وقال في قصيدة أولها:
(وفاؤكما كالرَّبعِ أشجاهُ طاسمُهْ . . . . . . . . . . . . . . .)
(إذا ظفِرَتْ منكِ العيونُ بنظرةٍ أثابَ بها مُعْيي المَطيِّ ورازمُهْ)
قال أبو الفتح: ومعناه إن الإبل الرَّازمة إذا نظرت إليك عاشت أنفسها فكيف بنا نحن؟
قال الشيخ: سبحان الله ما أعجب هذه القصة! ما بصر الإبل بالحسان والقباح؟ وكيف تنظر إلى المعاشيق فتعيش بها، وتظفر عيونها بالنظر إليها؟ هذا ما لم يقع في الإفهام، ولم يدر في الأوهام، ولم يُسمع بها في الجاهلية والإسلام، ومعناه إذا ظفرت عيون العشاق بنظرة منك صارت رواحلُهم بها صواحب ثواب، واستحقَّت أن تُثاب بها، ولا تُرحل، ولا تُركب، بل تسرح وتسيَّب لترعى، ولا تُكلَّف شُقَّة بعدها ولا مشقَّة، وكانت الرعب تفعل بها إذا كفتها خطبًا وبلَّغتها مرادًا صعبًا كما قيل:
ما هيَ إلاَّ شربةٌ بالحوأبِ فصعِّدي من بعدها أو صوِّبي
[ ٢ / ٢٩٠ ]
وكما قيل:
فإذا المطيُّ بنا بلغنَ محمَّدًا فظهورهُنَّ على الرِّجالِ حرامُ
(وَتكمِلَةُ العيشِ الصِّبا وعقيبُه وغائبُ لونِ العارضينِ وقادمُهْ)
قال أبو الفتح: سألته، فقلت له: أيُقال تكملة الشيء جميعه؟ فقال: هو جائز، لأنه بالجميع يكمل، وليس ما قال ببعيد. وقال: أردت بعقيبه: الشيب، لأنه يتلوه، يعني الهرم، والهاء في (وقادمه) عائدة على اللون يعني السَّواد والبياض.
قال الشيخ: هذا كلام مختلط لفظًا ومعنى، وأظنه سمع منه كما قاله على تنقيح وتهذيب وحسن ترتيب فلم يحفظه. والدليل عليه أن الشيب لا يتلو الصِّبا حتى يكون عقيبه، فإن الشباب واسطة بين الصِّبا والشيب، وما أعرف لقوله: لأنه يتلوه يعني الهرم معنى وما بعده، وقوله: الهاء عائده على اللون صحيح، فأما قوله يعني السَّواد والبياض نمط قبيح من حيث خلط هذا بذلك حتى اختلطا فشمطا، ولم يجد ترتيبًا. والمعنى كمال العيش الصِّبا وعقيبه أي الحظُّ وشرخ الشباب،
[ ٢ / ٢٩١ ]
وغائب لون العارضين وغيبوبته في الشعر الأسود وقت الاجتماع، وقادمه الشيب الذي يتلوه، فمن استكمل هذه الأقسام الأربعة فقد استكمل العيش.
(على عاتقِ المَلْكِ الأغرِّ نجادُهُ وفي يدِ جبَّارِ السَّماواتِ قائمُهْ)
قال أبو الفتح: الملك برفع الميم لا غير.
قال الشيخ: روايتي الملك بفتح الميم، يعني الخليفة، والدليل على صحته أنه سيف دولته، والمُلك لا يتقلَّد السيف، إنما يتقلَّده المّلك. يقول: قائمه في يد الله ونجاده على عاتق خليفة الله، كما قال:
إنَّ الخليفةَ لم يسمِّكَ سيفَها حتِّى بلاكَ فكنتَ عينَ الصَّارمِ
فإذا انتضاكَ على العدى في معركٍ هلكوا وضاقت كفُّه بالقائمِ
وكما قال:
فوا عجبا من دائلٍ أنتَ سيفُه أما يتوقَّى شَفرتَي ما تقلَّدا؟
[ ٢ / ٢٩٢ ]
(ويستكبرونَ الدَّهرَ والدَّهرُ دونَه ويَستعظمونَ الموتَ والموتُ خادمُهْ)
قال أبو الفتح: أي إذا أراد قتل عدوٍّ قتله، فكأن الموت يُطيعه.
قال الشيخ: هذا التفسير فاسد بقوله قبله، فإنه إذا كان قاتل فأبة خدمة للموت فيه؟ والمعنى إنه يخدمه الموت في المعارك بمساعدة جيشه على أعدائه فينفيهم، وإذا أراد قتل عدو سبقه به الموت فكفاه شغله كقوله:
تغدو المنايا فلا تنفكُّ واقفةً . . . . . . . . . . . . . . .
وكقوله:
إذا فاتوا الرِّماحَ تناولتهم . . . . . . . . . . . . . . .
وكقوله:
ودَى ما جنى قبلَ المبيتِ بنفسهِ ولم يدهِ بالجاملِ العَكَنانِ
ولم يدرِ أنَّ الموتَ فوقَ شَواتهِ معاُ جناحٍ محسنِ الطَّيرانِ
وقوله:
فمالكَ تُعنى بالأسنَّةِ والقنا وجدُّك طعَّانٌ بغيرِ سنانِ؟
[ ٢ / ٢٩٣ ]
ومالكَ تختارُ القِسيَّ وإنَّما عن السَّعدِ يُرمَى دونَك: الثَّقلانِ؟
لوِ الفَلَكُ الدَّوَّارُ أبغضتَ سعيَه لعوَّقه شيءٌ عنِ الدَّورانِ
وقال في قصيدة أولها:
(إذا كان مدحٌ فالنَّسيبُ المُقدَّمُ . . . . . . . . . . . . . . .)
