قال الشعبيّ لرجل استجهله: ما أحوجك إلى محدرج شديد الفتل جيّد الجلاز عظيم الثمرة لدن المهزّة يأخذ منك فيما بين عجب الذّنب «٤» ومغرز العنق فتكثر له رقصاتك من غير جذل؛ فقال: وما هذا؟ فقال: بعض الأمر.
قال: حدّثني القومسيّ عن محمد بن الصّلت الأسديّ عن أحمد بن بشير عن الأعمش عن سلمة بن كهيل عن عطاء عن جابر قال: كان في بني إسرائيل رجل له حمار، فقال يا ربّ، لو كان لك حمار لعلفته مع حماري هذا؛ فهمّ به نبيّ، فأوحى الله إليه: إنما أثيب كلّ إنسان على قدر عقله.
[ ٢ / ٤٥ ]
حدّثني محمد بن خالد بن خداش عن أبيه عن حمّاد بن زيد عن هشام ابن حسّان عن محمد بن سيرين أنّ رجلا رأى في المنام أنّ له غنما وكأنه يعطى بها ثمانية ثمانية، ففتح عينه فلم ير شيئا، فغمّض عينه ومدّ يده وقال:
هاتوا أربعة أربعة.
مرّ رجل من العبّاد وعلى عنقه عصا في طرفيها زبيلان «١» قد كادا يحطمانه، في أحدهما برّ وفي الآخر تراب، فقيل له: ما هذا؟ قال: عدلت البرّ بهذا التراب، لأنه كان قد أمالني في أحد جانبيّ فأخذ رجل زبيل التراب فقلبه وجعل البرّ نصفين في الزبيلين وقال له: احمل الآن؛ فحمله، فلما رآه خفيفا قال: ما أعقلك من شيخ! حفر أعرابيّ لقوم قبرا في أيام الطاعون بدرهمين، فلما أعطوه الدرهمين قال: بأبي دعوهما عندكم حتى يجتمع لي ثمن ثوب. كانت أمّ عمرو بنت جندب بن عمرو بن جمعة السّدوسيّ عند عثمان بن عفّان، وكانت حمقاء تجعل الخنفساء في فيها ثم تقول: حاجيتك ما في فمي؟ وهي أمّ عمرو وأبان ابني عثمان.
إبراهيم بن المنذر قال: حدّثنا زيد بن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جدّه قال: رأيت طارقا وهو وال لبعض الخلفاء من بني أميّة على المدينة يدعو بالغداء فيتغدّى على منبر رسول الله ﷺ، ويكون فيه العظم الممخّ فينكته على رمّانة المنير فيأكله.
قال أمّ غزوان الرّقاشيّ لابنها- ورأته يقرأ في المصحف-: يا غزوان،
[ ٢ / ٤٦ ]
أما تجد فيه بعيرا لنا ضلّ في الجاهليّة؟ فما كهرها «١» وقال: يا أمّه، أجد والله فيه وعدا حسنا ووعيدا شديدا.
سفيان بن عيينة عن أيوب بن موسى قال: قال ابن أبي عتيق لرجل: ما اسمك؟ قال: وثّاب؛ قال: فما كان اسم كلبك؟ قال: عمرو؛ قال:
واخلافاه! قال أبو الدّرداء: علامة الجاهل ثلاث: العجب، وكثرة المنطق فيما لا يعنيه، وأن ينهى عن شيء ويأتيه. أغمي على رجل من الأزدفصاح النساء واجتمع الجيران وبعث أخوه إلى غاسل الموتى فجاء فوجده حيّا بعد: فقال أخوه: اغسله فإنك لا تفرغ من غسله حتى يقضي. وقال أردشير: بحسبكم دلالة على عيب الجهل أنّ كلّ إنسان ينتفي منه ويغضب إذا نسب إليه. وكان يقال: لا يغرّنّك من الجاهل قرابة ولا أخوّة ولا إلف فإنّ أحقّ الناس بتحريق النار أقربهم منها.
قال عمر بن عبد العزيز: خصلتان لا تعدمانك من الجاهل: كثرة الإلتفات وسرعة الجواب. وقال عمر بن الخطاب: إيّاك ومؤاخاة الأحمق فإنه يريد أن ينفعك فيضرّك. وقال بعضهم: لأن أزاول أحمق أحبّ إليّ من أن أزاول نصف أحمق، يعني الأحمق المتعاقل. وقال هشام بن عبد الملك:
يعرف حمق الرجل بأربعة: بطول لحيته، وبشناعة كنيته، ونقش خاتمه، وإفراط شهوته؛ فدخل عليه ذات يوم شيخ طويل العثنون «٢»، فقال هشام: أمّا هذا فقد جاء بواحدة، فانظروا أين هو من الثلاث؛ فقيل له: ما كنيتك؟ فقال:
[ ٢ / ٤٧ ]
أبو الياقوت؛ وقالوا: ما نقش خاتمك؟ قال: وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ «١»
. وفي حكاية أخرى وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ
«٢»؛ فقيل له: أيّ الطعام تشتهي؟ فقال: جلنجبين «٣»، وفي حكاية أخرى مصاصة «٤» .
سمع عمر بن عبد العزيز رجلا ينادي رجلا: يا أبا العمرين، فقال: لو كان له عقل كفاه أحدهما. وقال أبو العاج يوما لجلسائه- وكان يلي واسط-:
إنّ الطويل لا يخلو من أن يكون فيه إحدى ثلاث: أن يفرق الكلاب، أو يكون في رجله قرحة، أو يكون أحمق، وما زلت وأنا صغير في رجلي قرحة، وما فرق الكلاب أحد فرقي، وأما الحمق فأنتم أعلم بواليكم. ويقال: الأحمق أعلم بشأنه من العاقل بشأن غيره. وقال بشّار: [طويل]
خليليّ إن العسر سوف يفيق وإنّ يسارا في غد لخليق
وما كنت إلا كالزمان إذا صحا صحوت وإن ماق الزمان أموق «٥»
ذريني أشب همّي براح فإنّني أرى الدهر فيه كربة ومضيق
وقال رجل: فلان إلى من يداوي عقله أحوج منه إلى من يداوي بدنه.
قيل لبعض الحكماء: متى يكون الأدب شرّا من عدمه؟ قال: إذا كثر الأدب ونقص العقل.
