وقال في قصيدة أولها:
(إلامَ طَماعيةُ العاذلِ؟ . . . . . . . . . . . . . . .)
(وإنِّي لأعشقُ منْ أجلكمْ نُحولي وكلَّ امرئٍ ناحلِ)
قال أبو الفتح: أي أعشق نحولي، لأن عشقكم أدى إليه.
قال الشيخ: معناه ما ذكر غيره أنه أجمله، واختصره، وما فسره. يقال: إذا كان العاشق صادقًا أحب عشقه كما أحب معشوقه، فالمتنبي قد زاد عليه درجتين، إذ جعله يعشق نحوله الذي ولَّده عشقه، وكل ناحل إذ يُشبهه في نحوله.
(ولو كنتُ في أسْرِ غيرِ الهوَى ضمِنتُ ضَمانَ أبي وائلِ)
[ ٢ / ٢٢٥ ]
قال أبو الفتح: كان أبو وائل لما أسره الخارجيُّ ضمن لهم مالًا وخيلًا، فأقاموا على انتظاره، واستنجده سيف الدولة سرًا، فأتاهم، وهم لا يشعرون به، فأبادهم، وقتل الخارجيَّ.
قال الشيخ: هذا شرح أمر أبي وائلٍ لا تفسير بيت القائل. والرجل يقول: لو كنت أسيرَ غير العشق لغدرت بالآسر، وفككت نفسي من أسره بضمانٍ كضمان أبي وائل: إذ فدى نفسه بضمان العين، وتفدهم فيه الحينُ، ولكن العشق لا يُبعث به، ولا يُغلب، ولا يُقدر عليه، ولا يُغدر، كقوله:
وُقيَ الأميرُ هوى العُيونِ فإنَّه . . . . . . . . . . . . . . .
وكقوله:
يستأسرُ البطلَ الكميَّ بنظرةٍ . . . . . . . . . . . . . . .
(وما بينَ كاذَتِيِ المُستغيرِ كما بينَ كاذَتِيِ البائلِ)
قال أبو الفتح: المستغير الذي يطلب الغارة، أي: قد اتسعت فُروجُهن لشدة العدو، والبائل:
الذي انفرج ليبول، فتباعدت فخذاه.
[ ٢ / ٢٢٦ ]
قال الشيخ: شدَّ ما زلَّ تفسيره، وضلَّ تقديره، ظنَّ أن البيت صفة الخيل، وهو صفة الجيش، ولا أدري أتأمل ما قبله، فذهب عليه معناه، أو لم يتأمَّله، وفسره كما رآه، والمتنبي يصف الخيل فيما قبله، وذلك دليل على أن هذا صفة الجيش لا الخيل، فيقول:
شفنَّ لخمسٍ إلى مَن طلب نَ قبلَ الشُّفونِ إلى نازلِ
أي: لزم الجيش ظهور الخيل خمسًا حتى أدركوا الخارجيّ بمثل هذا الركض العنيف، فنظرت الخيل إلى الخارجي المطلوب قبل نظرها إلى نازلٍ عن ظهورها، لأنهم ركبوها، ولم ينزلوا عنها حتى أدركوه، وقتلوه، فكان نظر خيلهم إليه قبل نظرها إلى نازلٍ عنها، ثم يقول: بقي النازلون عنها متسعًا ما بين أرجلهم للزومهم خمسًا ظهور الخيل من التَّعب والنَّصب والإعياء، فكان كل واحد منهم كالبائل إذ تباعد ما بين رجليه حذر البول، وقد أحسن، وأجاد في هذا المعنى وهذا التشبيه كل الإحسان وكل الإجادة، والعجب من أن المفسر يقول: المستغير الذي يطلب الغارة، وهذا من صفة الجيش دون الخيل، ثم يعدل عنه إلى صفة الخيل.
(فظلَّ يخضِّبُ منها اللِّحى فتىً لا يُعيدُ على النَّاصلِ)
قال أبو الفتح: اللَّحى جمع لحية، ويُقال: لُحى بالضم، وهو شاذٌ قليلٌ،
[ ٢ / ٢٢٧ ]
والنَّاصل: المضروب بالنَّصل، وهو فاعل بمعنى مفعول كقولهم: ناقةٌ ضاربٌ، أي: قد ضربها الفحل، و(عيشة راضية)، أي مرضية أي: إذا ضرب إنسانًا بسيفه لم يبق فيه ما يحتاج له إلى إعادة الضربة، ويجوز أن يكون معناه: لا يُنصل خضابُه، فيحتاج إلى إعادته.
قال الشيخ: من رأى التَّخضيب والنَّاصل في بيت، علم أنه لا يجوز أن يُحمل النَّاصل على المضروب حتى يحتاج إلى كل هذا التَّعسُّف والتَّكلُّف والاستشهاد على ما لا معنى له، وهو ما ذكره آخرًا، أنه يخضب منها، أي: من الدِّماء، وإن لم يتقدم ذكرها، فإنها جارية بين الضَّرب والطِّعن أبدًا. فتىً لا يعيد على النَّاصل، أي: لا يُعيد الخضاب على الشَّعر النَّاصل، فإن نصوله عنه خروج نفسه عن جسمه، وسمعت اللُّحى بالضَّم والقصر واللِّحاء بالمد والكسر كقوله:
. . . . . . . . . . . . . . . فِرقًا تهزُّونَ اللِّحاَء الشِّيبا
(يجودُ بمثلِ الذي رمتُمُ فلَمْ تُدركوهُ على السَّائلِ)
(فإنَّ الحسامَ الخضيبَ الذي قُتِلْتمْ به في يدِ القاتلِ)
[ ٢ / ٢٢٨ ]
قال أبو الفتح: أي يجود على السائل بمثل ضمان أبي وائلٍ لكم الذي لم تدركوه، ويعني بالحسام: سيف الدولة.
قال الشيخ: تفسير هذا البيت صواب، وتفسير الحسام خطأ فاحش، والعجب أنه يرى قوله: الحسام الخضيب في يد القاتل، ثم يفسره بسيف الدولة، ولا يعلم أنه لا يكون خضيبًا بالدَّم، ولا يكون بيد القاتل، يُقتل به، وإنما الحسام الخضيب يكون في يده، وهو القاتل لهم به، وأفٍّ لمثل هذا الكلام، أفٍّ والسلام.
(أمَا للخلافةِ منْ مُشفقٍ على سيفِ دولتِها الفاضلِ؟)
رواه أبو الفتح بالضَّاد معجمة والفاء. قال الشيخ: الحمد لله الذي وفقه حتى جعله فاضلًا لا ناقصًا، وإن كنا لم نسمع بالسيف الفاضل قطُّ، وسمعنا بالسيف المُقصل والقاصل والقصَّال وهو القطَّاع من القصل، وهو القطع والقصيل سُمِّي قصيلًا: لأنه مقطوع، ونعت السيف بالفضل دون القطع والقصل من الأوابد، فكيف غلط فيه؟ وكان يرى بعده:
[ ٢ / ٢٢٩ ]
يَقُدُّ عداها بلا ضارب ويسرى إليهم بلا حامل
والقدُّ من عمل القاصل لا من عمل الفاضل، وتعجُّبي من رواياته الفاسدة المصحَّفة فوق تعجبي من معانيه المدخولة المزيفة، وأظنُّه قرأه عليه، ولم يحفظه، ولم يقِّيده، ونظر فيه بعد حينٍ من الدهر، ففسره على ما خيَّلت له.
وقال في قصيدة أولها:
(بنا منكَ فوقَ الرَّملِ ما بكَ في الرَّمْلِ . . . . . . . . . . . . . . .)
(عزاَءكَ سيفَ الدَّولةِ المُقتدَى بهِ فإنَّك نَصلٌ والشَّدائدُ للنَّصلِ)
قال أبو الفتح: أي تعزَّ عزاءك يا سيف الدولة، والهاء في به عائدة على العزاء، ويُحتمل
أن تعود على سيف الدولة.
قال الشيخ: المُقتدى به هو سيف الدولة لا غير لا عزاءه كما قال فيه:
وأنتَ تعلَّمُ النَّاسَ التَّعزِّي . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٢٣٠ ]
وقال في قصيدة أولها:
(لا الحلمُ جاد به ولا بمثالهِ . . . . . . . . . . . . . . .)
(لو لمْ تكنْ تجري على أسيافهِ مُهجَاتُهمْ لجرتْ على إقبالهِ)
قال أبو الفتح: هذه استعارة حسنة، لأنه جعل لإقباله جُثَّةً، تجري عليها مُهجاتهم.
قال الشيخ: ما جعل للإقبال جثَّة، لها شخص، ولا (عِجلًا جسَدًا له خُوارٌ)، وإنما قال: من سلم من قتاله تلف في إقباله، كما قال:
فكم خرَّ في إقبالهِ من مصارعٍ فقال له الإدبارُ لليدِ والفمِ
(حتَّى إذا فني التُّراثُ سوى العُلى قصدَ العُداةَ منَ القنا بطوِالهِ)
قال أبو الفتح: أي فني ما ورثه من المال، وبقيت معاليه، لأنه شحيح عليها ضنين بها.
قال الشيخ: فسر نصفه، وأهمل نصفه، وهو أحوج إلى الشرح من أوله، فإنه ظاهرٌ، وهذا خفيٌّ، نعم يقول: حتى إذا أعطى جميع تراثه غير المُلك الذي لا يُهب ولا يُعطى، ولا يُشرك فيه قصد العدى، فأخذ أموالهم للعطاء والهِبات كما قال:
كن لجَّةً أيُّها السَّماحُ فقد آمنَه سيفُه منَ الغَرقِ
[ ٢ / ٢٣١ ]
وكما قال:
ولو جاز أن يَحووا عُلاكَ وهبتَها . . . . . . . . . . . . . . .
وقال في قصيدة أولها:
(أينفعُ في الخيمةِ العُذَّلُ؟ . . . . . . . . . . . . . . .)
(فإنْ طُبعَتْ قبلكَ المُرهفاتُ فإنَّكَ مِنْ قَبْلِها المِقصَلُ)
قال أبو الفتح: ومعنى البيت أنك لإفراط قطعك وظهوره على قطع جميع السيوف، كأنك أنت أول من قطع، إذ لم يُر قبلك مثلك، ويؤكد هذا قوله فيما بعده:
(وإنْ جادَ قبلَك قومُ مضَوا . . . . . . . . . . . . . . .)
قال الشيخ: ما خلق الله من هذا شيئًا، وهذا المعنى فاسدٌ مردودٌ ببديهة العقل،
[ ٢ / ٢٣٢ ]
والرجل يقول: فإنك من قبلها المقصل، أي: بالحدة لا بالمدَّة وبالطَّبع والعمل لا الطَّبع الأول، يعني أنك من قبلها، أي: قبل قصلها تقصل في الحرب واللقاء للأعداء، فتقطع آمالهم قبل أن تقطع المرهفات آجالهم، وتخرق صفوفهم قبل أن تجلب السيوف حتوفهم، وتهزم نفوسهم قبل أن تحزَّ الصَّوارم رؤوسهم، فأنت المقصل القاطع قبل المرهفات بالفعل والطبع، وإن
كانت هي قبلك بالعمل والطبع، فخذ بالتعيين معناه، والتحقيق دون التخييل والتشبيه.
وقال في قصيدة أولها:
(أجابَ دمعي وما الدَّاعي سوى الطَّلَلِ . . . . . . . . . . . . . . .)
