حدّثنا إسحاق بن راهويه قال: ذكر لنا أن امرأة من قريش كان بينها وبين رجل خصومة فأراد أن يخاصمها إلى عمر فأهدت المرأة إلى عمر فخذ جزور ثم خاصمته إليه فوجّه القضاء عليها، فقال: يا أمير المؤمنين، إفصل القضاء بيننا كما يفصل فخذ الجزور «٤» . فقضى عليها عمر وقال: إياكم والهدايا. وذكر القصة.
قال إسحاق: كان الحجاج استعمل المغيرة بن عبد الله الثقفي على الكوفة فكان يقضي بين الناس، فأهدى إليه رجل سراجا من شبه «٥» وبلغ ذلك خصمه فبعث إليه ببغلة. فلما اجتمعا عند المغيرة جعل يحمل على صاحب
[ ١ / ١١٤ ]
السراج وجعل صاحب السراج يقول: إنّ أمري أضوأ من السراج. فلما أكثر عليه قال: ويحك إن البغلة رمحت «١» السراج فكسرته.
حدّثنا إسحاق قال: حدثنا روح بن عبادة قال: حدّثنا حمّاد بن سلمة عن الجريري عن أبي بصرة عن الربيع بن زياد الحارثي أنه وفد إلى عمر فأعجبته هيئته ونحوه، فشكا عمر طعاما غليظا يأكله. فقال الربيع: يا أمير المؤمنين، إن أحق الناس بمطعم طيّب وملبس ليّن ومركب وطيء لأنت.
فضرب رأسه بجريدة وقال: والله ما أردت بهذا إلا مقاربتي، وإن كنت لأحسب أن فيك خيرا. ألا أخبرك بمثلي ومثل هؤلاء؟ إنما مثلنا كمثل قوم سافروا فدفعوا نفقاتهم إلى رجل منهم وقالوا أنفقها علينا. فهل له أن يستأثر عليهم بشيء؟ قال الربيع: لا.
حدّثني محمد بن عبيد قال: حدّثنا سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح قال: لما أتي عمر بتاج كسرى وسواريه جعل يقلّبه بعود في يده ويقول: والله إن الذي أدّى إلينا هذا لأمين، فقال رجل: يا أمير المؤمنين، أنت أمين الله يؤدّون إليك ما أدّيت إلى الله فإذا رتعت رتعوا. قال: صدقت.
حدّثني أبو حاتم قال: حدّثنا الأصمعي قال: لما أتي علي ﵇ بالمال أقعد بين يديه الوزّان والنقّاد فكوّم كومة من ذهب وكومة من فضة وقال:
يا حمراء ويا بيضاء إحمرّي وابيضّي وغرّي غيري. وأنشد: [سريع]
هذا جناي وخياره فيه إذ كلّ جان يده إلى فيه
حدّثني محمد بن عبيد عن معاوية بن عمرو عن أبي إسحاق عن
[ ١ / ١١٥ ]
إسماعيل بن أبي خالد عن عاصم قال: كان عمر بن الخطاب إذا بعث عاملا يشترط عليه أربعا: ألّا يركب البراذين «١»، ولا يلبس الرقيق، ولا يأكل «٢» النّقيء، ولا يتخذ بوّابا. ومر ببناء يبني بحجارة وجصّ فقال: لمن هذا؟
فذكروا عاملا له على البحرين فقال: «أبت الدراهم إلا أن تخرج أعناقها» وشاطره ماله. وكان يقول: «لي على كل خائن أمينان: الماء والطين» .
حدّثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد قال: حدّثنا قريش بن انس عن سعيد عن قتادة قال: جاء كتاب عمر بن عبد العزيز إلى واليه: أن دع لأهل الخراج من أهل الفرات ما يتختمون به الذهب ويلبسون الطيالسة ويركبون البراذين وخذ الفضل.
حدّثنا محمد بن عبيد عن هوذة عن عوف عن ابن سيرين وإسحاق عن النضر بن شميل عن ابن عون عن ابن سيرين بمعناه قال: لما قدم أبو هريرة «٣» من البحرين قال له عمر: يا عدوّ الله وعدوّ كتابه، أسرقت مال الله؟ قال أبو هريرة: لست بعدوّ الله ولا عدوّ كتابه ولكني عدوّ من عاداهما ولم أسرق مال الله.
قال: فمن أين اجتمعت لك عشرة آلاف درهم؟ قال: خيلي تناسلت وعطائي تلاحق وسهامي تتابعت فقبضتها منه. قال أبو هريرة: فلما صلّيت الصبح استغفرت لأمير المؤمنين ثم قال لي عمر بعد ذلك: ألا تعمل؟ فقلت: لا.
