حدّثني أبو حاتم عن الأصمعي قال: هرب بعض البصريين من الطاعون فركب حمارا له ومضى بأهله نحو سفوان «٤» فسمع حاديا يحدو خلفه وهو يقول: [رجز]
لن يسبق الله على حمار ولا على ذي ميعة «٥» مطّار
أو يأتي الحتف على مقدار قد يصبح الله أمام السّاري
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعي قال: حدّثني سعيد بن سلم بن قتيبة عن أبيه أنه كان يعجب ممن يصدّق بالطيرة ويعيبها أشدّ العيب وقال: فرقت لنا ناقة وأنا
[ ١ / ٢٣١ ]
بالطّفّ «١» فركبت في إثرها فلقيني هانىء بن عتبة «٢» من بني وائل يركض وهو يقول: [منسرح]
والشرّ يلقى مطالع الأكم
ثم لقيني رجل آخر من الحي فقال وهو للبيد «٣»: [مجزوء الكامل]
ولئن بعثت لهم بغا ة ما البغاة بواجدينا
ثم دفعت إلى غلام قد وقع في صغره في نار فأحرقته فقبح وجهه وفسد، فقلت له: هل ذكرت من ناقة فارق؟ قال: هنها أهل بيت من الأعراب فانظر.
فوجدناها قد نتجت ومعها ولدها. يقال: ناقة فارق: قد ضربها الطّلق، وسحابة فارق: قد دنا هراقة مائها. قال المرقّش «٤»: [مجزوء الكامل]
ولقد غدوت، وكنت لا أغدو، على واق وحاتم «٥»
فإذا الأشائم كالأيا من، والأيامن كالأشائم «٦»
[ ١ / ٢٣٢ ]
وكذاك لا خير ولا شرّ على أحد بدائم
وقال آخر: [طويل]
وليس بهيّاب إذا شدّ رحله يقول عداني اليوم واق وحاتم
ولكنه يمضي على ذاك مقدما إذا صدّ عن تلك الهنات الخثارم «١»
وقال آخر: [وافر]
تعلّم أنه لا طير إلّا على متطيّر وهو الثّبور «٢»
بلى، شيء يوافق بعض شيء أحايينا وباطله كثير
حدّثني الرياشي عن الأصمعي قال: سألت ابن عون «٣» عن الفأل فقال:
هو أن تكون مريضا فتسمع: يا سالم، أو باغيا فتسمع: يا واجد. وفي الحديث المرفوع «أصدق الطّيرة الفأل» . وفيه «الطّير تجري بقدر» .
أراد أبو العالية أن يخرج من البصرة لعلّة كانت به فسمع مناديا ينادي:
يا متوكل، فحطّ رحله وأقام.
وقال عكرمة: كنا جلوسا عند ابن عمر وابن عباس ﵄ فمر طائر يصيح، فقال رجل من القوم: خير خير. فقال ابن عباس: لا خير ولا شر. قال كعب لابن عباس: ما تقول في الطّيرة قال: وما عسيت أن أقول فيها؟ لا طير إلا طير الله ولا خير إلا خير الله ولا إله إلا الله ولا حول ولا قوّة
[ ١ / ٢٣٣ ]
إلا بالله. قال كعب: إن هذه الكلمات في كتاب الله المنزل. يعني التوراة.
حدّثني محمد بن يحيى القطعيّ «١» قال: حدّثني عبد الأعلى عن سعيد عن قتادة عن أبي حسان الأعرج أن رجلين دخلا على عائشة ﵂ فقالا: إن أبا هريرة يحدّث أن رسول الله ﷺ قال: إنما الطّيرة في المرأة والدار والدابة فطارت شفقا ثم قالت: كذب، والذي أنزل الفرقان على أبي القاسم، من حدّث بهذا عن رسول الله ﷺ، إنما قال رسول الله ﷺ: «كان أهل الجاهلية يقولون إنّ الطّيرة في الدابة والدار والمرأة» ثم قرأت: ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها
«٢» .
