وتعد الصحافة من أقوى عوامل النهوض بالشعب في عقليته، ولغته، وعلمه، والإصلاح الاجتماعيّ الذي يأخذ بيده صواب الكمال، وقد تحررت اللغة من آفاتها القديمة التي ورثتها عن عصور الانحطاط، ولا سيما السجع والمحسنات والزخرف اللفظيّ والركاكة، على يد الصحافة.
انقضى عصر محمد علي كما رأينا، وليس بمصر سوى صحيفةٍ واحدةٍ هي الواقائع المصرية، وكانت موضوعاتها قاصرةً على الأخبار الحكومية، ولغتها لا تكاد تستقيم من الركة، ولكننا نشاهد في عصر إسماعيل نهضةً جديدةً واسعةً، عظيمة الأثر في الصحافة.
سبق السوريون في بلادهم بإصدار صحف سياسية، وصدرت مرآة
[ ١ / ٧٥ ]
الأحوال، بحلب سنة ١٨٥٥، وإن لم تعمِّر أكثر من عام واحد، ثم صدرت حديقة الأخبار، ببيروت سنة ١٨٥٨، وظلت تصدر حتى سنة ١٩٠٩، وكانت يومًا لسان الحكومة الرسميّ، ثم خطت الصحافة خطوةً أوسع في سبيل الرقيّ بصدور الجوائب لصاحبها أحمد فارس الشدياق، بالآستانة سنة ١٨٦٠، وقد طلعت على الناس بأسلوبٍ جديد في الكتابة العربية، وافتَنَّ صاحبها في تحريرها، وتخير موضوعاتها.
فجمعت بين السياسة والأدب بشتَّى ضروبه وأبوابه، بما في ذلك القصائد البليغة لكبار شعراء العربية، فذاعت، وأقبل الناس على قراءتها بشغفٍ بالغٍ، لم تدع بلدًا عربيًّا، بل إسلاميًّا إلّا دخلته، وقد سافرت كذلك إلى كثير من بلدان الغرب، واقتبسوا منها، وحكو عنها، وظلت تعمل حتى سنة ١٨٨٤، أما صاحبها:
أحمد فارس الشدياق:
هو من رواد النهضة الحديثة في الأدب، وممن سبق بفكره، وقلمه، وعلمه، أبناء زمانه لكثرة ما قرأ، وجرب ورأى بعينيه، وسمع بأذنيه؛ لأنه جاب بلادًا عديدة، وعرف لغاتٍ شتَّى، وأفاد مما رأى، ومما قرأ وعرف، فكان نادرةً من نوادر عصره.
وُلِدَ بقرية عشقون في لبنان سنة ١٢١٩هـ-١٨٠٤م، من أسرة مارونية مشهورة، ثم انتقل والده إلى قرية "الحدث" بالقرب من بيروت، وتيتم فارس بن منصور "وعرف فيما بعد باسم: أحمد فارس الشدياق" وهو صغير، وكانت تتراءى عليه علامات النجابة؛ فأتقن صناعة الخط، وجعل ينسخ الكتب بنفسه، ولغيره، طلبًا للرزق.
وكان له أخٌ يسمى: "أسعد" على حظٍّ وفيرٍ من العلم والذكاء، وعليه تلقى فارس دروسه الأولى، وأفاد منه فائدةً جليلةً، ووجهه وجهةً صالحةً، وغرس في نفسه محبة العلم.
ثم اضهد "سعد" من بطريك المورانة، وسيم ألوانًا من العذاب، لتغيير
[ ١ / ٧٦ ]
مذهبه المارونيّ إلى المذهب الإنجيليّ، حتى مات بأحد الأديرة، وهو في عنفوان شبابه، فأثر موته على فارس، وحزَّ في نفسه، فكره الإقامة ببلاد الشام، وأعلن سخطه على المارون، فجدّوا في أثره لينكلوا به، بيد أنه لجأ إلى المبشرين الأمريكيين ببيروت، فأحسنوا مقدمه، وبعثوا به إلى مصر ليعلم أعضاء بعثتهم فيها اللغة العربية.
وفي مصر، تعرف على الشيخ محمد شهاب، محرر الوقائع المصرية، فلازمه وقرأ عليه طائفة من كتب اللغة والأدب، وقرأ على غيره كتبًا في المنطق والنحو، حتى تمكَّن من سائر علوم العربية، وتقرَّب من كبار علماء مصر، ومن معية الخديوي، ثم أفسح له مجال الكتابة في الوقائع، فأخذ يدبج فيها المقالات الممتازة بأسلوبٍ جديدٍ لم يألفه المصريون من قبل، وهو الأسلوب المرسل الرصين، ثم أسند إليه تحرير الوقائع مدة.
وبعد ذلك سافر إلى "مالطة" سنة ١٨٣٤، بدعوةٍ من الأمريكان، ليعلِّم في مدراسهم هنالك، فمكث بها أربعة عشر عامًا، عكف في أثنائها على التدريس، والتأليف، ونشر الكتب وتصحيحها، إلى أن طلبته جمعية ترجمة "التوراة" بلندن؛ ليساعد في التعريب والضبط والتنقيح، فسافر إليها سنة ١٨٤٨، وأقام بها مدةً مكنته من تعلم اللغة الإنجليزية، وتعرف أحوال الإنجليز وبلادهم معرفةً دقيقةً، ثم سافر إلى باريس بعد أن نال الحماية البريطانية، وتجنس بالجنسية الإنجليزية.
وقد سجَّل رحلته إلى أوربا في كتابه "كشف المخبا عن أحوال أوربا"، وقد ألَّفَ في أثناء مقامه بأوربا كتابه "الساق على الساق فيما هو الفارياق" والفارياق لفظ متقطع من "فارس الشدياق".
ولما زار باي تونس باريس، ووزَّع في فرنسا كثيرًا من الأموال على الفقراء، مدحه الشدياق بقصيدة طويلة حببته إليه، فاستدعاه للإقامة معه بتونس، وكان قد مدح السلطان عبد المجيد كذلك بقصيدةٍ طويلةٍ حسنت لديه، فاستدعاه للآستانة، ولكنه فضَّل الذهاب إلى تونس أولًا، فأرسل إليه "الباي" باخرةً حربيةً لحضوره عليها.
وقد وقعت بينه وبين شيخ الإسلام في تونس مجادلاتٍ في العقائد الدينية
[ ١ / ٧٧ ]
أدت إلى اعتناقه الإسلام، وسمى نفسه: "أحمد فارس"، وتكنَّى "بأبي العباس"، وكان يقول في هذا.
"لعمري ما كنت أحسب أن الدهر ترك للشعر سوقًا ينفق فيها، ولكن إذا أراد الله بعبدٍ خيرًا لم يعقه عنه الشعر ولا غيره".
وتولَّى عند الباي أرفع المناصب، واشتهر اسمه، فطلبته الآستانة مرةً أخرى، فلبّى الدعوة، وهناك ألحق بديوان الترجمة، وتولّى الإشراف على التصحيح بدار الطباعة.
ويقال: إن الخديوي إسماعيل هو الذي أشار عليه في أثناء زيارته للآستانة بإنشاء "الجوائب" وكان معجبًا به، فقام بإنشائها سنة ١٨٦١، واشتركت فيها الحكومة المصرية بألفي نسخة.
وقد قدم مصر سنة ١٨٦٦، وهو شيخ هرم، في عهد الخديوي توفيق، فقوبل بكل إجلالٍ وترحابٍ، واجتمع به كثيرون من الأدباء ورجال الصحافة، فبهرهم على الرغم من شيخوخته بتوقد قريحته، وسرعة بديهته، وحلاوة سمره وطلاوته، ورقة حاشيته، ورشيق عبارته، ثم عاد إلى الآستانة، فتوفي بها سنة ١٨٨٧، ونقلت جثته إلى سوريا، ودفن بقرية الحازمية على مقربة من بيروت.
والشدياق من أوئل الذين اهتموا بالأبحاث اللغوية في العصر الحديث، وله كتاب "الجاسوس على القاموس"، وهو كذلك من أوائل الكُتَّاب المترسلين، الذين خاضوا في كل موضوع، وأفادوا الأدب واللغة بأبحاثهم ومقالاتهم، وله عدة كتبٍ، كان لها في زمانه وبعد زمانه شأن يذكر، منها:
١- "الواسطة في أحوال مالطة" وقد وصف فيه هذه الجزيرة وصفًا دقيقًا، وأبان فيه عن أصل اللغة التي ينطق بها زهلها، وبيَّنَ أنها اللغة العربية شيبت بلهجات الغزاة الفاتحين وألحانهم.
٢- "كشف المخبا عن أحوال أوربا" فَصَّلَ فيه سياحته في بلاد الإنجليز
[ ١ / ٧٨ ]
وغيرها من الأقطار الأوربية، ووصف عادات الإنجليز وآدابهم، وأخلاقهم، وتاريخ تمدينهم، وسر تقدمهم بأسلوبٍ شائقٍ طليّ.
٣- "الساق على الساق فيما هو الفارياق" وهو كتابٌ ممتعٌ، سيق في أسلوبٍ قصصيٍّ، وذكر فيه تاريخ حياته، وأحوال الخاصة، وما عاناه في دهره، وفي معركته مع الحياة والأيام، وخلط فيه الجد بالهزل، والسجع بالترسل، والعلم بالأدب، وأغرب فيه وأطرب، وذهب في تدبيجه وصياغته كل مذهب، طبع بباريس ١٨٥٥.
٤- سر الليالي في القلب والإبدال.
٥- "الجاسوس على القاموس" وضعه لاستدراك ما فات الفيروز آبادي في قاموسه، وما وَهِمَ فيه من الألفاظ، وهو مطبوع.
٦- "منتهى العجب في خصائص لغة الأدب"، في أسرار اللغة، وخصائص الحروف ومدلولاتها، ولكنه ذهب فريسة النار، وهو بعد مخطوط لم يطبع.
٧- "الجوائب" وقد اشتركت فيها مصر بألفي نسخة، وكان باي تونس يمدها بخمسمائة جنيه سنويًا، وتلقت مثل هذه الإعانة من السلطان عبد العزيز، وكانت تصدر أسبوعيًّا، وقد نالت شهرةً عظيمةً -كما ذكرنا آنفًا، وهي الجريدة الوحيدة التي جاهرت بالدفاع عن الخديوي إسماعيل في دار الخلافة، حينما خلع سنة ١٨٧٩، ورثته يوم وفاته، ولم يخش سطوة الحكومة العثمانية، ويقال: إن السفارة الإنجليزية بالآستانة دفعت لصحابها ألف جنيه، نظير إذاعة المنشور الذي أصدره الباب العالي، فيه عصيان عرابي باشا سنة ١٨٨٢، وأن ذلك كان من أسباب إخفاق عرابي.
وقد جمع سليم بن أحمد فارس منتخبات من الجوائب ونشرها في سبعة أجزاء.
٨- لأحمد فارس كتب مدرسية كثيرة منها: الباكورة الشهية في نحو اللغة الإنجليزية، والسند الراوي في الصرف الفرنساوي، واللفيف في كل معنى طريف.
٩- وله ديوان شعر لم يطبع.
[ ١ / ٧٩ ]
وقد عُنِيَ الشدياق -كما رأينا من مؤلفاته- بالأبحاث اللغوية، ومن ذلك كتابه "الجاسوس على القاموس" الذي حاول فيه أن يستدرك على صاحب "القاموس" ماجاء في معجمه من قصورٍ وإبهامٍ وإيجازٍ وريهامٍ وعسرٍ في مراجعة الأفعال ومشتقاتها، وذلك بأن يؤلف في اللغة كتابًا سهل الترتيب، واضح التعاريف، شاملًا للألفاظ التي استعملها الأدباء والكُتَّاب، وكل من اشتهر بالتأليف.
وقد دعاه إلى ذلك أمران:
أولهما: مزاحمة اللغات الأجنبية للغة العربية واللسان؛ فكادت تجلي عنه أهله، وتحجب عنهم ظله، وتحبس وابله وطله؛ لأن ترتيب كتب لغاتهم أسهل، والوصول إليها أعجل، ولا سيما أنها قليلة المشتقات، وليس في تعريف ألفاظها كبير اختلاف في الروايات، أما من يتعاطون من التجارة، ويحملون عبء الإمارة، فإنهم يزعمون أن اللغة العربية لا تصلح في هذا الزمن لهاتين الخطتين، فلابد بكلام الأجانب وإن أدى إلى الحطتين، فمن ثَمَّ مست الحاجة إلى زيادة تفصيل لمفردات لغتنا ومركباتها، وتبيين لأصولها من متفرعاتها إلخ".
وثانيهما: رغبة في حَثِّ أهل العربية على حب لغتهم الشريفة، وحَثِّ أهل العلم على تحرير كتابٍ فيها، خالٍ من الإخلال، مقرب كما يطلبه الطالب منها دون كلال، فإني رأيت جميع كتب اللغة مشوشة الترتيب، كثر ذلك أو قلّ، وخصوصًا كتاب "القاموس" الذي عليه اليوم المعول".
وقد أثار في هذا الكتاب موضوعاتٍ لا تزال موضع بحثٍ حتى يومنا هذا، وقد حاول في غير هذا الكتاب أن يدافع عن اللغة العربية، وأن يعمل على تزويدها بالمصطلحات الفنية، فهو في الوقت الذي يمتدح فيه اللغة العربية لسهولة ألفاظها ووضوحها، نراه يعترف بأن مفردات العربية غير تامةٍ فيما يتعلق بما استحدث بعد العرب الذين وضعوا اللغة من فنون وصناعات، مما لم يكن يخطر ببالهم، ولكن ذلك في رأيه مما لا يشين اللغة؛ إذ لا يحتمل أن واضع اللغة يضع أسماء لمسمياتٍ غير موجودة، وإنما الشين علينا الآن في أن نستعير هذه الأسماء
[ ١ / ٨٠ ]
الأجنبية، على قدرتنا على صوغها من لغتنا، على أن أكثر هذه الأسماء هو من قبيل اسم المكان أو الآلة، وصوغ اسم المكان والآلة في العربية مطرد من كل ثلاثي".
