حدّثني محمد بن عبيد قال: حدّثنا سفيان بن عيينة عن يزيد بن خصيفة عن السائب بن يزيد- فيما حفظت إن شاء الله- أنّ النبيّ ﷺ كان عليه درعان يوم أحد. قيل لعبّاد بن الحصين وكان أشدّ رجال أهل البصرة: في أيّ عدّة تحبّ أن تلقى عدوك؟ قال: في أجل مستأخر.
حدّثني زياد بن يحيى قال: حدّثنا بشر بن المفضّل قال: حدّثنا داود بن أبي هند عن عكرمة قال: لما كانت ليلة الأحزاب قالت الجنوب للشّمال:
انطلقي بنا نمدّ رسول الله ﷺ فقالت الشمال: إنّ الحرّة لا تسري بالليل، فكانت الريح التي أرسلت عليهم الصّبا.
حدّثني سهل بن محمد قال: حدّثنا الأصمعيّ قال: حدّثنا ابن أبي الزّناد قال: ضرب الزبير بن العوّام يوم الخندق عثمان بن عبد الله بن المغيرة فقطّه إلى القربوس «١» فقالوا: ما أجود سيفك! فغضب، يريد أنّ العمل ليده لا لسيفه.
وقال الوليد بن عبيد البحتريّ يصف سيفا: [كامل]
ماض وإن لم تمضه يد فارس بطل ومصقول وإن لم يصقل
متوقّد يفري بأوّل ضربة ما أدركت ولو انّها في يذبل «٢»
[ ١ / ٢١١ ]
وقال آخر: [طويل]
وما السيف إلا بزّ «١» غاد لزينة إذا لم يكن أمضى من السيف حامله
رئي الجرّاح بن عبد الله في بعض الحروب وقد ظاهر بين درعين، فقيل له في ذلك. فقال: إني لست أقي بدني وإنما أقي صبري. واشترى يزيد بن حاتم أدرعا وقال: إني لم أشتر أدراعا إنما اشتريت أعمارا.
وقال حبيب بن المهلّب: ما رأيت رجلا في الحرب مستلئما إلا كان عندي رجلين، ولا رأيت حاسرين إلا كانا عندي واحدا. فسمع هذا الحديث بعض أهل المعرفة فقال: صدق، إنّ للسلاح فضيلة. أما تراهم ينادون عند الصّريخ: السلاح السلاح ولا ينادون: الرجال الرجال؟ قال المهلب لبنيه: يا بنيّ، لا يقعدنّ أحد منكم في السوق، فإن كنتم لا بدّ فاعلين فإلى زرّاد أو سرّاج أو ورّاق. وقال عمر بن الخطاب ﵁ لعمرو بن معد يكرب:
أخبرني عن السلاح. قال: سل عمّا شئت منه. قال: الرمح؟ قال: أخوك وربما خانك. قال النّبل؟ قال: منايا تخطىء وتصيب. قال: التّرس؟ قال: ذاك المجنّ وعليه تدور الدّوائر. قال: الدّرع؟ قال: مثقلة للراجل متعبة للفارس، وإنّها لحصن حصين. قال: السيف؟ قال: ثمّ، قارعتك أمّك عن الثّكل. قال عمر: بل أمّك. قال: الحمّى أضرعتني لك «٢» .
وقال الطائيّ «٣» يصف الرّماح: [بسيط]
مثقّفات سلبن الروم زرقتها العرب سمرتها والعاشق القضفا «٤»
[ ١ / ٢١٢ ]
وقال دعبل «١» يصف الرّمح: [سريع]
وأسمر في رأسه أزرق مثل لسان الحيّة الصادي «٢»
وقال الشاعر: [بسيط]
تلمّظ السيف من شوق إلى أنس فالموت يلحظ والأقدار تنتظر
أظلّه منك حتف قد تجلّله حتى يؤامر فيه رأيك القدر
أمضى من السيف إلا عند قدرته وليس للسيف عفو حين يقتدر
وقال آخر: [طويل]
متى تلقني يعدو ببزّي «٣» مقلّص كميت بهيم أو أغرّ محجّل
تلاق امرأ إن تلقه فبسيفه تعلّمك الأيام ما كنت تجهل
وقال عليّ ﵁: بقية السيف أبقى عددا وأكثر ولدا. وفي الحديث «بقيّة السيف مباركة» يعني أنّ من نجا من ضربة السيف ينمو عدده ويكثر ولده. وقال المهلّب: ليس شيء أنمى من سيف. ويقال: لا مجد أسرع من مجد سيف.