[ ٢ / ٤٨ ]
وقرأت في كتاب للهند: من الحمق التماس الرجل الإخوان بغير وفاء، والأجر بالرياء، ومودّة النساء بالغلظة، ونفع نفسه بضرّ غيره، والعلم والفضل بالدّعة والخفض. وفيه: ثلاثة يهزأ بهم: مدّعي الحرب ولقاء الزّحوف وشدّة النّكاية في الأعداء وبدنه سليم لا أثر به، ومنتحل علم الدّين والاجتهاد في العبادة وهو غليظ الرقبة أسمن من الأثمة، والمرأة الخليّة تعيب ذات الزوج.
وفيه: من يعمل بجهل خمسة: مستعمل الرّماد في جنّته بدلا من الزّبل، ومظهر مستور عورته، والرجل يتزيّا بزيّ المرأة والمرأة تتزيّا بزيّ الرجل، والمتمّلك في بيت مضيفه، والمتكلّم بما لا يعنيه ولا يسأل عنه. وفيه: الأدب يذهب عن العاقل السّكر ويزيد الأحمق سكرا، كما أن النهار يزيد كلّ ذي بصر بصرا ويزيد الخفافيش سوء بصر. وكانوا يكرهون أن يزيد منطق الرجل على عقله.
قال الشاعر في جاهل: [منسرح]
ما لي أرى الناس يأخذون ويع طون ويستمتعون بالنّشب «١»
وأنت مثل الحمار أبهم لا تشكو جراحات ألسن العرب
سمع الأحنف رجلا يقول: ما أبالي أمدحت أم هجيت، فقال الأحنف:
إسترحت من حيث تعب الكرام.
كان عامر بن كريز أبو عبد الله بن عامر من حمقى قريش، نظر إلى ابنه عبد الله وهو يخطب فأقبل على رجل إلى جانبه وقال: إنه والله خرج من هذا وأشار إلى ذكره «٢» .
[ ٢ / ٤٩ ]
ومن حمقى قريش العاص بن هشام أخو أبي جهل وكان أبو لهب قامره فقمره ماله ثم داره ثم قليله وكثيره وأهله ونفسه فاتّخذه عبدا وأسلمه قينا، فلما كان يوم بدر بعث به عن نفسه فقتل ببدر كافرا، قتله عمر بن الخطاب، وكان خال عمر. ومن حمقى قريش الأحوص بن جعفر بن عمرو بن حريث، قال له يوما مجالسوه: ما بال وجهك أصفر! أتشتكي شيئا؟ وأعادوا عليه ذلك، فرجع إلى أهله يلومهم ويقول لهم: أنا شاك ولا تعلمونني! ألقوا عليّ الثياب وابعثوا إلى الطبيب. وتمارض مرة فعاده أصحابه وجعل لا يتكلم، فدخل شراعة بن عبيد الله بن الزّندبوذ وكان أملح أهل الكوفة، فعرف أنه متمارض فقال: يا فلان، كنا أمس بالحيرة فأخذنا الخمر ثلاثين قنّينة بدرهم، والخمر يومئذ ثلاث قنانيّ بدرهم، فرفع الأحوص رأسه وقال: كذا منيّ في كذا من أمّ الكاذب، واستوى جالسا، فنثر أهله على شراعة السكّر؛ فقال له شراعة: اجلس لا جلست وهات شرابك، فشربا يومهما.
ومن حمقى قريش بكّار بن عبد الملك بن مروان، وكان أبو هـ ينهاه أن يجالس خالد بن يزيد بن معاوية لما يعرف من حمق ابنه، فجلس يوما إلى خالد، فقال بكّار: أنا والله كما قال الأوّل: [بسيط]
مردّد في بني اللّخناء ترديدا
وكان له باز فقال لصاحب الشّرطة: أغلق أبواب المدينة لئلا يخرج البازي.
ومن حمقى قريش معاوية بن مروان أخو عبد الملك بن مروان. بينا هو واقف بباب دمشق ينتظر عبد الملك على باب طحّان نظر إلى حمار الطّحان بدوّر الرحا وفي عنقه جلجل، فقال للطحان: لم جعلت في عنق الحمار
[ ٢ / ٥٠ ]
جلجلا؟ فقال: ربما أدركتني سامة أو نعسة فإذا لم أسمع صوت الجلجل علمت أنه قام فصحت به؛ فقال معاوية: أرأيت إن قام وحرّك رأسه ما علمك أنّه قائم؟ قال الطحان: ومن لحماري بمثل عقل الأمير!. وقال معاوية هذا لأبي امرأته؛ ملأتنا ابنتك البارحة بالدم؛ فقال: إنها من نسوة يخبأن ذلك لأزواجهن. وقال له أيضا يوما آخر: لقد نكحت ابنتك بعصبة ما رأت مثلها قطّ؛ قال: لو كنت عنّينا ما زوّجناك.
ومن حمقى قريش سليمان بن يزيد بن عبد الملك، قال يوما لعن الله الوليد أخي فإنه كان فاجرا، والله لقد أرادني على أن يفعل بي؛ فقال له قائل:
أسكت فوالله لئن كان همّ لقد فعل.
خطب سعيد بن العاص عائشة بنت عثمان على أخيه، فقالت: هو أحمق لا أتزوّجه أبدا، له برذونان «١» أشهبان فهو يحتمل مؤونة اثنين وهما عند الناس واحد. وأخبرني رجل أنه كان له صديق له برذونان في شية «٢» واحدة فكنا لا نظنّ إلا أنّ له برذونا واحدا، وغلامان يسمّيان جميعا بفتح، وكان إذا دعا واحدا قال: يا فتح الكبير، وإذا دعا الآخر قال: يا فتح الصغير.
قال أبو عبيدة: أرسل ابن لعجل «٣» بن لجيم فرسا له في حلبة فجاء سابقا، فقال لأبيه: يا أبت، بأيّ شيء أسمّيه؟ فقال: إفقأ إحدى عينيه وسمّه الأعور. وقال الشاعر: [طويل]
رمتني بنو عجل بداء أبيهم وأيّ عباد الله أنوك من عجل!
[ ٢ / ٥١ ]
أليس أبوهم عار عين جواده فأضحت به الأمثال تضرب في الجهل «١»
ومن عجل دغة «٢» التي يضرب بها المثل في الجهل، فيقال: هي دغة بنت مغنج؛ ويقال: دغة لقب، واسمها مارية بنت زمعة. قال أبو اليقظان:
ومن عجل حيّان بن غضبان ورث نصف دار أبيه فقال: أريد أن أبيع حصّتي من الدار وأشتري النصف الباقي فتصير كلّها لي.
ومن القبائل المشهور فيها الحمق الأزد. قال رجل منهم في المهلّب بن أبي صفرة: [رجز]
نعم أمير الرّفقة المهلّب أبيض وضّاح كتيس الحلّب «٣»
ينقضّ بالقوم انقضاض الكوكب
فلما أنشده المهلّب قال: حسبك رحمك الله!.