وقد حثَّ على استخدام "النحت" والإكثار منه؛ لإثراء اللغة كما فعلت اللغات الأجنبية الأخرى، وذلك حتى نستغني عن استعمال الدخيل.
ومن روائع أدبه قوله يصف مصر في كتابه "الساق على الساق":
"ومن خواصِّها أن أسواقها لا تشبه رجالها ألبنه، فإن لأهلها لطافة وظرافة، وأدبًا وكياسة وشمائل، وأخلاقًا زكية، وأسواقها عارية عن ذلك رأسًا.
ومنها: أن العالم عالم، والأديب أديب، والفقيه فقيه، والشاعر شاعر، والفاسق فاسق، والفاجر فاجر، ومن ذلك أن البنات اللائي يستخدمن في "الميرى" لحمل الآجر، والجبس، والتراب، والطين، والحجر، والخشب، وغير ذلك، يحملنه على رءوسهن، وهن فَرِحَات، جامحات، سابحات، صادحات، مادحات، وغير ترحات، ولا دالحات١، ولا رازحات، ولا كالحات، ولا نائحات، ومن كان نصيبها من الأجر نظمت عليه "موالًا" أجيرًا، أو من الجبس غنت له أغنية جبيسةً، كأنما هن سائرات في زفاف عروس.
ومن ذلك أن "الرنيطة" فيها تَنْمِي وتعظم، وتغلظ وتضخم، وتتسع وتطول، وتعرض وتعمق، فإذا رأيتها على رأس لابسها حسبتها "شونة"٢، قال "الفارياق": وكثيرًا ما كنت أتعجب من ذلك وأقول: كيف صح في الإمكان، وبدا للعيان أن مثل هذه الرءوس الدميمة، الضيئلة الذميمة، الخسيسة اللئيمة، المستنكرة المشئومة، المستقذرة المهوعة٣ المستقيمة المستفظعة، المستسمجة المستشنعة، والمسترزلة المستبشعة.
_________________
(١) ١ من دلح كمنع: مشى بحمله متقبض الخطو لثقله، وسحابة دلوح: كثيرة الماء. ٢ الشونة: كما جاء في القاموس مخزن الغلال، مصرية. ٣ الهوعة: من هوعته ما أكل، إذا قيأته إياه.
[ ١ / ٨١ ]
هواء مصر، وكبرها إلى هذا المقدار، وقد طالما كانت في بلادها لا تساوي قارورة الفراش، ولا توازن ناقورة الفرَّاش، وكيف كانت هناك كالتراب، فأصبحت هنا كالتبر؟ يا هواء مصر، يا نارها، يا ماءها، يا ترابها١ صيري طربوشي هذا "برنيطة"، وإن يكن أحسن منها عند الله والناس وأفضل، وأجمل وأمثل، وللعين أبهى وأكمل، وعلى الرأس أطبق، وبالجسم أليق.. قال: فلم يغن عني النداء شيئًا، وبقي رأسي مطربشًا، وطرف دهري مطرفشًا٢.
ومن خصائصها أيضًا أن البغاث بها يستنسر، والذباب يستصقر، والناقة تستبعر، والجحش يستمهر، والهر يستنمر، بشرط أن تكون هذه الحيوانات مجلوبة إليها من بلاد بعيدة.
ومن ذلك أن كثيرًا من أهلها يرون أن كثيرة الأفكار في الرأس يكثر عنها الهموم والأكدار، أو بالعكس، وأن العقل الطويل يتناول البعيد من الأمور، كما أن الرجل الطويل يتناول البعيد من الثمر وغيره، وأن تلك الكثرة سبب في الإقلال، فما دام النور موقدًا، فلابد أن تفقد الفتيلة، ولا يمكن إبقاؤها إلّا بإطفاء النور، أو كالماء في الوادي، فإذا دام الماء جاريًا فلابد أن ينصب في البحر، فمتى حقن بقي، أو كالفلوس في الكيس، فما دام المفلس أي: صاحب الفلوس يمد يده إلى كيسه، وينفق منه، فني ما عنه، إلّا أن تربط يده عن الكيس، أو يربط الكيس عن يده، فمن ثَمَّ اصطلحوا على طريقةٍ لتوقيف جريان العقل في ميدان الدماغ حينًا من الأحيان، ليتوفر لهم في غيره، وذلك بشرب شيء من الحشيش، أو بمضغه، أو بالنظر إليه، أو بذكر اسمه، فحين يتعاطونه تغيب عنهم الهموم، ويحضر السرور، وتولي الأحزان، ويرقص المكان".
_________________
(١) ١ يشير بالهواء والنار والتراب والماء إلى العناصر الأربعة، التي كان يعتقد الفلاسفة القدماء أنها أصل المواد. ٢ الطرف العين: وطرفشت العين: أظلمت وضعفت، وفلان نظر وكسر عينيه.
[ ١ / ٨٢ ]
وفي الحق لم يدع أحمد فارس شيئًا من أهل مصر وعاداتهم إلّا وصفه وصفًا دقيقًا بذلك الأسلوب المرح، وهذا التهكم المحبوب، وله نظراتٌ نافذاتٌ حين يتكلم على الأجانب، وكيف صار لهم الحول والسلطان، مع أنهم كانوا في بلادهم أفاقين مفلسين، وحين يعبِّر عن فلسفة الحشاشين، وكيف يعملون جادين مخلصين على تغييب العقل، وهو الذي يهدي الإنسان سواء السبيل.
وأنت ترى في أسلوبه السجع، والترسل، والسهولة، والتوعر، والكلمات العامية، والكلمات الغريبة التي لا تستعمل إلّا في المعاجم، وكأنه قصد إلى إحيائها، وكما كان يفعل أصحاب المقامات، لولا طرافة الموضوع، وصدق الوصف، ومما يلفت الأنظار في أدب أحمد فارس أنه كان قوي الملاحظة، معنيًّا بأحوال الشعوب وطرق حياتهم، والموازنة بين الشعوب التي زارها، والشعوب العربية، وله فصولٌ ممتعة في كتابه "الساق على الساق" عن الإنجليز وبلادهم، والفرنسيين وأحوالهم، ومما قاله في الموازنة بين الأدب الغربيّ والعربيّ قوله:
"فإنهم أول ما يبتدئون المدح يوجهونه إلى المخاطب، ويجعلونه ضربًا من التاريخ، فيذكرون فيه مساعي الممدوح، ومقاصده، وفضله على مَنْ تقدَّمَه من الملوك، بتعديد أسمائهم، ولما ترجم "مسيو دوكان" قصيدتي التي مدحت بها المرحوم أحمد باشا، والي تونس، وطبعها مع الترجمة، كان بعضهم يسألني "هل اسم الباشا "سعاد"؟ وذلك لقولي: "زارت سعاد وثوب الليل مسدول" فكنت أقول: لا، بل هو اسم امرأة، فيقول السائل: "وما مدخل المرأة بينك وبين الباشا؟ " وهو في الحقيقة أسلوب غريب للعرب، قال العلامة الدسوقي: "اعلم أنه قد جرت عادة الشعراء أنهم إذا أرادوا مدح إنسانٍ أن يذكروا قبله الغزل؛ لأجل تهييج القريحة وتحريك النفس للشعر، والمبالغة في الوصف، وترويح النفس ورياضتها" قلت: كما أن الإفرنج ينكرون علينا هذه العادة، كذلك ينكرون المبالغة في وصف الممدوح، وأما تشبيهه بالبحر والسحاب والأسد، والطود، والبدر، والسيف، فذلك عندهم من التشبيه المبتذل، ولا يعرضون له بالكرم، وبأن عطاياه تصل إلى البعيد، فضلًا عن القريب، فهم إذا مدحوا ملوكهم، فإنما يمدحونهم للناس، لا لأن يصل مدحهم إليهم".
[ ١ / ٨٣ ]
ومن فكاهاته التهكمية، ونقداته اللاذعة، ما قاله عن علم النحو وتعلمه، قال أحد التلميذين: ألا قبحًا لذوي الخواطر البليدة، والفطن البعيدة، وكيف لا يتعلم الناس كلهم فن النحو، وهو أسهل من حك ما تحت الحقو، أما والله لو كانت العلوم كلها مثله، لما غادرت منها كبيرًا ولا صغيرًا إلّا استوعبته كله، ولكني سمعت أن النحو إنما هو مفتاح العلوم، ولا يعد منها فلابد أن يكون غيره أصعب منه.
فقال له معلمه: لا تقل هكذا، بل النحو أساس العلوم، وكل العلوم مفتقرة إليه افتقار البناء إلى الأساس، ألَا ترى أن أهل بلادنا لا يعلمون سواه، ولا يعرجون على غيره؟ وعندهم أن من تَمَكَّن منه، فقد تَمَكَّن من معرفة خصائص الموجودات كلها، ولذلك لا يؤلفون إلّا فيه، وإنما يحصل فيه خلاف بنيهم في تقديم بعض الأبواب على بعض، وفي توضيح ما كان مبهمًا منه بأدلةٍ وشواهد، واختلفوا أيضًا في الشواهد، فمن قال إنها مفتعلة، ومن قائل إنها ضرورة أو شاذة، بيد أن المآل واحد، وهو أن العالم لا يسمى عالمًا إلّا إذا كان متمكنًا من النحو، مستقصيًا لجميع وقائعه، ولا يكاد يستتب أمر إلّا به، ولو قلت مثلًا: ضرب "زيد عمرو" من غير رفع زيد، ونصب عمرو، فما يكون ضربه حقًّا، ولا يصح الاعتماد على هذا الإخبار، فإن حقيقة فعل الضرب متوقفة على علم كون زيد مرفوعًا، وجميع اللغات التي ليس فيها علامات الرفع، فهي خالية عن الإفادة التامة، وإنما يفهم الناس بعضهم بعضًا من دون هذه العلامة، عن دربة واتفاق، فلا معول على كتبهم وإن كثرت، ولا على علومهم وإن جلت".
وأخذ المعلم يثني على النحو ثناءً عظيمًا، ويبين أنه هداه إلى مسألةٍ حار فيها حيرةً عجيبةً، فسأله تلميذه: وما هذه الفائدة يا أستاذي؟ قال: قد طالما كان يخامرني الريب في قضية خلود النفس، فكنت أميل إلى ما قالته الفلاسفة، ومن أنه كل ما كان له ابتداء فهو متناهٍ، فلما رأيت النحو له ابتداء، وليس له انتهاء قست النفس عليه فزال عني والحمد لله ذلك الإبهام" وفي هذا الكلام لذعات حادة للنحاة لا تخفى على اللبيب.
[ ١ / ٨٤ ]
وهكذا نجد أحمد فارس في كل ما كتبه يخلط الجد بالهزل، ويتهكم تهكمًا مريرًا على الأوضاع التي لا تروقه، وقد قال عن كتابه "الساق على الساق فيما هو الفارياق":
هذا كتابي للظريف ظريفًا طلق اللسان وللسخيف سخيفًا
أودعته كلمًا وألفاظًا حلت وحشوته نقطًا زهت وحروفًا
وبداهةً وفكاهةً ونزاهة وخلاعةً، وقناعةً وعزوفًا
كالجسم فيه كل عضوٍ تعشق الـ مستور منه وتحمد المكشوفا
فصلته لكن على عقلي فما مقياس عقلك كان لي معروفًا
وقد وضع أحمد فارس كل تجاربه وعلمه وفنه، وقلمه الظريف القوي المتمكن من مختلف أساليب اللغة في إخراج "الجوائب" فكانت من الصحف الأولى في العالم، وله يرجع فضل السبق في تعبيد العربية وتذليلها بأسلوبه المرسل الطليق، كما أنه من أوائل الذين مُلِئَت قلوبهم بغضًا للأجانب، فهم عن حق أغراضهم الدنيئة، وسلقهم بلسان حاد، وحَرَّضَ على إخراجهم من ديار العرب والشرق، وقد خَصَّ مصر بحبٍّ وفيرٍ، وكان مثلًا في الصحافة انتهجه المصريون، وحذوا حذوه، فلا بدع أن كان من رواد النهضة الحديثة.
كل ذلك حفَّزَ المصريين إلى الاهتمام بالصحافة، ووجدوا من إسماعيل صدرًا رحبًا للنقد السياسيّ، اللهم إلّا ما يمس شخصه، فلصحابه الويل والثبور كما حدث لمدير الأهرام سنة١٨٨٩، حين أشار إلى مالٍ صرف من الخزينة، ولم يعلم مصيره، وكاد إسماعيل يبطش به، وبجريدته، لولا أن ارتمى في حضن فرنسا فحمته، كما وجدوا إسماعيل تشجيعًا للحركة الأدبية، وميلًا للأدب والفن والعلم، ومن الصحف المصرية التي ظهرت في عهد إسماعيل:
١ - مجلة اليعسوب:
وهي أولى هذه الصحف المصرية، وهي مجلةٌ طبيةٌ أصدرها الدكتوران: محمد علي البقلي، وإبراهيم الدسوقي، وكانت شهرية عربية اللغة، وهذا يدلنا على عظم المحاولة التي ان يبذلها أطباء البعثات العلمية في تذليل اللغة العربية للمصطلحات العلمية، والاستعانة بالكتب القديمة، وبوضع كلمات من عندهم-
[ ١ / ٨٥ ]
على سبيل الاشتقاق- ولقد كانت هذه المجلة الأولى من نوعها في الشرق، ولكنها للأسف لم تعمِّرْ طويلًا، ومنها نماذج بدار الكتب، وكان ظهورها سنة ١٨٦٥.