(أطعتُ الغواني قبلَ مطمحٍ ناظري إلى منظرٍ يصْغُرنَ عنه ويعظُمُ)
قال أبو الفتح: أي أطعتُهن، وأنا حدثٌ قبل أن أتعرض للأمور العالية، فلما قصدتها تركتُهن. وقوله: يصغُرن عنه وأعظم، يقول: هو وإن كبر عنهن، فإنه صغير عندي، والتقدير وأعظم عنه، فحذفه لتقدم ذكره.
قال الشيخ: لا والله إن دريت ما فسره،
[ ٢ / ٢٩٤ ]
ومعناه عندي أنه شبب في هذه القصيدة بحب سيف الدولة بدل النَّسيب بالحِبَّة، وقال: إذا كان مدح فالنَّسيب المقدَّم، ثم قال على وجه الإنكار:
. . . . . . . . . . . . . . . أكلُّ فصيحٍ قال شعرًا مُتيَّمُ؟
لحُبُّ ابن عبد اللهِ أولى فإنَّه به يُبدأُ الذِّكرُ الجميلُ ويُختَمُ
ثم قال: أطعت الغواني في حبِّهنَّ، والتَّشبيب بهن قبل أن طمحت إلى شخص سيف الدولة الذي يصغرن عنه، ويعظم ذلك المنظر من هذا، فحوَّلت التَّشبيب عنهن إلى حبِّه، فابتدأت به، واختتمت به، ويدلَّك عليه البيتان المتقدمان. وروايتي يعظم بالياء، أي بالجمع بينه وبينهن في شعر بالتَّشبيب بهن والمدح.
(فجازَ له حتَّى على الشَّمسِ حُكْمُه وبانَ له حتَّى على البدرِ مِيْسَمُ)
قال أبو الفتح: الميسم: الحسن، أي فاق البدر في الحسن. قال الرَّاجز:
يفضلُها في حسبٍ وميسَمِ
[ ٢ / ٢٩٥ ]
قال الشيخ: المعنى عندي بخلافه، والميسم: المَكوى الذي يُوسم به، يقال للكيِّ أيضًا: ميسم، فهو يقول: فجاز له الحكم على الخلق أجمع حتى على الشَّمس فتتصرف بإذنه، كما قال في كافور:
ولا تُجاوِزُها شمسُ إذا شرَقت إلاَّ ومنه لها إذنٌ بتغريبِ
وبان له كيُّ على الأشياء توسم به حتى على البدر، فإنه على بُعد محلِّه أيضًا تحت ميسمه، وأراد به الكلف الذي فيه كأثر الميسم، كما قال أيضًا في كافور:
وقد وصلَ المُهرُ الذي فوقَ فخذهِ منِ أسمِك ما في كلِّ عُنقٍ ومعِصَمِ
لكَ الحيوانُ الرَّاكبُ الخيلَ كلُّه وإن كانَ بالنِّيرانِ غيرَ مُوسَّمِ
(تساوتْ به الأقطارُ حتَّى كأنَّما يجمِّعُ أشتاتَ الجبالِ وينظِمُ)
قال أبو الفتح: أي تُحيط خيله بالجبال، وهو كالجبل، فكأنه يؤلف بينها لسعته وكثافته.
[ ٢ / ٢٩٦ ]
قال الشيخ: روايتي أشتات البلاد، وهذا الشرح بعيد من معناه خسيس كما تراه، والرجل يقول: عمَّ جيشه الأرض بحذافيرها حتى تساوت به آفاق الأرض وأقطارها لعمومه لها واشتماله عليها حتى كأنه يجمع أشتات البلاد وتفاريقها وينظمها في سلك من جيشه كما قال أيضًا فيه:
خميسُ بشرقِ الأرض والغربِ زحفُه وفي أُذنِ الجوزاءِ منهُ زمازمُ
إلا أن هذا المعنى أبلغ من الأول المعنى أبلغ من الأول، لأنه جمع المشرق والمغرب في زحفه، وبلغ به السماء حتى وصف أصواته ببلوغها ووقوعها في أذن الجوزاء، وخصها من بين سائر البروج لأنها على صورة الإنسان كما يقال.
(على كلِّ طاوٍ تحتَ طاوٍ كأنَّه منَ الدَّمِ يُسقَى أو منَ اللَّحمِ يُطْعَمُ)
قال أبو الفتح: وقوله من الدَّم يُسقى أو من اللحم يُطعم يحتمل أمرين: أحدهما أنه يغتذي لحم نفسه ويشرب من دمها، فقد ازداد ضُمره وهُزاله وطواه إذ ليس له غذاء ولا مشرب إلا من جسمه.
[ ٢ / ٢٩٧ ]
والآخر أن يكون كأن مطعمه من لحوم الأعداء ومشربه من دمائهم، فهو يقحم عليهم، ويوغل في طلبهم لخمصِه ليدرك مأكله ومشربه من أعاديه.