(ما بالُ كلِّ فؤادٍ في عشيرتها بهِ الذي بي وما بي غيرُ منتقلِ)
قال أبو الفتح: أي فجميعنا ثابت المحبة لها غير منتقل الهوى عنها.
قال الشيخ: الرجل يقول: وما بي، ليس يقول: ما بنا حتى ربما يتصور فيه ما ذكره، والمعنى غير ما ذهب إليه، فإن الرجل يقول: ما بالُ كل فؤاد في عشيرتها به الذي بي من الهوى والحب، وما بي ثابت في فؤادي غير منتقل عنه، فيحل بفؤاد غيري، وفي
[ ٢ / ٢٣٣ ]
كل فؤاد من عشيرتها ما في فؤادي، وهو لازم له غير منتقلٍ، فكيف يحلُّ بغيره ما لم ينتقل عنه؟ هذا شيءٌ عُجاب.
(وقد أراني الشَّبابُ الرُّوحَ في بدني وقد أراني المشيبُ الرُّوحَ في بَدلي)
قال أبو الفتح: أي في غيري، يقول: كأن نفسه فارقته في المشيب.
قال الشيخ: ليس كذلك، وما أراد به ذلك، ومعناه أن الشباب أراه روحه في بدنه، فلما شاب أراه المشيب روحه في بدله، أي: ليس بدن الشباب بدن المشيب وبدل المشيب بدل ذلك البدن كما قال القائل:
وهت عزماتُك بعدَ المشيبِ وما كانَ من حقِّها أن تهي
وأنكرتَ نفسَك لَّما كبرتَ فلا هيَ أنتَ ولا أنتَ هي
(تُمسي الأمانيُّ صرعى دونَ مبلغهِ فما يقولَ لشيءٍ: ليتَ ذلكَ لي)
قال أبو الفتح: أي دون أن يبلغ إلى قلبه، فتستميله أو إلى لسانه، فتجري عليه.
قال الشيخ: كان يجب أن يقول على هذا التفسير دون همته أو مُنيته
[ ٢ / ٢٣٤ ]
أو فكرته أو نهمته أو مطلبه لا دون مبلغه، ويا بُعد بين هذا المعنى والتفسير، فإنه يقول:
(تُمسي الأمانيُّ صرعى دونَ مبلغهِ . . . . . . . . . . . . . . .)
ومناله من الدنيا فما يُرى، ولا يتمنى شيئًا، ليس له، فيقول: ليته لي، فإن الدنيا بما فيها له.
(وما الفِرارَ إلى الأجبالِ منْ أسدٍ تمشي النَّعامُ به في معقِلِ الوَعِلِ؟)
قال أبو الفتح: أي قد أخرج النَّعام عن البر إلى الاعتصام برؤوس الجبال.
قال الشيخ: هذا التفسير أفسد من كل فاسد، وما كان سيف الدولة يصيد النعام، أي يحاربها حتى ضيق عليها البر، فألجأها إلى الاعتصام عنه بالجبال، ومعناه ما يجدي فرارُ الروم عنه إذ يحاربها إلى الجبال، وهو من إقباله ويُمنه ودولته ييسِّر النَّعام للمشي في الجبال ومعاقل الأوعال. والنعام من الحيوان البادية لا تقرب الجبال، ولا ترتقي إليها، ولا تألفها، ولا تعمل فيها، ولا تعرفها، أي: إذا كان سيف الدولة وآثار دولته وإقباله بهذه الصفة، فما أجدى فرار الروم عنه إلى الجبال، فإنها لا تعصم تلك عنه وعن جنوده كما قيل:
يصِحُّ المُحالُ بإقبالهِ ويثبتُ في كفِّهِ الزِّئبقُ
وكما قيل:
وكفاكَ نادرةً بإقبالِ امرئٍ بغدو بهِ البازي أسيرَ الدُّرُّجِ
في نظائر لها جمة.
[ ٢ / ٢٣٥ ]
(ما كانَ نومَي إلاَّ بعدَ معرفتي بأنَّ رأيكَ لا يُؤتَى منَ الزَّللِ)
قال أبو الفتح: أي ما لحقني السُّهو والتَّفريط إلا بعد سكون نفسي إلى فضلك وحلمك، فلو كان هذا في غير سيف الدولة لجوزت أن يكون قد طواه على هجائه، لأنه يمكن قلبه على أنه ما يؤتى من دهاءٍ وخُبثٍ.
قال الشيخ: ليس كذلك، فإنه يقول: ما كان قراري وسكوني بعدما رام الحُساد إفساد محلي عندك وتغيير حالي معك إلا فوق علمي بأن رأيك أعلى وأثبت وأسدُّ وأمتن من أن يعترضه زللٌ أو يعتوره خلل في شيءٍ، أو يجوز عليه تمويه وتشبيهٌ، فكان نومي فوق معرفتي به، أي: سكوني على هذه الثِّقة، ولولاها لما كانت.
وقال في مطلع مقطعة:
(شديدُ البعدِ مِنْ شربِ الشَّمولِ تُرُنجُ الهندِ أو طلْعُ النَّخيلِ)
قال أبو الفتح: رفع شديد البعد، لأنه خبر مبتدأ محذوف، كأنه قال: أنت شديد البعد، ورفع ترنج الهند بالابتداء، كأنه قال: بين يديك أو في مجلسك ترنج الهند، إلا
[ ٢ / ٢٣٦ ]
أنه حذف من الأول المبتدأ، ومن الثاني الخبر، لأنه مشاهد، فدلَّت الحال عليه وعلى الضمير، فإن قيل: وما في إخباره عما في مجلسه، وهو بحضرته من الفائدة؟ وهل كان يشك في ذلك، فيجوز إخباره عنه؟ قيل: إنما جاز ذلك، لأنه ثناء عليه، فيقول له: أنت شديد البُعد من الشراب، وإن كان
بين يديك ما يُحضر في أكثر الأمر للشرب، فأثنى عليه، ونفى عنه الظِّنَّة، فجرى هذا مجرى قولك للرجل الذي لا تشك في فضله وشرفه: أنت فاضل، وأنت شريف لما في ذلك من وصفه وتقريظه وذكر محاسنه.
قال الشيخ: ما أغنى هذا البيت عن كل هذا الإغراب في الإعراب وكل الإضمار والإظهار، فإن ظاهره ينبئ عن خافيه ولفظه يؤدي ما فيه. وهو يقول: ترنجُ الهند أو طلع النخيل بعيد جدًا عن شرب الشَّمول وما كونهما في مجلسك دليلًا على شربك لها، وما كل مكان يكونان فيه موجب للشراب وما كون هذا وذلك في مكان موجبًا له. وشديد البُعد مرفوع بالابتداء وترنجُ الهند مرفوع بالجواب، وكُفيت مؤونة طول هذا الخطاب؟
وقال في قصيدة أولها:
(لياليَّ بعدَ الظَّاعنينَ شُكولُ . . . . . . . . . . . . . . .)
(إذا كانَ شمُّ الرَّوْحِ أدنى إليكمُ فلا برحتْني روضةٌ وقّبولُ)
[ ٢ / ٢٣٧ ]
قال أبو الفتح: أي إذا كنتم تؤثرون شمَّ الرَّوح في الدنيا وملاقاة نسيمها، فلا زلت روضةً وقبولًا، وهي الريح التي تجيء من وراء القبلة نديَّة انجذابًا إلى هواكم ومصيراُ إلى ما تؤثرونه، وتكون سبب الدُّنِّو منكم.
قال الشيخ: شدَّ ما توعَّر في إعرابه حتى تقعر، وكيف يكون الرجل روضةً وقبولًا حتى يصل خليلًا؟ وهبه صار قبولًا وروضةً، فما فائدته في الدُّنِّو منهم؟ ولا راحة حينئذ له في الوصل ولا ألم في الهجر ولا علم بهذا وذاك ولا إحساس لهما. وعندي أنه يقول: إذا كان شمُّ الرَّوح أدنى إليكم وأقرب من إيثاركم وهواكم ومحبتكم، فلا فارقتني ولا زايلتني روضةٌ وقبولٌ حتى يكون ما تؤثرونه وتحبونه من هذا النسيم جامعًا بيني وبينكم وناظمًا شملي وشملكم، وأكون بانتشافه شريكًا لكم فيه وقريبًا منكم به وواجدًا منه ما تجدونه وعالمًا بأنكم شُركائي فيه وقُرنائي به، فأجد به تعلُّلًا باقترابكم وتفرُّجًا بكوني في حالة معكم وتروُّحًا إلى مناسبتكم فيه ومناسمتكم، فيكون بيني وبين ما تحبونه منه قربٌ واجتماعٌ، وإن كان بيني وبين من أحبهم منكم بعدٌ وافتراقٌ، وقد قِنع بدون ما قاله قومٌ، فقال:
وتقَرُّ عيني وهي نازحةٌ ما لا يقَرُّ بعينِ ذي الحِلمِ
وقال الآخر:
أليسَ اللَّيلُ يجمعَنُا جميعًا؟ أليسَ شرابُنا من ماءِ وادِ؟
(ويومًا كأنَّ الحسنَ فيهِ علامةٌ بعثتِ بها والشَّمسُ منكِ رسولُ)
[ ٢ / ٢٣٨ ]
قال أبو الفتح: في هذا البيت رائحة من قول الشاعر:
إذا طلعت شمسُ النَّهارِ فإنَّها أمارةُ تسليمي عليكِ فيلِّمي
قال الشيخ: ما أرى في هذا البيت شيئًا من روائح البيت الثاني، بل فيه رائحة من قوله: إذا كان شمُّ الرَّوح وهذا البيت ما يُفاوحه ولا يراوحه بحالٍ، وإنما هو معطوف على قوله:
شفت كمدي واللَّيل فيهِ قتيلُ . . . . . . . . . . . . . . .
وأراد بالفجر: سيف الدولة، وكان لقيه به، وهو قد أشعل نيرانًا عظيمة حتى أضاءت الليل كالفجر، فكنَّى عنها بالفجر، وقوله: شفت كمدي واللَّيل في درب القُلَّة قتيل، ذلك الفجر الذي كفاه ونفاه، شفت كمدي، أي: جابت عنِّي الليل، وكشفت وفرَّجت الكمد، ويدل على صحة قوله:
(وما قبل سيفِ الدَّولةِ آثَّارَ عاشقٌ ولا طُلبت عندَ الظَّلامِ ذُحولُ)
[ ٢ / ٢٣٩ ]
أي: بناره قدرت على إدراك ثأري على التَّبل وطلب الذَّحل عند ظلامه حين قتله في درب القُلَّة بفجر ناره فطلب ذحلي به من الظلام، وأدركت ثأري من الليل، ومُؤيده ما بعد البيت.
تسايرُه النِّيرانُ في كُلِّ مسلكٍ بهِ القومُ صرعَى والدِّيارُ طُلولُ
ثم قال:
ويومًا كأنَّ الحسنَ فيه علامةٌ بعثتِ بِها والشَّمسُ منكِ رسولُ
أي: ولقيت بعد هذه اللَّقية التي شفت كمدي، وبرَّدت كبدي، وأخذت بيدي حتى أدركت ثأري من الليل يومًا، هو النهاية في الحسن والطلاقة، كأن الحسن علامة من المعشوق فيه، والشمس رسول، جاءتني برسالته وعلامته، فلم يبق في الحسن غاية ولا لفرجه من الحزن نهاية ولا لاستبشاره وراحته أمدًا ولا لابتهاجه وغبطته مثلًا إلا جمعها في صفة ذلك اليوم، ومثل ذلك اليوم الذي سفر عنه مثل ذلك الليل الذي وصفه يكون أعجب إليه وأحسن في عينيه من سائر الأيام كما وصفه، وهذا قريب من قوله:
لَيلُها صُبحُها مِنَ النَّارِ والإص باحُ ليلٌ منَ الدُّخانِ تَمامُ
[ ٢ / ٢٤٠ ]
ولكن هذه نار القِرى، وتلك نار إحراق القُرى.