قال: قد عمل من هو خير منك، يوسف. فقلت: يوسف نبيّ ابن نبيّ وأنا
[ ١ / ١١٦ ]
ابن أميمة «١» أخشى ثلاثا واثنتين. قال: فهلا قلت خمسا؟ قلت: أخشى أن أقول بغير علم، وأحكم بغير حلم، وأخشى أن يضرب ظهري، ويشتم عرضي، وينزع مالي.
حدّثنا محمد بن داود عن نصر بن قديد عن إبراهيم بن المبارك عن مالك بن دينار أنه دخل على بلال بن أبي بردة وهو أمير البصرة فقال: أيها الأمير، إني قرأت في بعض الكتب: «من أحمق من السلطان ومن أجهل ممن عصاني ومن أعزّ ممن أعزّني. أيا راعي السوء، دفعت إليك غنما سمانا سحاحا «٢» فأكلت اللحم وشربت اللبن وائتدمت «٣» بالسّمن ولبست الصوف وتركتها عظاما تتقعقع «٤»» .
حدّثني محمد بن شبابة عن القاسم بن الحكم العرني القاضي قال:
حدّثني اسماعيل بن عيّاش عن أبي محمد القرشي عن رجاء بن حيوة عن ابن مخرمة قال: إني لتحت منبر عمر بن الخطاب ﵁ بالجابية حين قام في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أيها الناس، اقرئوا القرآن تعرفوا به واعملوا به تكونوا من أهله. إنه لن يبلغ ذو حق في حقه أن يطاع في معصية الله. ألا إنه لن يبعّد من رزق الله ولن يقرّب من أجل أن يقول المرء حقا وأن يذكّر بعظيم. ألا وإني ما وجدت صلاح ما ولّاني الله إلا بثلاث: أداء الأمانة، والأخذ بالقوة، والحكم بما أنزل الله. ألا وإني ما وجدت صلاح هذا المال
[ ١ / ١١٧ ]
إلا بثلاث: أن يؤخذ من حق، ويعطى في حق، ويمنع من باطل. ألا وإنما أنا في مالكم هذا كوالي اليتيم إن استغنيت استعففت وإن افتقرت أكلت بالمعروف، تقرّم البهمة» «١» .
بلغني عن محمد بن صالح عن بكر بن خنيس عن عبد الله بن عبيد بن عمير عن أبيه قال: «كان زياد إذا ولّى رجلا قال له: خذ عهدك وسر إلى عملك واعلم أنك مصروف رأس سنتك وأنك تصير إلى أربع خلال فاختر لنفسك: إنا إن وجدناك أمينا ضعيفا استبدلنا بك لضعفك وسلّمتك من معرّتنا «٢» أمانتك، وإن وجدناك خائنا قويا استهنّا بقوّتك وأحسنّا على خيانتك أدبك فأوجعنا ظهرك وأثقلنا غرمك، وإن جمعت علينا الجرمين جمعنا عليك المضرّتين «٣»، وإن وجدناك أمينا قويا زدناك في عملك ورفعنا لك ذكرك وكثّرنا مالك وأوطأنا عقبك» .
قال العتبي: بعث إلى عمر بحلل فقسّمها فأصاب كلّ رجل ثوب فصعد المنبر وعليه حلّة، والحلة ثوبان، فقال: أيها الناس ألا تسمعون؟ فقال سليمان: لا نسمع. قال: ولم يا أبا عبد الله؟ قال: لأنك قسّمت علينا ثوبا ثوبا وعليك حلة. قال: لا تعجل يا أبا عبد الله. ثم نادى: يا عبد الله، فلم يجبه أحد، فقال: يا عبد الله بن عمر. قال: لبّيك يا أمير المؤمنين. قال:
نشدتك بالله. الثوب الذي ائتزرت به هو ثوبك؟ قال: اللهم نعم. فقال سليمان ﵁: أمّا الآن فقل نسمع.
[ ١ / ١١٨ ]
بلغني عن حفص بن عمران الرازي عن الحسن بن عمارة عن المنهال ابن عمرو قال: قال معاوية لشداد بن عمرو بن أوس: قم فاذكر عليّا فتنقّصه فقام شدّاد فقال: «الحمد لله الذي افترض طاعته على عباده وجعل رضاه عند أهل التقوى آثر من رضا غيره. على ذلك مضى أوّلهم وعليه يمضي آخرهم.