قال الشيخ: المعنى الأول الذي شرحه هجاء بحت، والثاني مُحال محض، وذلك أن الخيل التي تحتاج إلى اغتذاء لحمها وشرب دمها مضاعة غير مُتعاهدة ولا معلوفة ولا مسقيَّة ولا مألوفة حتى إذا طالت عليها هذه الحالة عجفت وسقطت قواها، وخانت نفوسها شواها، فكأنها أكلت لحمها، وشربت دمها من حيث لم يبق لها طَرَقٌ ولا قوة، وهذا هو النهاية في اللُّؤم والخسة والحُمق والذِّلة.
والثاني أنها لا تُطعم اللحم ولا تشرب الدَّم ولا تُضمر بهما ولا تُخمَّص، وهو قد بتَّ القول به، وهو يقول: على كل طاوٍ تحت طاوٍ، وتمت هنا صفة الفارس والفرس، وذلك أن الفارس يوصف بأنه دقيق
الخصر ضربٌ خفيف الجسم كما قال البحتري:
إذا أثقلَ الهِلباجُ أحناَء سرجهِ غدا طِرفُه يختالُ بالمرهفِ العَضبِ
والفرس يوصف بالضُّمر كقول الأول:
لو يشَا طارَ به ذو ميعةٍ لاحقُ الآطالِ نَهدٌ ذو خُصَل
وكقول القائل:
. . . . . . . . . . . . . . . وهنَّ منَ التَّعداءِ قُبٌّ شوازبُ
[ ٢ / ٢٩٨ ]
وكقول المتنبي:
وشُزَّبٌ أحمتِ الشِّعرى شكائِمَها ووسَّمتها على آنافِها الحَكَمُ
وقوله:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . والمطهَّمةَ القُبَّا
ثم قال: كأنه من الدَّم يُسقى أو من اللحم يُطعم لإلفه لهما وأُنسه بهما وقلة نفاره عنهما لاعتياده كثرة رؤيتهما في وقعاته ومرونه على دوام مشاهدتهما في غزواته كما يقول فيه:
وكم رجالٍ بلا أرضٍ لكثرتهم تركتَ جَمعَهمُ أرضًا بلا رجلِ
ما زالَ طرِفُكَ يجري في دمائِهمُ حتَّى مشى بكَ كَشيَ الشَّاربِ الثَّمِلِ
وكقوله فيه:
تعوَّد أن لا يقضِمَ الحَبَّ خيلُه إذا الهامُ لم ترفع جُنوبَ العلائقِ
ولا تردُ الغدرانَ إلاَّ وماؤُها منَ الدَّمِ كالرَّيحانِ تحتَ الشَّقائِقِ
وقال في قصيدة أولها:
(واحرَّ قلباهُ ممَّنْ قلبُه شبمُ . . . . . . . . . . . . . . .)
[ ٢ / ٢٩٩ ]
(رجلاهُ في الرَّكضِ رجْلٌ واليدانِ يدٌ وفعلُه ما تريدُ الكفُّ والقدَمُ)
قال أبو الفتح: يصف استواء وقع قوائمه وصحة جريه كما قال جرير:
من كلِّ مشترفٍ وإن بعدَ المدى ضرمِ الرَّقاقِ مناقلِ الأجرالِ
أي: يتوقى في جريه وطء الصخور لحذقه به، وقوله: وفعله ما تريد الكفُّ والقدم، أي: جريه يغنيك عن تحريك السَّوط والقدم.
قال الشيخ: هذا وجه، والمعنى عندي أنه يصفه بلين العنق، والمعاطف، أي: يدور كما يُدار عنانه، ويعمل كما يستعمله القدم من أنواع الجري والطُّمور والحُضر وغيرها بتثقيل ركابه وتخفيفه كما يقول:
تثنَّى على قدرِ الطّعان كأنَّما مفاصلها تحتَ الرِّماحِ مراوِدُ
وقوله:
يحكُّ أنَّى حكَّ الباشقِ
[ ٢ / ٣٠٠ ]
(ومُرهفٍ سرتُ بينَ الموجتينِ به حتَّى ضربتُ وموجُ الموتِ يلتطمُ)
قال أبو الفتح: يعني سيفًا شقَّ به صفَّين، فضرب به، وأراد بالموج: الأمواج، فوضع الواحد موضع الجماعة، ألا ترى أنه قال:: يلتطم، والالتطام لا يكون من واحد، ويدلُّك على أنه قد أراد ما فوق الواحد: قوله سرت بين الموجتين، وقد يجوز أيضًا أن يكون الموج جمع موجة.
قال الشيخ: روايتي بين الموكبين به، وهذا أحسن وأولى من جمع هذه الأمواج كلها، فإن في قوله: بين الموجتين وموج الموت سخافة بيِّنة، والموج جمع موجة هنا لا غير.
(يا من يعِزُّ علينا أنْ نفارقَهمْ وِجدانُنا كلَّ شيءٍ بعدَكمْ عدَمُ)
قال أبو الفتح: هذا نُحو قوله أيضًا في فاتك:
عدمُته وكأنِّي سرتُ أطلُبه فما تزيدُنيَ الدُّنيا على العَدَمِ؟
قال الشيخ: هذا قريب منه، لكنه يحتاج إلى بسطٍ، لأن فيه زيادة معنى، وذلك أنه يقول في فاتكٍ: عدمته، وكأني أطلبه بقطعي الأرض، فلا أجده، ويقول في هذا البيت:
[ ٢ / ٣٠١ ]
يا من يعزُّ علينا فراقهم، كلُّ موجودٍ لنا بعدكم عدمٌ بالقياس إليكم إّ لا مخدوم بالقياس إلى خدمتكم مخدوم، ولا جاه بالقياس إلى جاه قربكم، جاه ولا نوال بالقياس إلى نوالكم نوال، ولا حال في جنب حالكم حال، فإذا وجدانُنا كل ما نجد بعدكم عدمٌ لا وجود.