٢- مجلة روضة المدارس:
أنشأها العلامة علي مبارك سنة ١٨٧٠، حين كان وزيرًا للمعارف المصرية، وهي من أجلِّ أعماله خدمةً للغة والأدب، وكانت الوزارة تتولى إصدارها والإنفاق عليها، وقد أسست لإحياء الآداب العربية، ونشر المعارف الحديثة، وأسندت رئاسة تحريرها للعالم الأديب رفاعة الطهطاوي، فقد رأى علي مبارك أن رفاعة أجدر الناس أن يتولى الإشراف على روضة المدارس، وفي ذلك يقول: "لما كان حضرة رفاعة بك ناظر قلم الترجمة بديوان المدارس، وهوالمشار إليه بين أرباب المعارف بالبنان، والمعترف بدرجة فضله الرفيعة كل إنسان، ناسب أن يجعل هذه الصحيفة تحت نظارته، لتتحلى من معلوماته بالدر الثمين، وينشر علمها، فيتلقاه محب المعارف باليمين".
وقد صَدَّرَ رفاعة بك أول عدد منها بمقالٍ بَيَّنَ فيه الهدف الذي تسعى إليه المجلة، والخطة التي تسير عليها لبلوغ هذا الهدف، ومما جاء في هذا المقال قوله: "بحيث تكون فيها الفوائد المتنوعة، والمسائل المتأصلة والمتفرعة، أقرب تناولًا للمطلع المستفيد، وأسهل مأخذًا لمن يعانيها من قريب الفهم والبعيد، بقلم سهل العبارة، واضح الإشارة، وألفاظٍ فصحيةٍ غير حوشيةٍ، ولا متجسمةٍ لصعب التراكيب، ومعانٍ رجيحة تنفرط في سلك مستحسن الأساليب".
وقال: "وقد تنزهت صحيفتنا هذه مما سوى ما يخص نشر فائدة علمية، ومحمدة أثرية، مما يقع عليه الاختيار، ولا ضرر فيها ولا ضرار، فليس من وظائفها تقييد الأحوال السياسية الوقتية، والأفعال الرئاسية والإدارية".
[ ١ / ٨٦ ]
ومن الذين أسهموا في تحرير المجلة: عبد الله فكري، الذي أحيلت عليه العلوم العربية والفنون الأدبية، و"بروكش" ناظر مدرسة اللسان المصريّ القديم، وخُصَّ بالتاريخ، وإسماعيل الفكلي، وعُهِدَ إليه بالفلك، ومحمد قدري، وخُصَّ بالجغرافية والأخلاق والعقائد، وأحمد ندا، وعُهِدَ إليه ببيان المواد النباتية، والشيخ عثمان مدوخ، وطُلِبَ منه إمداد المجلة بغرائب النوادر والمضحكات والألغاز والأحاجي والنكات، وأُحِيلَ على مباشر تحريرها الكلام على محروسة مصر القاهرة، وذكر أخطاطها وشوارعها، وأُحِيلَت كافة العلوم الرياضية على مدرسي المدارس، وما يراد منه في القابل، ويذكر اسم صاحبه حتى لا يضيع عمل عامل١.
وقد ضُمَّ إلى هيئة التحرير بعد إنشائها السيد مجدي، وكيل ديوان المدراس، والشيخ حسونة النواوي، مدرس الفقه وعلم الكلام بمدرسة الألسن، وصار فيما بعد شيخًا للأزهر، وأسنتدت مباشرة تحريرها وترتيب مقالاتها على علي فهمي ولد رفاعة "بك"، وكان مدرس الإنشاء بمدرسة الإدارة والألسن، واتخذت المجلة شعارها:
تعلم العلم واقرأ تحز فخار النبوة
فالله قال ليحيى "خذ الكتاب بقوة"
فكانت هذه المجلة ميدانًا يتبارى فيه فطاحل الكتاب في ذلك العصر، وقد عنيت -كما رأيت- بالمباحث الطريفة في العلم والأدب والاجتماع والفلك والتاريخ والرياضيات، وكانت تصدر مرتين في الشهر، وظلت تصدر ثماني سنوات، فمهدت السبيل للصحافة الحديثة، وكانت توزع بالمجان على جميع التلاميذ، وقد أفسحت أعمدتها للطلبة ينشرون أبحاثهم الجيدة فيها، فعودتهم بذلك الاطلاع والكتابة والبحث، وبذل الجهد المستقل عن أساتذتهم.
ومن الأمثلة على تشجيع المجلة للتلاميذ ما نشرته "للشاب النجيب، إسماعيل أفندي صبري، أحد تلاميذ مدرسة الإدراة وقتئذ"، وقد صار فيما بعد الشاعر المشهور إسماعيل "باشا" صبري.
_________________
(١) ١ العدد الأول من مجلة روضة المدارس.
[ ١ / ٨٧ ]
فمن ذلك قصديته في مدح الخديو إسماعيل، بالعدد العشرين من السنة الأولى، مطلعها:
سفرت فلاح لنا هلال سعود ونما الغرام بقلبي المعمود
وقصيدة أخرى، بالعدد الخامس من السنة الثانية، قال فيها:
أغُرَّتُك الغراء أم طلعة البدر وقامتك الهيفاء أم عادل السمر
وشعرك أم ليل تراخى سدوله وثغرك أم عقد تنظم من در
وقصيدة أخرى، بالعدد الثالث والعشرين من السنة الثانية، استهلَّها بقوله:
لا والهوى العذري والوجد عذل عذولي فيك لا يجدي
إني مع الصد وطول الجفا باقٍ على الميثاق والعهد
وغير ذلك ما يعد تقدمى وباكورة للشعر الحديث١.
٣- أما الصحف السياسية بمصر: فأقدمها ظهورًا جريدة "وادي النيل" أنشأها الكاتب الأديب الشاعر عبد الله أبو السعود٢، وكانت تصدر مرتين في الأسبوع على شكل المجلات، ثم ألغتها الحكومة في سنة ١٨٨٣، بيد أنها استأنفت جهادها وحياتها باسم جديد هو "روضة الأخبار" التي أصدرها محمد أنسي، نجل عبد الله أبي السعود، وكان والده يحرر القسم السياسيّ بها إلى آخر حياته.
٤- وتليها في الظهور جريدة "نزهة الأفكار" سنة ١٨٦٩، لمنشئها إبراهيم المويلحي، ومحمد عثمان جلال، وناهيك بهما في ذلك العصر فحولة قلم، وجزالة أسلوب، وطرافة موضوع، وحلاوة نكتة، وكانت هذه الجريدة أسبوعية، ولكن لسوء الحظ لم يصدر إلّا عددان، وضاق بها إسماعيل ذرعًا، فعطلها حين نصحه بذلك أحد وزرائه خشيةَ أن تثير لهجتها الخواطر ضده.
_________________
(١) ١ راجع تاريخ الحركة القومية لعبد الرحمن الرافعي، ج٣ ص٤٨٩، ترجمة رفاعة الطهطاوي وعصر إسماعيل له كذلك، ج٢ ص٢٦٢، وديوان إسماعيل صبري ٢-١٠، وأعداد مجلة روضة المدارس. ٢ توفي سنة ١٨٧٨، وهو من أوائل تلاميذ رفاعة الطهطاوي، واشتغل بالتدريس بدار العلوم، واشتهر بالترجمة والكتابة في التاريخ، وصار عضوًا بمجلس الاستئناف.
[ ١ / ٨٨ ]
٥- وأنشأ بعض الأقباط بمصر في سنة ١٨٧٧، جريدة "الوطن"، وكانت سياسيةً وطنيةً تميل إلى التحرر، ثم نزح عقب حوادث سنة ١٨٦٠، في سوريا١ جماعةٌ من الأدباء الذين فروا بحريتهم من الاضطهاد، وجاءوا وقلوبهم تغص بالحقد والإحن على تركيا، وفي نفوسهم ميل إلى الحرية، والتنفيس عن الآراء المكبوتة، وقد شجعهم إسماعيل على الإقامة بمصر، والإسهام في نهضتها، ولا نستطيع أن ننكر ما أسدوه للصحافة ولنشر الثقافة من خدمات.
ومن أوائل الذين وفدوا إلى مصر عقب هذه الحوادث الدامية:
أديب إسحق:
وهو فلتة من فلتات الزمن، استطاع مع حداثة سنه أن يتوهج في سماء الأدب والسياسة والخطابة نجمًا ساطعًا، وأن يكون مدرسةً إنشائيةًَ يحتذيها الأباء والخطباء، وكان من الذين امتلأ قلوبهم بحب مصر والشرق، ورأى الأجانب الطامعين، والمرتزقة والأفاقين، فأضرمها عليهم نارًا مشبوبة، لا تخمد لها جذوةٌ في كل مكان حلَّ به، وقد ارتحل وشُرِّدَ في سبيل مبدأه، وفيض وطنيته، وحرارة أسلوبه، حتى احترق صغيرًا ومات، ولما ينته العقد الثالث من عمره.
ولد أديب إسحق سنة ١٨٥٦، من أبوين سوريين، ونشأ بلبنان، وتعلم العربية والفرنسية في مدرسة الآباء العازاريين، واضطر إلى الكدح في سبيل بريد بيروت، وقد ظهرت ميوله الأدبية في حداثته، فعهد إليه وهو في السابعة عشرة بتحرير جريدة "التقدم".
وكان إلى عمله الصحفيّ يترجم عن الفرنسية ويؤلف، وانتمى إلى جمعية "زهرة الآداب"، ثم صار رئيسًا لها فيما بعد، وقد ترجم "أندروماك" لراسين، وساعد صديقه "سليم نقاش" في تأليف المسرحيات، وتمثيلها، ولحق به في الإسكندرية.
_________________
(١) ١ في هذه السنة زاد اضطهاد الأتراك لمسيحي سوريا، وقامت مذابح في جبل لبنان، ذهب ضحيتها عدد كبير من المسيحيين، واضطر كثير من سكان القرى بجبل لبنان إلى الهجرة، وذلك لأن نصارى الشام قد أظهروا ولاءهم لإبراهيم باشا، وكرههم للحكم التركي أيام وجوده بينهم، فلما سحبت الجيوش المصرية ظلوا على ولائهم لمصر، فانتقم الأتراك منهم شر انتقام.
[ ١ / ٨٩ ]
وكانت فرقتهما التمثيلية من أوائل الفرق العربية، وعرف أديب رواية "شارلمان" وأعجب بها المصريون إعجابًا عظيمًا١ وألف رواية "غرائب الاتفاق".
وحَنَّ إلى الصحافة فذهب إلى القاهرة، واتصل بالسيد جمال الدين الأفغاني، وأنشأ هو وصديقة سليم نقاش جريدة "مصر" سنة ١٨٧٧، وكانت أسبوعيةً، وقد تأثرا فيها بتعاليم جمال الدين الأفغاني، وأسلوبه الملتهب، أنشآها وهما مفلسان لا يملكان غير عشرين "فرنكًا" بيد أن أسلوبها وقوة بيانها، وجدة أفكارها، ودعوتها الجريئة للحرية، قد ضمنت لها الإقبال، والرواج، ورحَّبَ بها الذين يحبون القلم القويّ، والأسلوب الجزل، والأفكار الجريئة، واندفع كاتبها كالبركان يرسل نارًا، ونورًا، وينفس عن نفسه ما طالما كبت فيها وهو ببيروت، وما ذاقه وقومه من اضطهادٍ وظلمٍ على أيدي الأتراك، فحركت الهمم وأعادت للأسلوب الرفيع عزته.
وقد وجد أديب إسحاق، وسليم نقاش في رواج مصر، ما شجعهما على إصدار جريدة يومية سمياها "التجارة"، وكانت لا تقل عن أختها حماسةً وقوةً، ونشر فيها جمال الدين الأفغاني بعض المقالات، تارةً ممهورة بتوقيعه، وتارة بتوقيع مستعارٍ، وقد ألغاهما رياض باشا سنة ١٨٨٠.
ولكن ذلك لم يثن من عزيمة "أديب إسحاق" فهاجر إلى باريس، واستأنف جهاده، وإصدر ثمة جريدة "القاهرة" بالعربية، وقال في مقالها الأول: "ما تغيرت الحقيقة بتغير الاسم، بل هي مصر خادمة مصر".
وقد حرص في أثناء مقامه بباريس على معرفة عدد كبير من ساسة فرنسا وعلمائها، حتى روى فيكتور هوجو أنه قال لمن كانوا في حضرته، على أثر انصراف أديب: "هذا نابغة الشرق"، ولكن برد باريس، وإسرافه على نفسه في كل شيء، قد جنى على صدره، فرجع إلى لبنان ملتمسًا الشفاء، وعاد إلى تحرير جريدة "التقدم" مرة أخرى.
_________________
(١) M. Sapry: La Genese de L. Esprit National Egyption p١٢٨.
[ ١ / ٩٠ ]
وحين تغيرت الأحوال في مصر، دُعِيَ إليها، وعُيِّنَ مديرًا لقلم الإنشاء والترجمة بوزارة المعارف، وسُمِحَ لجريدة مصر بالظهور، وشغل وظيفةً أخرى بجانب وظيفته الأولى؛ حيث عُيِّنَ كاتب سر مجلس شورى القوانين، وحين قامت الثورة العرابية واشتد لظاها، عاد إلى بيروت، ثم رجع إلى الإسكندرية، ثم اشتد به مرض الصدر، فعاد إلى لبنان؛ حيث مات بقرية الحدث بالقرب من بيروت، وهو في التاسعة والعشرين من عمره سنة ١٨٨٥، وهي قريبة من القرية التي دفن فيها أحمد فارس الشدياق، وهكذا جمع الموت بين علمين من أعلام النهضة الحديثة، ورواد الفكر والأدب الجديد.