أيها الناس، إن الآخرة وعد صادق يحكم فيها ملك قادر، وإن الدنيا عرض حاضر يأكل منها البرّ والفاجر، وإن السامع المطيع لا حجّة عليه وإن السامع العاصي لا حجة له. وإن الله، جل وعزّ، إذا أراد بالناس صلاحا عمّل عليهم صلحاءهم «١» وقضّى بينهم فقهاءهم وجعل المال في سمحائهم، وإذا أراد بالعباد شرا عمّل عليهم سفهاءهم وقضّى بينهم جهلاءهم وجعل المال عند بخلائهم. وإن من صلاح الولاة أن يصلح قرناؤها «٢» . نصحك، يا معاوية، من أسخطك بالحق وغشّك من أرضاك بالباطل» فقال له معاوية: إجلس. وأمز له بمال، وقال: ألست من السّمحاء؟ فقال: إن كان مالك دون مال المسلمين تعمّدت جمعه مخافة تبعته فأصبته حلالا وأنفقته إفضالا، فنعم. وإن كان مما شاركك فيه المسلمون فاحتجنته «٣» دونهم، أصبته اقترافا وأنفقته إسرافا، فإن الله، ﷿، يقول: إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا
«٤» .
مرّ عمرو بن عبيد بجماعة عكوف «٥»، فقال: ما هذا؟ قالوا: سارق
[ ١ / ١١٩ ]
يقطع. فقال: لا إله إلا الله، سارق السر يقطعه سارق العلانية!.
ومر طارق صاحب شرطة خالد القسري بابن شبرمة، وطارق في موكبه فقال ابن شبرمة «١»:
[طويل]
أراها وإن كانت تحبّ كأنّها سحابة صيف عن قريب تقشّع «٢»
اللهم «٣»، لي ديني ولهم دنياهم. فاستعمل ابن شبرمة بعد ذلك على القضاء، فقال له ابنه: أتذكر يوم مرّ بك طارق في موكبه وقلت ما قلت؟
فقال: يا بنيّ، إنهم يجدون مثل أبيك ولا يجد مثلهم أبوك. إنّ أباك أكل من حلوائهم وحط في أهوائهم.
ولي عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس المدينة سنتين فأحسن السيرة وعفّ عن أموال الناس ثم عزل فاجتمعوا إليه فأنشد لدرّاج الضّبابي «٤»:
[طويل]
فلا السجن أبكاني ولا القيد شفّني ولا أنني من خشية الموت أجزع
[ ١ / ١٢٠ ]
ولكنّ أقواما أخاف عليهم إذا متّ أن يعطوا الذي كنت أمنع «١»
ثم قال: والله ما أسفت على هذه الولاية ولكني أخشى أن يلي هذه الوجوه من لا يرعى لها حقها.
ووجدت في كتاب لعلي بن أبي طالب كرّم الله وجهه إلى ابن عباس حين أخذ من مال البصرة ما أخذ: «إني أشركتك في أمانتي ولم يكن رجل من أهلي أوثق منك في نفسي، فلما رأيت الزمان على ابن عمك قد كلب، والعدوّ قد حرب «٢» قلبت لابن عمك ظهر المجنّ «٣» بقراقه مع المفارقين وخذلانه مع الخاذلين واختطفت ما قدرت عليه من أموال الأمّة اختطاف الذئب الأزلّ «٤» دامية المعزى» وفي الكتاب: «ضحّ «٥» رويدا فكأن قد بلغت المدى وعرضت عليك أعمالك بالمحل الذي به ينادي المغترّ بالحسرة ويتمنّى المضيعّ التوبة والظالم الرجعة» .
وفي كتاب لعمر بن عبد العزيز إلى عديّ «٦» بن أرطاة: «غرّني منك
[ ١ / ١٢١ ]
مجالستك القرّاء وعمامتك السوداء فلما بلوناك وجدناك على خلاف ما أمّلناك، قاتلكم الله! أما تمشون بين القبور؟» .
قال ابن أحمر «١» يذكر عمّال الصّدقة: [بسيط]
إنّ العياب التي يخفون مشرجة فيها البيان ويلوى عندك الخبر
فابعث إليهم فحاسبهم محاسبة لا تخف عين على عين ولا أثر
هل في الثماني من السبعين مظلمة وربّها بكتاب الله مصطبر
وقال عبد الله بن همّام السّلولي «٢»: [طويل]
أقلّي عليّ اللوم يا أم مالك وذمّي زمانا ساد فيه الفلاقس «٣»
وساع مع السلطان ليس بناصح ومحترس من مثله وهو حارس «٤»
قدم بعض عمال السلطان من عمل فدعا قوما فأطعمهم وجعل يحدّثهم بالكذب، فقال بعضهم: نحن كما قال الله ﷿: سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ
«٥» . قال بعض الشعراء: [بسيط]
ما ظنّكم بأناس خير كسبهم مصرّح السّحت سمّوه الإصابات
وقال أبو نواس في إسماعيل «٦» بن صبيح: [طويل]
[ ١ / ١٢٢ ]
بنيت بما خنت الإمام سقاية فلا شربوا إلّا أمرّ من الصّبر «١»
فما كنت إلّا مثل بائعة استها تعود على المرضى به طلب الأجر»
يريد معنى الحديث أن امرأة كانت في بني إسرائيل تزني بحب الرمّان وتتصدّق به على المرضى.