(بأيِّ لفظٍ تقولُ الشِّعرَ زعنفةٌ تجوزُ عندكَ لا عُرْبٌ ولا عَجمُ؟)
قال أبو الفتح: الزِّعنفة بكسر الزَّاي واحدة الزَّعانف، وهو سُقَّاط الناس وسفلتُهم، وأصله من زعنفة الأديم، وهو ما يسقط منه إذا قُطع، فشُبه به رُذال الناس، وبالفتح: التَّزيين. يقول: ليست فيهم فصاحة العرب ولا تسليم العجم الفصاحة للعرب، فليسوا شيئًا.
قال الشيخ: بأي لفظ يقول الشعر سُقَّاط الناس؟ تجوز عندك لا عربٌ ولا عجم، أي: لا عربي ولا عجمي، بل ألفاظ كألفاظ أهل السَّواد والزُّطِّ والأنباط، لا من ألفاظ العرب ولا من ألفاظ العجم.
[ ٢ / ٣٠٢ ]
وقال في قصيدة أولها:
(على قدرِ أهل العزمِ تأتي العزائمُ . . . . . . . . . . . . . . .)
(هلِ الحدثُ الحمراءُ تعرفُ لونَها وتعلمُ أيُّ السَّاقيينِ الغمائمُ؟)
قال أبو الفتح: أي لا تعرف لونها، لأنه قد بناها غير البناء الأول، لأن الحجر الذي بُنيت به كان أحمر اللون، ويجوز أن يكون سمَّاها حمراء لأن الدِّماء أُريقت بها.
قال الشيخ: المعنى ما أشار إليه أخرًا، ولم يستقصِه، وما الأول بشيء، لأن البناء لو بُني ألف مرة من تربة واحدة، لم يتغير لونه، وما الذي يوجب في بنائها لها ثانيًا أن تنكر لونه ولا تعرفه؟ ومن يقول: إن الحجر الذي بنيت به كان أحمر؟ وهبه كذلك لمَ لا تعرف لونها لحمرة حجارة بُنيت منها؟ على أن الحجارة التي تنصب بها الأبنية تُطين بعدها، فيغيِّر الطِّين ألوانها. هذه كلها فاسدة كما ترى، والمعنى أن سيف الدولة أراق بها من الدِّماء الرَّويَّة ما اختضبت به تلك البقعة عُلوًا وسُفلًا، فاحمرت هذه البنيِّة، وتغير لونها بخضاب الدِّماء، والرجل يقول: تعرف لونها، فإنه ليس لونها الذي كان من قبل، والدليل عليه المصراع الثاني وما يتلوه، وهو قوله:
[ ٢ / ٣٠٣ ]
. . . . . . . . . وتعلمُ أيُّ السَّاقيينِ الغمائمُ؟
سقاها الغمامُ الغُرُّ قبلَ نزولهِ . . . . . . . . . . . . . . .
فغسلها وصفَّ لونها.
. . . . . . . . . . . . . . . فلَّما دنا منها سقتها الجماجمُ
فخضبتها، وغيرت لونها، وجعلتها حمراء، فهل تعرف لونها؟ فإنها ساعة تكون كذا في سفح الغمائم، وساعة كذا في سقي الجماجم، فقد حارت في لونيها وساقييها، فما تدري أيهما لونُها، وأيهما ساقيها.
(وكانَ بها مثلُ الجنونِ فأصبحتْ ومِنْ جُثّثِ القتلى عليها تمائمُ)
قال أبو الفتح: يقول لما قتل الرُّوم بها، وصاروا مثل العُوذ لها كانت كأنها قبلَ ذلك كانت ذات جنون، وقد لاذ فيه بقول أبي تمَّام:
تكادُ عطاياهُ يُجَنُّ جُنُونُها إذا لم يُعِّوذها بنغمةِ طالبِ
[ ٢ / ٣٠٤ ]
قال الشيخ: قوله كأنها قبل ذلك كانت ذات جنون، لِمَ كانت ذات جنون؟ وما الذي حل بها حتى جَنَّت به؟ وهذا شرح يحتاج إلى شرح، ومعناه: إن الرُّوم كانت استولت عليها، فزالت عن أيدي المسلمين، وصارت في أيدي الكافرين، وكان بها مثل الجنون لزوالها عن يد
الحقِّ وانتقالها إلى يد الباطل، فأصبحت في تمائم من جثث القتلى من الرُّوم وعُوذ من جيفها، ثَفتها غواشي الجنون بعدها، ويُعيذُها من أن يلمَّ بها، وهذا كما قيل:
فليتكَ حولي ما تُفارقُ مضجعي وفيها شفاءٌ للذي أنا كاتمُ
كأنِّيَ ملحوظٌ منَ الجِنِّ نظرةً وهنَّ حواليَّ الرُّقى والتَّمائمُ
والدليل على صحة ما قُلنا أنه يقول فيها:
طريدةُ دهرٍ ساقَها فرددتَها على الدِّين بالخَطِّيِّ والدَّهرُ راغِمُ
(تُفيتُ اللَّيالي كلَّ شيءٍ أخذتَه وهنَّ لِمَا يأخذْنَ منكَ غَوارِمُ)
قال أبو الفتح: أخذنه بالنون. قال الشيخ: سمعته بالنون والتاء، والتاء أبلغ في المدح وأحسن وأعظم في القدرة
[ ٢ / ٣٠٥ ]
لسيف الدولة، وذك أنه يقول: تُفيت الليالي أنت يا سيف الدولة كل شيء أخذته، فما تقدر الليالي على ارتجاعه عنك، وهنَّ لما يأخذن منك غوارم بعجزها عنك، فتحتاج تردُّها راغمة وتغرمه صاغرة كما رُدَّت الحدث إليك، فكلا طرفي روايتي التاء مدح سيف الدولة، والطرف الأول في رواية النون صفة أو مدح الليالي، والثاني مدح سيف الدولة.