وكان أديب إسحاق نارًا مسلطة على الاستعمار، والذل والعبودية، وقد التقى بجمال الدين فزادت حماسته واضطرمت النار في فؤاده، فأخرجها شواظًا ملتهبًا في كلماتٍ تصب الحمم على الأعداء، وتثير الهمم الفاترة. لقد نادى بوجوب اتحاد الأمم العربية، فسبق زمنه قرنًا، أو ما يقرب من قرنٍ، وفي ذلك يقول: "ما ضر زعماء هذه الأمة لو سارت بينهم الرسائل بتعيين الوسائل، ثم حشدوا إلى مكانٍ يتذاكرون فيه ويتحاورون، ثم ينادون بأصواتٍ متفقة المقاصد كأنها من فمٍ واحد، قد جاءت الراجفة، تتبعها الرادفة، وهبت الحاصبة، تليها العاصفة، فذرت حقوقنا فصارت هباءً منثورًا، ولمت بناء القارعة، ووقعت الواقعة، فصرنا كأن لم نغن بالأمس، ولم نكن شيئًا مذكورًا، فهل ننشد الضالة، ونطلب المنهوب، لا تقوم بأمر ذلك فئة بدون فئة، ولا نتعصب لمذهب دون مذهب، فنحن في الوطن إخوان، وتجمعنا جامعة اللسان، وكلنا وإن تعدد الأفراد إنسان.
أيحسبون أن ذلك الصوت لا يكون له من صدًى، أم يخافون أن يذهب ذلك الاجتهاديّ سدًى، أم لا يعلمون أن مثل هذا الاجتماع، منزهًا عن المقاصد الدينية، منحصرًا في العصبية الجنسية والوطنية، مؤلفًا من أكثر النحل العربية، يزلزل الدنيا اضطرابًا، ويستميل الدول جذبًا وإرهابًا، فتعود للعرب الضالة التي ينشدون، والحقوق التي يطلبون، ولا خوف على زعمائهم ولا هم يحزنون".
[ ١ / ٩١ ]
إن هذا ولا ريب تفكير مشرق، وقلب يتجه الاتجاه السليم، الذي يجب أن تسير فيه الأمة العربية منذ أن رأت الغرب الجشع يطمع، ويحد براثنه لينهشها الواحدة تلو الأخرى، ولو فعلت ذلك من أواسط القرن التاسع عشر ما أصابها اليوم ما أصابها.
وكان أديب ممن يعشق حرية الرأي وينادي بالدستور، وقد كتب مقالًا يرد فيه على الشيخ حمزة فتح الله، محرر جريدة "البرهان" في سنة ١٨٨١، حين دعا الشيخ إلى حكم الفرد يوم افتتاح مجلس النواب، فقال له أديب:
صفحًا لصرف الدهر عن هفواته إن كان هذا اليوم من حسناته
وكيف لا؟ وهو حاجة النفس، وأمنية القلب، منذ توجه الخاطر إلى السياسة الوطنية، وانصرف العزم إلى إحياء الهمم، وانعقدت النية على حفظ الحقوق، واتحدت الوجهة في القيام بالواجبات، وهو النشأة التي كست الوطن رداء الفتوة قشيبًا، وهو البنية التي غرست للأمة غصن الأمل رطيبًا، وهو ما رجوناه زمانًا، ودافعنا الزمن فيه، وتمنيناه أعوامًا، وغلبنا الحدثان عليه، فيها حسنه من يوم رد فائت البهاء، وأحيا مائت الرجاء، وأعاد شباب الأمة، وسدل ستور النعمة، وأظهرت مقاصد الأمير، وأيَّد مساعي الوزير، وقضى لبانات النبهاء، وحقق أماني النزهاء١".
وكان أديب مغرمًا بمصر، محبًّا لها حبًّا ملك شغاف قلبه، مثله في ذلك مثل الشدياق، ولا بدع، فقد آنته في غربته، وأعطته الحرية التي حرمها في وطنه، وأفسحت له مجال العمل، وقدرت جهده، حتى منحه الخديوي الرتبة الثالثة بيده، وأنزلت كفاءته منزلتها، فعينته في الوظائف الكبيرة، ثم إنها ملجأ الأحرار، وزعيمة الشرق العربيّ، ونهوضها -كما كان ذلك رأي أستاذه جمال الدين- نهوض للعرب أجمعين، وفي مصر يقول أديب: "ومصر، ولا حياء في الحب، بلد تركت فيه زهرة أيام الشباب، وخلفت غرس الآداب، وهززت غصن الأماني رطيبًا،
_________________
(١) ١ جريدة مصر في ٢٩ من يناير ١٨٨٢.
[ ١ / ٩٢ ]
ولبست ثوب الآمال قشيبًا، فما عدلت بي عن حبكها النكبة، ولا أنستني عهدها الغربة، ولست أول محب زاده البعد وجدًا، ولم ينكث على العهد عهدًا، فحذار أهل مصر إن العدو لكم بالمرصاد، وإنكم لمحفوفون بالعيون والأرصاد".
واستمع إليه يقول في الحزب الوطنيّ وأمانيه وأنه "يريد أن يكون المصريّ في مقام الإنسان، مستقلًّا بوجوده متمتعًا باستقلاله، فائزًا بحقوقه، نهاضًا بواجباته، وتريدونه بمنزلة الحيوان، يساق للموت، فإن عجز فللسلخ، ويطلب أن يكون الوطنيّ آمنًا في دراه، مساويًا لجاره، ويستغل زرعه، ويستدر ضرعه، وتلتمسون أن يكون غريبًا في آله، مصادرًا بماله، يطعم من يحرمه، ويؤمِّنُ من يروعه، ويحفظ من يضيعه١".
وكان أديب من ألد أعداء الأجانب، وإليك بعض نفثاته الحارة ضد صحيفةٍ مواليةٍ للأجانب، وقد كانت تشيد بإلغائهم بعض الضرائب؛ لتمكن أقدامهم في احتلال مصر: "فهل خفي عن تلك الصحف أنه ليس من شفقة الصياد على الطير إلقاؤه الحب بين يديها؟ أوتعلم أن القائل بهمجية المصريين، المعتقد بانحطاط مدراكهم، لا يطعمهم هذه الفتات، إلّا ليسهل على الإنجليز هضم قوتهم والتهام ثروتهم!.
كلا! إن الجرائد المصرية لا تجهل حقيقة الأمر، ولكنها لا تستطيع التصريح، علمًا بأن اللص العازم على سرقة الحقوق الوطنية يكره النور، فإذا حاولت إظهاره سارع إلى إطفائه بتعطيلها وإلغائها.
يا أهل مصر:
إني محدثكم حديثًا غريبًا: إذا كان أمراؤكم خياركم، وأغنياؤكم أسخاءكم، وأموركم شورى بينكم، فظهرالأرض خير لكم من بطنها، وإذا كان أمراؤكم شراركم، وإغنياؤكم بخلاءكم، وأموركم إلى نسائكم، فبطن الأرض خير لكم من ظهرها".
_________________
(١) ١ جريدة مصر في ٢٩ من يناير ١٨٨٢.
[ ١ / ٩٣ ]
كان أديبُ جنديًّا من جنود الحرية، ومصر، والعروبة، ولما عُطِّلَتْ جريدة التجارة أسبوعين أول الأمر، دبج مقالًا جاء فيه: "ولئن ساءنا أن جاءنا ذلك الإخطار بلوم، وعقاب أليم، لقد سرنا أن تكون الجرائد موضوعًا للنظر، ومجالًا للنقد، ولم نر في القصاص شيئًا يستعين به اللائم، أو مصابًا يعتضد به الشامت، فإن "التجارة" تحسب حب الوطن دينًا والمدافعة عنه جهادًا، فإن عاشت فهي سعيدة، وإن ماتت فهي شهيدة، ولقد آتاها الله النعمتين، وأتاح لها الحسنيين، فعاشت به، وماتت عليه، وستبعث بعد أسبوعين، رافلةً في ثوب الشهادة، مزينةً بحلى السعادة، على الرغم من أنوف حاسديها، الذين أَوَّلُوا كلامنا إلى ما لم نقصد، وسعوا بها بما لم يخطر على قلوبنا، وحاولوا إطفاء نور الحق، ويأبى الله إلّا أن يتم نوره ولو كره المبطلون١".
ولم يثنه تعطل جريدته ونزوحه إلى باريس عن غايته المثلى، وهي العمل على إيقاظ الشرق العربيّ، والدعوة للحرية، وطرد الأجانب من البلاد، وقد أعلن خطة جريدته "القاهرة" التي أصدرها بباريس، بقوله: "إني لا أقصد إلى الانتقام، وإنما أروم مقاومة الباطل ونصرة الحق، والمدافعة عن الشرق وآله، وعن الفضل ورجاله، فمَسْلَكِي أن أكشف حقائق الأمور، ملتزمًا جانب التصريح، متجافيًا عن التعريض والتلميح، وأن أجلو مبادئ الحرية، وآراء ذوي النقد، ومقصدي أن أثير بقية الحمية الشرقية، وأهيج فضالة الدم العربيّ، وأرفع الغشاوة عن أعين الساذجين، وأحيي الغيرة في قلوب العارفين، ليعلم قومي أن لهم حقًّا مسلوبًا فيلتمسوه، ومالًا منهوبًا فيطلبوه، وليخرجوا من خطة الخسف، وينبذوا عنهم كل مدلس يشتري بحقوقهم ثمنًا قليلًا، ويذيقوا الخائنين عذابًا وبيلًا، وليستصغروا الأنفس والنفائس في جنب حقوقهم، وليستميتوا في مجاهدة الذين يبيعون أبدانهم وأموالهم وأوطانهم وآلهم".
وأسلوب أديب أسلوبٌ قويٌّ متينٌ، افْتَنَّ في تدبيجه وانتقاء ألفاظه، وحلَّاه بالسجع على عادة كتاب ذلك الوقت، ولكنه ليس بالسجع السخيف المتعمد، ولكنه سجعٌ قريبٌ من سجع ابن العميد، والصاحب بن عباد، والصابي، لا من سجع الحريريّ والقاضي الفاضل.
_________________
(١) التجارة، العدد١٨٧، في ١٣ من فبراير ١٨٧٩.
[ ١ / ٩٤ ]
إنه حقًّا حفل بالأسلوب كما حفل بالمعنى، وأحيا الكتابة العربية المنمقة القوية أيام كانت في القرن الرابع الهجريّ، ونقول مع "مارون عبود"١: "أما الذي يتراءى لي من آثاره الكتابية ومن أسلوبه، فهو أنه ناريّ الشعور، ومتَّقِدُ الخاطر، ثوريٌّ من الطراز الأول، كأنه كان في رفقة الحَجَّاج يوم دخل الكوفة وقد انتشر النهار، يرسل عباراته فتئز أزيز السهم، وقد فأرق الوتر جمل كأنها مقطوعة على نمط واحد، لا هي بالطويلة ولا هي بالقصيرة، يشد بعضها بعضًا فتؤلف مقالته كتيبةً جامحةً، إذا راعيتها منفردة لا تحس لها مفعولًا عظيمًا، ولكنها تؤلف كلًّا تخرج منه النفس، وقد ملاها هذا الكلام اندفاعًا واستبسالًا".
ويقول: "نثرٌ كأنه الشعر يرصِّعُه بأبياتٍ، إما من الشعر القديم، وإما من نظمه هو، فيأتي مقاله عجاجًا زاخرًا حين يحتد ويشتد كقوله: هو الظلم حتى تمطر السماء بلاءً، فتنبت الأرض عناءً، فلا تجد على سطحها إلّا جسومها ضاوية، في ديار خاوية، وقلوبا تحترق في بلاد تحت رق".
وهو يراعي الموسيقى في نثره أكثر من شعره؛ فيتعمد ما كانت تتعمده مدرسة ابن العميد من أفعالٍ مختلفةٍ، تتحرك لها الجملة فتحرك قارئها توًّا، وإن ذهب أثرها من عقله بعد حين كقوله:
"هو الجهل حتى تضيع الأخطار، وتفنى الأقدار، وتبطل الهمم، ويعفو القلم، ويدرس الفهم، ويستعلي الخامل، ويستولي الجاهل، وتنخفض الرءوس، وتنقض النفوس، وحتى ترمي:
بكل أرض وطئتها أمم ترعى بعبد كأنها غنم
يستخشن الخز حين يلبسه وكان يبري بظفره القلم
ومن شعره الذي جرى مجرى الأمثال، وإن لم يكن من الشعراء المجلين، وإن اشتهر بنثره أكثر مما اشتهر بشعره قوله:
_________________
(١) ١ مجلة الكتاب فبراير ١٩٤٨.
[ ١ / ٩٥ ]
قتل أمريء في غابة جريمة لا تغتفر
وقتل شعب آمن مسالة فيها نظر
والحق للقوة لا يعطاه إلّا مَنْ ظفر
ومن ذلك قوله:
حسب المرأة قوم آفةً من يدانيها من الناس هلك
ورآها غيرهم أمنية ملك النعمة فيها من ملك
فتمنى معشر لو نبذت وظلام الليل مشتد الحلك
وتمنى غيرهم لو جعلت في جبين الليث أو قلب الفلك
وصواب القول لا يجهله حاكم في مسلك الحق سلك
إنما المرأة مرآة بها كل ما تنظهر منك ولك
فهي شيطان إذا أفسدتها وإذا أصلحتها فهي ملك
إذا كان الشدياق قد وضع أسس المقالة الحديثة في الجوائب، وهجر الأسلوب المرصَّعَ المسجوع في الكتابة الصحفية، واقتفى أثره كثيرون شغلوا بالصحافة، ورأوا ذلك أدنى لأن يفهموا من جمهرة القراء، وأسرع في الإبانة عن المعاني الكثيرة التي يريدون الإفضاء بها واستقصاءها، فإن فضل أديب إسحق على الأسلوب الأدبيّ لا ينكر، وقد قلده كثيرون ممن كتبوا المقالة، وكانوا من أنصار الشدياق بادي الأمر، وعلى نهجه جرى جبران، ونجيب حداد، وغيرهما من أفاضل السوريين، ولكن الصحافة لم تحتمل هذا الأسلوب، ورجعت إلى البساطة في التعبير، وإن ظلَّ أسلوب أديب الذي أحيا به كتابة القرن الرابع نموذجًا للأدباء في أواخر القرن الماضي، وأوائل القرن الحاضر.
