فقال له الشعبيّ: إن كنت صادقا فغفر الله لي وإن كنت كاذبا فغفر الله لك. ومرّ بقوم ينتقصونه فقال: [طويل]
هنيئا مريئا غير داء مخامر لعزّة من أعراضنا ما استحلّت
[ ١ / ٣٩٧ ]
واستطال رجل على أبي معاوية الأسود فقال: أستغفر الله من الذنب الذي سلّطت به عليّ. قال معاوية: إني لأرفع نفسي أن يكون ذنب أوزن من حلمي. وقال معاوية لأبي جهم «١» العدويّ: أنا أكبر أم أنت يا أبا جهم؟ قال:
لقد أكلت في عرس أمك هند، قال: عند أيّ أزواجها؟ قال: عند حفص بن المغيرة، قال: يا أبا جهم، إياك والسلطان فإنه يغضب غضب الصبيّ ويعاقب عقوبة الأسد، وإنّ قليله يغلب كثير الناس. وأبو الجهم هذا هو القائل في معاوية: [وافر]
نميل على جوانبه كأنّا إذا ملنا نميل على أبينا
نقلّبه لنخبر حالتيه فنخبر منهما كرما ولينا
سمع الأحنف رجلا ينازع رجلا في أمر فقال له الأحنف: لا أحسبك إلا ضعيفا فيما تحاول، فقال الرجل: ما على ظنّك خرجت من عند أهلي، فقال الأحنف لأمر ما قيل: إحذروا الجواب. جعل رجل جعلا لرجل على أن يقوم إلى عمرو بن العاص يسأله عن أمّه، فقام إليه وهو يخطب على منبر تنّيس، فقال له: أيها الرجل أخبرنا من أمّك، فقال: كانت امرأة من عنزة أصيبت بأطراف الرّماح فوقعت في سهم الفاكه بن المغيرة فاشتراها أبي فوقع عليها، إنطلق وخذ ما جعل لك على هذا. قال الشاعر: [بسيط]
قل ما بدا لك من زور ومن كذب حلمي أصمّ وأذني غير صمّاء
نظر معاوية إلى ابنه يزيد وهو يضرب غلاما له، فقال له: أتفسد أدبك بأدبه فلم ير ضاربا غلاما له بعد ذلك. قيل ليحيى بن خالد: إنك لا تؤدّب
[ ١ / ٣٩٨ ]
غلمانك ولا تضربهم، قال: هم أمناؤنا على أنفسنا فإذا نحن أخفناهم فكيف نأمنهم. وكان يقال: «الحليم مطيّة الجهول» . وذكر أعرابيّ رجلا فقال: كان أحلم من فرخ طائر. وفي الإنجيل: كونوا حلماء كالحيات وبلهاء كالحمام.
قال بعض الشعراء: [بسيط]
إني لأعرض عن أشياء أسمعها حتى يقول رجال إنّ بي حمقا
أخشى جواب سفيه لا حياء له فسل «١»، وظنّ أناس أنه صدقا
قال الأحنف: من لم يصبر على كلمة سمع كلمات وربّ غيظ قد تجرّعته مخافة ما هو أشدّ منه. قال أكثم بن صيفيّ: العزّ والغلبة للحلم. وقال عليّ بن أبي طالب ﵇: أوّل عوض الحليم من حلمه أنّ الناس أنصاره على الجهول. وقال المنصور: عقوبة الحلماء التّعريض، وعقوبة السّفهاء التصريح.