ومن أشعارهم: [بسيط]
[ ٢ / ٥٢ ]
يا ربّ جارية في الحيّ حالية كأنها عومة «١» في جوف راقود
وقال آخر منهم: [طويل]
زياد بن عمرو عينه تحت حاجبه وأسنانه بيض وقد طرّ «٢» شاربه
وقال عمر بن لجإ «٣» يصف إبلا:
تصطكّ ألحيها على دلائها «٤» تلاطم الأزد على عطائها
وقال أبو حيّة النّميري: [كامل]
وكأن غلى دنانهم في دورهم لغط العتيك «٥» على خوان زياد
كتب مسلمة بن عبد الملك إلى يزيد بن المهلّب: والله ما أنت بصاحب هذا الأمر، صاحب هذا الأمر مغمور موتور وأنت مشهور غير موتور؛ فقام إليه رجل من الأزد فقال: قدّم ابنك مخلدا حتى يقتل فتصير موتورا.
قام رجل من الأزد إلى عبيد الله بن زياد فقال: أصلح الله الأمير، إنّ امرأتي هلكت وأردت أن أتزوّج أمّها وأزوّج ابني ابنتها وهذا عريفي «٦»، فأعنّي في الصّداق؛ فقال: في كم أنت من العطاء؟ قال: في سبعمائة؛ قال: حطّا عنه أربعمائة، يكفيك ثلاثمائة.
ومن حمقى الأزد قبيصة بن المهلّب، رأى جرادا يطير فقال: لا يهولنّكم
[ ٢ / ٥٣ ]
ما ترون فإنّ عامّتها موتى. وقال يوما: رأيت غرفة فوق بيت. وقال لغلامه:
اذهب إلى بيّاض الملاء.
ومن حمقى العرب كلاب بن صعصعة، خرج إخوته يشترون خيلا وخرج معهم كلاب فجاء بعجل يقوده؛ فقال له إخوته: ما هذا؟ قال: فرس اشتريته؛ قالوا: يا مائق، هذه بقرة أما ترى قرنيها! فرجع إلى بيته فقطع قرنيها، فأولاده يدعون «بني فارس البقرة» . قال الكميت «١»: [طويل]
ولولا أمير المؤمنين وذبّه بخيل عن العجل المبرقع» ما صهل
وكان شذرة بن الزّبرقان من الحمقى، دخل يوم الجمعة المسجد فأخذ بعضادتي «٣» الباب ثم قال: السلام عليكم، أيلج شذرة؟ فقالوا له: هذا يوم لا يستأذن فيه؛ قال: أفيلج مثلي على جماعة مثل هؤلاء ولا يعرف مكانه؟
عوانة قال: استعمل معاوية رجلا من كلب؛ فذكر المجوس يوما فقال: لعن الله المجوس ينكحون أمهاتهم، والله لو أعطيت عشرة آلاف ما نكحت أمّي؛ فبلغ ذلك معاوية، فقال: قبّحه الله! أترونه لو زادوه فعل! وعزله.
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ قال: سأل القوم الحارث بن جران أن يعينهم في تأسيس مسجد؛ فقال: قيّروه وعليّ الودع.
خطب والي اليمامة فقال: إن الله لا يقارّ على المعاصي عباده، وقد أهلك أمّة عظيمة في ناقة ما كانت تساوي مائتي درهم؛ فسمّي مقوّم الناقة.
شرد بعير لهبنّقة، واسمه يزيد بن ثروان، فقال: من وجد بعيري فهو
[ ٢ / ٥٤ ]
له؛ فقيل له: وما ينفعك من هذا؟ قال: إنكم لا تدرون ما حلاوة الوجدان.
وقال المنصور للرّبيع: كيف تعرف الريح؟ قال: أنظر إلى خاتمي فإن كان سلسا فهي شمال وإلّا فهي جنوب؛ فسأل القاسم بن محمد الطّلحيّ عن ذلك؛ فقال: أضرب بيدي إلى خصيتيّ فإن كانتا قد قلصتا فهي شمال وإن كانتا متدلّيتين فهي جنوب.
قال أبو كعب القاصّ في قصصه: إن النبيّ ﷺ قال في كبد حمزة: ما قد علمتم فادعوا الله أن يطعمنا من كبد حمزة. وكان يقول في قصصه: ليس فيّ خير ولا فيكم، فتبلّغوا بي حتى تجدوا خيرا منّي. وقال هو أو غيره في قصصه: كان اسم الذئب الذي أكل يوسف كذا وكذا؛ قالوا: فإنّ يوسف لم يأكله الذئب؛ قال: فهذا اسم الذئب الذي لم يأكل يوسف.
حدّثني عبد الرحمن بن عبد الله عن عمّه قال: كان قاصّ يقصّ في المسجد فيقول: مثل الكافر مثل قصر الإسكاف خارجه حسن وداخله مخرأة، ومثل المؤمن مثل قصر زربيّ «١» جداره كالح وداخله زهرة. ويقول: وما الدنيا! أخزى الله الدنيا! إنما مثلها مثل أير حمار، بينا هو قد أنعظ «٢» إذ طفىء.
وقال: المؤمن غذاؤه فلقة وسمكته شلقة ودواؤه علقة ومرقته سلقة «٣» .
أصابت داود المصاب مصيبة فاغتمّ؛ فقال له صاحب له: لا تتّهم الله
[ ٢ / ٥٥ ]
في قضائه؛ فقال داود: أقول لك شيئا وتكتمه؟ قال: نعم: قال: والله ما صاحبي غيره. واستشاره رجل في حمل أمّه إلى البصرة، وقال: إن حملتها في البرّ خفت عليها اللّصوص، وإن حملتها في الماء خفت عليها الغرق؛ فقال: خذ بها سفتجة «١» .
دعا بعض السلاطين مجنونين ليضحك منهما، فأسمعاه فغضب فدعا بالسيف؛ فقال أحدهما للآخر: كنّا اثنين وقد صرنا ثلاثة. قال رجل لابن سيابة مولى بني أسد: ما أراك تعرف الله؛ قال: أتراني لا أعرف من أجاعني وأعراني وأخزاني.