وما قبل سيفِ الدَّولةِ آثّارَ عاشقٌ ولا طُلبتْ عند الظَّلامِ ذُحولُ
قال أبو الفتح: يقول لولا سيف الدولة لما وصلت إلى قُلَّة هذا الدرب حتى شفيت نفسي من الليل بملاقاة الفجر.
قال الشيخ: معنى شرحه كما هو، والذي ذكره فاسد، وفساده ظاهر، والمتنبي لو لم يكن بدرب القُلَّة الذي كان وصوله إليه متعذرًا لولا سيف الدولة لما كان يلقى الفجر في سائر بسيط الأرض. المتنبي أينما كان من الدنيا ما كان يعوزه ملاقاة الفجر، وما لسيف الدولة في ملاقاته الفجر بدرب القُلَّة أثر، فإن درب القُلَّة في لقاء الفجر وسائر الدنيا شرعٌ، إنما أثره فيه نيرانه التي جعلت الليل نهارًا حتى أدرك المتنبي منه ثأرًا.
(فخاضت نجيعَ الجمعِ حتَّى كأنَّهُ بكلِّ نجيعٍ لمْ تخضْهُ كفيلُ)
قال أبو الفتح: أي علم من رآها تخوض الدماء العظيمة أنه لا يتعذر عليها خوض دمٍ بعد ذلك، أي: لا تروم قتل عدوٍّ فيصعب عليها.
قال الشيخ: ما في البيت وفيما قبله وبعده ذكر من العلم، وعبارة من رآها
[ ٢ / ٢٤١ ]
واجتماع تلك الدماء لا يوجب أنه لا يصعب عليه قتل عدوٍّ بعدها البتَّة، ومعناه: إن خيله خاضت دماء الروم خوضًا عامًا شاملًا لمهجاتِهم بدمائهم حتى كأن سيف الدولة كفيلٌ بإراقة كل دمٍ لم تخضه خيله. أي: يريقه ويخوضه خيله إذ لم يذر منها حيًا أحدًا ولا دمًا محقونًا إلا هَراقَه وأخاضه خيله.
(ورعنَ بنا قلبَ الفراتِ كأنَّما تخرُّ عليهِ بالرِّجالِ سُيولُ)
قال أبو الفتح: كنى بقوله: ورعن بنا قلب الفرات عن خوضها فيه، ولقد أجاد العبارة وأحسنها.
قال الشيخ: لقد اختصر تفسيره، وما أبصر تقصيره، وما أبعده عن معناه وما أعماه عمَّا رآه، الرجل ساحر في شعره باقعةٌ في سحره، وبعيدٌ أن تُدرك معانيه، سيما إذا أبدع معنى بعينه، وهذا من ذاك، وهو يقول: راعت الخيول قلب الفرات باقتحامنا له وهجومنا عليه حتى هاله وغير لونه وحاله، والمعهود والمعتاد أن تُراع قلوب الناس بخوض الفرات، ونحن أناس يُراع بنا قلب الفرات، ويدلُّك على صحته المصراع الثاني:
(. . . . . . . . . . . . كأنَّما تخرُّ عليه بالرِّجالِ سيولُ)
لقلة مبالاتهم بالأوحال، فكأنه سيولٌ لا تُبالي بالوقوع في الفرات لا رجالٌ.
[ ٢ / ٢٤٢ ]
(وفي بطنِ هنزيطٍ وسمنينَ للظُّبا وسمرِ القنا ممَّنْ أبدنَ بديلُ)
قال أبو الفتح: هذا مثل قوله أيضًا:
وربَّوا لكَ الأولادَ حتَّى تصيبَها وقَد كَعِبَت بِنتٌ وشَبَّ غُلامُ
قال الشيخ: أسخن الله عين الأبعد، ما أبعده عن الصواب في هذا التفسير المشتبه على البصير. قوله: فربَّوا لك الأولاد، كان قوله في سلمٍ واقعٍ بينهما، فقال: ليس في مدة هذه السِّلم إلا تربيتهم لك الأولاد حتى يُدركوا فتصيب البنين بالقتل والبنات بالسَّبي كما فعلت بهم فيما مضى حتى لم يبق فيهم من يُقتل ويُسبى، فيُحمل، وهذا في الحرب، ولا يحسن فيه ذلك المعنى، بل لا يجوز، فإن البُهَم فيها تُسفك دماؤهم، فتُراق، والحُرم والأولاد تُسبى وتُساق، فيخلوا المكان، ولا يبقى به بديل، فلا تبقى بتلك البلاد المفتوحة بنتٌ تكعب ولا
[ ٢ / ٢٤٣ ]
غلامٌ يشب، ومعناه، وفي بطن هنزيط وسمنين للسيوف والرماح بديلٌ عمَّن قتلن، أي: أبادت أهاليها، ودمرت من فيها، وأمَّرت عليها من يليها، وبثَّت عمَّالها في نواحيها، وأهلكت أقوامًا، وأتلفت أقوامًا، واستخلفت أقوامًا، فهم بديل فيها للسيوف والرماح عمَّا أبادته بها من تلك الأشباح والأرواح.
(على قلبِ قسطنطين منه تعجُبْ وإن كان في الساقين منه كبولُ)
قال أبو الفتح: تعجبٌ لما شاهده من شجاعته، وكبولٌ لأنه أسره، وقيده.
قال الشيخ: هذا تفسير أم تحيير؟ فكلاهما في معناه عسير، فلقد أومأ إلى طرفه، وعمَّى عن طُرفه، وهذا أيضًا من أسراره في أشعاره، فإن النَّاكب أبدًا يكون قبيحًا في عين المنكوب، والسالب ذميمًا في نفس المسلوب حتى لا يستعظم عظائمه ولا يستكثر مكارمه، ولا يتعجب من أفعاله، وإن كانت عجيبة، ولا يستغرب جميع أعماله، وإن كانت غريبة، بل يرى أفعاله صغيرة، وإن كانت كبيرة، ولئيمة وإن كانت كريمة، فلا يعجبه شيءٌ، وأفعال سيف الدولة مجاوزة معهود الطِّباع ومعتاد البشر في جميع الأنواع حتى يتعجب منها من هو في قيوده غاية مجهوده كما قال:
ومن شرف الإقدامِ أنَّك فيهمُ على القتلِ موموقٌ كأنَّك شاكدُ
وإنَّ دمًا أجريتَه بكَ فاخرٌ وإنَّ فؤادًا رعتَه لكَ حامدُ
[ ٢ / ٢٤٤ ]
(إذا كان بعضُ النَّاسِ سيفًا لدولةٍ ففي النَّاس بُوقاتٌ لها وطُبولُ)
أغفله أبو الفتح، ولم يفسره. قال الشيخ: ما كنت لأشرح ما أغفله، غير أني رأيت كثيرًا من المتَّسمين بالأدب والمتكلمين في ديوان هذا الرجل يعيبون عليه ويكثرون في هذا البيت، وينعونه، ويردون به عليه جهلًا منهم بمعناه، ومن جهل شيئًا عاداه، وغباوة منهم لأكثر معاني أبياته وقصور إفهامهم عن إدراك إبداعه، فشرحته ليرى به القادح فيه سقوطه وعجزه عن معانيه، وعساه يكفُّ عن الوقيعة في أعلام العلماء ونقيصة الفضلاء بضيق المعرفة وضعف الرأي، فما في العالمين أتمُّ نقصاُ من المنتقِّصين أولي الكمال. يقول الرجل: إذا كان بعض الناس، أي: غير سيف الدولة سيفًا لدولة إمامٍ نبغت فيها النوابغ، ونجمت فيها النَّواجم، وكثرت فيها الخوارج، وأعدَّت في الناس بوقاتٍ لتلك الدولة وطبول مناصبةٍ لها ومحاربةٍ، وقصدًا إليها وطمعًا فيها وأخذًا منها، ويعجز ذلك البعض الذي هو سيف تلك الدولة عن قمعهم وتفريق جمعهم، ويقصِّر عن تلافيها وتقديم الواجب فيها حتى يستولي عليها البغاة، ويأخذها الشُّراة، فتتلاشى في حيفها بكلالة سيفها، فأما معك يا سيف الدولة فلأنك تحفظها بمائها، وتحوطها من جوانبها وأرجائها، وتمضي دونها في أعناق أعدائها، فلا ينبغُ فيها نابغٌ إلا قسرته، ولا ينجم لها ناجم إلا قتلته أو أسرته، فلا يبقى لها مُناوئٌ مناصبٌ، ولا لطرفٍ من
[ ٢ / ٢٤٥ ]
أطرافها غاصبٌ، وبدلُّك على ذلك ما قبله، وهو:
فدتكَ سيوفٌ لم تُسمَّ مواضيًا فإنَّك ماضي الشَّفرتينِ صقيلُ
أي أمراء، لم تُسم باسمك لكلالهم ومضائِك وعجزِهم وغنائِك، وهذا كقوله فيه:
لو تحرَّفتَ عن طريقِ الأعادي ربطَ السِّدرُ خيلّهم والنَّخيلُ
ودرى مَن أعزَّه الدَّفعُ عنه فيهما أنَّه الحقيرُ الذَّليلُ
يعني صاحبي العراق ومصر، فإن النخيل من شجر العراق والسِّدر من شجر مصر.
وقال في قصيدة أولها:
(دروعٌ لملكِ الرُّومِ هذي الرَّسائلُ . . . . . . . . . . . . . . .)
(أتاكَ يكادُ الرَّأسُ يُجحَدُ عُنْقَه وتنقدُّ تحتَ الدِّرعِ منه المفاصلُ)
[ ٢ / ٢٤٦ ]
قال أبو الفتح: أي يتبرأ بعضه من بعضٍ لإقدامه إلى المصير إليك هيبة لك.
قال الشيخ: لماذا يتبرأ بعضه من بعض لإقدامه، ولم يجترم جرمًا يُعاقب عليه، ولا احتقب
عارًا يُلام ويوبَّخ به حتى يتبرأ بعضه من بعضٍ مخافة العقاب والإيلام أو حذار التغيير والملام؟ ولكن يكاد الرأس يبين عنه عنقه، وإذا بان عنه جحده وأنكره، ولم يعرفه، وذلك لفرط هيبته، والدليل عليه:
(. . . . . . . . . . . . . . . وتنقدُّ تحت الدَّرع منه المفاصلُ)
أي: وتتقطع أوصاله ومفاصله لخوفه كما يكاد يبين رأسه عن عنقه لهيبته، وهذا كما قيل:
وطلَّقتِ الجماجمُ كلَّ قحفٍ . . . . . . . . . . . . . . .
(وأكبرَ منه همَّةً بعثتْ به إليك العِدا واستنظرتْه الجَحافِلُ)
قال أبو الفتح: أي أكبر العِدا همته التي بعثت به إليك، أي: استعظموها، وسألته الجحافل أن يُنظرها بشغله سيف الدولة عنهم.