قال: حدّثني سهيل قال: حدّثنا الأصمعيّ قال: بلغني أن رجلا قال لآخر: والله لئن قلت واحدة لتسمعنّ عشرا، فقال له الآخر: لكنك إن قلت عشرا لم تسمع واحدة. قال: وبلغني أن رجلا شتم عمر بن ذرّ فقال له: يا هذا، لا تغرق في شتمنا ودع للصلح موضعا، فإنّي أمتّ مشاتمة الرجال صغيرا ولن أحييها كبيرا، وإني لا أكافىء من عصى الله فيّ بأكثر من أن أطيع الله فيه. وقال بعض المحدثين: [وافر]
وإنّ الله ذو حلم ولكن بقدر الحلم ينتقم الزّنيم «٢»
لقد ولّت بدولتك الليالي وأنت معلق فيها ذميم
[ ١ / ٣٩٩ ]
وزالت لم يعش فيها كريم ولا استغنى بثروتها عديم
فبعدا لا انقضاء له وسحقا فغير مصابك الحدث العظيم
المدائني قال: كان شبيب بن شيبة يقول: من سمع كلمة يكرهها فسكت عنها انقطع عنه ما يكره، فإن أجاب عنها سمع أكثر مما يكره، وكان يتمثّل بهذا البيت: [طويل]
وتجزع نفس المرء من وقع شتمة ويشتم ألفا بعدها ثم يصبر
قاتل الأحنف في بعض المواطن قتالا شديدا، فقال له رجل: يا أبا بحر، أين الحلم قال: عند الحبى. وقال مسلم «١» بن الوليد: [طويل]
حبى لا يطير الجهل في جنباتها إذا هي حلّت لم يفت حلّها ذحل
أغضب زيد بن جبلة الأحنف، فوثب إليه فأخذ بعمامته وتناصبا، فقيل للأحنف: أين الحلم اليوم! فقال: لو كان مثلي أو دوني لم أفعل هذا به. كان يقال: آفة الحلم الضّعف. وقال الجعديّ «٢»: [طويل]
ولا خير في حلم إذا لم تكن له بوادر تحمي صفوه أن يكدّرا
وقال إياس بن قتادة: [طويل]
تعاقب أيدينا ويحلم رأينا ونشتم بالأفعال لا بالتكلّم
وأنشد الرّياشيّ: [رجز]
إني امرؤ يذبّ عن حريمي حلمي وتركي اللّوم للّئيم
والعلم أحمى من يد الظّلوم
[ ١ / ٤٠٠ ]
وقال الأحنف: أصبت الحلم أنصر لي من الرجال. قال أبو اليقظان:
كان المتشمّس بن معاوية عمّ الأحنف يفضل في حلمه على الأحنف قبل، فأمره أبو موسى أن يقسم خيلا في بني تميم فقسمها، فقال رجل من بني سعد: ما منعك أن تعطيني فرسا ووثب عليه فمرش «١» وجهه، فقام إليه قوم ليأخذوه، فقال: دعوني وإياه، إني لا أعان على واحد، ثم انطلق به إلى أبي موسى، فلما رآه أبو موسى سأله عما بوجهه فقال: دع هذا ولكن ابن عمّي ساخط فاحمله على فرس، ففعل.
قيل للأحنف: ما أحلمك قال: تعلّمت الحلم من قيس «٢» بن عاصم المنقري، بينا هو قاعد بفنائه محتب بكسائه، أتته جماعة فيهم مقتول ومكتوف وقيل له: هذا ابنك قتله ابن أخيك، فوالله ما حلّ حبوته حتى فرغ من كلامه، ثم التفت إلى ابن له في المجلس، فقال له: قم فأطلق عن ابن عملك ووار أخاك واحمل إلى أمه مائة من الإبل فإنها غريبة، ثم أنشأ يقول:
[طويل]
إني امرؤ لا شائن حسبي دنس يغيّره ولا أفن
من منقر في بيت مكرمة والغصن ينبت حوله الغصن
خطباء حين يقول قائلهم بيض الوجوه، أعفّة لسن
لا يفطنون لعيب جارهم وهموا لحفظ جواره فطن «٣»
ثم أقبل على القاتل فقال: قتلت قرابتك، وقطعت رحمك، وأقللت
[ ١ / ٤٠١ ]
عددك، لا يبعد الله غيرك. وفي قيس بن عاصم يقول عبدة بن الطّبيب «١»، إسلاميّ: [طويل]
عليك سلام الله قيس بن عاصم ورحمته ما شاء أن يترحّما
تحيّة من ألبسته منك نعمة إذا زار عن شحط بلادك سلّما
وما كان قيس هلكه هلك واحد ولكنّه بنيان قوم تهدّما
وقال الأحنف: لقد اختلفنا إلى قيس بن عاصم في الحلم كما نختلف إلى الفقهاء في الفقه. شتم رجل الأحنف وجعل يتبعه حتى بلغ حيّه، فقال الأحنف: يا هذا، إن كان بقي في نفسك شيء فهاته وانصرف لا يسمعك بعض سفهائنا فتلقى ما تكره. شتم رجل الحسن وأربى عليه، فقال له: أمّا أنت فما أبقيت شيئا، وما يعلم الله أكثر. قال بعض الشعراء: [بسيط]
لن يدرك المجد أقوام وإن كرموا حتّى يذلّوا- وإن عزّوا- لأقوام
ويشتموا فترى الألوان مشرقة لا صفح ذلّ ولكن صفح أحلام
قال: حدّثني أبو حاتم عن الأصمعي قال: لا يكاد يجتمع عشرة إلا وفيهم مقاتل وأكثر، ويجتمع ألف ليس فيهم حليم. ابن عيينة قال: كان عروة ابن الزّبير إذا أسرع إليه رجل بشتم أو قول سيّء لم يجبه وقال: إنّي أتركك رفعا لنفسي عنك، فجرى بينه وبين عليّ بن عبد الله كلام، فأسرع إليه، فقال له عليّ: خفّض عليك أيها الرجل فإنّي أتركك اليوم لما كنت تترك له الناس.