قيل لأعرابيّ: كيف برّك بأمّك؟ قال: ما قرعتها سوطا قطّ. وقيل لآخر وهو يضرب أمّه: ويحك! تضرب أمّك! فقال: أحبّ أن تنشأ على أدبي. وقال بعض الشعراء: [طويل]
جنونك مجنون ولست بواجد طبيبا يداوي من جنون جنون
وقال آخر: [طويل]
وكيف يفيق الدّهر كعب بن ناشب وشيطانه بين الأهلّة يصرع
وقال أعرابيّ وذكر الله ﷿: [كامل]
خلق السماء وأهلها في جمعة وأبوك يمدر حوضه «٢» في عام
كان أبو العاج والي واسط، وأتاه صاحب شرطته بقوّادة فقال: أصلح الله الأمير، هذه قوادة؛ قال: وأيّ شيء تصنع؟ قال: تجمع بين الرجال
[ ٢ / ٥٦ ]
والنساء؛ قال: لماذا؟ قال: للزنا؛ قال: وإنما أتيتني بها لتعرّفها منزلي! خلّ عنها لعنك الله. وأتاه يوما بمخنّث؛ فقال له: ما هذا؟ قال: مخنّث؛ قال: وما يصنع؟ قال: ينكح كما تنكح المرأة؛ قال: يبذل هذا استه وأحظر أنا عليه! اذهب يا ابن أخي فارتد لها.
خطب وكيع بن أبي سود بخراسان فقال: إن الله خلق السموات والأرض في ستة أشهر؛ فقيل له: إنها ستّة أيام؛ فقال: والله لقد قلتها وأنا أستقلّها.
تغدّى رجل عند سليمان بن عبد الملك وهو يومئذ وليّ عهد وقدّامة جدي، فقال له سليمان: كل من كليته فإنها تزيد في الدّماغ؛ فقال: لو كان هذا هكذا كان رأس الأمير مثل رأس البغل.
أبو عبيدة: أجريت الخيل فطلع منها فرس سابق فجعل رجل من النّظّارة يكبّر ويثب من الفرح؛ فقال له رجل إلى جانبه: يا فتى، هذا الفرس فرسك؟
قال: لا ولكنّ اللّجام لي. دخل أبو عتّاب على عمرو بن هدّاب وقد كفّ بصره والناس يعزّونه، فقال: يا أبا زيد، لا يسوءنّك ذهابهما، فإنك لو رأيت ثوابهما في ميزانك تمنّيت أنّ الله قطع يديك ورجليك ودقّ ظهرك. كان رجل يقود أعمى بكراء، فكان الأعمى ربما عثر فيقول: اللهم أبدلني به قائدا خيرا منه؛ ويقول القائد: اللهم أبدلني أعمى خيرا منه.
ادّعى أبو بكر الشّيبانيّ إلى العرب ذات ليلة فأصبح من الغد على الشمس فقعد فيها فثارت به مرّة، فجعل يحكّ جسده بأظفاره خمشا ويقول:
إنما نحن إبل؛ فقال له قائل: والله إنك تشبه العرب؛ فغضب وقال: أيقال لي
[ ٢ / ٥٧ ]
هذا! إنا والله حرباء تنضبة «١»، يشهد لي سواد لوني وغؤور «٢» عينيّ وحبيّ للشمس.
قيل لأبي السّفّاح عند موته: أوصه؛ فقال: إنّا لكرام قوم طخفة «٣»؛ قالوا: قل خيرا يا أبا السفّاح؛ فقال: إن أحبّت امرأتي فأعطوها بعيرا؛ قالوا:
قل خيرا؛ قال: إذا مات غلامي فهو حرّ. وقيل لرجل عند موته: قل لا إله إلا الله، فأعرض، فأعادوا عليه مرارا، فقال: أخبروني عن أبي طالب أقالها عند موته؟ قالوا: وما أنت وأبو طالب! قال: لا أرغب بنفسي عنه. ولما احتضر العجير السّلوليّ قال لقوم عنده: أنا في آخر يوم من أيام الدنيا وأوّل يوم من أيام الآخرة، والله لئن وجدت لي عند الله موضعا لأكلمنّه فيكم. وقيل لأوس ابن حارثة عند موته: قل لا إله إلا الله، فقال: لم يأن لها بعد. وقيل لآخر عند موته: ألا توصي؟ قال: أنا مغفور لي؛ قالوا: قل إن شاء الله، قال: قد شاء الله ذلك، قالوا: لا تدع الوصيّة، فقال لبني أخيه: [رجز]
بني حريث ارفعا وسادي واحتفظا بالجلّة الجلاد
فإنما حولكما الأعادي
قال سهل بن هارون: ثلاثة من المجانين وإن كانوا عقلاء: الغضبان
[ ٢ / ٥٨ ]
والغيران والسكران؛ قالوا: فما تقول في المنعظ «١»؟ فضحك وقال: [وافر]
وما شرّ الثلاثة أمّ عمرو بصاحبك الذي لا تصبحينا «٢»
قال الوليد: ألا إنّ أمير المؤمنين عبد الملك كان يقول: إنّ الحجّاج جلدة ما بين عينيّ، ألا وإن الحجاج جلدة وجهي كلّه.
خطب عتّاب «٣» بن ورقاء فحثّ على الجهاد وقال: هذا كما قال الله تعالى: [خفيف]
كتب القتل والقتال علينا وعلى الغانيات جرّ الذّيول
وقال آخر في الرّبيع والي اليمامة: [طويل]
شهدت بأن الله حقّ لقاؤه وأنّ الربيع العامريّ رقيع
أقاد لنا كلبا بكلب ولم يدع دماء كلاب المسلمين تضيع
دخل شابّ على المنصور فسأله عن وفاة أبيه، فقال: مات ﵀ يوم كذا وكذا، وكان مرضه ﵁ كذا وكذا، وترك عفا الله عنه من المال كذا وكذا؛ فانتهره الربيع وقال: أبين يدي أمير المؤمنين توالي الدعاء لأبيك؟ فقال الشابّ: لا ألومك، إنك لم تعرف حلاوة الآباء؛ فما علم أنّ المنصور ضحك مثل ضحكه يومئذ. وكان الربيع لقيطا.
دخل رجل من بني هاشم على المنصور فاستجلسه ودعا بغدائه فقال للفتى: أدنه؛ فقال: قد تغدّيت؛ فلما خرج استخفّ به الربيع ودفع في قفاه،
[ ٢ / ٥٩ ]
وقال: هذا كان يسلّم من بعيد وينصرف، فلمّا استدناه أمير المؤمنين وأمره بالجلوس ودعاه إلى طعامه تبذّل بين يديه فبلغ من جهل بفضيلة المنزلة التي صيّره فيها أن قال: قد تغدّيت، وإذا ليس عنده لمن تغدّى مع أمير المؤمنين إلا سدّ خلّة الجوع.