قال الشيخ: لم تبعثه همته إلى سيف الدولة، إنما بعثته إليه الروم، فكيف قال: أكبر العِدا همته التي بعثته إليك، وهم الباعثوه؟
[ ٢ / ٢٤٧ ]
ومعناه عندي: وربَّ رسولٍ أكبر من هذا الرسول همة ونفسًا بعثته إليك العِدا، واستنظرته جيوشهم كما فسر، وجوابه: فأقبل من أصحابه، وهو مرسلُ، وعاد إليهم وهو عاذلُهم على تركهم المسارعة إلى طاعتك والدخول في جماعتك والاعتصام بطاعتك ليأمنوا هلاكهم، ويحموا نفوسهم وأهاليهم وأملاكهم واجتناب معارضتك بعين الخضوع والانقياد إذ لا طاقة لهم بك وبما لك من العُدد والعتاد والعساكر والأجناد.
(إذا عاينتك الرُّوم هانتْ نفوسُها عليها وما جاءت بهِ والمُراسلُ)
هكذا رواه أبو الفتح (الرُّوم)، وروايتي (الرُّسل).
قال الشيخ: روايتي الرُّسل، وهو الصواب، وهذا يؤكد ما قُلنا، أي: إذا عاينتك هذه الرُّسل الرُّومية هانت عليهم نفوسهم والهدايا والرسائل التي جاءت بها، وكبيرهم الذي أرسلهم إليك وراسلَك على ألسنتِهم لرفعة مكانك.
[ ٢ / ٢٤٨ ]
(إذا الجودِ أعطِ النَّاسَ ما أنتَ مالكٌ ولا تُعطينَّ النَّاسَ ما أنا قائلُ)
قال أبو الفتح: أي لا تُعط الناس أشعاري فيُفسدوها بسلخِ معانيها.
قال الشيخ: ما أبعد هذا التفسير عن معناه، أكان سيف الدولة خازن أشعاره، فينسخها الناس حتى حجر عليها إنساخها؟ والمتنبي ما كان ينسخها الناس حتى لم يقف عليها أحد، ولا
ندري أيرضى الملوك بأن تخفى مدائحهم ولا تشتهر أم لا؟ ويستجيز شاعرٌ مجيدٌ أن لا تشيع أشعاره في الدهر ولا تطبق وجه الأرض؟ فإن كان الأمر على هذه الجهة فلمَ افتخرت الشعراء بضدِّها؟ كما قال البحتري:
تنالُ منالَ اللَّيلِ مِن كلِّ وجهةٍ وتبدو كما تبدو النُّجومُ الطَّوالعُ
إذا ذهبت شرقًا وغربًا فأمعنت تَبَيَّنتَ مِن تزكو لديهِ الصَّنائعُ
وقال أيضًا:
على أنَّ أفوافَ القوافي ضوامنٌ لشكركَ ما أبدى دُجى اللَّيلِ كَوكَبا
ثناءً تقصَّى الأرضَ نجدًا وغائرًا وسارت به الرُّكبانُ شرقًا ومغربا
[ ٢ / ٢٤٩ ]
وكما قال المتنبي:
وما الدَّهرُ إلاَّ مِن رواةِ قلائدي إذا قلتُ شعرًا أصبح الدَّهرُ مُنشِدا
فسارَ به من لا يسيرُ مشمِّرًا وغنَّى به من لا يُغنِّي مغردِّا
وكما قال في كافور:
وشرَّق حتَّى ليس للشرقِ مشرقٌ وغرَّب حتى ليس للغربِ مَغرِبُ
إذا قلُته لم يمتنع من وصولِه جدارٌ معلَّى أو خباءٌ مطنَّبُ
وكما قال فيره، وقد أخذ عنه:
تناشدَها الأنامُ وهم سُكارى ومَن يصحو منَ الخمرِ الحلالِ؟
وأملاها الزَّمانُ على بنيهِ بأنفاسِ الجنائبِ والشَّمالِ
وكما قال:
وجابت قوافيك البلادَ كأنَّما يرينَ بها في صبغِها مقَلةَ ابن ما
وأمثالها في الدواوين، لا يُحصى ولا يُحصر، ومعناه إن سيف الدولة كم كان يُغري به شعراءه حتى يتعرَّضوا له.
وهيهاتَ البحورُ منَ الثَّماد وهيهاتَ النُّجومُ منَ الرَّمادِ
وقصائد فيه ناطقة به، فالمتنبي يقول: أعطِ من شئت ما تملك، أي: لست أنفس بمالك على هؤلاء المتشاعرين، ولا تُلجئني بإشلاء أمثالهم عليَّ إلى مفارقتك والوفادة على غيرك ومدح سواك وإنشاد الشعر في غيرك، ويدلُّك على صحته ما بعده:
[ ٢ / ٢٥٠ ]
أفي كلِّ يومٍ تحتَ ضِبني شُويعرٌ ضعيفٌ يُقاويني قصيرُ يُطاولُ؟
لساني بنطقي صامتٌ عنه عاذلٌ وقلبي بصمتي ضاحكٌ منه هازِلٌ
وأتعبِّ من ناداكَ من لا تُجيبُه وأغيظُ من عاداكَ من لا تُشاكلُ
وما التِّيهُ طِبِّي فيهمُ غيرً أنَّني بغيضٌ إليَّ الجاهلُ المتعاقلُ
(أطاعتْكَ في أرواحِها وتصرَّفتْ بأمرِك والتّفَّتْ عليكَ القبائلُ)
قال أبو الفتح: قوله: والتفت عليك القبائل، مثل قوله فيه:
يهزُّ الجيشُ حولكَ جانبيهِ كما نَفَضَت جَناحَيها العَقابُ
ويجوز أن يكون أراد إحداق أنسابها بنسبه، فأنه فيهم.
قال الشيخ: لا، ولكن التفت عليك القبائل: أي: احتفت بك والتفت عليك كما تلتفُّ الحاشية على كبيرهم والكتيبة على أميرهم، كما قال أبو تمَّام:
منقادةٌ لعارضٍ غربيبِ كالشِّيعةِ التَّفت على النَّقيبِ
[ ٢ / ٢٥١ ]
(رأيتُكَ لو لم يقتضِ الطَّعنُ في العِدا إليكَ انقيادًا لاقتضتْه الشَّمائلُ)
قال أبو الفتح: أي لو لم يطعك الناس هيبةً لأطاعوك محبة.
قال الشيخ: أظنُّه تفسير البيت الذي بعده، وليس بصوابٍ أيضًا ما ذكره، والبيت:
ومنْ لم تعلَّمهُ لكَ الذُّلَّ نفسُه منَ النَّاسِ طُرًَّا علَّمتهُ المَناصلُ
فإن الرجل يقول: من لم يتذلل لك من جميع الناس بنفسه ذللته لك السيوف بمسه، وشتان الحبُّ والسيف العصيب، وما أدري كيف غيَّبه، فإما البيت الأول فهو من هذا التفسير بمكان الفلك الأثير، ومعناه عندي: رأيتك لو لم يقتضِ، ولم يأتك الطَّعن في الحرب لأتيت بالطَّبع، وبيان ذلك لو لم يقتضِ الطَّعن الانقياد والانجرار إليك والمجيء نحوك، من قدت الشيء فانقاد، لاقتضت شمائلك انقيادًا إليه، فانقدت في الوغى إليه وسارعت نحوه، كقوله:
فلا تبلغاه ما أقول فإنه شجاع متى يذكر له الطعن يشتقِ
وليس هذا الانقياد من الخضوع في شيءٍ، ولا معنى له هاهنا، ولو أراده لقال لك ولا إليك.
[ ٢ / ٢٥٢ ]
وقال في قصيدة أولها:
(ذي المعالي فليعلُوَنْ مَنْ تعالى . . . . . . . . . . . . . . .)
(أقلقتْهُ بَنِيَّةُ بينَ أُذْنّي هِ وبانٍ بغى السَّماَء فنالا)
قال أبو الفتح: يعني قلعة الحدَثِ، وذكر مؤخر رأسه، لأن ذلك أبلغ في هجائه.
قال الشيخ: هذا عذره لا هجوه، يدلك عليه قوله، وهو:
لا ألومُ ابن لاوِنٍ مِلكَ الرُّو مِ وإن كان ما تمنَّى مُحالا
ولم يذكر مؤخر رأسه، إنما ذكر هامته وقمَّته، وهما بين الأذنين، وما يُوضع على سواءِ الرأس لا يثبت، ولا تحسن العبارة عن البناء عليه، ومعناه: أقلقته قلعة الحدثِ التي بناها على قمَّتِه، فلا يجب أن يُلام على القلق وقلة الصبر تحتها، ويدلُّك على ذلك ما بعده:
كلَّما رامَ حطَّها اتَّسع البَن يُ فغطَّى جبينَه والقَذالا
فلو أراد بما بين أذنيه مؤخر رأسه وقذاله لما جاز أن يقول: غطى قذاله، فإنه كان
[ ٢ / ٢٥٣ ]
مغطى بكون البَنيِة عليه قبل أن يتسع البَني، والدليل على أنه أراد بما بين أذنيه قمَّته دون قذاله قوله: كلما رامَ، فبلغ من أمامه جبينه ومن ورائه قذاله، ولو كان على قذاله ومؤخر رأسه لغطى إذا اتسع من ورائه محاجه لا قذاله، فهذا يُبطل ما فسره فيه أوضح إبطالٍ كما ترى، ومعناه أنها مشرفةٌ على ما يخصه من مملكته فيقلقه حتى كأنها على هامته لذهاب صبره فيها، وكلما أراد أن يخربها حماها سيف الدولة، وزاد فيها من أرضه، فانبسطت وأحاطت بما أخذت خلفًا وقدّامًا، فكأنها تتسع حتى تنحدر من قمَّته، فيبلغ الجبين والقذال، ويأخذهما.
(أخذوا الطُّرْقَ يقطعونَ بها الرُّسْ لَ فكانَ انقطاعُها إرسالا)
قال أبو الفتح: أي لما أبطأت الأخبار، وخالفت العادة، تطلَّع الناس لما وراء ذلك، فوقفوا على الخبر، فعادوا به إلى سيف الدولة.
قال الشيخ: حام حول المعنى، ولم يأت بالمنتقى، وهو يقول: أخذت الرَّوم الطُّرق حين قصدت الحدث، فلما انقطعت الأخبار والمسائلة انحبست بهم، فكان انقطاعها عنك إرسالًا إليك وإخبارًا لك بعدما صار سبب علمك بهم.
[ ٢ / ٢٥٤ ]
(وظُبىً تعرفُ الحرامَ منَ الحلِّ فقدْ أفنتِ الدِّماَء حلالا)
قال أبو الفتح: هذا مثلٌ ضربه، أي: سيوفه معوَّدة للضرب، فكأنها تعرف الحرام من الحلِّ.
قال الشيخ: ما أبعد ما فسره عمَّا عناه، فكأنه يقول: وسيوفٌ تعرف الدِّماء المحرَّمة، وهي دماء المسلمين، فلا تقدم على سفكها، والدِّماء المحلَّلة كدمار الرُّوم المشركين، فلا تفتر ولا تقصِّر عن سفحِها، وما فيه ضربُ مثلٍ ولا إبداع في عمل، يصفُها الدِّماء المحرَّمة وسفك
الدِّماء المحلَّلة على مقتضى الشَّريعة.
