تمنى مزيدٌ زيدًا فلاقى أخا ثقةٍ إذا اختلف العوالي
كمنيه جابرٍ إذا قال ليتي أصادفه وأفقد بعض مالي
قال: مزيد رجل من بني أسد، كان يتمنى أن يلقى زيد الخيل، فلقيه زيد الخيل فطعنه فهرب منه، فقال زيد في ذلك شعرًا أوله ما أنشدته.
قال س: هذا موضع المثل:
إذا كان جار البيت بين محاربٍ وعبسٍ، فلا يبشر بعزٍّ ولا نصر
دفاعهم عنه إذا ما تجمعواوجدوا دفاع الإسكتين عن البظر
هذا القدر الذي ذكره ابن السيرافي من قصة هذا البيت لا يغني عن المستفيد شيئًا، ولم يذكر جابرًا أيضًا أنه من أي الناس. وهو رجل من غطفان، تمنى زيدًا وهو من باهلة، حتى صبحه زيد، فقالت له امرأته: قد كنت تتمنى زيدًا فعندك، فالتقيا، فاختلفا طعنتين وهما دارعان كلاهما، فاندق رمح جابر ولم يغن شيئًا، وطعنه زيد برمح له يسمى علاجًا - وكانت على كل كعب ضبة من حديد - فأندره فتقلب ظهرًا لبطن، وانكسر ظهره ولم يقتله. فقالت امرأته حين أتته - وهي ترفعه منكسرا ظهره -: كنت تمنيت زيدًا فلاقيت أخا ثقة.
قال السيرافي قال أبو الخثارم البجلي - في منافرة بجيلة وكلب، فتحاكموا إلى الأقرع بن حابس، فقالت بجيلة نحن إخوة نزار ولهم أحاديث - فقال في ذلك أبو الخثارم
يا أقرع بن حابسٍ يا أقرع
إني أخوك فانظرن ما تصنع
إنك إن تصرع أخاك تصرعوا
إني أنا الداعي نزارًا فاسمعوا
قال: جعل تصرعوا للجماعة، يريد الأقرع وقومه، ولا شاهد فيه على هذا الوجه. ويروى هذا الرجز مجرورًا وأنشد:
يا أقرع بن حابسٍ يا أقرع
إني أنا الداعي نزارًا فاسمع
في باذخٍ من عزةٍ ومفزع
وقائمًا ثمت قل في المجمع
للمرء أرطاةٍ أنا ابن الأقرع
ها إن ذا يوم علًا ومجمع
ومنظرٍ لمن رأى ومسمع
قال س: هذا موضع المثل:
خليلي هل يشفي القلوب من الجوى بدو ذرا الأعلام، لا بل يزيدها
[ ٢٢ ]
القدر الذي عرفه ابن السيرافي في هذا الرجز وذكره لا يجدي نفعًا على المستفيد، بل يزيده جهلًا وعمى، ثم إنه أخطأ في القدر الذي ذكره من جهات شتى: منها أنه نسب هذا الرجز إلى أبي الخثارم البجلي، وإنما هو ابن الخثارم، وهو عمرو بن الخثارم البجلي.
ومنها أنه ذكر أن المنافرة كانت بين بجيلة وكلب، وإنما كانت بين رجلين لا قبيلتين، هما: جرير بن عبد الله البجلي، وخالد بن أرطاة بن خشين بن شبث الكلبي.
ومنها قوله: قالت بجيلة نحن إخوة نزار، ولم يبين الأخوة من أي جهة هي.
ومنها أنه قال: يروى هذا الرجز مجرورًا، وإنما هما أرجوزتان، فخلط المرعي بالهمل وإحدى الأرجوزتين مرفوعة، والأخرى مجرورة. وسيأتيك بيان ذلك إن شاء الله.
