حدّثني إسحاق بن إبراهيم الشّهيدي، قال: حدّثنا الحارث بن النّعمان، قال: حدّثنا خليد بن دعلج عن معاوية بن قرّة يرفعه، قال: «إن الناس يعملون الخير وإنما يعطون أجورهم يوم القيامة على قدر عقولهم» . مهديّ بن غيلان ابن جرير قال: سمعت مطرّفا يقول: عقول الناس على قدر زمانهم.
حدّثني عبد الرحمن عن عبد المنعم عن أبيه عن وهب بن منبّه قال:
وجدت في حكمة داود: ينبغي للعاقل أن لا يشغل نفسه عن أربع ساعات، ساعة يناجي فيها ربّه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يخلو فيها هو وإخوانه والذين ينصحون له في دينه ويصدقونه عن عيوبه، وساعة يخلّي بين نفسه وبين لذاتها فيما يحلّ ويحمد فإن هذه الساعة عون لهذه الساعات وفضل بلغة «١» واستجمام للقلوب. وينبغي للعاقل أن لا يرى إلا في إحدى ثلاث خصال: تزوّد لمعاد، أو مرمّة لمعاش، أو لذّة، في غير محرّم. وينبغي للعاقل أن يكون عارفا بزمانه، حافظا للسانه، مقبلا على شانه. قال: حدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ قال: حدّثنا هلال بن حقّ قال: قال عمرو بن العاص:
[ ١ / ٣٩٣ ]
ليس العاقل الذي يعرف الخير من الشرّ ولكنه الذي يعرف خير الشّرين، وليس الواصل الذي يصل من يصله ولكنه الذي يصل من قطعه. وقال زياد: ليس العاقل الذي يحتال للأمر إذا وقع ولكنه الذي يحتال للأمر ألّا يقع فيه. قال معاوية لعمرو: ما بلغ من دهائك يا عمرو؟ قال عمرو: لم أدخل في أمر قطّ فكرهته إلا خرجت منه. قال معاوية: لكنّي لم أدخل في أمر قطّ فأردت الخروج منه. وقرأت في كتاب للهند: الناس حازمان وعاجز، فأحد الحازمين الذي إذا نزل به البلاء لم ينظر به وتلقّاه بحيلته ورأيه حتى يخرج منه، وأحزم منه العارف بالأمر إذا أقبل فيدفعه قبل وقوعه، والعاجز في تردّد وتثنّ حائر بائر لا يأتمر رشدا ولا يطيع مرشدا. وقال أعرابيّ: لو صوّر العقل لأظلمت معه الشّمس، ولو صوّر الحمق لأضاء معه اللّيل. قال بعض الحكماء: ما عبد الله بشيء أحبّ إليه من العقل وما عصي الله بشيء أحبّ إليه من السّتر. أبو روق عن الضحّاك في قول الله ﷿: لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا
«١» قال: من كان عاقلا. ذكر المغيرة بن شعبة عمر بن الخطاب فقال: كان أفضل من أن يخدع وأعقل من أن يخدع.
حدّثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد عن قريش بن أنس عن حبيب بن الشهيد قال: قال إياس: لست بخبّ والخبّ لا يخدعني ولا يخدع ابن سيرين ويخدع أبي ويخدع الحسن. قال غيره: وكان كثيرا ما ينشد: [متقارب]
أبى لي البلاء وأنّي امرؤ إذا ما تثبّتّ لم أرتب
وفي كتاب كليلة ودمنة: الأدب يذهب عن العاقل السّكر ويزيد الأحمق سكرا، كما أن النهار يزيد كلّ ذي بصر بصرا ويزيد الخفافيش سوء بصر.
[ ١ / ٣٩٤ ]
وفيه: ذو العقل لا تبطره المنزلة والعزّ كالجبل لا يتزعزع وإن اشتدّت عليه الريح، والسّخيف يبطره أدنى منزلة كالحشيش يحرّكه أضعف ريح. وقال تأبّط «١» شرّا في هذا المعنى: [طويل]
ولست بمفراح إذا الدهر سرّني ولا جازع من صرفه المتقلّب
ولا أتمنّى الشرّ والشرّ تاركي ولكن متى أحمل على الشرّ أركب «٢»
وفي كتاب كليلة: رأس العقل التمييز بين الكائن والممتنع، وحسن العزاء عما لا يستطاع. وفيه: العاقل يقلّ الكلام ويبالغ في العمل ويعترف بزلّة عقله ويستقيلها كالرجل يعثر بالأرض وبها ينتعش. ويقال: كلّ شيء محتاج إلى العقل، والعقل محتاج إلى التّجارب. قال يحيى بن خالد: ثلاثة أشياء تدلّ على عقول الرجال: الكتاب، والرسول، والهدية. وكان يقال: دلّ على عقل الرجل اختياره، وما تمّ دين أحد حتى يتمّ عقله، وأفضل الجهاد جهاد الهوى. سئل أنو شروان: ما الذي لا تعلّم له، وما الذي لا تغيّر له، وما الذي لا مدفع له، وما الذي لا حيلة له. فقال: تعلّم العقل، وتغيّر العنصر، ودفع القدر، وحيلة الموت. وكان يقال: كتابك عقلك تضع عليه خاتمك. وقالوا:
كتاب الرجل موضع عقله، ورسوله موضع رأيه. كان الحسن إذا أخبر عن رجل بصلاح قال: كيف عقله. وفي الحديث أن جبريل ﵇ أتى آدم ﵇ فقال له: إني أتيتك بثلاث فاختر واحدة، قال: وما هي يا جبريل؟ قال: العقل والحياء والدين. قال: قد اخترت العقل فخرج جبريل إلى الحياء والدين فقال: إرجعا فقد اختار العقل عليكما، فقالا: أمرنا أن
[ ١ / ٣٩٥ ]
كون مع العقل حيث كان. كان يقال: العقل يظهر بالمعاملة وشيم الرجال تظهر بالولاية. ويقال: العاقل يقي ما له بسلطانه، ونفسه بماله، ودينه بنفسه. قال الحسن: لو كان للناس جميعا عقول لخربت الدنيا. خيّر رجل فأبى أن يختار وقال: أنا بحظّي أوثق منّي بعقلي فأقرعوا بيننا.