(وقدْ حاكموها والمنايا حواكمٌ فما ماتَ مظلومٌ ولا عاشَ ظالمُ)
قال أبو الفتح: أي لما ظموا وعتوا بقصدهم هدمها أهلكهم سيف الدولة، وسلِمَ أصحابه.
قال الشيخ: المعنى غيره، وهو أن الرُّوم حاكموا الحدث إلى المنايا ظالمين، فعاش المظلوم، وهو الحصن بمن فيه، ومات الظالم، وهو من قصدها باغيًا.
(خَميسٌ بشرقِ الأرضِ والغربِ زحفُه وفي أُذنِ الجوزاءِ منه زمازمُ)
[ ٢ / ٣٠٦ ]
قال أبو الفتح: جعل للجوزاء أُذنًا استعارة، أي لو كانت لها أُذن لسمعت بها. قال الشيخ: ليس كذلك، ولو كان كذلك لما خصَّ الجوزاء دون سائر البروج، فإن الاستعارة جائزة في الجميع، وقد مر شرحه في شرح قوله:
تساوت به الأقتارُ حتَّى كأنَّه يُجمِّعُ أشتاتَ الجبالِ وينظُمُ
(تجاوزتَ مقدارَ الشَّجاعةِ والنُّهى إلى قولِ قومٍ أنتَ بالغيبِ عالمُ)
قال أبو الفتح: في أخر هذا البيت بعض المنافرة لأوله، لأن الشجاعة لا تُذكر مع علم الغيب، ولولا أنه ذكر النُّهى، وهو العقل لكان الأمر أشدَّ تباينًا لأن العاقل عالم بأعقاب
الأمور، ولو كان موضع الشجاعة الفطانة لكان أليق بعلم الغيب، إلا أنه كان في ذكر الحرب، فكانت الشجاعة من ألفاظ وصفها، ويجوز أن يكون ذكر الشجاعة مع علم الغيب، لأنه كأنَّه عرف ما يصير إليه، فتشجع، ولم يحذر الموت.
قال الشيخ: ما فيه من المنافرة شيء وقد ذكر الشجاعة في موضعها وعلم الغيب في موضعه، وما فيه مكان تعيير ولا تغيير، على أن الشارح تلافاه في أخر كلامه، وما استوفاه، فإنه يقول: تجاوزت مقدار الشجاعة والعقل في وقوفك حيثما وقفت في ذلك المأزق إلى قول قومٍ ينسبونك إلى علم الغيب، فإن من لم يكن عاقلًا عالمًا بالغيب موقنًا بأنه لا يُصاب ولا يُؤسر ولا يُجرح ولا يُقسر ولا يُهزم ولا يُكسر لم تُطاوعه نفسه
[ ٢ / ٣٠٧ ]
ولم يُساعده قلبه على الوقوف حيث وقفت، فإن ذلك مجاوز حدَّ الشجاعة وحدَّ العقل، فلا يقتضيه أحدهما بحالٍ، ويدلُّك عليه ما يتقدمه، وهو قوله:
وقفتَ وما في الموتِ شكٌ لواقفٍ كأنَّك في جفنِ الرَّدى وهو نائمُ
(بضربٍ أتى الهاماتِ والنَّصرُ غائبٌ وصار إلى اللَّبَّاتِ والنَّصرُ قادمُ)
قال أبو الفتح: يقول إذا ضربت عدوًا، فحصل سيفك في رأسه لم تعتدد ذلك نصراَ ولا ظفرًا، فإذا فلق السيف رأسه فصار إلى لبَّته، فحينئذ يكون ذلك عندك نصرًا، ولا يرضيك ما دونه.
قال الشيخ: ليس في البيت من هذا التقدير شيء إذ ليس يقول: يعتدُّ هذا نصرًا، ولا يعتدُّ ذلك نصرًا، وليس النصر ما يعتدُّه الإنسان أو يقدِّرُه، وإنما يقول: ضممت جناحيهم على قلبهم ضمَّة، وفتحت هذا الفتح العظيم بضربٍ، أتى الهام، والنصر بعدُ غائب، لأنه لم يدرِ كيف يكون أثره؟ أيعمل في المضروب عمله، وتكون اليد والنَّصرة له أم ينبو السيف؟ ولا يجيئك في المضروب، فيميل المضروب على الضارب، فيغلبه، وينقلب الأمر عليه؟ فلما رسب إلى الصدور بعد الهام والرؤوس والأعناق والفِهاق قدم النَّصر إذ ذلك لتبيُّن الضارب من المضروب والغالب من المغلوب.