ومن السوريين الصحفيين سليم الحموي، صاحب جريدة "الكوكب الشرقيّ" سنة ١٧٨٣، ولكنها كانت قصيرة العمر، ومنهم سليم وبشارة تقلا، وقد أصدرا "الأهرام" بالإسكندرية سنة ١٨٧٥، وقد لاقت أول أمرها عقبات جمة،
[ ١ / ٩٦ ]
ثم نالت حظًّا كبيرًا من الرواج، وكانت تصدر أسبوعيًّا في بدء ظهورها، ثم صدرت بجانبها جريدة يومية تسمى: "صدى الأهرام" فلما عُطِّلَتْ الجريدة اليومية، انفردت الأهرام بالظهور، ودأبت تصدر حتى اليوم، فهي أقدم الصحف المصرية السياسية، وإليها يرجع الفضل في تقدم الصحافة المصرية، وأخذها بكل جديدٍ من صحافة الغرب.
ولقد كانت المقالة أهم شيء في الصحفية، حتى خرجت الأهرام على ذلك في سنة ١٩١٢، وقدمت الأخبار على المقالة، والأهرام أول من عُنِيَ بالحوادث المصورة، ولقد ازداد حجمها أحيانًا في عهد جبرائيل تقلا، حتى بلغ عشرين صفحة، وقد عنيت عنايةً فائقةً بالأخبار الخارجية، وصارت نموذجًا لصحف الشرق العربيّ كله.
ومنهم سليم عنحوري، وقد أصدر جريدة سياسية سماها: "مرآة الشرق" ولكن تنحى عنها في سنة ١٨٧٩، وتولاها إبراهيم اللقاني بإيعازٍ من السيد جمال الدين الأفغاني، وقد أنشأ الشيخ يعقوب صنوع اليهوديّ صحيفتين سياسيتين، وهما "مرآة الأحوال" صدرت في لندن سنة ١٨٧٦، و"أبو نضارة" صدرت في القاهرة سنة ١٨٧٧، ويعقوب صنوع إسرائيلي مصريّ، ولد سنة ١٨٣٩، وكان يتقن التوراة، وقرأ الإنجيل، والقرآن، وتعلم في إيطاليا على نفقة أحمد باشا يكن، وهو أول من أنشأ مسرحًا عربيًّا في القاهرة سنة ١٨٧٠، وأعجب به الخديو إسماعيل، وكان يسميه: "موليير مصر"، منحه المنح، وأمده بالعون، وحضر بعض تمثيلياته تشجيعًا له، وقد ألف نحو اثنتين وثلاثين مسرحية في موضوعات جدية وهزلية، وسافر إلى أوربا سنة ١٨٨٤ وبقي فيها فترة، ولما عاد إلى مصر اتصل بالسيد جمال الدين والشيخ محمد عبده، وكان يعلمهما الفرنسية.
وكانت "أبو نضارة" من الصحف المعارضة لإسماعيل، وكان صاحبها ميَّالًا للفكاهة والدعابة، وقيل: إن اليسد جمال الدين هو الذي أوحى إليه بإصدار جريدته لانتقاد سياسة إسماعيل.
[ ١ / ٩٧ ]
وكانت "أبو نضارة" أول جريدة هزلية سياسية صدرت بمصر، وقد نفاه إسماعيل فرحل إلى باريس، واستأنف إصدار جريدته بأسماء مختلفة، معارضًا الخديوي ومنتقدًا أعماله، ولم يخل عدد منها من صور تعرِّضُ تعريضًا شديدًا بالخديوي إسماعيل، فلقيت رواجًا، واستمرَّ الشيخ صنوع يصدر جريدته إلى ما بعد الاحتلال، وكان معاديًا للإنجليز، وتوفي سنة ١٩١٢.
وعلى العموم، فقد بلغ عدد الصحف التي ظهرت في عهد إسماعيل ما يقرب من عشرين صحيفة، ومعظمها ظهر في آواخر أيامه، وقد أطلق لها الحرية في الكتابة، وكان يميل إلى هذه الحرية في آخريات عهده حين اصطدم بالمطامع الأوربية، وكانت هذه الصحف تندد بسياسة الأوربيين وجشعهم، ونواياهم، وتشعر الناس بتدخلهم السياسيّ، وتحمل عليهم حملات شديدة اللهجة، فكان ذلك يروق إسماعيل، ولكن لم يكن يرضى أن يتعرض كاتبٌ ما لسياسته الخاصة أو لشخصه.
تعقيب:
هذا النهضة الصحفية خلصت اللغة من أسرها القديم، وأوضارها التي ورثتها من عصور الضعف، وخاضت في موضوعات شتَّى كما ذكرنا، وسلس الأسلوب، واحتذى الصحفيون أسلوب ابن خلدون في مقدمته، وذلك الأسلوب المرسل السهل، وإذا وازنَّا بين أسلوب النثر الصحفيّ في هذا العهد الذي نتحدث عنه، وأسلوب الكتابة في العصر السابق، وجدنا البَوْنَ شاسعًا، وقد مرَّت بك نماذج من هذه الكتابة الصحفية، يتجلى فيها أثر التحرر اللغويّ والفكريّ، وقوة البيان، وطرافة الموضوع، وإليك ما قال بعض قادة النهضة الصحفية في الحثِّ على العلم والاهتمام بالبيان، وطريقة الكتابة، راسمين للشادين في الصحافة الطريقة القويمة.
[ ١ / ٩٨ ]
١- يقول أحمد فارس الشدياق:
"من الناس مَنْ يتعلم، وهو مجبولٌ على صفات حميدةٍ فيزداد هدًى ورشدًا وورعًا ودماثة أخلاق، وحسن تصرف، واستقامة طبعٍ، ونزاهة نفسٍ، وصفاء عقيدةٍ، وإخلاص مودةٍ، وسلامة نيةٍ، وعفة قلبٍ ولسانٍ، وانبساط يدٍ؛ فمثله كمثل الجوهر الشفاف إذا قابله شعاع الشمس، أوكمثل إناءٍ من زجاجٍ نظيفٍ صافٍ إذا وضع فيه الماء لم يتغير من طبعه شيئًا، فتراه دائمًا مقبلًا على نفع الناس، ساعيًا في إصلاح شئونهم، وتسنية أحوالهم، باذلًا أقصى جهده في تسكين خواطرهم، ولَمِّ شعثهم، وتأليف مفرقهم، وتسلية حزينهم، وإرشاد غاويهم، وتأييد ضعيفهم، وليس من همه التردد على أبواب الأمراء والخضوع لحجابهم إلخ١".
٢- ويقول أديب إسحق:
"الكتابة صناعةٌ يراد بها التعبير عن الخواطر والمحسوسات بوضعٍ صحيحٍ، وأسلوبٍ صريحٍ، فهي ذات ثلاثة أركان: الخاطر المراد إيضاحه وهو الإنشاء، والوضع الذي يبدو به ذلك الإيضاح وهو البيان، والكيفية التي تحصل بها ذلك وهو الأسلوب".
ويقول أديب إسحق كذلك:
"رأيت أن أصرف العناية إلى تهذيب العبارة وتقريب الإشارة، لتقريب المعنى في الأفهام، من أقرب وأعذب وجوه الكلام، وانتقاء اللفظ الرشيق للمعنى الرقيق، متجنبًا من الكلام ما كان غريبًا وحشيًّا ومبتذلًا سوقيًّا، فإن التهافت على الغريب عجز، وفساد التركيب بالخروج عن دائرة الإنشاء داءٌ إذا سرى في القراء والمطالعين، أدى إلى فساد عام، وأغلق على الطلبة معاني كتب العلم، والتنازل إلى ألفاظ العامة، يقضي بإماتة اللغة، وإضاعة محاسنها، وإن في لغة القوم لدليلًا على حالهم".
وقد عدل أديب إسحق عن أسلوبه المنمق في أخريات حياته، ولا سيما في بعض مقالاته الصحفية، وفي ذلك يقول:
_________________
(١) ١ مجالي الغرر ج٢ ص١٧٧.
[ ١ / ٩٩ ]
"قد التزمت لهذا المطلب أسلوب التقرير، وعدلت فيه عن منهج الخطابة الشعرية، لاعتقادي بأن الأسلوب الخطابيّ، وإن كان أسرع تأثيرًا في القلوب، وأحسن وقعًا في الأذهان، إلّا أنه قد يميل بالكاتب إلى جانب التخيل الوهميّ في مكان التقرير العلميّ، فيرتفع بيانه عن المدراك التي سيقت إليها الملكات الحسية، فلم يبق بها من محلٍّ لملكة الخيال المسماة شعرًا، فيفوت الغرض المقصود من البيان والبلاغة، وهو تقرير المعاني في الأفهام، من أقرب وجوه الكلام، ولهذا سأرسل فيه الكلام إرسال مقرر مبين، ولا أتكلفه تكلف منمق مزين، فإن أحكام التقرير منافية لهذا التمويه الذي يسمونه بديعًا".
ويقول: "النثر هو الكلام المطلق المرسل عفو القريحة بلا كلفة ولا صنعة، إلّا ما يكون من وضع الكلام في مواضعه، وإيثار ما يألفه السمع والطبع منه، فهو من هذا الوجه مقدَّمٌ على سائر أنواع الكلام، بل هو الأصل في الإنشاء، وما سواه فرع منه، فإنه طبيعيّ أصيلٌ، وما دونه صناعيٌّ حادثٌ، والأصل في الطبيعة لا محالة، يدل على ذلك أن هذا الكلام المقفى الذي يسمونه سجعًا لا يكاد يوجد في غير اللسان العربيّ، فلو كان طبيعيًّا لوجب أن يكون في جميع اللغات، أو في المعدودة منها أصولًا على الأقل١".
٣- ويقول السيد عبد الله النديم، في العدد الأول من جريدة "التنكيت والتبكيت"٢.
"إليكم يراعي فاستخدموه في مقترحات أفكاركم العالية، وصحيفتي فاملئوها بآدابكم المألوفة، وبدائعكم الرائقة، فاليراع وطني يخاطب القوم بلغتهم، ويطيعهم فيما يأمرون به، والصحيفة عربية، لا تبخل بالعطاء، ولا ترد الهدية، وأنتم كرام اللغة وأخوان الوطنية، فشدوا عضد أخيكم بالقبول والإغضاء عن العيوب، وساعدوه بأفكار توسع دائرة التهذيب، وتفتح أبواب الكمال، وكونوا معي في المشرب الذي التزمته، والمذهب الذي انتحلته: أفكار تحليلية، وفوائد
_________________
(١) ١ مجالي الغرر ج٢ ص٦. ٢ صدرت سنة ١٨٨١، وراجع سلافة النديم ص٧٧.
[ ١ / ١٠٠ ]
تاريخية، وأمثال أدبية، وتبكيت ينادي بقبح الجهالة، وذم الخرافات، ولنتعاون بهذه الخدمة على محو ما صرنا به مثلةً في الوجود، من ركوب متن الغواية، واتباع الهوى اللذين أضلانا سواء السبيل".
وترى من هذه النماذح كيف كان القوم يجاهدون في سبيل العلم وتفتيح الأذهان المغلقة، وتحبيب الناس في الثقافة، والإشارة بفضل المتعلمين في زمنٍ كانت فيه الأمة لا تزال تحبو في طريق النور، وكيف وضعوا أسس تحرر اللغة من أسر السجع والتكلف، ورسموا قواعد الإنشاء الصحيح لمن يريد أن يتخذ الكتابة حرفةً، وكيف سخَّرُوا القلم القويَّ الجرئَ في خدمة الوطن، وجعلوا الصحف ميدانًا للأفكار الطيبة، والأدب الرفيع، والدعوات الإصلاحية الحرة، وبذلك كانت الصحافةُ منارةً من منارات النهضة العربية الأدبية، ارتفعت هذه المنارة في عهد إسماعيل، وظلَّت ترسل النور قويًّا يبدد سدفة الجهل ويهدي الضالين إلى اليوم.
٤- الطباعة:
نهضت الطباعة نهضةً عظيمةً في عهد إسماعيل؛ إذ وجهت الحكومة عنايتها إلى مطبعة بولاق، وما زالت بها حتى صارت أرقى مطبعةٍ في الشرق، وأسست مصنعًا للورق يمد مصالحها المختلفة بالورق في سنة ١٨٧١، ويزود المشتغلين بالعلم والطباعة والتجار بكل ما يحتاجون إليه، ولقد سهل هذا الأمر على المشتلغين بالعلوم، وشجعهم على النتاج المتصل، وكاد نتاج الورق بمصر يعطل ما يرد من أوربا حينذاك.
وأنشئت بجوار مطبعة بولاق عدة مطابع أهلية؛ أهمها: مطبعة جميعة المعارف التي تكلمنا عنها آنفًا، ثم المطبعة الأهلية القبطية التي جلبها من أوربا الأنبا كرلس الرابع سنة ١٨٦٠ في عهد سعيد باشا، ومطبعة "وادي النيل" لمحمد أبي السعود أفندي، ومطبعة "مجلة روضة المدارس" والمطبعة الوطنية بالإسكندرية وغير ذلك من المطابع التي كان لها الفضل الأكبر في نشر الكتب الحديثة، وتيسير الاطلاع، والنهوض باللغة والأدب وشئون التعليم.