قال: حدثني أبو حاتم عن الأصمعي قال: قال رجل: لمثل هذا اليوم كنت أدع الفحش على الرجال، فقال له خصمه: فإنّي أدع الفحش عليك
[ ١ / ٤٠٢ ]
اليوم لما تركته أنت له قبل اليوم. وأغلظ عبد لسيده، فقال: إني أصبر لهذا الغلام على ما ترون لأروض نفسي بذلك، فإذا صبرت للمملوك على المكروه كانت لغير المملوك أصبر.
كلّم عمر بن عبد العزيز رجلا من بني أميّة وقد ولدته نساء بني مرّة فعاب عليه جفاء رآه منه، فقال: قبّح الله شبها غلب عليك من بنيّ مرّة، وبلغ ذلك عقيل بن علّفة المرّيّ وهو بجنفاء من المدينة على أميال في بلد بني مرّة، فركب حتى قدم على عمر وهو بدير سمعان، فقال: هيه يا أمير المؤمنين! بلغني أنك غضبت على فتى من بني أبيك، فقلت: قبح الله شبها غلب عليك من بني مرّة، وإني أقول: قبّح الله ألأم طرفيه، فقال عمر: دع، ويحك، هذا وهات حاجتك. فقال: والله ما لي حاجة غير حاجته، وولّى راجعا من حيث جاء، فقال عمر: يا سبحان الله! من رأى مثل هذا الشيخ؟
جاء من جنفاء ليس إلّا يشتمنا ثم انصرف! فقال له رجل من بني مرّة: إنه والله يا أمير المؤمنين ما شتمك وما شتم إلا نفسه، نحن والله ألأم طرفيه.
المدائني قال: لما عزل الحجاج أمية بن عبد الله عن خراسان أمر رجلا من بني تميم فعابه بخراسان وشنّع عليه، فلما قفل لقيه التميميّ فقال: أصلح الله الأمير لا تلمني فإني كنت مأمورا، فقال: يا أخا بني تميم أو حدّثتك نفسك أنّي وجدت عليك؟ قال: قد ظننت ذاك، قال: إن لنفسك عندك قدرا!. كان يقال: طيّروا دماء الشباب في وجوههم. ويقال: الغضب غول الحلم. ويقال: القدرة تذهب الحفيظة. وكتب كسرى أبرويز إلى ابنه شيرويه من الحبس: إن كلمة منك تسفك دما، وإنّ كلمة أخرى منك تحقن دما، وإن سخطك سيوف مسلولة على من سخطت عليه، وإنّ رضاك بركة مستفيضة على من رضيت عنه، وإنّ نفاذ أمرك مع ظهور كلامك، فاحترس في غضبك
[ ١ / ٤٠٣ ]
من قولك أن يخطىء ومن لونك أن يتغيّر ومن جسدك أن يخفّ، وإن الملوك تعاقب قدرة وحزما، وتعفو تفضّلا وحلما، ولا ينبغي للقادر أن يستخفّ ولا للحليم أن يزهو، وإذا رضيت فأبلغ بمن رضيت عنه يحرص من سواه على رضاك، وإذا سخطت فضع من سخطت عليه يهرب من سواه من سخطك، وإذا عاقبت فانهك «١» لئلا يتعرّض لعقوبتك، واعلم أنك تجلّ عن الغضب وأن غضبك يصغر عن ملكك، فقدّر لسخطك من العقاب كما تقدّر لرضاك من الثواب. قال محمد «٢» بن وهيب: [طويل]
لئن كنت محتاجا إلى الحلم إنني إلى الجهل في بعض الأحايين أحوج
ولي فرس للحلم بالحلم ملجم ولي فرس للجهل بالجهل مسرج
فمن رام تقويمي فإني مقوّم ومن رام تعويجي فإني معوّج
وما كنت أرضى الجهل خدنا «٣» وصاحبا ولكنني أرضى به حين أخرج
ألا ربّما ضاق الفضاء بأهله وأمكن من بين الأسنّة مخرج
وإن قال بعض الناس فيه سماجة فقد صدقوا، والذلّ بالحرّ أسمج