وقال في قصيدة أولها:
(ما لنا كلُّنا جوِيا رسولُ؟ . . . . . . . . . . . . . . .)
(نحنُ أدرى وقد سألْنا بنجدٍ: أطويلٌ طريقُنا أم يطولُ؟)
قال أبو الفتح: أي هو طويل في الحقيقة أم يطوِّله الشَّوق إلى المقصود؟ وهذا البيت يؤكد عندك ما ذكرته لك أنه أراده في قوله:
[ ٢ / ٢٥٥ ]
شِيَمُ الغانياتِ فيها فلا أد ري لذا أنَّثَ اسمَها النَّاسُ أم لا؟
ألا تراه يقول بعد هذا؟
وكثيرٌ مِنَ السُّؤالِ اشتياقٌ وكثيرٌ من ردِّهِ تعليلُ
قال الشيخ: فسره المتنبي بما بعده:
وكثيرٌ من السُّؤالِ اشتياقٌ البيت
أي نحن أعلم بمقدار المسافة بيننا وبين سيف الدولة ممن نسألهم شدة شوقٍ إلى حضرته وفرط نزاعٍ إلى معاودة خدمته، وهم يردُّون جوابنا تعليلًا وتمنيةً كما قال:
لكَ الخيرُ علِّلنا بها علَّ ساعةً تمرُّ وسهواءٌ منَ اللَّيل تذهبُ
(فإذا العذْلُ في النَّدى زارَ سمعًا ففداهُ العذولُ والمعذولُ)
قال أبو الفتح: أي المعذول: الذي دخل العذل سمعه لا غيره ممن يردُّ العذل.
قال الشيخ: لا بل المعذول الذي يُعذل، دخل العذل سمعه ولم يدخل. ومعناه فداه العاذل والمعذول الذي يعذل على الجود، فإنه قاصر عن شأوه قاعدٌ عن أمده.
[ ٢ / ٢٥٦ ]
(كلَّما صبَّحتْ دِيارَ عدوِّ قالَ تلكَ الغُيوثُ: هذي السُّيولُ)
قال أبو الفتح: يعني بالغيوث سيف الدولة وبالسيول مواليه وسلاحه، ضربه مثلًا، وذلك أن السيل عن الغيث يكون، فكذلك مواليه به قدروا وعزُّوا.
قال الشيخ: لا والله ليس مما فسره شيءٌ في البيت، ألم ير إلى الذي قبله حتى وضح له المعنى؟ وهو قوله:
وموالٍ تُحييهِمُ من يَديهِ نِعمٌ غيرُهم بها مقتولُ
فرَسٌ سابحٌ ورمحٌ طويلُ ودِلاصٌ زَغفٌ وسيفٌ صقيلُ
ثم قال: كلما صبَّحت هذا النِّعم ديار عدوٍّ، قال: العدو: تلك الغيوث التي كان يُمطرها سيف الدولة مواليه، فتلك النِّعم هذه السيول التي صبَّحتنا، وذلك أن السيول تجتمع من الغيوث، ثم تسيل فتعمل عملها.
وقال في قطعة أولها:
(أحببتُ بِرَّكَ إذ أردتَ رحيلا . . . . . . . . . . . . . . .)
[ ٢ / ٢٥٧ ]
(فجعلتُ ما تهدي إليَّ هديَّةً منِّي إليكَ وظَرفَها التَّأْميلا)
قال أبو الفتح: هذا البيت يحتمل معنيين، أحدهما أن يكون أهدى إليه شيئًا، كان أهداه صديقه الممدوح إليه، فيكون هذا الاستعمال استعمالًا لما تركه ابن الرُّومي في قوله:
أيُّ شيءٍ أهدي إليكِ وفي وج هكِ من كلِّ ما تُهوديَ معنى؟
منكِ يا جنَّةَ النَّعيمِ الهدايا أفأُهدي إليكِ ما منكِ يُجنَى؟
إلا أن المتنبي خبَّر أنه أهدى إليه ذلك الشيء بعينه، وأبن الرُّومي قال: كيف أُهدي إليك ما من عادة مثله أن يُهدى منك، فبينهما فصلُ لطيف؟ فهذا أحد المعنيين، والمعنى الآخر أن يكون أراد جعلت ما من عادتك أن تهديه إليَّ، وتزودنيه وقت فراقك هدية مني إليك، أي: أسألك أن لا تتكلفه لي، والقول الأول أشد انكشافًا وأظهر، والقول الثاني أقوى وألطف، وقوله: وظرفها التَّأميلا،
[ ٢ / ٢٥٨ ]
أي: جعلت تأميلي قبولك، ذلك مشتملًا على هذه الهدية كما يشتمل الظرف على ما فيه.
قال الشيخ: قبح الله القول الأول، وقد فعل، وأما القول الثاني، فهو المختار من المعاني، ولا يرتاب فيها مميزٌ، ولا يُراد لهما مبرِّزٌ.
وقال في قطعة أولها:
(قفا تريا ودْقي فهاتا المخايلُ . . . . . . . . . . . . . . .)
(فقلقلتُ بالهمِّ الذي قلقَل الحشا قلاقلَ عِيسٍ كلُّهنَّ قلاقلُ)
قال أبو الفتح: القلاقل: جمع قُلقُل، وهي النَّاقة الخفيفة، و(هن) من (كلهن) تعود على العيس لا على القلاقل، كأنه قال: قلاقل القلاقل، كما تقول: سراع السِّراع وخفاف الخفاف، وكذلك قولك: أفضل الفضلاء، وهو أبلغ في الوصف من أن تكون (هن) من (كلهن) عائدة على القلاقل، فتأمله يصح لك إن شاء الله تعالى.
قال الشيخ: هذا وجهٌ حسنٌ، وسمعت في كلهن قلاقل، أي: كلهن حركات، جمع قلقلة لا قلقلٍ، وهذا أيضًا وجه ويُنظر إلى قوله:
ركبتُ مشمِّرًا قدمي إليها وكلّ عُذافِرٍ قلقِ الضُّفورِ
[ ٢ / ٢٥٩ ]
وقال في قصيدة أولها:
(صلةُ الهجرِ لي وهجرُ الوصالِ . . . . . . . . . . . . . . .)
(ما تريدُ النَّوى منَ الحيَّةِ الذَّوَّا قِ حَرَّ الفلا وبردَ الظِّلالِ؟)
قال أبو الفتح: أي: أيُّ شيءٍ بقي عليه بعد هذا؟ قال الشيخ: لم أفهم ما فسره به، ومعناه عندي: أنه يشكو النَّوى إذ تدور به أبدًا في الآفاق، فتارة تُصليه حرَّ الهواجر وأخرى تُذيقه برد الغَدوات والعّشيَّات، فهي تقلِّبه من حالٍ إلى حال، وتقذف به ذات اليمين وذات الشِّمال، وهذا قريب من قوله:
. . . . . . . . . . . . . . . وحُرَّ وجهي بحرِّ الشَّمسِ إذ أفلا
وقوله:
. . . . . . . . . . . . . . . وأنصبُ حُرَّ وجهي للهجير
وقوله:
ذَراني والفلاة بلا دليلٍ . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٢٦٠ ]
(والجراحاتُ عنده نغَماتٌ سَبقتْ قبلَ سَيْبهِ بسُؤالِ)
قال أبو الفتح: أي يلتذُّ الجراح كما يلتذُّ نغمة السائل، وقد مضى نظيره، ويجوز أن يكون المعنى أن من عادته أن يُعطي بغير سؤال، وإذا اتفق أن يسأله طالب قبل نواله ابتداء شق ذلك عليه، وبلغ منه ما تبلغ الجراحة من المجروح، ويؤكد هذا المعنى قوله أيضًا:
وإذا غَنُوا بعطائهِ عن هزّهِ والىَ فأغنى أن يقولوا: والهِ
ويؤكد المعنى الأول قوله أيضًا:
إذا سألوا شكرتَهمُ عليه وإن سكتوا سألتَهمُ السُّؤالا
قال الشيخ: القول الأول فاسد، والثاني سافر عن بعض المعنى ومخل ببعضه، وليس في البيتين اللذين استشهدهما على معنييه شهادة ودلالة على أحدهما، فتأمل البيتين والمعنيين لترى تباعدها وتنافيها والتباين الظاهر فيها، فإني لو اشتغلت بشرحها طال الكلام، وهي
أوضح من أن تُشرح، ومعناه أنه وصفه بالسماح وقلة المبالاة بالجراح، فقال: والجراحات ليست
[ ٢ / ٢٦١ ]
عنده الجراحات المعروفة، فإنها لا تثني من غَربِه، ولا تؤثر في نفسه وقلبه، لكنها عنده نغمات سؤاله، سبقت قبل نواله، فهي التي تؤثر في نفسه، وتأخذ بمجامع قلبه، وتحرف جوانب صبره، وتهيّج من أسفه لتوقفه في النوال حتى يسبق بالسؤال، فالجراحات عنده هذه لا تلك.
(ولهُ في جماجمِ المالِ ضربٌ وقْعُه في جماجمِ الأبطالِ)
قال أبو الفتح: أي: يهب الأموال، فيقتدر بذلك على رؤوس الأبطال.
قال الشيخ: هذا وجه ضعيف سخيف، فما بهبة الأموال يقدر على ضرب رؤوس الأبطال، وإن أراد بذلك تفرقة أرزاق الجند فيهم ليحاربوا، فسائر أصحاب الجيوش معه شرعٌ، وليس فيه معنى مخترع. ومعناه عندي: أنه يضرب في جماجم ماله ضربًا وقُعه في جماجم الأبطال من حيث أنه يقتلهم، فيأخذ مالهم بسيوفه ثم يفرِّقه في عطاياه، وينفقه على ضيوفه، فوقع هذا الضرب إذا في جماجمهم كما يقول:
حتَّى إذا فني التُّراثُ سوى العُلا قصدَ العُداةَ منَ القنا بطوِالهِ
وكما يقول:
بِضَربِ هامِ الكماةِ تَمَّ له كسبُ الذي يكسبونَ بالملّقِ
[ ٢ / ٢٦٢ ]
(إنَّما النَّاسُ حيثُ أنتَ وما النَّا سُ بناسٍ في موضعٍ منكَ خالِ)
قال أبو الفتح: أي أنت الناس، فإن غبت عن موضعٍ، غاب عنه الناس.
قال الشيخ: لا كما يقول، والدليل عليه قوله: وما الناس بناسٍ في موضعٍ خالٍ منك. ليس يريد أنه الناس، ولكنه يريد أنه معنى الناس، فما هم بناسٍ دونه، فإنه إذا زال المعنى لم يبقَ في الأشباح فائدة.
وقال في أرجوزة:
(ومنزلٍ ليس لنا بمنزلِ . . . . . . . . . . . . . . .)
(إذا تلا جاء المدى وقدْ تُلي يُقعي جلوسَ البدويِّ المُصطلِي)
قال أبو الفتح: أي إذا جاء متبوعًا لسرعته، يعني إن جثته كجثة الرجل لعظم جسمه على جدله وتعصيبه.