[ ٢ / ٣٠٨ ]
(نثرتَهمُ فوقَ الأحيدِبِ كلِّه كما نُثِرتْ فوقَ العروسِ الدَّراهمُ)
رواه أبو الفتح: كلِّه.
قال الشيخ: كلَّهم، وهذا أحسن وأبلغ في القهر والمدح، لأن كلَّهم يشتمل على جميعهم، وكلَّه
لا يؤدي هذا المعنى، فإنه يجوز أن يغمر ويشتمل الأحيدب بعضهم، ولا يدخل الباقون في نثره على الأحيدب.
(تدوسُ بكَ الخيلُ الوكورَ على الذُّرا وقدْ كثُرتْ حولَ الوكورِ المطاعمُ)
قال أبو الفتح: يقول إذا أخذوا عليك دربًا، صعدت إليهم إلى رؤوس الجبال فقتلتهم هناك، فلذلك تكثر المطاعم حول الوكور.
قال الشيخ: ما فيه من حديث الدَّرب وأخذه شيء، والرُّوم أهل الجبال، وقد تسنَّموها، وتوقُّلوها فزعًا منه إلى حيث وكور العقبان في قُللِها وقُننِها وحيث لا يرتقبه إلا
[ ٢ / ٣٠٩ ]
العُقاب، فقال: صعدتها خيلُك بأن صعدت إليها بخيلِك، فجعلت تدوس وكور العقبان، وتقتل الرُّوم حواليها، فكثرت مطاعمها.
(تظنُّ فِراخُ الفُتْخِ أنَّك زُرْتَها بأُمَّاتِها وهيَ العِتاقُ الصَّلادمُ)
قال أبو الفتح: يقول إذا رأت فراخ العقبان خيلك، وقد أشرفت على وكورها ظنَّتها أُمَّاتِها، لأن خيلك كالعقبان شِدَّة وسُرعة وضمرًا.
قال الشيخ: ما فسره إلى أمَّاتِها صحيح، وبعده لا، فإنه يقول: ظنَّتها أمَّاتِها، لأنها لم ترَ شيئًا من الحيوان بلغتها غير أمَّاتِها، ولم تعهده فظنَّتها أمَّاتِها كما رأت وعهدت منذ وجدت.
وقال في قصيدة أولها:
(أراعَ كذا كلَّ الأنامِ هُمامُ؟ . . . . . . . . . . . . . . .)
(إذا خافَ مَلْكٌ مِنْ ملوكٍ أجرتَهُ وسيفَك خافوا والجِوارَ تُسامُ)
قال أبو الفتح: إذا كنت تُجير من غيرك، فإن تجير من نفسك أولى.
[ ٢ / ٣١٠ ]
قال الشيخ: المعنى هذا غير أن العبارة رديئة، وكان يجب أن يقول: أنت ملك الملوك وسيدهم، فإذا خاف يعضهم بعضًا، أجرته وخفرته، فأمن في ذَراك، وامتنع بحماك، والرُّوم يخافون سفك، ويرومون جوارك، فكيف لا تُجيبهم إليه ولا تُجيرهم؟
(تغُرُّ حلاواتُ النُّفوسِ قلوبَها فتختارَ بعضَ العيشِ وهوَ حمِامُ)
قال أبو الفتح: قلوبها، أي قلوب النفوس، فتختار الهرب خوفَ القتل، وهو كالقتل.
قال الشيخ: ليس كذلك، فإنه يصف الطَّلب لا الهرب، فيقول: تغُرُّ حلاوات النفوس قلوبها، حتى تذلَّ وتخضع وتخشع وتطلب الأمن بالسِّلم، وتنقاد لما تُسام من الخسف والظُّلم،
ويجري عليها من القضاء والحُكم، وتختار بها بعضًا من العيش لتبقى مديدة فيه، وهو موت كقوله:
ولِموتٍ في العزِّ يدنو محبٌّ ولعيشٍ يطولُ في الذُّلِّ قالي
ويدلُّك على ما قلناه قوله بعده:
وشرُّ الحمامين الزُّؤامين عيشةً . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٣١١ ]
وقوله بعده:
فلو كانَ صلحًا لم يكن بشفاعةٍ . . . . . . . . . . . . . . .
وقوله:
ومنٌّ لفرسانِ الثُّغورِ عليهمُ بتبليغهم ما لا يكادُ يُرامُ
أي ذكرٍ هنا للحرب والمقام والهرب؟ فهم في السِّلم وطلبها لا في الحرب وحربها.
(وإنْ طالَ أعمارَ الرِّماحِ بهُدنةٍ فإنَّ الذي يَعمُرْنَ عندكَ عامُ)
قال أبو الفتح: أي أطول أعمار الرماح عندك في الهدنة عامٌ، لأنك لا تُغبُّ قصد الرُّوم أو طرد الأعراب. والوجه أن يُقال: يعمُرن فيه، ولكنه شبَّه الظرف بالمفعول به اتساعًا.