كان عبد الله «٣» بن زياد صوّر في دهليزه كلبا وأسدا وكبشا وقال: كلب نابح وكبش ناطح وأسد كالح. وأنشدني أبو حاتم عن الأصمعيّ: [رجز]
يا أيّها المضمر همّا، لا تهمّ إنك إن تقدر لك الحمّى تحمّ
ولو علوت شاهقا من العلم كيف توقّيك وقد جفّ القلم
ولما أمر معاوية بقتل حجر بن عديّ الكنديّ في ثلاثة عشر رجلا معه قال حجر: دعوني أصلّ ركعتين، فتوضّأ وأحسن الوضوء، ثم صلى وطوّل فقيل له: أجزعت؟ فقال: ما توضّأت قطّ إلّا صليت، ولا صليت قط صلاة أخفّ منها. وإن أجزع فقد رأيت سيفا مشهورا وكفنا منشورا وقبرا محفورا.
[ ١ / ٢٣٤ ]
فقيل له: مدّ عنقك، فقال: إن ذلك لدم ما كنت لأعين عليه. فقدّم فضربت عنقه. وكان معاوية بعث رجلا يقال له هدبة لقتلهم، وكان أعور، فنظر إليه رجل من خثعم فقال: إن صدقت الطّيرة قتل نصفنا، فلما قتل سبعة بعث معاوية رسولا آخر بعافيتهم فلم يقتل الباقون.
خرج كثيّر عزّة «١» إلى مصر يريد عزّة، فلقيه أعرابيّ من نهد فقال: يا أبا صخر، أين تريد؟ فقال: أريد عزّة بمصر. قال: فهل رأيت في وجهك شيئا؟
قال: لا إلا أني رأيت غرابا ساقطا فوق بانة ينتّف ريشه. فقال له: توافي مصر وقد ماتت عزة. فانتهره كثيّر ثم مضى فوافى مصر والناس ينصرفون عن جنازة عزة، فقال: [طويل]
فما أعيف النّهديّ لا درّ درّه وأزجره للطير لا عزّ ناصره
رأيت غرابا ساقطا فوق بانة ينتّف أعلى ريشه ويطايره
فأما غراب فاغتراب ووحشة وبان فبين من حبيب تعاشره
وهوي بعد عزّة امرأة من قومه يقال لها: أمّ الحويرث. فخطبها فأبت وقالت: لا مال لك، ولكن اخرج فاطلب فإني حابسة نفسي عليك. فخرج يريد بعض بني مخزوم، فبينا هو يسير عنّ له ظبي فكره ذلك ومضى فإذا هو بغراب يحثوا التراب على وجهه فكرهه وتطيّر منه، فانتهى إلى بطن من الأزد يقال لهم بنو لهب، فقال: أفيكم زاجر؟ قالوا: نعم، فأرشدوه إلى شيخ منهم فأتاه فقصّ عليه القصة، فقال: قد ماتت أو خلف عليها رجل من بني عمها.
فلما انصرف وجدها قد تزوّجت فقال:
[ ١ / ٢٣٥ ]
تيممّت لهبا أطلب العلم عندهم وقد ردّ علم العائفين إلى لهب
فقال جرى الطير السّنيح ببينها فدونك فاهمل جدّ منهمر سكب
فإلّا تكن ماتت فقد حال دونها سواك خليل باطن من بني كعب
حدّثني أبو سفيان الغنويّ قال: حدّثني خالد بن يزيد الصّفّار قال:
حدّثنا همّام بن يحيى بن قتادة عن حضرميّ بن لاحق أو عن أبي سلمة أنّ النبي، ﷺ، كتب إلى امرأته: «إذا أبردتم إليّ بريدا فاجعلوه حسن الوجه حسن الاسم» .
خرج عمر إلى حرّة واقم «١» فلقي رجلا من جهينة فقال له: ما اسمك؟
قال: شهاب. قال: ابن من؟ قال: ابن جمرة. قال: وممن أنت؟ قال: من الحرقة. ثم قال: ممن؟ قال: من بني ضرام «٢» . فقال له عمر: أدرك أهلك وما أراك تدركهم إلا وقد احترقوا، فأتاهم وقد أحاطت النار بهم.
خرج ابن عامر إلى المدينة فإذا هو في طريقه بنعامات خمس، فقال لأصحابه: قولوا في هذه. فقال بشر بن حسان: بلغني أن رسول الله ﷺ قال:
«لا عدوى ولا طيرة» ومن علم شيئا فليقله ولكني أقول: فتنة خمس سنين.