أملى علينا أبو الندى قال: كان سبب المنافرة بين جرير بن عبد الله البجلي، وبين خالد بن أرطاة بن خشين بن شبث الكلبي - أن كلبًا أصابت في الجاهلية رجلًا من بجيلة، يقال له: مالك بن عتبة من بني عادية بن عامر بن قداد، فوافوا به عكاظ، فمر العادي بابن عم له يقال القاسم بن عقيل بن أبي عمرو بن كعب بن عريج بن الحويرث بن عبد الله بن مالك بن هلال بن عادية بن عامر بن قداد - يأكل تمرًا، فتناول من ذلك التمر شيئًا ليتحرم به، فجذبه الكلبي، فقال له القاسم: إنه رجل من عشيرتي، فقال له: لو كانت له عشيرة منعته. .
فانطلق القاسم إلى بني عمه بني زيد بن الغوث فاستتبعهم، فقالوا: نحن منقطعون في العرب، وليست لنا جماعة نقوى بها. فانطلق إلى أحمس فاستتبعهم فقالوا: كلما طارت وبرة من بني زيد في أيدي العرب أردنا أن نتبعها. فانطلق عند ذلك إلى جرير بن عبد الله فكلمه، فكان القاسم يقول: إن أول يوم أريت فيه الثياب المصبغة والقباب الحمر، اليوم الذي جئت فيه جريرًا في قسر، وكان سيد بني مالك بن سعد بن زيد بن قسر، وهم بنو أبيه.
فدعاهم في انتزاع العادي من كلب فتبعوه، فخرج يمشي بهم حتى هجم على منازل كلب بعكاظ، فانتزع منهم مالك بن عتبة العادي، وقامت كلب دونه، فقال جرير: زعمتم أن قومه لا يمنعونه فقال كلب: إن جماعتنا خلوف. فقال جرير: لو كانوا لم يدفعوا عنكم شيئًا. فقالوا: كأنك تستطيل على قضاعة. . إن شئت قايسناكم المجد - وزعيم قضاعة يومئذ: خالد بن أرطاة بن خشين بن شبث - قال: ميعادنا من قابل سوق عكاظ.
فجمعت كلبٌ وجمعت قسر، ووافوا عكاظ من قابل. وصاحب أمر كلب الذي أقبل بهم في المقبل خالد بن أرطأة. فحكموا الأقرع بن حابس بن عقال ابن محمد بن سفيان بن مجاشع، حكمه جميع الحيين، ووضعوا الرهون على يدي عتبة بن ربيعة بن عبد شمس في أشرافٍ من قريش، وكان في الرهن من قسر: الأصرم بن عوف بن عويف بن مالك بن ذبيان بن ثعلبة بن عمرو بن يشكر بن علي ابن مالك بن سعد بن نذير بن قسر. ومن أحمس حازم بن أبي حازم، وصخر ابن العلبة. ومن بني زيد بن الغوث بن أنمار رجل.
ثم قام خالد بن أرطاة فقال لجرير: ما نجعل؟ قال: الخطر في يدك. قال: ألف ناقة حمراء في ألف ناقة حمراء. فقال جرير: ألف قينة عذراء في ألف قينة عذراء، وإن شئت فألف أوقية صفراء لألف أوقية صفراء.
قال: من لي بالوفاء؟ قال: كفيلك اللات والعزى وإساف ونائلة وشمس ويعوق وذو الخلصة ونسر. فمن عليك بالوفاء؟ قال: ود ومناة وفلس ورضا. قال جرير: لك بالوفاء سبعون غلامًا معمًا مخولًا يوضعون على أيدي الأكفاء من أهل الله. فوضعوا الرهن من بجيلة ومن كلب على أيدي من سمينا من قريش، وحكموا الأقرع بن حابس وكان عالم العرب في زمانه.
فقال الأقرع: ما عندك يا خالد؟ فقال: نحن ننزل البراح، ونطعن بالرماح، ونحن فتيان الصباح.
فقال الأقرع: ما عندك يا جرير؟ قال: نحن أهل الذهب الأصفر، والأحمر المعصفر، نخيف ولا نخاف، ونطعم ولا نستطعم، ونحن حيٌ لقاح، نطعم ما هبت الرياح، نطعم الشهر ونضمن الدهر، ونحن الملوك لقسر.