يونس الهجريّ قال: مات رجل من جند أهل الشام فحضر الحجّاج جنازته، وكان عظيم القدر، فصلّى وجلس على قبره وقال: لينزل قبره بعض إخوانه؛ فنزل نفر منهم، فقال أحدهم وهو يسوّي عليه: رحمك الله أبا فلان! إن كنت ما علمتك لتجيد الغناء وتسرع ربّ الكأس، ولقد وقعت في موقع سوء لا تخرج منه إلى الدّكّة «١»؛ فما تمالك الحجّاج أن ضحك فأكثر، وكان لا يكثر الضحك في جدّ ولا هزل، ثم قال له: لا أمّ لك! هذا موضع هذا! قال: أصلح الله الأمير، فرسي حبيس لو سمعه يتغنّى: [مديد]
يا لبيني أوقدي النارا «٢»
لانتشر الأمير على سعنة «٣»، وكان الميّت يلقّب سعنة، وكان من أوحش خلق الله صورة وأدّمهم؛ فقال الحجاج: إنا لله! أخرجوه عن القبر، ثم قال: ما أبين حجّة أهل العراق في جهلكم يا أهل الشام. ولم يبق أحد حضر القبر إلا استفرغ ضحكا تبع داود بن المعتمر امرأة ظنّ أنها من الفواسد، فقال لها: لولا ما رأيت عليك من سيما الخير لم أتبعك؛ فضحكت المرأة وأسندت ظهرها إلى الحائط
[ ٢ / ٦٠ ]
ثم قالت: إنما يعتصم مثلي من مثلك بسيما الخير، فإذا صار سيما الخير هو الدالّ لمثلك على مثلي فالله المستعان. كان بهلول المجنون يتغنّى بقيراط ولا يسكت إلا بدانق «١» . وكان رجل يهوى جارية تختلف في حوائج أهلها، وكانت إذا خرجت إلى السوق ولم يعلم بخروجها ثم رجعت فرآها قال وهو يسمعها:
لَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ
«٢»، وإن وعدته شيئا فأخلفت قال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ
«٣»، فإن تغضّبت لشيء بلغها عنه قال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا
«٤» .
مرّ بعض الحمقى بامرأة قاعدة على قبر وهي تبكي، فرقّ لها وقال: من هذا الميّت؟ قالت: زوجي؛ قال: فما كان عمله؟ قالت: يحفر القبور؛ قال:
أبعده الله أما علم أن من حفر حفرة وقع فيها! أحدث رجل من الحمقى ليلة على باب رجل، فلما خرج الرجل زلق ووقع على ذراعه فانكسرت، واجتمع الجيران وجعلوا يختصمون ويوقعون الظنون وهو ناحية يسمع كلامهم، فلما أكثروا قال: [وافر]
رأيت الحرب يجنيها رجال ويصلى حرّها قوم براء
فأخذوه وقالوا: أنت صاحبنا. قال داود المصاب: رأيت رؤيا نصفها حقّ ونصفها باطل، رأيت كأنّ على عنقي بدرة «٥» فمن ثقلها أحدثت فاستيقظت فرأيت الحدث ولم أر البدرة. رئي أعرابيّ يبكي بكاء شديدا، فسئل عن سبب
[ ٢ / ٦١ ]
بكائه فقال: بلغني أنّ جالوت قتل مظلوما. رأى رجل أحمق شيخا في الحمّام أعكن «١» البطن، فقال له: يا عمّ، إني أشتهي أن أضع هذا- يعني ذكره- في سرّتك؛ فقال له الشيخ: يا ابن أخي، فأين يكون استك حينئذ. نزل يهوديّ على أعرابيّ فمات عنده، فقام الأعربيّ يصلّي عليه فقال: اللهم إنه ضيف وحقّ الضيف ما قد علمت، فأمهلنا إلى أن نقضي ذمامه ثم شأنك والكلب.
وحدّثني عبد الرحمن عن الأصمعيّ قال: كان بين اثنين عبد فقام أحدهما فجعل يضربه؛ فقال له الآخر شريكه: ما تصنع! قال: إنما أضرب حصّتي. قال أعرابيّ لرجل: ما اسمك؟ قال: عبد الله، قال: ابن من؟ قال:
ابن عبيد الله، قال: أبو من؟ قال: أبو عبد الرحمن، قال: أشهد إنك لتلوذ بالله لواذ يتيم جبان. قال بعضهم: رأيت رجلين بالبصرة على باب مويس يتنازعان في العنب النيروزيّ والرازقيّ: أيّهما أطيب، فجرى بينهما كلام إلى أن تواثبا، فقطع الكوفيّ إصبع البصريّ وفقأ البصريّ عين الكوفيّ، ثم لم ألبث إلا يسيرا حتى رأيتهما متصافيين متنادمين.
قال: وقال ثمامة: مررت في غبّ سماء والأرض ندية والسّماء متغيّمة والريح شمال وإذا شيخ أصفر كأنه جرادة، وقد قعد على قارعة الطريق وحجّام يحجمه على كاهله وأخدعيه بمحاجم كأنها قعاب وقد مصّ دمه حتى كاد يستفرغه؛ فوقفت وقلت: يا شيخ لم تحتجم؟ قال: لمكان الصّفار الذي بي.
أتى الطّمحان قوما يعود عليلا لهم فعزّاهم به؛ قالوا: إنه لم يمت؛ فرجع وهو يقول: يموت إن شاء الله، يموت إن شاء الله.
أبو حاتم عن الأصمعيّ عن نافع قال: كان الغاضريّ من أحمق الناس؛
[ ٢ / ٦٢ ]
فقيل له: ما حمقه؟ فجعل يتربّث «١»، فلما أكثر عليه قال: قال لي مرّة: البحر من حفره؟ وها حفر فأين نبيثته «٢»؟ أترى أمير المؤمنين يقدر على أن يحفر مثله في ثلاثة أيام؟
دخل رجل من الحمقى من الشعراء على رجل من الأشراف يقال في نسبه، فقال: إني قد امتدحتك بشعر لم تمدح قطّ بأنفع لك منه؛ قال: ما أحوجني إلى المنفعة فهاته؛ فقال: [سريع]
سألت عن أصلك فيما مضى أبناء سبعين وقد نيّفوا
فكلّهم يخبرني أنّه مهذّب جوهره يعرق
فقال له: قم في لعنة الله وفي سخطه! لعنك الله ولعن من سألت ومن أجابك.
وحدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ قال: جاء رجل من الأعراب إلى عمّه فقال: يا عمّ إنّ ولد جارية آل فلان منّي فافتده، ففعل؛ ثم جاءه مرّة أخرى فقال له مثل ذلك؛ فقال له عمّه؛ لو عزلت! قال: بلغني أن العزل مكروه.
قال: وحدّثنا الأصمعيّ قال: بلغني عن شيخ جزع على ميت جزعا شديدا؛ فقيل له في ذلك؛ فقال: نحن قوم لم نتعوّد الموت.
أبو الحسن الجعفريّ قال: قيل لكردم السّدوسيّ: كل؛ قال: ما أريد؛ قيل: ولم؟ قال: أكلت قليل أرز «٣» فأكثرت منه. ضلّ بعير لأعرابيّ فجعل ينشده إلى أن دخل الإمارة فأخذ منها بعيرا؛ فقيل له: إنّ بعيرك كان أعرابيّا؛ قال: إنه لما أكل من مال الإمارة تبخّت «٤» .
[ ٢ / ٦٣ ]
الهيثم عن ابن عبّاس قال: لما ولي مروان وجّه جيش حبيش بن دلجة القينيّ إلى المدينة وكان يصعد المنبر ومعه الكتلة من التمر فيأكلها ثم يلقي النّوى على وجوه أهل المدينة يمينا وشمالا، ثم يقول: يا أهل المدينة، إني لأعلم أنّ هذا المكان في حرمته وموضعه ليس موضع أكل ولا شرب، ولكني أحبّ أن أريكم هوانكم. قيل لمعلّم بن معلّم: مالك أحمق؟ قال: لو لم أكن أحمق كنت ولد زنا. قال بعض الشعراء [طويل]
فإن كنت قد بايعت مروان طائعا فصرت إذا بعد المشيب معلّما
وقال آخر: [طويل]
وكيف ترجّي العقل والرأي عند من يروح على أنثى ويغدو على طفل
ابن المدائنيّ قال: تحوّل أبو عبد الله الكرخيّ إلى الخريبة «١» فادّعى الفقه وظنّ أنّ ذلك يجوز لمكان لحيته وسمته، فألقى على باب داره البواري «٢» وجلس فجلس إليه قوم فقال له رجل منهم: يا أبا عبد الله، رجل في الصلاة أدخل إصبعه في أنفه فخرج عليها دم، أي شيء يصنع؟ قال: يحتجم رحمك الله؛ فقال له السائل: ظننت أنّك فقيه ولم أدر أنك طبيب. قال رجل للشّعبيّ: إني أجد في قفاي حكّة فترى لي أن أحتجم؟ فقال الشعبيّ: الحمد الله الذي نقلنا من الفقه إلى الحجامة. وقال له آخر: رجل استمنى في يوم من شهر رمضان هل يؤجر؟ قال: أوما يرضى أن يفلت رأسا برأس. نازع التيميّ رجل من بني عمّه في حائط بينهما فبعث إلى قوم يشهدهم، فأتاه جماعة من القبائل، فوقف بهم على ذلك الحائط وقال: أشهدكم جميعا أنّ
[ ٢ / ٦٤ ]
نصف هذا الحائط لي. وقدّم آخر رجلا إلى القاضي في شيء يدّعيه عليه، فأنكر الرجل، فقال: أيها القاضي، أكتب إنكاره؛ فقال القاضي: الإنكار في يدك متى شئت.
قال مسعدة بن طارق الذّرّاع: إنّا لوقوف على حدود دار لنقسمها ونحن في خصومة، إذ أقبل سيّد بني تميم وموسرهم والمصلّي على جنائزهم، فأمسكنا عن الكلام؛ فقال: حدّثوني عن هذه الدار هل ضمّ منها بعضنا إلى بعض أحدا؟ قال مسعدة: فأنا منذ ستين سنة أفكّر في كلامه فما أدري ما عنى. أتت جارية أبا ضمضم فقال: إنّ هذا قبّلني؛ فقال: يا فتى، أذعن لها بحقّها، قبّليه عافاك الله كما قبّلك، فإن الله يقول: وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ
«١» .
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ قال: ألقيت على رجل فريضة فاشتدّت عليه فجعل يحسب غيرها؛ فقالوا له في ذلك؛ فقال: عسى أن يكون ترك غير ما ذكروا، حدّثني محمد بن عمر عن ابن كناسة قال: قال بعض الطالبيّين لأشعب: لو رويت الحديث وتركت النوادر كان أنبل لك؛ قال: والله قد سمعت الحديث ورويته؛ قال: فحدّثنا؛ قال: حدّثني نافع عن ابن عمر أنّ رسول الله ﷺ قال: «خلّتان من كانتا فيه كان من خالصة الله»؛ قال: هذا حديث حسن فما هما؟ قال: نسي نافع واحدة ونسيت أنا الأخرى. وكان بالبصرة ثلاثة إخوة من ولد عتّاب بن أسيد كان أحدهم يحجّ عن حمزة ويقول: أستشهد قبل أن يحجّ، وكان الآخر يضحّي عن أبي بكر وعمر ويقول أخص؟؟؟ لسنة في ترك الأضحية، وكان الآخر يفطر عن عائشة أيام
[ ٢ / ٦٥ ]
التشريق ويقول: غلطت في صومها أيام العيد، فمن صام عن أبيه وأمّه فأنا أفطر عن أمّي عائشة.
قال ثمامة: كنّا في منزل رجل من الدّهاقين «١» وفينا شيخ منهم، فأتى ربّ البيت بدهن طيب فدهن بعضنا رأسه وبعضنا لحيته ومسح بعضنا شاربه وبعضنا يديه، فقال أحدهم: ادهنوا أستاهكم «٢» تأمنوا الحزاز «٣»، وأمرّوها على وجوهكم؛ فأخذ شيخ منهم بطرف إصبعه فأدخله في أنفه ومسح حاجبيه، فعمد الشيخ إلى بقية الدّهن فصبّه في أذنه؛ فقلنا له: ويحك! هل رأيت أحدا أتي بدهن طيب فصبّه في أذنه؟ قال: إنه مع هذا يضرّني.