[ ١ / ١٠١ ]
٥- الترجمة والتأليف:
كانت التركية لا تزال ذات سطوةٍ في مصر حتى عصر إسماعيل، ولكنه عمد إلى تمصير الحكومة ولغتها، حتى يسهل انفصاله عن الدولة العثمانية، وأصدر أمرًا بجعل صور الأمر واللوائح وكل ما سبق صدروه من الإجراءات منذ عهد محمد علي عربيةً، كما أمر بطبعها، فما كان منها عربيًّا يطبع كما هو، وما كان تركيًّا تطبع معه ترجمته العربية١، ولقد كان الأمر باستعمال اللغة العربية أداة التعبير الحكومية سابقًا لأوانه، لافتقار البلاد لعددٍ كبيرٍ ممن يحذقون اللغة العربية، ولا سيما بعد ذلك الركود الذي أصاب التعليم على يد عباس وسعيد، ثم إن ترجمة هذه القوانين الكثيرة التي صدرت منذ عهد محمد علي تحتاج إلى وقتٍ طويل، ولذلك ظلَّت للتركية بعض السطوة، وإن أخذت تدريجيًّا تفسح مكانها للعربية، حتى أوشكت أن تحلَّ محلها نهائيًا في أخريات عصر إسماعيل.
ومما ساعد على الاهتمام بالترجمة في عهد إسماعيل ازدياد النفوذ الأجنبيّ، وكثرة من وفدوا إلى مصر من هؤلاء الأجانب تجارًا ومغامرين، ولا سيما بعد فتح قناة السويس، فأنشئوا المصارف والدور التجارية الكبرى، ودخلوا في خدمة الحكومة مديرين وفنينين، وعلي الأخصِّ حين اضطربت مالية البلاد.
_________________
(١) ١ حركة التركمة بمصر لجاك ص٦٢.
[ ١ / ١٠٢ ]
واهتم إسماعيل باللغة الفرنسية اهتمامًا زائدًا؛ لأنها كانت منذ عهد محمد علي هي اللغة التعليمية الأولى لرجال البعثات.
وظل الأمر في تدريس المواد العلمية كما كان في عهد محمد علي محتاجًا إلى واسطةٍ بين التلاميذ والمدرس الأجنبيّ، ولكن حينما أعيدت مدرسة الألسن سنة ١٨٦٨، وأخذ تلاميذ رفاعة الطهطاوي يشرفون عليها، نهضت الترجمة نوعًا ما، وتولَّى رفاعة بك رئاسة قلم الترجمة، واشترك في تعريب القانون الفرنسيّ مع عبد الله أبي السعود وغيره.
واستمرت حركة الترجمة في أوائل عهد إسماعيل مصبوغةً بالصبغة العلمية، ومعظم ما تُرْجِمَ حينذاك كان في العلوم؛ كالهندسة والطب والصناعات العسكرية وغيرها، وذلك لشدة حاجة البلاد إلى هذا النوع من التعليم. وإن كان بعض تلاميذ رفاعة قد اهتموا بالنواحي الأدبية من قانونٍ وتاريخٍ وأدبٍ.
فنجد عبد الله أبا السعود الصحفيّ والسياسيّ يترجم "نظم اللآليء في السلوك في من حكم فرنسا من الملوك" و"قناصة أهل العصر في خلاصة تاريخ مصر"، تأليف "أوغست ماربيت بك"، وباشر ترجمة تاريخ عام مطول واسمه "الدرس التام في التاريخ العام"، و"تاريخ الديار المصرية في عهد الدولة المحمدية العلوية" تأليف "برنار الفرنسيّ".
وممن كان لهم أثر في الترجمة والأدب العربية، وكان صاحب مدرسةٍ لها نهجها الخاص، واحتذى حذوها الأدباء من بعده.
محمد عثمان جلال:
وهو مصريٌّ من صميم الريف، ولد في "ونا القس" بمديرية بني سويف سنة ١٨٢٨، وتلقى العلم في مدرسة قصر العيني، ثم في مدرسة الألسن، وكان من نبهاء تلامذة رفاعة الطهطاوي، وشغل عدة مناصب حكومية، وكان آخر ما تولاه منها منصب القضاء في المحاكم المختلطة سنة ١٨٨١، وتوفي سنة ١٨٩٨ عن سبعين سنة.
[ ١ / ١٠٣ ]
امتاز محمد عثمان جلال بأنه يمثِّل الروح المصرية أتَمَّ تمثيلٍ في خفتها، وحبها للنكتة، ومرحها الجم، وقد اختلط كثيرًا بالعامة، وعرف أمثالهم ونوادرهم، ومواعظهم، وعرف كذلك ميولهما الفطرية، وحبهم للقصص العربية، وامتاز أيضًا بأنه كان أديبًا مطبوعًا، ثائرًا على المدرسة التقليدية التي تحاكي أدب القديم في محسناته وفخامته، وموضوعاته، فكان يعتمد أولًا على تجربته الشخصية، يستوحيها ويتسلهمها، ويعبر عما يحسه وعما يهديه إليه فكره، فهو في أدبه يمثل القاهرة والريف المصريّ، لا بغداد ولا قرطبة، ولا البلاد العربية وصحراءها، وهذا لعمري هو الأدب الصادق، ولولا ما شاب أدبه من إسفافٍ في اللفظ، وجنوحٍ إلى العامية، إفراطًا منه في مصريته، لكان من أفذاذ الأدباء المصريين، وأصحاب المبادئ في الأدب، وقد نقد في كتابه "العيون اليواقظ" هؤلاء الذين يدعون إلى الأدب التقليديّ، ولا يستلهمون مشاعرهم الخاصة، وأساليبهم المبتكرة:
يقولون ما هذا الكتاب وما به أكاذيب أقوال البهائم في قبح
وقد زعموا أن البلاغة لم تكن بأحسن مما قيل في القد والرمح
وتشبيه لون الخد بالورد واللظى وتمثيل نور الوجه إن لاح بالصبح١
وقد غالى في مصريته وثورته على الأدب القديم، فأكثر من استعمال العامية، سواء في كتبه الموضوعة، أو في ترجمته للروايات المسرحية.
ومن أشهر كتبه التي تمثل هذه الروح المصرية المرحة، وتدل على شدة تأثره بعامة الشعب في أمثالهم، كتابه الذي أشرنا إليه سابقًا، وهو "العيون اليواقظ في الأمثال والمواعظ"، الذي ترجم به أمثال "لافونتين" La Fontaine شعرًا٢، وقد شحنه محمد عثمان جلال بكثير من الأمثال العامية، من مثل قوله:
_________________
(١) ١ العيون اليواقط في الأمثال والمواعظ ص١٠٢. ٢ لافتونتين: شاعر فرنسي مشهور، ولد في سنة ١٦٢١، وتوفي بباريس سنة ١٦٩٥، وقد اشتهر بكتابة القصص، والأمثال، أما "القصص" فقد أهمل فيه الأخلاق، ولكنه ممتلئ بالحيوية، وكتاب الأمثال هو أشهر الكتابين، ولا يزال حتى اليوم ذا منزلة عظيمة في عالم الأدب، وقد نظم فيه كثيرًا من القصص الرمزية، وقصصًا على ألسنة الحيوان؛ من أمثال تلك التي في كليلة ودمنة، بل إن كثيرًا منها مأخوذة من كليلة ودمنة الذي ترجم إلى كل اللغات الأوربية منذ القرن الرابع عشر. راجع "Nouveau Petit La Illustre".
[ ١ / ١٠٤ ]
فإنما تأخذ من سماطي ما تأخذ الريح من البلاط١
وقوله:
واحذر مدى الأيام كل ساهي فإن تحت رأسه الدواهي٢
وقوله:
إن كان بالتوت غضبان هلبت يرضيه شرابه٣
وقوله:
صدقني حاجة ما تهمك وصى عليها جوز أمك٤
ولغته في هذا الكتاب إما عامية دراجة، أو عربية قريبة من العامية، ومن أمثلة هذه القصص قوله:
كان البخيل عنده دجاجة تكفيه طول الدهر شر الحاجة
في كل يوم مر تعطيه العجب وهي تبيض بيضة من الذهب
فظن يوما أن فيها كنزًا وأنه يزداد منه عزًّا
فقبض الدجاجة المسكين وكان في يمينه سكين
وشقها نصفين من غفلته إذ هي كالدجاج في حضرته
ولم يجد كنزًا ولا لقيه بل رمة في حجره مرمية
فقال لا شك بأن الطمعا ضيع للإنسان ما قد جمع
وقد كان لهذا الكتاب تأثير كبير في أدب الأطفال في عصرنا الحاضر، ولا يكاد يخلو كتاب من كتب الأطفال من قصة مأخوذة منه بنصها، أو محرَّفَة بعض التحريف أو منثورة، بل إن بعض المشتغلين بكتب الأطفال لم يتحرجوا في أن ينسبوا بعض قصصه إلى أنفسهم، وعلى مواله نسج شوقي كثيرًا من القصص الرمزية أو قصص الحيوان.
_________________
(١) ١ العيون اليواقظ ص١٤٩. ٢ ص١٦٤. ٣ ص ٩٩. ٤ ص ١٧٦.
[ ١ / ١٠٥ ]
ويقال: إن قصص "لافونتين" هذه التي ترجمها محمد عثمان جلال مأخوذة من قصص "إيسوب١".
هذا وقد ترجم عثمان جلال بعض رويات "موليير٢" الهزلية: "الأربع روايات من نخب التياترات؛ منها رواية "ترتوف"، وسماها: "الشيخ متلوف" ومثلت مرارًا على المسرح المصري، ومنها: "النساء العالمات" وقد مصَّرَ أشخاص هذه الروايات وكتبها باللغة العامية.
وترجم كذلك بعض رويات "راسين٣" وسماها: "الروايات المفيدة في علم التراجيدة" وقد قال في مقدمتها: "وجعلت نظمها يفهمه العموم، فإن اللغة الدراجة أنسب لهذا المقام، وأوقع في النفس عند الخواص والعوام٤".
وألَّفَ محمد عثمان جلال روايةً بالعامية عن الخدم والمخدومين، ويقول الاستاذ العقاد عن ملكة عثمان القصصية عند الحديث عن هذه الرواية: "قد كان له ملكة قيمة في فن القصة والرواية المسرحية، فكانت هذه الملكة تنزع به إلى نظم الزجل غالبًا، والشعر أحيانًا، في وصف ما يقع له من النوادر والفكاهات والرياضيات، ومن ذلك زجله في الأزهار، وزجله في المأكولات، وأقوم منهما كليهما روايته المسرحية عن المخدومين والخدم، وهي باكورة في وضع الروايات المصرية، وتمثيل البيت المصريّ، والمجتمع الوطني، يندر ما يقاربها في بابها بين روايات هذا الجيل، وبحقٍّ يسمى محمد عثمان جلال أبا المسرحيات الوطنية في العصر الحديث٥".
_________________
(١) ١ "إيسوب": صاحب هذه الخرافات يوناني، ولد بعد تأسيس روما بمائتي سنة، وكان عبدًا رقيقًا، وإليه تنسب هذه القصص التي قليلت على ألسنة الحيوان، وكثير منها شرقيّ: هندي، وصيني، وفارسي، وعربي، وقد ترجم قسيس إغريقي في القرن الرابع عشر كثيرًا من القصص الشرقية ونسبها إلى إيسوب. (Masterpiece Librery of Short Stories Vol. I.P.١٥) . ٢ موليير Moliere شاعر فرنسي، ولد بباريس سنة ١٦٢٢، واشتهر برواياته التمثيلية الهزلية، ومن أشهرها: النساء المتحذلقات، والطبيب رغم أنفه، وترتوف، ومدرسة النساء، وتوفي سنة ١٦٧٣ (Petit Larouse Illu Stre) . وراجع كتابنا "المسرحية: نشأتها وتاريخها وأصوله - فصل الملهاة". ٣ راسين Racine شاعر فرنسي، اشتهر بمآسيه ولد سنة ١٦٣٩، وكان صديقًا لموليير، وللافنونتين، وقد بلغ المثل الأعلى في كتابة المأساة المسرحية على الطريقة "الكلاسكية" الاتباعية، ومن أشهر مآسيه: أندروماك، وقد ترجمها أديب إسحاق كما مر بنا،، "باجازيت أو بابا زيد" وآتيل، وتوفي في سنة ١٦٩٩ "راجع كتابنا المسرحية". ٤ مقدمة الروايات المفيدة في علم التراجيدة. ٥ شعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي، للعقاد ص١١٧.
[ ١ / ١٠٦ ]
وقد يحار المرء في تحليل هذا الاتجاه الذي انحرف إليه عثمان جلال، وإيثاره اللغة العامية مع تمكنه من اللغة الفصحى، أما الدكتور طه حسين: فيرى أن ذلك لضعفه في اللغة العربية، وذلك حين يقول: "فأخذ الذوق يتغير، وكان تغيره قويًّا، ظهر في مظهرين مختلفين، أحدهما: إيثار اللغة العامية على لغة الأدب العصريّ، والآخر: إيثار اللغة القديمة، والأساليب القديمة على لغة العصر وأساليبه، ورأينا رجلًا كعثمان جلال قد أعجبه الأدب الفرنسيّ، وأراد أن ينقل إلى قومه صورًا منه، ولم يكن من الأدب القديم على حظٍّ قويٍّ، ورأى أن الأدب العصريَّ أدنى إلى الموت من أن يحتمل هذا الأدب الفرنسيّ، فيترجم لقومه، أو قل: ينقل إلى قومه تمثيل موليير في الزجل العاميّ، لا في الشعر العربيّ١".