وقال فيه «٣» أيضا لمحمد الأمين: [طويل]
ألست أمين الله سيفك نقمة إذا ماق يوما في خلافك مائق «٤»؟
فكيف بإسماعيل يسلم مثله عليك ولم يسلم عليك منافق؟
أعيذك بالرحمن من شرّ كاتب له قلم زان وآخر سارق
وقال فيه أيضا: [طويل]
ألا قل لإسماعيل إنّك شارب بكأس بني ماهان ضربة لازم «٥»
أتسمن أولاد الطّريد «٦» ورهطه بإهزال آل الله من نسل هاشم؟
وتخبر من لاقيت أنّك صائم وتغدو بفرج مفطر غير صائم؟
فإن يسر إسماعيل في فجراته فليس أمير المؤمنين بنائم
[ ١ / ١٢٣ ]
ولي حارثة «١» بن بدر «سرّق» فكتب إليه أنس الدّؤلي «٢»: [طويل]
أحار «٣» بن بدر قد وليت ولاية فكن جرذا فيها تخون وتسرق
وبار تميما إنّ للغنى لسانا به المرء الهيوبة ينطق «٤»
فإنّ جميع الناس إمّا مكذّب يقول بما يهوى وإمّا مصدّق
يقولون أقوالا ولا يعلمونها وإن قيل: هاتوا حقّقوا، لم يحقّقوا
ولا تحقرن، يا حار، شيئا أصبته فحظّك من ملك العراقين سرّق
فلما بلغت حارثة قال: لا يعمى عليك الرشد.
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعي عن جويرية بن أسماء قال: قال فلان:
«إن الرجل ليكون أمينا فإذا رأى الضّياع خان» .
قرأت في كتاب أبرويز إلى ابنه شيرويه: «اجعل عقوبتك على اليسير من الخيانة كعقوبتك على الكثير منها، فإذا لم يطمع منك في الصغير لم يجترأ عليك في الكبير. وأبرد البريد في الدرهم ينقص من الخراج، ولا تعاقبنّ على شيء كعقوبتك على كسرة ولا ترزقنّ على شيء كرزقك على إزجائه «٥»، واجعل أعظم رزقك فيه وأحسن ثوابك عليه حقن دم المزجي
[ ١ / ١٢٤ ]
وتوفير ماله من غير أن يعلم أنك أحمدت أمره حين عفّ واعتصم من أن يهلك» .
وقرأت في التاج أن أبرويز قال لصاحب بيت المال: «إني لا أحتملك على خيانة درهم ولا أحمدك على حفظ ألف ألف درهم، لأنك إنما تحقن بذلك دمك وتعمر به أمانتك فإنك إن خنت قليلا خنت كثيرا. واحترس من خصلتين: النقصان فيما تأخذ، والزيادة فيما تعطي. واعلم أني لم أجعل أحدا على ذخائر الملك وعمارة المملكة والعدّة إلا وأنت آمن عندي من موضعه الذي هو فيه وخواتيمه التي هي عليها، فحقّق ظني في اختياري إياك أحقق ظنّك في رجائك لي، ولا تتعوّض بخير شرا ولا برفعة ضعة ولا بسلامة ندامة ولا بأمانة خيانة» . وكان يقال: «كفى بالمرء خيانة أن يكون أمينا للخونة» .
قدم معاذ من يمن بعد وفاة رسول الله ﷺ على أبي بكر ﵁ فقال له: إرفع حسابك. فقال: أحسابان، حساب من الله وحساب منكم؟ لا والله لا ألي لكم عملا أبدا.
ذكر أعرابي رجلا خائنا فقال: إن الناس يأكلون أماناتهم لقما وإن فلانا يحسوها حسوا.
قال بعض السلاطين لعامل له: «كل قليلا تعمل طويلا والزم العفاف يلزمك العمل، وأياك والرّشى «١» يشتد ظهرك عند الخصام» .
[ ١ / ١٢٥ ]