كنت أعرف أن لمرعي الكرمي كتابًا في المُزاح أو المِزاح، فكلاهما صحيح بضم الميم وكسرها؛ وقد ذكر لي الأخ الفاضل محمد بن ناصر العَجْمِي حفظه الله تعالى، أنه استحصل على نسخة مصورة لمجموعة رسائل لمرعي الكرمي منها كتابه في المزاح، فقرأت الكتاب، فلفت نظري بادئ الأمر أن معظم الأخبار وردت لدى بدر الدين أبي البركات محمد بن محمد الغَزِّي المتوفى سنة ٩٨٤ هـ = ١٥٧٦ م، في كتابه "المُراح في المُزاح".
قرأتُ الكتابين، وأحلت الأخبار المشتركة لبعضها في الكتابين، فتبين لي أن مرعي الكرمي نقل قسمًا لا بأس به من كتاب الغزي دون الإشارة إليه، علمًا أنه أشار إلى غيره من الكتب عند النقل عنها، والدليل على أنه نقل من الغزي هو كثرة الأخبار المشتركة بالإضافة إلى نقل مرعي الكرمي لقولٍ للغزي دون التصريح باسمه، راجع الخبر رقم: ٦٧ من كتاب "غذاء الأرواح" حيث قال عن الغزي: قال بعضهم، ثم يسوق قول الغزي الذي ورد في كتاب "المراح" تحت الرقم: ١١٦ من طبعتنا.
أما الكتب الأخرى التي نقل عنها مرعي الكرمي وصرح بها، فهي:
- "الأغاني" لأبي الفرج علي بن الحسين بن محمد بن أحمد بن الهيثم المرواني الأموي القرشي الأصفهاني (٣٨٤ - ٣٥٦ هـ = ٨٩٧ - ٩٦٧ م).
[ ٢٠ ]
- "التذكرة الحَمدُونِيَّة" لأبي المعالي بهاء الدين محمد بن الحسن بن محمد بن علي بن حَمْدُون البغدادي (٤٩٥ - ٥٦٢ = ١١٠٢ - ١١٦٧ م).
- "خلاصة عقد الدرر" لم أعرف مؤلفه.
ويبدو لي أن الشيخ مرعي الكرمي اعتمد بشكل رئيسي في تأليفه على كتاب بدر الدين الغزي "المراح في المُزاح"، ثم إنه أضاف إليه بعض الأخبار غير المنظمة، حيث إنه ركز في النقل عن كتاب "الأغاني" على أخبار الفرزدق، بل على بعضها، وأغلبها ورد متقاربًا لدى أبي الفرج، ولو أراد أن يجمع من أخبار الفرزدق وحده لجمع الكثير الكثير، فما بالك لو حاول ذلك مع مجموع كتاب "الأغاني"!
وبعد ذلك جمع في كتابه بعض الأخبار المتفرقة بين أخبار الحمقى والثقلاء، وهي أخبار فرّق الأدباء بينها وبين أخبار المازحين.
فلو حاولنا تعريف المُزاح لقلنا: المداعبة والمباسطة بلطف، وهدفه إشاعة البسمة والسرور بين الحاضرين للخبر المعايشين له والسامعين، أما أخبار الحمقى والمغفلين والثقلاء فتنشر البسمة بين السامعين دون الذين يعيشون الخبر، وهذا فرق جوهري بين أخبار المُزاح وأخبار الحمقى والمغفلين والثقلاء والبخلاء و إلخ.
فالمزح نقيض الجِدِّ، نقل مرتضى الزَّبِيدي في تعريفه قال: إنه المباسطة إلى الغير على جهة التلطف والإستعطاف دون أذية، حتى يخرج الإستهزاء والسخرية. وقال ناقلًا عن الأزهري: المُزَّح من الرجال: الخارجون عن طبع الثقلاء، المتميزون من طبع البغضاء. اهـ.
[ ٢١ ]
فالمازح هو رجل خفيف الظل، لطيف المعشر، سليم الصدر، عطوف الخلق، عديم التكلف.
فأين هذا من الثقلاء والحمقى والمغفلين!
على كلٍّ جمع الكتاب أخبارًا تندرج تحت أخبار الملح والسمر والإحماض، يروِّحُ القارئ بها عن نفسه، ويمتع جلساءه بسماعها.
ولعل عنوان الكتاب الذي يجمع بين "المحادثة" و"المزاح" بحرف العطف يوجد العذر لمرعي الكرمي في الإضافات التي ليس لها علاقة بالمزاح؛ وكذلك قوله في المقدمة: "وبعض حكايات تزيل الهموم، عن قلب المغموم؛ وتحسن بها المعاشرة، وتلذ بها المسامرة".