فقال الأقرع: واللات والعزى، لو فاخرت قيصر ملك الروم، وكسرى عظيم فارس، والنعمان ملك العرب، لنفرتك عليهم. وأقبل نعيم بن حجبة النمري - وقد كانت قسر وفدته بفرس إلى جرير، فركبه من قبل وحشيه، فقيل: لم يحسن أن يركب الفرس. فقال جرير: الخيل ميامن، وإنا لا تركبها إلا من وجوهها.
وقد كان نادى عمرو بن الخثارم أحد بني جشم بن عامر بن قداد فقال:
لا يغلب اليوم فتى والاكما
[ ٢٣ ]
يا بني نزارٍ انصرا أخاكما
إن أبي وجدته أباكما
ولم أجد لي نسبًا سواكما
غيثٌ ربيعٌ سبط نداكما
حتى يحل الناس في مرعاكما
أنتم سرور عين من رآكما
قد ملئت فما ترى سواكما
قد فاز يوم الفخر من دعاكما
ولا يعد أحدٌ حصاكما
وإن بنوا لم يدركوا بناكما
مجدًا بناه لكما أباكما
ذاك ومن ينصره مثلاكما
يومًا إذا ما سعرت ناراكما
وقال أيضًا:
يا لنزارٍ قد نمى في الأخشب
دعوة داعٍ دعوة المثوب
يا لنزارٍ ثم فاسعي واركبي
يا لنزارٍ ليس عنكم مذهبي
إن أباكم هو جدي وأبي
لم ينصر المولى إذا لم تغضبي
يا لنزارٍ إنني لم أكذب
أحسابكم أحظرتها وحسبي
ومن تكونوا عزه لا يغلب
ينمي إلى عزٍّ هجان مصعب
كأنه في البرج عند الكوكب
وقال أيضًا:
يا لنزارٍ دعوةً صباحا
قد فاضح الأمر بنا فضاحا
وقال أيضًا:
يا أقرع بن حابس يا أقرع
إني أخوك فانظرن ما تصنع
إنك إن يصرع أخوك تصرع
إني أنا الداعي نزارًا فاسمعوا
لي باذخٌ من عزه ومفزع
به يضر قادرٌ وينفع
وأدفع الضيم غدًا وأنفع
عزٌ ألد شامخٌ لا يقمع
يتبعه الناس ولا يستتبع
هل هو إلا ذنبٌ وأكرع
وزمعٌ مؤتشبٌ مجمع
وحسبٌ وغل وأنف أجدع
وقال أيضًا:
يا أقرع بن حابسٍ يا أقرع
إنك إن تصرع أخاك تصرع
إني أنا الداعي نزارًا فاسمع
في باذخٍ من عزه ومفزع
قم قائمًا ثمت قل في المجمع
للمرء أرطاةٍ أيا ابن الأفدع
ها إن ذا يوم علًا ومجمع
ومنظرٍ لمن رأى ومسمع
فنفره الأقرع بمضر وربيعة، ولولاهم نفر الكلبي.
قال س: كانت القرابة بين بجيلة وولد نزار، أن إراش بن عمرو بن الغوث ابن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان - خرج حاجًا، فتزوج سلامة بنت أنمار بن نزار، وأقام معا في الدار بغور تهامة، فأولدهما أنمار بن إراش ورجالًا.
فلما توفي إراش وقع بين أنمار بن إراش وإخوته اختلاف في القسمة، فتنحى عن إخوته، وأقام إخوته في الدار مع أخوالهم، وتزوج أنمار بن إراش بهند بنت مالك بن غافق بن الشاهد، فولدت أقيل وهو خثعم، ثم توفيت.
فتزوج بجيلة بنت صعب بن سعد العشيرة، فولدت له عبقر، فسمته باسم جدها وهو سعد، ولقب بعبقر لأنه ولد على جبل يقال له عبقر، وولدت أيضًا الغوث ووادعة وصهيبة وخزيمة وأشهل وشهلاء وسنية وطريفًا وفهمًا وجدعة والحارث.