على أن هذا الكلام على ما به من وجاهةٍ لا يؤخذ على إطلاقه، فمحمد عثمان جلال قد ترجم "بول وفرجيني" كما سنذكر فيما بعد، بأسلوب عربيٍّ فصيحٍ، كما قال كثيرًا من الشعر باللغة الفصحى، فهو لم يكن بهذه المنزلة من الضعف اللغويّ حتى يعجز عن ترجمة أمثال لافونتين، وهزليات موليير، ومآسي راسين، ويضع رواية باللغة العامية.
ولعل من الأسباب غير ما ذكره الدكتور طه حسين، عِظَمِ تأثره بالروح المصرية في كل شيء، وتعصبه للهجة العامية التي هي لغة جمهرة الشعب، وقد يكون ذلك لغرض تجاريٍّ بحت؛ إذ لم يجد الأدب الرفيع سوقًا رائجةً، فأقبل على التحدث إلى جمهرة الشعب باللغة التي يفهمونها لعلهم يقبلون على كتبه، وليس أدل على رواج هذه الكتب التي تكتب بالعامية من قول الشيخ محمد عبده، "ومنها الكتب المضرة بالأدب والأخلاق، كتب الأكاذيب الصرفة، وهي ما يذكر فيها تاريخ أقوام على غير الواقع، وتارةً تكون بعبارةٍ سخيفةٍ مخلةٍ بقوانين اللغة، ومن هذا القبيل كتب أبو زيد وعنترة العبسيّ، وإبراهيم بن حسن، والظاهر بيبرس، والمشتغلون بهذا القسم أكثر من الكثير، وقد طبعت كتبه مئات المرات، ونفق سوقها، ولم يكن بين الطبعة والثانية إلّا زمن قليل٢".
_________________
(١) ١ حافظ وشوقي ص٤. ٢ تاريخ الأستاذ محمد عبده، لمحمد رشيد رضا، ص٤١٦.
[ ١ / ١٠٧ ]
ويقول عثمان جلال مؤيدًا هذا الرأي حين حاول نشر "العيون اليواقظ":
"واشتغلت بإتمام العيون اليواقظ، وعرضتها على الوالي بواسطة المرحوم مصطفى فاضل، وكان أوصلني إليه محمد علي الحكيم، فما أثمر غرسها، فاتفقت مع فرنساويّ له مطبعة من الحجر، يسمى: يوسف بير، وعهدته بطبعها فتعهد، ثم أخلف ما وعد، فكلفت مطبعة أكبر من مطبعته، وصرفت عليها ما جمعت، ونشرتها، ثم بعد الحمار وبعتها، وقلت في ذلك:
راجي المحال عبيط وآخر الزمر طيط
والناس فاثنان بخت مروج وقليط
والعلم من غير حظ لا شك جهل بسيط١
وقد يكون من الأسباب التي دعته إلى ترجمة المسرحيات وكتابتها باللغة الدارجة، إقبال الفرق التمثيلية على هذا النوع دون سواه، ولا سيما بعد أن أغلقت أبواب "الأوبرا" التي كان يشجعها إسماعيل، ويهب الممثلين فيها والمؤلفين لها بعض المال، ويحضر الروايات بنفسه، وكان التأليف حينذاك باللغة الفصحى، فلما أغلقت الأوبرا أبوابها؛ إذ عد التمثيل ترفًا وإسرافًا، وأنشئت الفرق الخاصة، واعتمدت على الجمهور، اضطرت إلى مجاراته في لغته، وإلى التأليف له بالعامية حتى يقبل على مسارحها.
وإذا أحسنَّا الظن بعثمان جلال قلنا: إنه جارى المصلحين في نزولهم إلى مستوى الشعب حتى يكون لكلامهم أثره، ولم ينظروا للأدب إلّا بمقدار ما يؤثر في النفوس، وقد رأى عثمان جلال انتشار الأدب الرخيص، وإقبال الجمهور على سماعه في المقاهي؛ من أمثال قصة أبو زيد، وعنترة، والظاهر بيبرس، وغيرها، فأثر أن يوجد لهم أدبًا اسمى موضوعًا، ولكن لابد من كتابته باللغة التي يفهمونها، ولا سيما حين منعت الحكومة طبع كتب الأدب الرخيص؛ إذ وجدت فيها ضررًا عظيمًا، ولبَّت نداء المصلحين بمنع تداولها٢.
_________________
(١) ١ الخطط التوفيقية ج١٢ ص٦٤. ٢ الوقائع المصرية، العدد ١١٠٩، ١١ مايو ١٨٨١.
[ ١ / ١٠٨ ]
وربما كان من حسن الظن بعثمان جلال أنه قلَّدَ أدباء الغرب في إنطاقهم أشخاص رواياتهم بلهجاتهم المألوفة، ورأى أنه ليس من المعقول أن ينطق الخادم مثلًا اللغة العربية الفصحى، ولما كان جمهرة أبطاله من عامة الشعب، لجأ إلى العامية لتكون شخصياتهم مطابقة لواقع الحياة، خاليةً من التكلف والصنعة.
ومهما يكن من أمرٍ، فإن هذا النوع من الأدب لم يكتب له الخلود؛ لأن اللغة العامية، وإن كانت قريبةً من الشعب، تنبض بالحياة، وتجدد كل يوم، فهي لغةٌ لا أصل لها، ولا نظام، ولا قاعدة، ولذلك أهمل كل ما كتب بها، وإن كنت لا أبرئ محمد عثمان جلال من مملأته للإنجليز في حملتهم على اللغة العربية، وترويجهم للغة الدارجة؛ لأنه كان إبَّان عصر القوة -عصر إسماعيل- يكتب بالفصحى، فلما انقضى هذا العهد، ورأى المحتلين يشجعون اللغة العامية، ويعاضدهم المبشرون والمستشرقون أمثال: مارتمان Martman، ويشجعونه على الكتابة والتأليف باللغة العامية، وهم أصحاب الحول والطول، وعلى طريقته تلك١.
وقد كان لمحمد عثمان جلال ومسرحياته، وكتابته باللغة العامية أثرٌ في الجيل الذي أتى بعده؛ إذ حذا حذوه "هيكل" في رواية "زينب"، التي نشرها أول الأمر سنة ١٩١٤ باللغة العامية، ومحمد تيمور ومحمود تيمور فيما أخرجا من قصص، ولكن زينب أهملت كذلك؛ لأنها كتبت بالعامية، ويقول الأستاذ المازني في شأنها: "وأعتقد أن الدكتور هيكل يوافقني الآن على ذلك -أنه لو كتبها باللغة الفصحى -فإن فيها عاميًّا غير قليل- لكان أثرها أسرع في إزخار هذا التيار الجديد"٢.
ولم يجرؤ هيكل، كما لم يجرؤ من قبله محمد عثمان جلال، وقد كتبا باللغة العامية، على الجهر بأنهما ألفا هذه الروايات العامية، وإلّا انحطت منزلتهما الأدبية، ولذلك نرى عثمان جلال يرمز إلى اسمه بالحروف الأولى "م. ع.ج" على الروايات "المفيدة في علم التراجيدة" و"الأربع روايات من نخب التياترات"، كما
_________________
(١) ١ The Encyclopecia of Islam. Vol. II P. ٩٨٥. ٢ الأهرام ١٩ مارس سنة ١٩٣٨، كلمة المازني في تكريم هيكل.
[ ١ / ١٠٩ ]
يكني هيكل عن نفسه حين نشر "زينب" لأول مرةٍ بقوله: "زينب -مناظر وأخلاق ريفية- بقلم مصري فلاح"، ذلك لعلمهما بأن اللغة العامية ليست لها مكانة، وأنهما يحاولان بعثها وخلقها، ولكن هيهات.
ومن الكتب التي ترجمها محمد عثمان جلال عن الفرنسية رواية "بول وفرجيني" للكاتب الفرنسيّ "برناردين دي سان بيير"١، وقد صبغها عثمان جلال بالصبغة المصرية كعادته، وسماها: "الأماني والمنة، في حديث قبول وورد جنة"، وتصرف فيها بالزيادة والنقصان، ولكنه حرص في كثير من الأحيان على روح الرواية وأصلها، وقد قال في تصدير الكتاب: "أخرجته من الطباع الإفرنجية، وجعلته على عوائد الأمة العربية، فمن تصحفه بعين النقد، رأى القد على القد، ومن قاسه بمقياس المقابلة، وطبق آخره وأوله، رأى فذًّا قرن بتوأم، وعلم أن من ترجم فقد ترجم، ثم كتبته على ورق الحنة، وسميته قبول وورد جنة، لمقارنة مخرج الاسمين، ومطابقته في لفظة اللغتين".
ولقد ترجمت هذه الرواية بعد ذلك عدة تراجم، أشهرها ترجمة المنفلوطي التي سماها: "الفضيلة"، وقد خلع عليها ثوبًا قشيبًا من أدبه وأسلوبه، وترجمته يغلب عليها الروح الأجنبيّ، وينقصها الروح المصريّ الذي اشتهر به عثمان جلال٢.
وكان لعمثان جلال الفضل في تنبيه الأدباء إلى هذه الرواية، وحاول كثير منهم ترجمتها كما ذكرنا، وقد التزم عثمان جلال الأسلوب المسجوع، والقصير الفقرات، السهل العبارة، واستمع إليه يصف حال ورد جنة قبل فراقها لقبول، وسفرها إلى خالتها.
"ولما جاء العشاء، وجلس الكل على المائدة، وكان جلوسهم بغير فائدة؛ إذ كان لكل شأن يغنيه، وشاغل يشغله ويلهيه، ويأكلون قليلًا، ولا يقولون قليلًا، ثم
_________________
(١) ١ برنادرين دي سان بيير Bermardin De Sanit Pierr كاتب فرنسي من دعاة الرجوع إلى الطبيعة، ولد في سنة ١٧٣٧، وتوفي سنة ١٨١٤، ومن أشهر كتبه: بول وفرجيني، ودراسة الطبيعة. ٢ H.R Gibb. B.S.O.S. Vol. VII Part. P.٢-٣.
[ ١ / ١١٠ ]
ما أسرع ما قامت ورد جنة أولًا، وجلست في مكانٍ غير بعيدٍ في الخلاء، فتبعها قبول، وجلس بجانبها، ومكثت تراقبه، ومكث يراقبها، وانقضت عليهما ساعة، وهما ساكنان، ولبعضهما ملتفتان.
وكانت ليلة نيرة، ذات سماء مقمرة، زائدة الإتحاف والألطاف، لا يرسمها رسام، ولا يصفها وصاف، قد نزل البدر منها منزلة القلب، ونشر أشعته على الشرق والغرب، فما يستره إلّا أثر الضباب، وبعض سحاب، كأنه حين تجلى على بساط الخضرة، بدرٌ عليه من الفضة بدرة، وكان الريح ممسكًا نفسه، والليل مطلقًا همسه، فلا يسمع في الغابات ولا في الوديان، لا صوت إنسانٍ ولا صوت حيوان، إلّا مناغاة الطيور في أوكارها، ومداعبتها مع صغارها، مسرورين بضيائه، وسكون الجو في جميع أرجائه".
وكان عثمان جلال كثيرًا ما ينطق قبول وورد جنة بالشعر العربيّ الفصيح، مع اعترافه بأنها "لم يتعلما الكتابة ولا القراءة" بل نشأ على السذاجة والبراءة، فلا يفكران في أزمانٍ مضت، ولا ليالٍ انقضت، بل قام بعقولهما الصغيرة، أن الدنيا قد انحصرت في هذه الجزيرة، وأن لا لذة لهما فوق لذتهما، ولا شغل إلّا حب أمهاتهما"١.
ومن ذلك الشعر قول ورد جنة، تذكر لهف الأمهات على أولادهن، ولذلك قبل أن تسافر إلى خالتها لتبتدئ تعلمها الدنيا:
يا ويح قلبي على نساء قد لقبوهن بالأمهات
يحملن طول الزمان هَمًّا على البنين أو البنات
وكل خير لهن ماضٍ وكل ضيرٍ لهن آتٍ
ما تم حظٌّ لهن إلّا بدَّلَه الله بالممات
_________________
(١) ١ الأماني والمنة ص١٨.
[ ١ / ١١١ ]
فقال لها قبول، وقد أحسن أن يقول:
وحق حبي لك يا أختاه وما اعترى قلبي وما أتاه
لترين اليوم أمهاتنا ولنبيتن معًا في بيتنا١
وأسلوب عثمان جلال في "بول وفرجيني" كما ترى من الأساليب الخالية من التعقيد، والتي تنطلق في يسر ورشاقة، ويدل على تمكنه من اللغتين الفرنسية والعربية، فقد حصر على الأصل كل الحرص، وأداه بخير أداء، ولولا تمصيره لأشخاص الرواية، وجعله الكنيسة مسجدًا، وبرج ناقوسها مئذنة، وصبغها بالصبغة المصرية الخالصة، لجاءت ترجمته مثلًا في الترجمة؛ إذ أضفى عليها من الأمانة، وخفة الظل، وسهولة اللفظ شيئًا كثيرًا.
ومن الذين اشتهروا بالترجمة خليفة محمود، وقد ترجم "إتحاف الملوك الألبا بتقديم الجمعيات في بلاد أوربا"، وكتاب "إتحاف ملوك الزمان بتاريخ الإمبراطور شرلكان" وترجم محمد أحمد عبد الرزاق كتاب "غاية الأدب في خلاصة تاريخ العرب" تأليف المؤرخ الفرنسيّ "سيديللو"، وترجم بشارة شديد رواية "الكونت دي موت كريستو" تأليف: "إسكندر دوماس"، وجاءت بعبارة بسيطة ليكون ذلك سهلًا على عامة الناس، كما يقول المترجم.