وقال ابن المقفع: لا ينبغي للملك أن يغضب لأن القدرة من وراء حاجته، ولا يكذب لأنه لا يقدر أحد على استكراهه على غير ما يريد، ولا يبخل لأنه لا يخاف الفقر، ولا يحقد لأن خطره قد جلّ عن المجازاة. قال سويد بن الصامت «٤»:
[ ١ / ٤٠٤ ]
[كامل]
إني إذا ما الأمر بيّن شكّه وبدت بصائره لمن يتأمّل
أدع التي هي أرفق الحالات بي عند الحفيظة للتي هي أجمل
أتى عمر بن عبد العزيز رجل كان واجدا عليه، فقال: لولا أني غضبان لعاقبتك، وكان إذا أراد أن يعاقب رجلا حبسه ثلاثة أيام، فإذا أراد بعد ذلك أن يعاقبه عاقبه، كراهة أن يعجل عليه في أوّل غضبه. وأسمعه رجل كلاما فقال له: أردت أن يستفزّني الشيطان بعزّ السلطان فأنال منك اليوم ما تناله منّي غدا، انصرف رحمك الله.
قال لقمان الحكيم: ثلاث من كنّ فيه فقد استكمل الإيمان: من إذا رضي لم يخرجه رضاه إلى الباطل، وإذا غضب لم يخرجه غضبه من الحق، وإذا قدر لم يتناول ما ليس له. وقال لابنه: إن أردت أن تؤاخي رجلا فأغضبه، فإن أنصفك في غضبه وإلّا فدعه.
خطب معاوية يوما فقال له رجل: كذبت، فنزل مغضبا فدخل منزله، ثم خرج عليهم تقطر لحيته ماء، فصعد المنبر فقال: أيها الناس، إنّ الغضب من الشيطان، وإن الشيطان من النار، فإذا غضب أحدكم فليطفئه بالماء، ثم أخذ في الموضع الذي بلغه من خطبته. وفي الحديث المرفوع: «إذا غضب أحدكم فإن كان قائما فليقعد وإن كان قاعدا فليضطجع» . وقال الشاعر: [بسيط]
احذر مغايظ أقوام ذوي أنف إن المغيظ جهول السيف مجنون
وقال عمر بن عبد العزيز: متى أشفي غيظي؟ أحين أقدر فيقال لي: لو عفوت، أو حين أعجز فيقال لي: لو صبرت؟. والعرب تقول: «إن الرّثيئة مما
[ ١ / ٤٠٥ ]
يفثأ الغضب» «١» والرثيئة اللبن الحامض يصبّ عليه الحليب، وهو أطيب اللبن.
كان المنصور ولّى سلم بن قتيبة البصرة وولى مولى له كور البصرة والأبلّة «٢»، فورد كتاب مولاه أنّ سلما ضربه بالسّياط، فاستشاط المنصور وقال:
عليّ تجرّأ سلم! لأجعلنّه نكالا، فقال ابن عيّاش- وكان جريئا عليه-: يا أمير المؤمنين، إن سلما لم يضرب مولاك بقوّته ولا قوّة أبيه، ولكنك قلّدته سيفك وأصعدته منبرك، فأراد مولاك أن يطأطىء منه ما رفعت ويفسد ما صنعت، فلم يحتمل ذلك. يا أمير المؤمنين، إنّ غضب العربيّ في رأسه، فإذا غضب لم يهدأ حتى يخرجه بلسان أو يد، وإن غضب النّبطي في استه، فإذا غضب وخرىء «٣» ذهب غضبه، فضحك أبو جعفر وقال: فعل الله بك يا منتوف وفعل، فكفّ عن سلم.
كان يقال: إياك وعزّة الغضب فإنها مصيّرتك إلى ذلّ الاعتذار. قال بعض الشعراء: [بسيط]
الناس بعدك قد خفّت حلومهم كأنما نفخت فيها الأعاصير
أبو بكر بن عيّاش عن الأعمش قال: كنت مع رجل فوقع في إبراهيم.
فأتيت إبراهيم فأخبرته وقلت: والله لهممت به، فقال: لعلّ الذي غضبت له لو سمعه لم يقل شيئا.
[ ١ / ٤٠٦ ]