وكانت درع عليّ ﵁ صدرا لا ظهر لها فقيل لها في ذلك فقال: إذا استمكن عدوّي من ظهري فلا يبق. وقال أبو الشّيص «٤»:
[ ١ / ٢١٣ ]
[خفيف]
ختلته المنون «١» بعد اختيال بين صفّين من قنا ونصال
في رداء من الصفيح صقيل وقميص من الحديد مذال «٢»
بلغ أبا الأغرّ أنّ أصحابه بالبادية قد وقع بينهم شرّ فبعث ابنه الأغرّ وقال: يا بنيّ، كن يدا لأصحابك على من قاتلهم، وإيّاك والسيف فإنه ظلّ الموت، واتق الرمح فإنه رشاء «٣» المنيّة، ولا تقرب السّهام فإنها رسل لا تؤامر مرسلها. قال: فبماذا أقاتل؟ قال: بما قال الشاعر: [طويل]
جلاميد يملأن الأكفّ كأنّها رؤوس رجال حلّقت في المواسم
وقال الخريمي «٤» في بغداد أيام الفتنة: [منسرح]
يا بؤس بغداد دار مملكة دارت على أهلها دوائرها
أمهلها الله ثمّ عاقبها لمّا أحاطت بها كبائرها «٥»
رقّ بها الدّين واستخفّ بذي ال فضل وعزّ الرجال فاجرها
[ ١ / ٢١٤ ]
وصار ربّ الجيران فاسقهم وابتّز أمن الدروب شاطرها
يحرق هذا وذا يهدّمها ويشتفي بالنّهاب داعرها
والكرخ «١» أسواقها معطّلة يستنّ شذّابها وعائرها
أخرجت الحرب من أساقطهم آساد غيل غلبا تساورها
من البواري «٢» تراسها ومن ال خوص إذا استلأمت مغافرها
لا الرزق تبغي ولا العطاء ولا يحشرها بالعناء حاشرها
ونحوه قول عليّ «٣» بن أمية: [متقارب]
دهتنا أمور تشيب الوليد «٤» ويخذل فيها الصدّيق الصدّيق
فناء مبيد وذعر عتيد وجوع شديد وخوف وضيق
وداعي الصباح بطول الصياح ال سلاح السلاح فما نستفيق
فبالله نبلغ ما نرتجي وبالله ندفع ما لا نطيق
جنى قوم من أهل اليمامة جناية فأرسل إليه السلطان جندا من بخاريّة «٥» زياد، فقال رجل من أهل البادية يذمّر قومه: يا معشر العرب، ويا بني المحصنات، قاتلوا عن أحسابكم ونسائكم، والله لئن ظهر هؤلاء عليكم لا يدعون بها لبنة حمراء ولا نخلة خضراء إلا وضعهوها بالأرض ولاعتراكم من نشّاب معهم في جعاب كأنها أيور الفيلة ينزعون في قسيّ كأنها العتل «٦» فتئطّ
[ ١ / ٢١٥ ]
إحداهنّ أطيط الزّرنوق «١» يمغط أحدهم فيها حتى يتفرّق شعر إبطيه ثم يرسل نشّابة كأنها رشاء «٢» منقطع فما بين أحدكم وبين أن تنفضخ عينه أو ينصدع قلبه منزلة، فخلع قلوب القوم فطاروا رعبا.