قال الشيخ: لا والله ما أدري بهذا التفسير، ولا بتفسير الثاني،
[ ٢ / ٢٦٣ ]
أما أنا فأعلم أن جوارح الكلاب تُوصف بالقصافة واللطافة والهيف والدقة والخفة ولحاق الآطال، ولا توصف بعظم الجُثة حتى تكون جثة واحدة منها كجثة الرجل لعظم جسمه. ومعناهما عندي: أن ذلك الكلب إذا تبع الصيد أدركه، وقد تبع بالكلاب أو بالفارس الموكل به ليأخذ عنه الصيد، ومجيؤه المدى إدراكه الصيد، وقوله:
(يقعي جلوسَ البدويِّ المُصطلِي . . . . . . . . . . . . . . .)
إقعاء الكلب أشبه شيء بجلسة البدويِّ المصطلي، وهو يكون قاعدًا على أليته وقدميه رافعًا ركبتيه، والكلب إذا أقعى يكون قاعدًا على آسته مُعِّولًا على يديه، وهما منتصبتان، فهو أوقع تشبيهٍ به.
(يخطُّ في الأرضِ حسابَ الجُمَّلِ كأنَّه من جسمهِ بمعزلِ)
قال أبو الفتح: يقول هو من سرعته وحدَّته يكاد يترك جسمه، ويتميز عنه، وقد لاذ فيه بقول ذي الرُّمَّة، إلا أنه تجاوزه بقوله:
لا يَذخرانِ من الإيغالِ باقيةً حتَّى تكادَ تفرَّى عنهما الأُهُبُ
قال الشيخ: كأنه، الهاء راجعة إلى ذنبه لا إلى جسمه، وهذه صفة الذنب لا الجسم.
[ ٢ / ٢٦٤ ]
(فحالَ ما للقفزِ للتَّجدُّلِ وصار ما في جِلْدهِ في المِرجَلِ)
قال أبو الفتح: أي استحال، فصار ما كان يقفز به، وهو قوائمه، وهو الذي يجدله. يعني: أنه فحص بقوائمه الأرض لما أخذه الكلب، ويجوز أن تكون ما عبارة عن الظَّبي، أي: صار الظَّبي الذي كان يقفز إلى التَّجدُّل.
قال الشيخ: ما أدري ما هذا الخبط؟ الرجل يقول: حال الظَّبي الذي كان للقفز للوقوع بالجدالة، وهي وجه الأرض، وصار جسمه ولحمه الذي كان في جلده في المرجل للطبخ.
وقال في قصيدة أولها:
(أبعدُ نأيِ المليحةِ البَخَلُ . . . . . . . . . . . . . . .)
(يجذبُها تحتَ خصرِها عَجُزٌ كأنَّه منْ فراقِها وجِلُ)
[ ٢ / ٢٦٥ ]
قال أبو الفتح: يقول كأن عجزُها وجلٌ من فراقها، فهو متساقطٌ منخزلٌ، قد ذهبت منَّته وتماسكه.
قال الشيخ: المتساقط المنخزل الذاهب المُنَّة والتماسك لا يتحرك، وإنما يصفه الرجل بالثِّقل، ويجذبه لها إلى الأرض كما قال:
بانوا بخرعوبةٍ لها كفلُ . . . . . . . . . . . . . . .
وبالارتجاج والارتعاد حتى كأنه وجلٌ من فراقها، فلا يهدأ ارتعاده ارتجاجه وقلقه كما قال:
إذا ماست رأيتَ لها ارتجاجًا له لولا سواعدُها نَزوعا
(أصبحَ مالًا كمالهِ لذوي ال حاجةِ لا يُبتدَى ولا يُسَلُ)
قال أبو الفتح: أي كل من ورد عليه أخذ من ماله بلا ابتداء من بدرٍ ولا مسألة من الوارد، فلذلك قال: أصبح مالًا كماله لذوي الحاجة، أي: فكما أن ماله لا يُستأذن في أخذه فكذلك هو أيضًا.
[ ٢ / ٢٦٦ ]
قال الشيخ: وصفه بأنه جاد أو بهيمة، وأنه لا يبتدئ بالعطاء على عادات الأسخياء والسُّمحاء، وبهذه الصفات لا يصبح مالًا كماله لذوي الحاجات، وقوله: فكما أن ماله لا يُستأذن في أخذه فكذلك هو أيضًا لا يُستأذن في أخذه في حمله في نقله في عقله، هذا تفسير والله عسير، وعندي أنه يقول: أصبح بجاهه مالًا لذوي الحاجات كماله، ينتفعون بجاهه كما ينتفعون بماله، ثم قال: لا يبتدئ ببذل جاهه صيانةً لماله، ويبتدئ بماله، أي: ببذل ماله، ولا يُحوج إلى سؤاله، فلا يُسأل لأنه يبتدئ بالنوال قبل السؤال، ومن أراد الانتفاع بجاهه أحظاه فيه أيضًا.
(إنْ أدبرَتْ قلتَ: لا تليلَ لها أو أقبلتْ قلتَ: ما لها كفَلُ)
قال أبو الفتح: أي من حيث تأملت رأيتها مشرفةً، ويُستحب من الفرس أن تهتز مقبلة، وتنصب مدبرة.
قال الشيخ: أشار إلى المعنى، ولم يستوفه، لأنه يقول: إن أقبلت لم يُر كفلها لإشراف هاديها وعرض لوحه وارتفاع صدرها ورحبه، وإن أدبرت لم تُرَ عُنقها لعظم كفلها وإنافته وإشفائه.
[ ٢ / ٢٦٧ ]
(إنَّكَ مِنْ معشرٍ إذا وهبوا ما دون أعمارهِم فقد بَخلِوا)
قال أبو الفتح: أي بخلوا عند أنفسهم، لأنهم لم يفعلوا الواجب عليهم عندهم، ويجوز أن يكون بخلوا، أي: نسبهم الناس إلى البخل لاقتصارهم على ما دون أعمارهم إذ من عادتهم
بذل أعمارهم، والتفسير الأول أقوى.
قال الشيخ: المعنى هو الأول، وليس الثاني بشيءٍ، لأن قوله: بخلوا، لا يؤدي معنى نسبة الناس إياهم إلى البخل، والناس لا يبخلون من يقتصرون على ما دون أعمارهم في العطاء، وبذل الأعمار ليس في طوق الناس، فأما استقلال الجواد ما يجود به حتى يراه بخلًا دون عمره فجميلُ، وفي هذا الشِّعب قول القائل:
ولو لم يكن في كفِّه غيرَ روحهِ لجاد بها فليتَّقِ اللهَ سائُله
(عذرُ الملومَينِ فيكَ أنَّهما: آسٍ جبانُ ومبِضعُ بطلُ)
(مددتَ في راحةِ الطَّبيبِ يدًا وما درى كيفَ يُقطعُ الأملُ)
قال أبو الفتح: أي ليس من عادة الطبيب أن يقطع الآمال، وإنما من عاداته أن يقطع العروق، إلا أن عروق كفِّك تتصل بها اتصال الآمال، فكأنها آمال.
قال الشيخ: ليس من عادة الطبيب ولا من غير عادة الطبيب قطع الأمل، وما بعده
[ ٢ / ٢٦٨ ]
من كلامه فيه طُول ما فيه طائل، ومعناه: أن يدك أمل الناس من حيث آمالهم إليها ومقصورة عليها، فلم يدر الطبيب كيف يقطع الأمل، فإن قطع الأمل متعذر شديد جدًا، فلهذا أخطأ فيه، وهو عذر بينٌ، ومنه قول الشِّيعة:
محمَّدٌ وعلي كلاهما أملي
وقيل في الدعاء:
يا رجائي أملي خيرُ رجاءِ . . . . . . . . . . . . . . .
وقال في قصيدة أولها:
(بقائي شاَء ليس همُ ارتحالا . . . . . . . . . . . . . . .)
(فكانَ مسيرُ عيسِهمُ ذَميلًا وسيرُ الدَّمعِ إثرَهمُ انهمالا)
قال أبو الفتح: أي سبقت دموعي عيرهم، وجازت حدَّها.
قال الشيخ: لو كان كما قال الشاعر أمامهم وقدَّامهم وقبلهم وبين أيديهم لا إثرهم، وهذا أبين مما يجوز الغلط فيه، والرجل يقول: كان مسير عيرهم سريعًا، ومسير الدمع على إثرهم أيضًا سريعًا حتى تشابها في الإجفال والانهمال.
[ ٢ / ٢٦٩ ]
(فما حاولتُ في أرضٍ مُقامًا ولا أزمعتُ عن أرضٍ زوالا)
قال أبو الفتح: يقول إذا كان ظهره كالوطن لي فأنا، وإن جبت البلاد، كالقاطن في داره، ولأني أقطع الأماكن لست مقيمًا في الحقيقة.
قال الشيخ: هذا وجه لقوله قبله:
ألفتُ ترحُّلي وجعلتُ أرضي . . . . . . . . . . . . . . .
والأوضح أن لا يوصل معنى هذا به، ولا يعطف عليه، وهذا يكون مختصًا بمعناه لأنه يقول: فما رمت مقامًا بأرضٍ من الأرضين ولا عزمت على الرحيل عنها، فكيف يرحل عنها ولم يُقم بها؟ وكيف يزمع الزَّوال عنها، ولم يُحاول المقام فيها؟ وتفسيره فيما بعده، وهو يؤيده ويصححه.
(على قَلقٍ كأنَّ الرِّيحَ تحتي أُوجهِّها يمينًا أو شِمالا)
(سِنانٌ في قناةِ بني معدٍّ بني أسدٍ إذا ادَعَوا النِّزالا)
قال أبو الفتح: بني أسد منصوب، لأنه منادى مضاف،
[ ٢ / ٢٧٠ ]
ومعناه إن قول بني معدٍّ، إذا ناداه الأعداء: يا بني أسد يقوم في الغناء والدفع عنهم مقام سنان، يركَّب في قناتهم، لأنهم إذا دعوهم أرهبوا الأعداء، وأغنوا عنهم، ومنعوهم. ويجوز أن يكون (بني أسد) بدلًا من قناة بين معدٍّ، كأنه قال: سنان في قناة بني أسد الذين هم قناة بين معدٍّ، يريد نصرتهم إياهم، وهذا أقوى من الأول.
قال الشيخ: ليس يجوز أن يكون المعنى غير هذا، والأول مدخول فاسد مردود بالحجج، ولو اشتغلت بإقامتها لطال الكلام، فاكتفيت بقوله: وهذا أقوى من الأول.
وقال في قصيدة أولها:
(لكِ يا منازلُ في الفُؤادِ منازلُ . . . . . . . . . . . . . . .)
(يَعْلمْنَ ذاكَ وما علمتِ وإنَّما أولادكما ببُكىً عليهِ العاقلُ)
قال أبو الفتح: أي منازل الحزن في قلبي تعلم ما يمرُّ بها من أمل الهوى، وأنتِ تجهلين ذاك.
[ ٢ / ٢٧١ ]
قال الشيخ: ليس تقديره ما فسره من منازل الحزن، وإنما معناه يتبين من البيت الأول، وهو:
لكِ يا منازلُ في الفُؤادِ منازلُ . . . . . . . . . . . . . . .