وترجم حسن عاصم خطبة "رينان" الفرنسيّ، وموضوعها "الدين الإسلاميّ والأمة العربية"، وترجم مراد مختار من التركية "قصة أبي علي بن سينا، وشقيقه أبي الحارث، وما حصل منهما من نوادر العجائب، وشوارد الغرائب".
وهذه أهم الكتب الأدبية التي ترجمت في عصر إسماعيل، ويقول قدري باشا: إن مستوى الترجمة قد هبط بمصر بعد أن أغلقت مدرسة الألسن، ولم يخلفها معهد آخر لتخريج العلماء الأكفاء في التعريب، ولذلك استعانت الحكومة بالأجانب.
_________________
(١) المصدر السابق ص٢٩.
[ ١ / ١١٢ ]
نعم إن مدرسة الألسن قد أعيدت في عهد إسماعيل -كما ذكرنا، بيد أن تخريج المترجمين لم يكن موضع عناية، ولا سيما بعد أن حولت إلى مدرسةٍ للحقوق سنة ١٨٨٦.
أما التأليف فقد خطا خطواتٍ لا بأس بها، ولا سيما في القانون والتاريخ والعلوم، فقد ألف قدري باشا ثلاثة كتب، رتب فيها أحكام الشريعة الإسلامية في المعاملات المدنية والأحوالت الشخصية والوقف، على مذهب أبي حنيفة، وصاغها في شكل مواد قانونية، وهي كتاب "مرشد الحيران إلى معرفة أحوال الإنسان" في المعاملات الشرعية، وكتاب "الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية"، وكتاب "قانون العدل والإنصاف في القضاء على مشكلات الأوقاف".
أما التأليف في العلوم، فهناك عشرات الكتب من تأليف علي البقلي، والشافعي، ومحمد بيومي، وصالح مجدي، ومحمد سليمان، وهو أول من برع في الترجمة من الإنجليزية.
وقد ذكر قدري باشا١ أن تلاميذ رفاعة بك عرَّبُوا نحو ألف كتاب، أو رسالة في مختلف العلوم والفنون، وأن جميع الذين نبغوا في الترجمة كانت لهم مؤلفات قيمة.
هذا، وقد توسعت حكومة إسماعيل في فتح المدارس والمعاهد على اختلاف أنواعها ودرجاتها، واقتضى ذلك تنسيق العلوم والمواد المختلفة لصغار التلاميذ، فألفت الكتب العربية شاملةً كل نواحي العلم، من: حساب وجغرافيا وتاريخ وطبيعة كيمياء وحيوان وحياة ولغة، إلى غير ذلك مما مهَّدَ السبيل لبلوغ النهضة ذورتها في عصرنا الحالي.
_________________
(١) ١ تاريخ الحركة القومية لعبد الرحمن الرافعي، ص٥١١.
[ ١ / ١١٣ ]
٦- النهضة في بلاد الشام:
لا نستطيع أن نغفل أثر السوريين في الأدب إبان القرن التاسع عشر وفي عصرنا الحاضر، ولقد ساعدهم على النهوض، ومكنهم من خدمة اللغة حرصهم على التعليم، ووجود الإرساليات التبشيرية.
والباحث في نهضة سوريا التعليمية يعجب أشد العجب؛ لأن الأتراك تركوا البلاد تتخبط في ديجور مطبقٍ من الجهالة ردحًا طويلًا من الزمن، ولم ينشئوا من المدارس إلّا القليل الذي لا يكاد يذكر، وهي مدارس لا يجاوز ما تلقنه لتلاميذها مبادئ العلوم، وكان أكثر الذين بنوا مدارس دمشق غرباء عنهم، وقد ظلت المدارس التي أسست في عهد ملوك الطوائف مفتوحةً للطلاب قبل زمن الأتراك، بيد أن الناس قد فسدوا في القرون الأخيرة، وتوفروا على التهام تلك المدارس وأوقافها.
وكان معظم هذه المدارس دينية؛ فمدرسة للفقه الحنفيّ، وأخرى للشافعيّ، وثالثة للمالكيّ، ورابعة للحنبليّ، ومنها مدراس لدارسة القرآن وتجويده، ومنها دور الحديث، وكان هناك مدرسة للطب، وأخرى للصيدلة، غير أن كل هذه المدارس قد أُغْلِقَت بعد دخول الأتراك بلاد الشام١.
ولما رأى الأتراك أن مصر ولبنان قد سارتا خطواتٍ واسعةٍ في درج النهضة العلمية، لم يستطيعوا أن يغمضوا أعينهم عن التأخر والفساد والجهل الذي كان فاشيًا في سوريا، وقد وُكِّلَ إليهم أمرها، فأسسوا في أخريات أيامهم مدرسةً للحقوق، هي اليوم أحدى كليات الجامعة السورية، وأنشئوا مدرسة التجهيز والمعلمين سنة ١٣٠٤هـ-١٨٨٢م٢.
وفي سنة ١٣٢١هـ-١٩٠٠م صدرت إرادة السلطان عبد الحميد بإنشاء مدرسةٍ طبية بدمشق، وأن يخصص لبنائها عشرة آلاف ليرة، ومثلها لنفقاتها ولوازمها، وذلك لأن بيروت أخذت تخرج أبناء البلاد في مدرستيها الأجنبيتين الأمريكية واليسوعية٣.
_________________
(١) ١ خطط الشام لكرد علي، ص٦٩ ج٦. ٢ راجع خطط الشام لكرد علي، ص١٠٢ ج٦. ٣ نفس المرجع ص١٠٤.
[ ١ / ١١٤ ]
أما غير دمشق من مدن الشام فكانت مقفرةً من المدارس تقريبًا إلّا حلب، وهي أكبر مدن سوريا، وقد عمرت قديمًا بكثير من المدراس، ولكنها خربت على يد العثمانيين، وجاء في تقويم ١٣٣٢هـ-١٩١٢ أن بحلب الشهباء اثنتنين وثلاثين مدرسة، وما نظن العامر منها يتجاوز العشر١.
وإذا كانت دمشق وحلب لم يسعدهما الحظ بالنهوض السريع، فإن نصارى لبنان كانوا أسبق إلى اليقظة من إخوانهم المسلمين في دمشق وغيرها، بفضل الإرساليات التبشيرية، ولصلة النصارى الدائمة بأوربا المسيحيحة، يستمدون منها القوة ضد الدولة العثمانية المغتصبة.
وكان التعليم في لبنان -كما كان غيره- دينيًّا، ومن أوائل المدارس التي أسست فيه "مدرسة عين ورقة" سنة ١٧٨٩، وكانت ديرًا، ثم حُوّلَت إلى مدرسة، وكانت تدرس فيها اللغة السريانية، والعربية، والفصاحة، والمنطق، واللاهوت.
ولكن المدارس لم تنتشر، والنهضة لم تعم البلاد إلّا في الربع الثاني من القرن التاسع عشر، حين أسست مدرسة "عينطورا" سنة ١٨٣٤م، ولا تزال مفتوحة الأبواب حتى اليوم، وقد تعَلَّم فيها عدد من زعماء النهضة اللبنانية الحالية.
ولما وفد على لبنان الدكتور "فانديك" الأمريكيّ مبشرًا بالدين المسيحيّ، والمذهب البروتستانتي، ورأى البلاد في حاجةٍ للمدارس العلمية، أنشأ مدرسة "عبية" سنة ١٨٤٧.
كانت كل هذه المدارس في الجبل؛ لأنه موئل المسيحية، فلما وقعت مذابح سنة ١٨٦٠، ونزح كثير من أهل الجبال إلى بيروت، ابتدأت الإرساليات تفتح المدارس فيها، ومن ذلك الوقت تبتدئ النهضة الحقيقية بلبنان.
وأقدم مدرسة أنشئت ببيروت كانت للبنات اليتامى اللاتي فقدن آباءهن في مذابح سنة ١٨٦٠، وأسستها "مسز طمسن" في تلك السنة، ثم المدرسة الكلية الإنجليزية الأمريكية للبنات سنة ١٨٦١.
_________________
(١) ١ خطط الشام لكرد علي، ص١١ ج٦.
[ ١ / ١١٥ ]
وقد كان لهاتين المدرسيتن أثر عظيم في النهضة؛ لأن تعليم الأم أول خطوةٍ في تعليم الشعب، وقد كثرت مدارس البنات في لبنان خاصةً، بعد ذلك كثرة ملحوظة، ولا ريب في أن الأم المتعلمة لن ترضى لأولادها الجهل.
ومن أوائل مدارس البنين: المدرسة الوطنية، للمعلم بطرس البستاني، في سنة ١٨٦٣، وكانت ممتازة بصبغتها الوطنية، وحرية الدين، ولكنها تعطلت سنة ١٨٧٦، وأنشئت المدرسة البطريركية، للروم الكاثوليك، سنة ١٨٦٥، ومدرسة الحكمة في السنة نفسها، وهي للطائفة المارونية، وأقدم المدارس الإسلامية هي كلية المقاصد الخيرية الإسلامية، سنة ١٨٨٠.
أما التعليم العالي فيتمثل في الكلية الأمريكية والكلية اليسوعية، وقد أنشئت الأولى ببيروت سنة ١٨٦٦، وبها الآن فروع للطب، والفلك، وطب الأسنان، والتجارة، والآثار، والآداب، ولها قسمٌ إعداديّ وثانويّ، وبها مرصد فلكي، ولما قوي نفوذ الإنجليز في الشرق بعد الحرب العالمية الأولى، وصار تعلم الإنجليزية ضروريًّا اتسعت الجامعة الأمريكية، وزاد إقبال الطلاب عليها، وقصدوها من كل البلاد العربية، وبها ما يقرب من خمسة آلاف طالب، وقد اتسعت مبانيها،،ألحق بها مستشفى عظيم، ولها عناية بالمؤلفات العربية١.
أما الكلية اليسوعية: فقد نقلت إلى بيروت سنة ١٨٧٤، وتعلم اللغات، والآداب، والطبيعيات، والرياضيات، وبها ثلاث شعب رئيسية: الحقوق والطب والهندسة، ولها مستشفى كبير، والتعليم فيها باللغة الفرنسية، وبها مكتبة من أنفس المكتبات العربية، ومطبوعات اليسوعيين ذات شهرة عظيمة.
كان لهذه النهضة التعليمية في لبنان أثر بالغ في ثقافة الشعب، والإقبال على القراءة، والتنافس في أسباب الرقي بين الطوائف المختلفة، كل طائفة تسعى لأن تبز الأخرى وتحتل دونها مركزًا أدبيًّا ممتازًا في القطر الصغير.
_________________
(١) ١ من أشهر أساتذتها الذين عرفناهم الرئيس "دودج" والأستاذ بولس الخولي، أستاذ التربية، والأستاذ أنيس المقدسي، أستاذ الأدب العربي، والدكتور قطسنطين زريق "وكان مديرًا للجامعة السورية"، والدكتور شارل مالك، وقد صار وزيرًا مفوضًا بالولايات المتحدة، والدكتور أسد رستم، ناشر مخطوطات الشام في عهد محمد علي، والدكتور مصطفى الخالدي.
[ ١ / ١١٦ ]
ولكن كثيرًا من أدباء لبنان في القرن التاسع عشر قد آثروا الهجرة إلى مصر، لاضهاد تركيا المسلمة لهم، ولضيق المجال أمام تفوقهم في بلادهم، ومن أشهر مَنْ وفد على مصر من هؤلاء الأدباء، غير من ذكرنا سابقًا من الصحفيين: جورج زيدان، وطانيوس عبده، وأديب إسحاق، وسركيس، ويعقوب صروف، وفارس نمر١.
وقد نشر زيدان في مجلة الهلال كثيرًا من البحوث المترجمة، واختصت المقتطف بالأبحاث العلمية، ومن أشهر آثار اللبنايين في الترجمة تعريب الإلياذة شعرًا، وقام بهذا العمل الضخم سليمان البستاني٢.
ولكن الأسف قد طغت الفرنسية على أهالي لبنان بعد الحرب العالمية الأولى، حينما خضعت بلادهم لحكم فرنسا، ففرضت الفرنسية في جميع المدارس، تُعَلِّم بها كل المواد ما عدا اللغة العربية، فاستعجمت ألسنة شبابهم وأدبائهم، وركت أساليبهم، وضعفت الترجمة إلى حد كبير، ولا سيما المسيحيين، أما المسلمون فقد انصرفوا للتجارة، وإن كانوا أصلح لغة من إخوانهم، ولولا شعراء الجيل الماضي وأدباؤه؛ لتأخرت منزلة لبنان في الأدب، على أن هذا الوضع قد تغير نوعًا ما بعد الثورة ١٩٤٥، واستقلال لبنان، وأخذت النهضة الأدبية فيه تشتد وتقوى، وأسست فيه دور نشر قوية، وظهرت ثمة بعض الصحف الأدبية الراقية، وإن كان أثر الثقافات الأجنبية في نتاج أدبائه واضحًا كل الوضوح، وأخذ كثيرٌ منهم يقلد المذاهب الأدبية الأوربية بحماسة ظاهرة.
_________________
(١) ١ وسنترجم لهم في الأجزء التالية من كتاب الأدب الحديث إن شاء الله. ٢ ولد سنة ١٨٥٦، وتوفي سنة ١٩٢٥، وابتدأ في ترجمة الإلياذة سنة ١٨٨٧ بالقاهرة، وتعلم اليونانية ليترجم الإلياذة. زونظمها في أحد عشر ألف بيت غير متقيد بوزن واحد ولا قافية واخدة بل استعمل كل ضروب الشعر وبحوره، وانتهى من نظمها سنة ١٨٩٥، وشرحها وعلق عليها بألف بيت من الشعر وبكثير من القصص العربية، وانتهى من شرحها سنة ١٩٠٢، ونشرت لأول مرة كاملةً بشرحها ومقدمتها سنة ١٩٠٤.
[ ١ / ١١٧ ]