قال عبد الله بن المبارك: كان عندنا رجل يكنى أبا خارجة، فقلت له:
لم كنوك أبا خارجة؟ قال: لأني ولدت يوم دخل سليمان بن عليّ البصرة. قال عمرو بن بحر: ذكر لي ذاكر عن شيخ من الإباضيّة أنه جرى ذكر الشيعة عنده فأنكر ذلك واشتد غضبه؛ فقلت له: ما أنكرت؟ قال: أنكر مكان الشّين في أوّل الكلمة لأني لم أجدها قطّ إلا في مسخوط عليه مثل شؤم وشرّ وشيطان وشحّ وشغب وشيب وشكّ وشرك وشتم وشيعة وشطرنج وشاكي وشانىء وشجج وشوصة «٤» وشابشتى وشكوى؛ فقلت: ما تقوم بهؤلاء قائمة أبدا. قال:
وسمعت رجلا يقول: عجبت لمن يأخذه النوم وهو لا يزعم أنّ الاستطاعة مع الفعل؛ فقلت له: ما الدليل على ذلك؟ فقال: سبحان الله! الأشعار الصّحاح؛ قلت: مثل ماذا؟ قال: مثل قول رؤبة «٥»: [رجز] ما إن يقعن الأرض إلا وفقا
[ ٢ / ٦٦ ]
وقوله «١»: [رجز]
يهوين شتّى ويقعن وفقا «٢»
وقوله: [طويل]
مكرّ مقر مقبل مدبر معا «٣»
وقولهم في المثل: «وقعا كعكمي «٤» عير» ثم قال: هل في هذا مقنع؟ قلت: بلى وفي دون هذا.
وعد رجل رجلا من الحمقى أن يهدي له من مكة نعلا، فطال عليه الإنتظار، فأخذ قارورة فبال فيها ثم أتى بها الطبيب ثم قال: أنظر في هذا الماء هل يهدي لي بعض إخواني نعلا حضرمية؟. وقال الزّياديّ: مرّ أشعب برجل يعمل طبقا وقال له: زد فيه طوقا؛ قال: ولم؟ قال: لعلّه يهدي لي فيه شيء.
أبو حاتم عن الأصمعيّ قال: حدّثنا إبراهيم بن القعقاع قال: رأيت أشعب بسوق المدينة معه قطيفة قد ذهب خملها وهو يقول: من يشتري منّي
[ ٢ / ٦٧ ]
الرّمدة «١»؟ فأتاه رجل فساومه؛ قال: أبرأ إليك من عيب فيها؛ قال: وما هو؟
قال: تحترق إن أنت لبستها.
سقط أعرابيّ من بعير له، فانكسرت ضلع من أضلاعه فأتى الجابر يستوصفه؛ فقال: خذ تمرا جيّدا فانزع أقماعه ونواه واعجنه بسمن ثم اضمده عليه؛ قال: أي بأبي أنت من داخل أم من خارج؟ قال: من خارج؛ قال: لا أبا لشانئك هو من داخل أنفع لي؛ قال: ضعه حيث تعلم أنّه أنفع.
مات ابن صغير لأعرابيّ، فقيل له: نرجو أن يكون لك شفيعا؛ فقال:
لا وكلنا الله إلى شفاعته، حسبه المسكين أن يقوم بأمر نفسه.
جاء أعرابيّ إلى المسجد والإمام يخطب، فقال لبعض القوم: ما هذا؟
قال: يدعون الناس إلى الطعام؛ قال: فما يقول صاحب المنبر؟ قال: يقول ما يرضى الأعراب أن يأكلوا حتى يحملوا معهم؛ فتخطّى الأعرابيّ الناس حتى دنا من الوالي فقال: يا هذا، إن الذين يفعلون ما تقول سفهاؤنا.
أخذ الحجاج لصّا أعرابيّا فضربه سبعمائة سوط فكلّما قرعه بسوط قال:
اللهم شكرا؛ فأتاه ابن عمّ له فقال: والله ما دعا الحجّاج إلى التمادي في ضربك إلا كثرة شكرك، لأن الله يقول: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ
«٢»؛ فقال: إنّ هذا في كتاب الله؟ فقال: اللهمّ نعم؛ فأنشأ الأعرابيّ يقول: [رجز]
يا ربّ، لا شكر فلا تزدني أسرفت في شكرك فاعف عنّي
باعد ثواب الشاكرين منّي
فبلغ الحجاج فخلّي سبيله. جاء أعرابيّ إلى صيرفيّ بدرهم؛ قال: هذا
[ ٢ / ٦٨ ]
ستّوق «١»؛ فقال الأعرابيّ: وما هو السّتّوق بأبي أنت؟ قال: داخله نحاس وخارجه فضّة؛ قال: ليس كذلك؛ قال: أكسره فإن كان كذلك فأنا منه بريء؟
قال: نعم؛ فكسره فلما رأى النحاس قال: بأبي أنت، متى أموت؟ فأنا أشهد أنك تعلم الغيب.
لما حضرت الحطيئة الوفاة قال: احملوني على حمار فإنه لم يمت عليه كريم قطّ فلعلي أن أبقى، ثم تمثّل: [طويل]
لكلّ جديد لذّة غير أنّني رأيت جديد الموت غير لذيذ
المدائنيّ قال: دعا رجل بمكة لأمّه؛ فقال له قائل: فما بال أبيك؟ قال:
هو رجل يحتال لنفسه. قيل لأشعب: أرأيت أحدا قطّ أطمع منك؟ قال: نعم خرجت إلى الشام فنزلت أنا ورفيق لي بدير فيه راهب، فتلاحينا في أمر فقلت: الكاذب منّا كذا من الراهب في كذا من أمّه، فأتى الراهب وقد أنعظ «٢» وهو يقول: بأبي من الكاذب منكما؟. مرّ إسحاق بن سليمان بن عليّ الهاشميّ بقاصّ وهو يقرأ: يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ
«٣» فتنفّس ثم قال: اللهمّ اجعلنا ممن يتجرّعه ويسيغه.
الأصمعيّ عن أبيه: قلت لأعرابيّ: أفيكم زنا؟ قال: بالحرائر؟ ذاك عند الله عظيم، ولكن مساعاة بهذه الإماء. موسى بن طلحة قال: جاءنا عليّ بن أبي طالب ﵀ ونحن في المسجد شباب من شباب قريش، فنحّينا له عن الأسطوانة وقلنا: هاهنا يا عمّ؛ فقال: يا بني أخي، أنتم لشيوخكم خير
[ ٢ / ٦٩ ]
من مهرة «١» فإنه إذا كبر الشيخ فيهم شدّوه عقالا ثم يقال له: ثب فيه، فإن وثب خلّوا سبيله وقالوا: فيه بقيّة من علالة، وإن لم يثب قدّموه فضربوا علاوته «٢» وقالوا: لا يصيبك عندنا بلاء.
قيل لبحر بن الأحنف: ما يمنعك أن تكون مثل أبيك؟ قال: الكسل.