يقول: تمثلت أنتِ يا منازل في فؤادي، ففيه لك منازل أمثالك، سكنتها من قلبي، وأقفرت أنت من أهلك الذين كانوا فيك، وهن منك أواهل بكونك فيها ولزومك لها، يعلمن ما حل بها منك وما تعذِّبينها به من الصَّبابة إلى أهلك وتذكُّر اجتماع الشَّمل في ظلِّك ووصل الأحبة فيك، كما قال غيره:
وأذكرُ أيَّامَ الحمى ثمَّ أنثني على كبدي من خَشيَةٍ أن تصدَّعا
وقول الآخر:
ألا لا تذكِّرني الحمى إنَّ ذكرَهُ جوىً للمشوقِ المستهامِ المعذَّبِ
لأنها منازل القلب لا منازل التُّرب، وما علمت أنت شيئًا من فراق أهلك، ممَّا يعلمنه، ولا تألمين شيئًا كما يألمنه، وأولاكما بالبكاء عليه ما يعلم ما يكون به فيألم، فإذا منازلُك من قلبي أولى بالبكاء عليك منك.
وقال في قطعة أولها:
(أتاني كلامُ الجاهلِ ابن كَغَيْلَغِ . . . . . . . . . . . . . . .)
[ ٢ / ٢٧٢ ]
(وإسحاقُ مأمونٌ على مَنْ أهانَه ولكنْ تسلَّى بالبكاءِ قليلا)
قال أبو الفتح: أي يأمنه من أهانه لسقوط نفسه، ولو قال هنا: تجمَّل بالبكاء لكان أشبه.
قال الشيخ: ليس هذا مكان التَّجمُّل، أسخن الله عين الأبعد. وما تجمل أحد في الدنيا بالبكاء، وأي جمال وتجمُّل فيه؟ وهذا هو مكان الهمِّ والحزن، إذ من يُهان يغتنم ويحزن، والمحزون يتسلى بما يمكنه، فإن أعوزته وجوه التَّسلِّي، وأعجزته طرق التَّأسي فزع إلى البكاء الذي هو عصرة الضُّعفاء وملجأ العجزة عن انتقام الأقوياء، وهو يقول: إسحاق مأمون الشر والغائلة على من أذلَّه لدناءة نفسه ولؤم أصله وسقوط قدره، ولكن استعان بالبكاء، فتسلى به قليلًا، وذاك أيضًا يسير لسوء أثر الإهانة فيه.
وقال في قصيدة أولها:
(لا تحسبوا ربعكم ولا طلَلَهْ . . . . . . . . . . . . . . .)
(أُحبُّه والهوى وأدْؤرَهُ وكلُّ حبٍّ صبابةٌ وولَهْ)
[ ٢ / ٢٧٣ ]
قال أبو الفتح: يجوز أن يكون الهوى في موضع نصبٍ، أي: وأحب هواه أيضًا، فيكون قريبًا من معنى قوله:
وإنِّي لأعشقُ من عشقكم نحولي وكُلَّ فتىً ناحِلِ
ويجوز أيضًا أن يكون الهوى مجرورًا، لأنه أقسم به، فكأنه قال: أحبه والهوى إني لأحبُّه، كما قال البحتري:
أما وهواكِ حِلفةَ ذي اجتهادِ . . . . . . . . . . . . . . .
قال الشيخ: المعنى هو الأول، وليس الثاني بشيءٍ كما قال البحتري:
كَلِفٌ بحبِّكِ مُولَعٌ، ويَسُرُّني أنِّي امرؤٌ كلِفٌ بحبِّكِ مولَعُ
فأما قوله: وهواك حلفة، فما أقسم بهواه أنه يهواه، وإنما أقسم به أن فراقها أذكى نار وجده، وابتلاه بُسهاده، فقال:
لقد أذكى فراقُكِ نارَ وجدي وألَّفَ بين عيني والسُّهادِ
ولأن يحبه ويحب هواه وأدؤره أولى وأحسن من أن يقول: أحبه وحقِّ هواه وأدؤره، فإن حبَّه بالحبِّ أولى وأحرى من أدؤره كيفما كان.
(أنا ابن منْ بعضُه يفوقُ أبا ال باحِثِ والنَّجلُ بعضُ مَنْ نَجلَهْ)
[ ٢ / ٢٧٤ ]
قال أبو الفتح: ومعناه أنا أفوق أبا من يبحث عني إلا أن صنعة الشعر قادته إلى هذا النظم، وليس بضرورة، قال الشاعر:
قالت: منَ أنتَ على خُبرٍ، فقلتُ لها: أنا الذي أنتِ من أعدائهِ زَعمُوا
فأتى بهذا النظم كما ترى. قال الشيخ: البيت يقتضي غير ما فسره، فإنه يقول: أنا ابن من ببعضه يفوق أبا الباحث عني، أي: بعض من أبي أشرف وأعلى من أبيه، والولد بعض الوالد، فكذلك بعضي أشرف من أبي الباحث وأعلى منه.
(وربَّما أَشْهَدُ الطَّعامَ معي مَنْ لا يُساوي الخبزَ الذي آكلَهْ)
قال أبو الفتح: أراد ومعي فلما عادت الياء من معي على الضمير الذي في أشهد استغنى عن الواو كما تقول: مررت به على يده بازٌ، وإن شئت قلت: وعلى يده.
قال الشيخ: روايتي عن (التُّوزيِّ) عن المتنبي، وربما يشهد الطعام معي،
[ ٢ / ٢٧٥ ]
وقد صفا الكلام من كل هذا الكدر والهذر والمضمر والمظهر، وحصل المعنى خالصًا من الخَبث كما ترى.
(مستحِييًا من أبي العشائرِ أنْ أسحبَ في غيرِ أرضهِ حُلَلَهْ)
قال أبو الفتح: أي أفعل ما ذكرت مستحييًا، يذكر بذاك سبب مقامه مع أعدائه في بلد واحد،
وقوله: في غير أرضه في المدح دون قوله:
. . . . . . . . . . . . . . . إنَّ البلادَ وإنَّ العالمين لكا
لأنه جعل لأبي العشائر أرضًا محددة، وذلك ذكر أن البلاد وأهلها أيضًا له.
قال الشيخ: ما أدري ما يريد بما يفسره، وعندي إن الرجل يقول: قديمًا: يشهد الطعام معي، ويظهر الجهل بي، وأعرفه شامخًا بأنفي ساميًا بقدري عن مجاورته ومؤاكلته ومشاكلته نافر النفس عن مكان يجمعني ومثله، مستحييًا من أبي العشائر أن أرحل عنه، وأسحب حلله في غير حضرته، وأُبلي هباته وحباءه وخلعه في غير خدمته.
(وبِيضُ غلمانهِ كنائلهِ أوَّلُ مَحمولِ سَيْبهِ الحمَلَهْ)
[ ٢ / ٢٧٦ ]
قال أبو الفتح: جعلهم محمولين، وإن كانوا حاملين لما معهم لأنهم حملوا أنفسهم أيضًا إليه، يريد أنه يهب نائله ومن يحمله من غلمانه، وإن شئت فقل: لما اشتملت عليهم الهبة مع المحمول صاروا كأنهم محمولون.
قال الشيخ: المعنى هو الأول بعد إسقاط اللغو من تفسيره الذي لا يقبله طبع سليم، وهو قوله: جعلهم محمولين، وإن كانوا حاملين، لأنهم حملوا أنفسهم إليه أيضًا، وبودي لو حملوا سيب أبي العشائر وتركوا أنفسهم عنده حتى يعودوا إليه من عند المتنبي، وليس الثاني بالشيء، والدليل عليه قوله: أول محمول عطاياه حاملوه. فلا يجوز من فحوى هذا الكلام أن يكونوا إلا من العطايا كقوله:
فتىً يهبُ الإقليمَ بالمالِ والقنا ومَن فيه من فرسانهِ وكرامِه
(أأخفتِ العينُ عندهُ خبرًا؟ أم بَلغَ الكَيذُبانُ ما أمَلَهْ؟)
قال أبو الفتح: يعني بالعين: الرقيب، وأنَّثها لأنه شبه الرقيب بالعين، ويجوز أن يكون أراد العين نفسها، فيكون معناه: هل تبين في وجهي ما رابه؟
قال الشيخ: المعنى هو الأخير، يقول: هل أخفت عينه عنه خبري وأثري في محبته؟ أم بلغ الكاذب أمله في شأني عنده، وأثرٍ افتراه عليَّ فيه؟ كأنه رأى منه ما رابه وأنكره.
[ ٢ / ٢٧٧ ]
وقال في قصيدة أولها:
(لا خيلَ عندك تُهديها ولا مالُ . . . . . . . . . . . . . . .)
(فإنْ تكنْ مُحكَماتُ الشُّكْلِ تمنعُني ظُهورَ جريٍ فلي فيهنَّ تَصهالُ)
قال أبو الفتح: يقول إن لم أقدر على المكاشفة بنصرتك على كافور، فإني أمدحك إلى أوان ذلك كما أن الجواد إذا أُشكل عن الحركة صهل شوقًا إليها، ويجوز أن يكون معناه: إن كانت حالي الآن ضيقة عن مكافأتك فعلًا جازيتك قولًا.
قال الشيخ: يصف المعنى في القول الأخير، وليس الأول بشيءٍ، لأن فاتكًا لم يكن ليجسر على مناصبة كافور وممالأته ظاهرًا، وإن كان يشنؤه باطنًا حتى كان ينصر عليه، ومعناه أنه يقول: إن كنت وحالي عند كافور لا تسع مكافأة الكرام فأكافئه عن أياديه، وأنا في شُكله موثقٌ لا يمكنني الجري والانقطاع عنه إليه وقضاء حقه بخدمته والمقام عليه، فإني أجازيه بتصهالٍ في شُكله بمديحه.
(غَيثٌ يُبيِّنُ للنُّظَّارِ موقعُه أنَّ الغيوثَ بما تأتيهِ جُهَّالُ)
[ ٢ / ٢٧٨ ]
قال أبو الفتح: أي الغيث يُمطر المكان الطيب والسَّبخ جميعًا، وهو كالجهل منه، وفاتكٌ يُعطي من هو أهل العطاء، وهو ضد قوله في معاتبة سيف الدولة:
وشَرُّ ما قنصته راحتي قنصٌ شُهبُ البّزاةِ سواءٌ فيه والرَّخَمُ
قال الشيخ: شتان تفسيره، ومعناه، وما قاله الشاعر وما حكاه، فإنه يقول: فكنت منبت روضٍ الحزن باكره. . . البيت، هذا الغيث من الثناء الحسن الخالد الذي يفوق الرياض بنضارته وبهائه وزهره وبقائه وطيب نسيمه وذكائه، فالذي ينبته هذا الغيث لا يُنبته غيثٌ ولا مطرٌ، ولا يقدر على مثله ماء منهمر، فإن ما يُنبته يهيج، وهذا أبدًا بهيجٌ، ولا يخونه الأريج، وموضع هذا الغيث المتنبي.
(تُغيرُ منهُ على الغاراتِ هيبتُه ومالُهُ بأقاصي الأرضِ أهمالُ)
[ ٢ / ٢٧٩ ]
قال أبو الفتح: يقول يهابه أهل الغارات أن يتعرضوا له، فكأن هيبته تُغير على غاراتهم.
قال الشيخ: روايتي: أهمال، وهي جمع همل، وهو المال بلا راعٍ، أي: لماله راعٍ من هيبته، وعلى الخيول المغيرة مغيرة منها، أي: إن أمرهم بترك الغنائم وتسليمها إلى من يأمر بادروا إليه لهيبته.
(يُروي صدى الأرضِ من فضْلاتِ ما شَرِبوا محضُ اللَّقاحِ وصافي اللَّونِ سَلْسالُ)
قال أبو الفتح: يقول إذا انصرف أضيافُه أراق بقايا ما شربوه، ولم يدَّخره لغيرهم، لأنه يتلقى كل واردٍ عليه بقرىً مُستحدث.