قرأت في كتب العجم أنّ كسرى بعث وهرز إلى اليمن لقتال الحبشة
[ ١ / ٢٣٦ ]
فلما اصطّفوا قال وهرز لغلام له: أخرج إليّ من الجعبة نشّابة وكان الأسوار «١» يكتب على كل نشّابة في جعبته، فمنها ما يكتب عليه اسم الملك، ومنها ما يكتب عليه اسم نفسه، ومنها ما يكتب عليه اسم ابنه، ومنها ما يكتب عليه اسم امرأته. فأدخل العبد يده فأخرج له نشابة عليها اسم امرأته فتطيّر وقال:
أنت المرأة وعليك طائر السوء. ردّها وهات غيرها. فردّها وضرب بيده فأخرج تلك النشابة بعينها ففكر وهرز في طائره ثم انتبه فقال: زنان. وزنان بالفارسية: النساء. ثم قال: زن آن، فإذا ترجمتها: إضرب ذلك قال: نعم الطائر هذا. ثم وضعها في كبد قوسه ثم قال: صفوا لي ملكهم، فوصفوه بياقوتة بين عينيه. ثم إنه مغط في قوسه حتى إذا ملّأها سرّحها فأقبلت كأنها رشاء منقطع حتى فضّت الياقوتة فطار فضاضها ثم فلقت هامته وهزم القوم.
وقال المعلوط «٢»: [وافر]
تنادى الطائران ببين سلمى على غصنين من غرب وبان
فكان البان أن بانت سليمى وفي الغرب اغتراب غير داني
أخذ معناها أبو الشّيص «٣» فقال: [متقارب]
أشاقك والليل ملقي الجران «٤» غراب ينوح على غصن بان
أحصّ «٥» الجناح شديد الصياح يبكّي بعينين ما تذرفان
[ ١ / ٢٣٧ ]
وفي نعبات «١» الغراب اغتراب وفي البان بين بعيد التداني
وقال الطائيّ: [كامل]
أتضعضعت عبرات عينك أن دعت ورقاء «٢» حين تضعضع الإظلام؟
لا تنشجنّ «٣» لها فإنّ بكاءها ضحك وإنّ بكاءك استغرام
هنّ الحمام فإن كسرت عيافة «٤» من حائهنّ فإنهنّ حمام
حدّثني أحمد بن الخليل قال: حدّثني موسى بن مسعود عن عكرمة بن عمّار عن إسحق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك قال: جاء رجل منا إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إنّا نزلنا دارا فكثر فيها عددنا وكثرت فيها أموالنا ثم تحوّلنا منها إلى أخرى فقلّت فيها أموالنا وقلّ فيها عددنا فقال رسول الله ﷺ: «ذروها وهي ذميمة» .
بلغني عن ابن كناسة عن مبارك بن سعيد أخي سفيان الثّوريّ قال:
بلغنا أن أعرابيا أضاع ذودا له فخرج في الطلب حتى أدركه العطش، فمرّ بأعرابي يحتلب ناقة فنشده ضالّته فقال له: متى خرجت في الطلب؟ ادن مني حتى أسقيك لبنا وأرشدك. قال: قبل طلوع الفجر. قال: فما سمعت؟ قال:
عواطيس حولي: ثغاء الشّاء ورغاء البعير ونباح الكلب وصياح الصبيّ. قال:
عواطيس تنهاك عن الغدوّ. قال: فلما طلع الفجر عرض لي ذئب. قال:
كسوب ذو ظفر. قال: فلما طلعت الشمس لقيت نعامة. قال: ذات ريش
[ ١ / ٢٣٨ ]
واسمها حسن، هل تركت في أهلك مريضا؟ قال: نعم. قال: ارجع فإنك ستجد ضالتك في منزلك.
حدّثني عبد الرحمن عن حفص بن عمر الخبطيّ قال: حدّثنا أبو زرعة يحيى بن أبي عمرو السّيباني عن يثيع عن كعب قال: كانت الشجرة تنبت في محراب سليمان النبي ﷺ وتكلمه بلسان ذلق «١» فتقول: أنا شجرة كذا وفيّ دواء كذا. فيأمر بها سليمان فيكتب اسمها ومنفعتها وصورتها وتقطع وترفع في الخزائن حتى كان آخر ما جاء منها الخرّوبة فقالت: أنا الخرّوبة. فقال سليمان: الآن نعيت إليّ نفسي وأذن في خراب بيت المقدس. قال الطائيّ يصف عمّوريّة «٢»: [بسيط]
بكر فما افترعتها كفّ حادثة ولا ترقّت إليها همّة النّوب
جرى لها الفأل برحا يوم أنقرة إذ غودرت وحشة الساحات والرّحب
لمّا رأت أختها بالأمس قد خربت كان الخراب لها أعدى من الجرب