قال الشيخ: رواية ظريفة إلا أنها سخيفة، ما سمعنا بأعمار الرماح ولا بعمر الرُّمح، والرجل إن لم يكن يُغبُّ قصد الرُّوم وطرد الأعراب، أفلم يكن يعمل من ضروب السلاح غير الرماح حتى حسن اختصاصها بها دون سائر الأسلحة؟ وإن كان أراد ما فسره فهلاَّ قال: فإن طال أعمار السلاح بهدنة حتى كانت مشتملة على جميع ضروبها لا؟ ولكن الرواية الصحيحة، وإن طال أعمار الرجال بهدنة، فإن الذي يعمرن،
[ ٢ / ٣١٢ ]
أي: الأعمار عندك لا تربي على عامٍ واحد، وأراد بها الرُّوم، فلماذا تُضايقهم بهدنة في عام، فإنها لا تزيد عليه عندك؟
وقال في قصيدة أولها:
(عُقبى اليمين على عُقبى الوغى نَدَمُ ماذا يزيدُكَ في إقدامِكَ القسمُ؟)
قال أبو الفتح: أي إذا حلفت أن تلقى من لست من رجاله، هل يزيد يمينُك في شجاعتك؟
قال الشيخ: المعنى ما ذكره غير أن العبارة ناقصة من استكمال المعنى، وذلك أن صاحب الرُّوم كان أقسم برأس ملكهم أن لا يولِّي عن سيف الدولة، فلمَّا التقيا امتلأت ضلوعه رعبًا،
فلم يستطع به حرفًا، فولَّى منهزمًا، فقال المتنبي: عاقبة اليمين ندامةٌ على عاقبة حرب المسلمين، أي: ندم على ما قدَّم من قسمه عند منهزمه، وودَّ لو لم يقسم، فكان لا يجمع على نفسه خزاية الانهزام والحِنث في الإقسام، ثم بعده ما فسره.
[ ٢ / ٣١٣ ]
(والنَّقعُ يأخذُ حرَّانًا وبُقعتَها والشَّمسُ تُسفرُ أحيانًا وتلتثمُ)
قال أبو الفتح: تسفر: تظهر، وتلتثم بالغبار، أي: تستتر.
قال الشيخ: الرواية الصحيحة: ويتركها، لا: وبُقعتها، فإن في قوله يأخذ حرانًا غُنيةٌ عن قوله: وبُقعتها، فهو تكرار بلا معنى، فإنه إذا أخذ حرَّانًا، فقد أخذ بقعتها، ثم قوله: يأخذ بإزاء يتركها، وتسفر بإزاء تلتثم. وهذا هو التقسيم الصحيح والتطبيق المستقيم واللفظ والمعنى في التقابل والتعادل من بدائعه.
(سُحْبٌ تمرُّ بحصنِ الرَّانِ ممسكةً وما بها البُخلُ لولا أنها نِقَمُ)
قال أبو الفتح: يعني جيش سيف الدولة، وحصن الرَّان من عمله، فيقول: إمساكها ليس بخلًا، وإنما هو إشفاق على دياره.
قال الشيخ: هذا أعجب من ذهاب هذه المعاني على مثله، وما قبلها وبعدها يشهد بها، ويدل عليها، فأنى صرف عنها ترى؟ الرجل يقول قبله:
والنَّقعُ يأخذُ حرَّانًا . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٣١٤ ]
وسُحبٌ تمرُّ . . . . . . . . . . . . . . .
صفته بعده، فيقول: هذا النَّقع سحبٌ تمرُّ ولاءً بحصن الرَّان ممسكة عن المطر لا للبخل، ولكن لأنها سحب النِّقم لا سحب النِّعم وعجاج الحرب لا سحاب القطر، وما أحسن ما شبَّه طوالع الغبار بطوال السحاب في أخذ الجو وحجب الشمس وظلام الأفق، ثم ما أحسن ما اعتذر لها بالإمساك عن المطر، فلا أدري كيف قال: إمساكها ليس بخلًا، وإنما هو إشفاق على دياره؟ وما أدري ماذا أراد به، وإمساكها عن ماذا؟ فإن كان عن المطر فما هو بإشفاق على داره، وإن كان على الغارة فلا تحسن العبارة عنه بالبُخل، فإنه أنفع من كل جودٍ، وروايتي: إلا أنها نِقَم.
(جيشٌ كأنَّك في أرضٍ تُطاولُه فالأرضُ لا أَممٌ والجيشُ لا أَمَمُ)
قال أبو الفتح: أي الأرض عظيمة، والجيش كذلك، أي فكأنهما يتطاولان.
قال الشيخ: بَخس المعنى - والله - حقه على شرفه، أو لم يَغُص عليه، فتغاباه لشرفه، ولِمَ لم يفسر قوله؟ كأنك في أرض تُطاوله، وفسر المصراع الثاني لظهوره.
[ ٢ / ٣١٥ ]
ومعناه في أرض تطاول هي جيشك، وليس من المعهود والمعتاد مطاولة الجماد غيره، فكأنك في أرضٍ تطاول هي جيشك، فلا أرض قريبة ولا جيش قريب، ثم فسره بعده:
إذا مضى علمٌ منها بدا علمٌ وإن مضى علمٌ منه بدا علمُ
(حتَّى وردنَ بسُمنينٍ بحيرتَها تَنِشُّ بالماءِ في أشداقِها اللُّجُمُ)
قال أبو الفتح: هذا مثل قول الآخر:
يَنِشُّ الماءُ في الرَّبَلاتِ منها نشيشَ الرَّضفِ في اللَّبنِ الوغيرِ
يصف فرسًا عرقت.