قال الشيخ: سبحان الله ما أطرف هذه القصة، وما أعلى هذه الهمَّة التي توكِّل عينه وعيون قومه بإراقة سُؤر كأسهم، وهل سمع بسؤر كأس الأخر حتى نفر له المتنبي، وافتخر؟ إنما يقول الرجل: يروي ضيوفه عطش الأرض من فضلات كوفة اللَّبن والخمر
[ ٢ / ٢٨٠ ]
لكثرتهم وكثرة ما يشربون ويُريقون من فضلاتهم كقول بعضهم:
شرِبنا وأهرقنا على الأرضِ حظَّها وللأرضِ من كأسِ الكرامِ نصيبُ
(وقدْ أطال ثنائي طولُ لابسهِ إنَّ الثَّناَء على التِّنبالِ تنبالُ)
قال أبو الفتح: ومعنى البيت أن الإنسان إذا مدح شريفًا شرف شعره وإن مدح لئيمًا لؤم شعره.
قال الشيخ: أسخن الله عين الأبعد، هذا الرجل يقول: قد أطال مدحي طول صاحبه: أي: طول قامته وكثرة مكارمه ومناقبه وزحمة مفاخره ومآثره. إن ثناء الطويل طويل، وثناء القصير قصير، وفيه طرفٌ من قوله:
وغالَ فضولَ الدِّرعِ من جنباتهِ على بَدنٍ قدُّ القناةِ له قدُّ
ومن قوله:
وقد وجدتُ مكانَ القولِ ذا سعةٍ . . . . . . . . . . . . . . .
ومن قول الحسن بن هانئ:
. . . . . . . . . . . . . . . يُناطُ نَجادا سيفهِ بلواءِ
[ ٢ / ٢٨١ ]
وطول القامة ممَّا يُمدح به كقول القائل:
ولَّما التقى الصَّفَّان واختلفَ القنا نِهالًا وأسبابُ المنايا نِهالُها
تبيَّنَ لي أنَّ القَماءةَ ذِلَّةٌ وأنَّ أعزَّاَء الرِّجالِ طِوالُها
وقال في قصيدة أولها:
(كدعواكِ كلٌّ يدَّعي صحَّة العقل . . . . . . . . . . . . . . .)
(فولَّتْ تُريغُ الغيثَ والغيثَ خلَّفتْ وتطلبُ ما قدْ كانَ باليدِ بالرِّجْلِ)
قال أبو الفتح: أي لو ظفرت بالكوفة وما قصدت له لوصلت إلى تناول الغيث باليد على قُربٍ.
قال الشيخ: فسر بعضًا، وأخل بعضٍ، فإنه يقول: فولَّت الكلابيَّة عائدة إلى عادتها في
البوادي طلبًا للنَّجعة والغيث والكلأ، وقد خلَّفت الغيث، أي: ولاية الكوفة، وتطلب ما كان في يدها من الكوفة لو قدرت عليها بالثبات وملكتها بالسيوف الباترات بالرِّجل في الإسراع إلى الانتجاع، يسخر بهم، ويستهزئ بهم وبأنهم كانوا أهل ما يصيدونه.
[ ٢ / ٢٨٢ ]
وقال في قصيدة أولها:
(اِثْلِثْ فإنَّا أيُّها الطَّللُ . . . . . . . . . . . . . . .)
(تُمسي على أيدي مواهبهِ هيَ أو بقيَّتُها أو البدَلُ)
قال أبو الفتح: أي تلي مواهبه أمر خيله وإبله، فتتحكم فيها كما يُقال: أمسى فلان على يدي عدلٍ، أي: قد ملك أمره عليه، وصار به أحق به منه، أي: هو يتحكم فيه وقوله: هي يعني الخيل أو الإبل أو ما يبقى منها بعدما وهبه لقوم آخرين أو البدل منها عينًا أو ورقًا أو غير ذلك.
قال الشيخ: هذه سوداء تحترق وألفاظ تختلف وتفترق، والرجل يقول: عدد الوفود العاملين دون السلاح الشُّكل والعقل لأمر حدوده وثقة وفوده بسماحته وجوده:
فَلِشُكِلهم في خيلهِ عملُ ولُعقلِهم في بُختِه شُغُلُ
ثم فسرها، فقال: تُمسي هذه الشُّكل والعُقل على أيدي مواهبه من خيله وبُخته الموهوبة، أي: تلك الشُّكل والعُقل بعينها أو ما بقي منه، والبدل عنها بعدما لم تبق منها بقية.
[ ٢ / ٢٨٣ ]
(يُشتاقُ مِنْ يدهِ إلى سَبَلٍ شوقًا إليه ينبتُ الأسَلُ)
قال أبو الفتح: يقول كأن الرماح إنما تنبت شوقًا إلى أن تباشر يده.
قال الشيخ: روايتي عن (التُّوَّزي) عن المتنبي: نشتاق بفتح النون من يده إلي سبلٍ من دماء الأعداء شوقًا ينبت الأسل إليه أيضًا، وهذا قريب من قوله:
لعلَّ لسيفِ الدَّولةِ المَلكِ هَبَّةً يعيشُ بها حقٌّ ويهلِكُ باطلُ
ويدلُّك على قوله:
سَبَلٌ تطولُ المكرماتُ بهِ والمجدُ لا الحوذانُ والنَّفَلُ
(وإلى حَصَى أرضٍ أقامَ بها بالناسِ من تقبيلهِ يَلَلُ)
قال أبو الفتح: يقول فكأن الناس لكثرة ما يُقبلون حصى الأرض التي هو بها بين يديه، وقد حدث فيهم انحناء وانعطاف إلى ذلك الحصى كما تنعطف الأسنان على
[ ٢ / ٢٨٤ ]
باطن الفم، وهذا من
اختراعات المتنبي، ويجوز أيضًا أن يكون معناه: ويُشتاق إلى حصى أرضٍ، يكون بها قد يلَّ الناس لكثرة تقبيلهم إياه، فحدث في أسناهم يلل لاعتيادهم تقبيله.
قال الشيخ: المعنى هو الأخير، وليس الأول بشيء. معناه: ويُشتاق إلى حصى أرضٍ قد يلَّ الناس بها لكثرة التقبيل، والدليل عليه وعلى بطلان تفسير الأول قوله بعده:
إن لم تخالطه ضواحكُهم فلمن تُصانُ وتُذخَرُ القُبَلُ؟
(وإذا القُلوبُ أَبَتْ حكومتَهُ رَضِيَتْ بِحُكمِ سيوفهِ القُلَلُ)
قال أبو الفتح: يقول كأن الرؤوس لما صافحتها السيوف راضية بحكمها.
قال الشيخ: سبحان الله ما أبعده من معناه. الرجل يقول: إذا لم ترضَ القلوب بأمره وتلقته بالإباء قطعت رؤوسها لتطيعه وتنقاد له سائر الأعداء، وهذا قريب من قوله:
ومَن لم تعلِّمه لكَ الذُّلَّ نفسُه منَ النَّاسِ طُرًّا علَّمتهُ المناصلُ
[ ٢ / ٢٨٥ ]
وقال في أرجوزة أولها:
(ما أجدرَ الأيَّامَ واللَّيالي . . . . . . . . . . . . . . .)
(لا يَتشكَّيْنَ منَ الكَلالِ ولا يُحاذِرْنَ منَ الضَّلالِ)
قال أبو الفتح: أي ليست تصلُّ، لأنها لا تخطيء الحضيض.
قال الشيخ: ولكنها لا تحاذر الضَّلال، لأنها مرمية مصابة، تتدهدى من الجبال، وبها أرماق، فكيف تشكو الكلال وتحذر الضلال؟ ويدلُّك عليه ما قبله:
فهنَّ يهوينَ منَ القِلالِ مقلوبةَ الأظلافِ والإرقالِ
يرقلنَ في الجوِّ على المَحالِ
(ما يبعثُ الخُرسَ على السُّؤالِ فحُولُه والعُوذُ والمتالي)
[ ٢ / ٢٨٦ ]
قال أبو الفتح: فحُولُها بفتح الفاء، على أن تكون فاء الجواب كما تقول: قد أكثرت من الجميل، فالناس كلهم شاكر لك، فتأتي بالفاء، لأن فعله الجميل هو الذي كان سبب الشُّكر، فكذلك هذه الوحش إنما تمنت أن يُتحفها بوالٍ لما سمعت من أخباره العجيبة لكان وجهًا، ويكون الحُولُ جمع حائل، وهي التي حالت فلم تحمل.
قال الشيخ:
واعجبي من خالدٍ كيف لا يُخطئُ فينا مرَّةً بالصَّواب؟
ليس يصفه بجميل الفعل بها، وليس يتمنى وحش نجد أن يتحفها بوالٍ لأخباره، وإنما يتمناه لتسلم
من أخطاره، ويدلُّك عليه قوله قبله وبعده، فأما قبله فقوله:
فوحشُ نجدٍ منهُ في بلبالِ يخفنَ في سلمى وفي قيالِ
نوافرُ الضِّبابِ والأورالِ والخاضباتُ الرُّبدِ والرِّئالِ
والظَّبيُ والخنساءُ والذَّيَّالِ
وأما بعده فقوله:
يَوَدُّ لو يتحفُها بوالِ يركبُها بالخُطمِ والرُّحَّالِ
يؤمنُها من هذهِ الأهوالِ ويُخمِسُ الغيثَ ولا يُبالي
وماءَ كلِّ مسبلٍ هطَّالِ
[ ٢ / ٢٨٧ ]
فأين هذه الحال بما فسره بذلك المُحال؟ فأما فحولها، فمن فتحها فهي فاء ابتداء الاستئناف معنى من جملة كلام تقدم كقوله:
ذكرتُك والخطّيُّ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ثم قال:
فواللهِ ما أدري وإنِّي لصادقٌ أداءٌ عراني من حُبابِكِ أم سِحرُ؟
وهي جمع حائل، وهذه أولى الروايتين مطابقة العُوذ، ومن ضم الفاء فهي جمع فحلٍ.
(وماَء كُلِّ مسبلٍ هطَّالِ يا أقدرَ السُّفَّارِ والقُفَّالِ)
قال أبو الفتح: أي وحش هذين الجبلين على بعدهما من بلده، تمنى أن يقيم عليها واليًا فتتذلَّل له ليركبها، ويأخذ خمس عشبها ومائها، ويؤمنها أن تُقصد لصيدها.
قال الشيخ: هذا نقيض ما فسره أنها تمنت أن يتحفها بوالٍ لما سمعته من أخباره العجيبة اللَّهم إلا أن يكون أراد بأخباره العجيبة وصوله إلى ما لم يصل إليه أحد قبله من الناس في الجد وغيره، وإنها لم تأمن على بعد المسافة بينها وبينه صيده لها،
[ ٢ / ٢٨٨ ]
فتمنت واليه من هذه الجهة، فإن أرادها، فهو صواب، ولكن وجب أن يفسر أخباره العجيبة إذ ظاهرها جميل، والدليل على ما قلنا قوله بعده:
يا أقدرَ السُّفَّارِ والقُفَّالِ لو شئتَ صدتَ الأُسدَ بالثَّعالي
أو شئت غرَّقتَ العدى بالآلِ ولو جعلتَ موضع الإِلالِ
لآلِئًا قتلتَ بالَّلئالي
[ ٢ / ٢٨٩ ]