وقال يوما لزبراء جارية أبيه: يا زانية؛ فقالت: لو كنت كذلك جئت أباك بمثلك. أبو الحسن قال: جاء قوم إلى رجل من الوجوه فقالوا له: مات جارك فلان فمر لنا بكفن؛ فقال: ما عندنا اليوم شيء ولكن تعودون؛ قالوا: أفنملي إلى أن يتيسر عندك شيء!. وأتى رجل رجلا فقال له: أصلحك الله، تعيرنا ثوبا نكفّن فيه ميتا؟. قال قاسم التّمار في كلام له: بينهما كما بين السماء إلى قريب من الأرض. وقال أيضا: رأيت إيوان كسرى فإذا هو كأنما رفعت اليد عنه أوّل من أمس.
كان عبد الملك بن هلال الهينابيّ له زبيل «٣» مملوء حصا للتسبيح، فكان يسبّح بواحدة واحدة، فإذا ملّ طرح ثنتين ثنتين ثم ثلاثا ثلاثا، فإذا زاد ملاله طرحه قبضة قبضة وقال: سبحان الله عددك، فإذا ضجر أخذ بعرى الزّبيل وقال: الحمد لله بعدد هذا كلّه. دخل قوم منزل الرّستميّ لأمر وقع، فحضر وقت صلاة الظهر فقالوا: كيف القبلة في دارك هذه؟ فقال: إنما نزلناها منذ شهر.
المدائنيّ عن عليّ بن مجاهد عن حميد بن أبي البختريّ أن الشعبيّ
[ ٢ / ٧٠ ]
قال: مرضت فلقيت ابن الحرّ فأمرني أن أمشي كل يوم إلى الثّويّة، فكنت أغدو كلّ يوم إليها، فانصرفت ذات يوم فلّما كنت في جهينة الظاهرة إذا شيخ منهم قاعد على طنفسة «١» متّكيء على وسادة، فسلّمت ثم ألقيت نفسي على الرمل؛ فقال: لقد جلست جلسة عاجز أو ضعيف؛ قلت: قد جمعتهما؛ قال:
أدام الله لك ذلك. ثم قال: إنّ أهلي كانوا يتخوّفون عليّ ثلاثا؛ نقصان البصر وترك النساء والقطاف في المشي، فوالله إنهم ليرون الشخص واحدا وأراه اثنين، ولقد تركت النساء فما لي فيهن من حاجة، وإني لأمشي فأهملج «٢»؛ قلت: أدام الله لك ذلك.
قال المدائنيّ: ركب يزيد بن نهشل النهشليّ بعيرا وقال: اللهم إنّك قلت: وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ
«٣» وإنّي لبعيري هذا لمقرن؛ فنفر به فطرحه وبقيت رجله في الغرز، فجعل يضرب برأسه كلّ حجر ومدر «٤» حتى مات.
حدّثنا أبو حاتم عن الأصمعيّ قال: اختصمت الطّفاوة وبنو راسب «٥» في رجل يدّعيه الفريقان إلى ابن عرباض، فقال: الحكم بينكم أبين من ذلك، يلقى في النهر فإن طفا فهو لطفاوة، وإن رسب فهو لبني راسب.
المدائنيّ قال: لما حضرت الحطيئة الوفاة قيل له: أوص؛ قال: بم أوصي! مالي للذكور دون الإناث؛ فقالوا: إن الله لم يأمر بهذا؛ فقال: لكني
[ ٢ / ٧١ ]
آمر به، ثم قال: ويل للشعر من راوية الشعر؛ فقيل له: أوص يا أبا مليكة للمساكين بشيء؛ قال: أوصيهم بالمسألة ما عاشوا فإنها تجارة لن تبور. قيل:
أعتق عبد يسارا؛ قال: اشهدوا أنه عبد ما بقي. قيل: فلان اليتيم ما توصي فيه؟ قال: أوصي أن تأكلوا ماله وتنيكوا أمّه؛ قالوا: ليس إلا هذا! قال:
احملوني على حمار فإنه لم يمت عليه كريم لعليّ أنجو؛ ومات مكانه.
لمّا حضرت سعد بن زيد الوفاة جمع ولده وقال: يا بنيّ، أوصيكم بالناس شرّا كلّموهم نزرا، وانظروا إليهم شزرا، ولا تقبلوا لهم عذرا؛ قصّروا الأعنّة، واشحذوا الأسنّة، تأكلوا القريب، ويرهبكم البعيد. ولمّا حضرت وكيعا الوفاة دعا بنيه فقال: يا بني، إنّي لأعلم أن قوما سيأتونكم قد أقرحوا جباههم وعرّضوا لحاهم يدّعون أنّ لهم على أبيكم دينا فلا تقضوهم، فإنّ أباكم قد حمل من الذّنوب ما إن غفر الله له لم تضرره، وإلّا فهي مع ما تقدّم.
تقدّم رجل من بني العنبر إلى سوّار فقال: إنّ أبي مات وتركني وأخا لي، وخطّ خطّين ناحية، ثم قال: وهجينا لنا، ثم خط خطّا آخر ناحية، ثم قال: كيف ينقسم المال بيننا؟ فقال: المال بينكم أثلاثا إن لم يكن وارث غيركم؛ فقال له: لا أحسبك فهمت، إنه تركني وأخي وهجينا لنا؛ فقال سوّار: المال بينكم سواء؛ فقال الأعرابيّ أيأخذ الهجين كما آخذ ويأخذ أخي؟ قال أجل! فغضب الأعرابيّ وقال: تعلم والله أنك قليل الخالات بالدّهناء «١»؛ فقال سوّار: إذا لا يضرّني ذلك عند الله شيئا.
[ ٢ / ٧٢ ]
قال بعض العمّال الأعرابيّ: ما أحسبك تدري كم تصلّي في كلّ يوم وليلة؛ فقال: أرأيت إن أنبأتك بذلك تجعل لي عليك مسألة؟ قال: نعم: قال الأعرابيّ: [رجز]
إن الصّلاة أربع وأربع ثم ثلاث بعدهنّ أربع
ثم صلاة الفجر لا تضيّع
قال: قد صدقت، فسل؛ قال: كم فقار ظهرك؟ قال: لا أدري؛ قال:
أفتحكم بين الناس وأنت تجهل هذا من نفسك؟.
أخبرني رجل حضر مجلس محمد بن الجهم البرمكيّ أنه دخل عليه رجل يكتب في حوائج له؛ فقرأها ووعده قضاءها؛ فنهض وهو يدعو له وقال:
أبقاك الله وحفظك وأتمّ نعمته عليك؛ فقال له محمد بن الجهم: كتابي إليك وأنا في عافية.