قال الشيخ: إن كان يصف فرسًا عرقت، فالمتنبي يصف شكائم حميت، وما يجمع بين البيتين إلا النَّشيش، وليس هو من الإشكال بحيث يدلُّ عليه بالإشكال، فكيف رضي به، وأغمض عن المعنى؟ ومأخذ المعنى البيت الأول الذي قبله:
وشُزَّبٌ أحمتِ الشِّعرى شكائمَها . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٣١٦ ]
وتمامه في قوله:
حتَّى وردنَ بسمنينٍ. . . . . . . . . . . . . . . . . .
والنشيش: الصوت الذي تسمعه من الخزف والحديد المحمى وأمثالها إذا أصابها الماء.
(فلا سقى الغيثُ ما وراهُ منْ شجرٍ لو زلَّ عنه لوارتْ شخصَه الرَّخَمُ)
قال أبو الفتح: أي لو لم يعتصم بما دخل فيه من الدَّغل لقُتل، فأكلته الطير، فوارته في أجوافها.
قال الشيخ: المعنى الصحيح إلى قوله: فوارته أجوافها، فإنه سقيم، فإن المتنبي يقول: لوارت شخصه الرَّخم، والذي وارته الطير منه في أجوافها أجزاء شخصه لا شخصه، فإنه يُسمى شخصًا ما بقي بحاله، فإذا تفرق وتجزأ، كان أجزاءً لا شخصًا، وقوله: لوارت شخصه الرَّخم، أي: إذا وقعن على شخصه صريعًا ينهشه لكثرتها وتزاحمها عليه ما يتوارى شخصه فيها.
[ ٢ / ٣١٧ ]
القائمُ الملكُ الهادي الذي شهدتْ قيامَه وهُداهُ العُرْبُ والعجمُ
قال أبو الفتح: القائم: المدبِّر للأمور من قوله تعالى: (الرِّجالُ قوَّامونَ على النِّساء).
قال الشيخ: القائم: صاحب الأمر، يقول: هو ملك العرب والعجم، وهاديهم ومرشدهم، وهم شاهدو قيامه بأمورهم وإرشادهم.
وقال في قصيدة أولها:
(كُفِّي أراني ويكِ لومُكِ ألْوَما . . . . . . . . . . . . . . .)
(نُورٌ تظاهرَ فيكَ لاهوتَّيهً فتكادُ تعلمُ علْمَ ما لنْ يُعلما)
قال أبو الفتح: لاهوتية كقولك: إلاهيَّة، ولست أعرف هذه اللفظة في كلام العرب، على أن العامة قد أُولعت بها، ونصب لاهوتية على المصدر، ويجوز أن يكون حالًا من الضمير الذي في (تظاهر) ولو كان لاهوت من كلام العرب لكان اشتقاقه من لاهٍ، الذي أدخل
[ ٢ / ٣١٨ ]
عليه الألف واللاَّم.
قال الشيخ: روايتي: لاهوتية بالإضافة دون التنوين، وأن يعلما بالياء.
وقال في قصيدة أولها:
(ملامُ النَّوى في ظُلمِها غايةُ الظُّلْمِ . . . . . . . . . . . . . . .)
(إذا بيَّت الأعداَء كان استماعُهمْ صريرَ العوالي قبلَ قَعْقَعةِ اللُّجْمِ)
قال أبو الفتح: أي يبادر إلى أخذ الرُّمح، فإن لحق إسراج فرسه فذاك، وإلا ركبه عُريًا.
قال الشيخ: ما اهتدى إلى ما فسره منه، والمعني عندي: أنه يباغتُهم ويُفاجئُهم في ذلك البَيات، فيكون استماعهم لصرير العوالي المفرّقة بينهم الوالغة في مُهجاتهم المبالغة في سفك نفوسهم وإراقة دمائِهم قبل
[ ٢ / ٣١٩ ]
استماع قعقعة اللُّجم المطلقة بقصدهم وحصدهم فِعل أُولي الحزامة في طيِّ الأخبار والآثار وإمساك الأصوات عن الأعداء حتى تهجَّموا عليهم بغتة وفجأة.
(وإنْ تُمسِ داءً في القُلوبِ قناتُه فَمَمْسَكُها منه الشِّفاءُ منَ العُدْمِ)
قال أبو الفتح: مُمسَكها: موضع إمساكها يعني كفَّه كقولك: المُدخل والمُخرج.
قال الشيخ: روايتي: فممسِكُها بكسر السِّين، يعني كفَّه.
(وجَدْنا ابن إسحاقَ الحسينَ كحَدِّهِ على كثرةِ القتلى بريئًا منَ الإثْمِ)
قال أبو الفتح: أي كحدِّ هذا السيف هو كثير القتلى، ولا إثم عليه، لأنه لا يضع الشيء في
غير موضعه كما أن حدَّ السيف كثير القتل، وهو مع هذا غير أثيمٍ.
قال الشيخ: حدُّ السيف لا يكون أثيمًا، لأنه جماد، لا يجوز أن يكون الممدوح لا يغفل، وهو لا يعلم حتى لا يأثم، ولو كان عاقلًا لكان يأثم، فإنه يقتل البريء والسَّقيم.
وروايتي كجدِّه بالجيم، أي: هو ملك وأبن ملوك، ومن بيت المملكة، ولابد للملك من إقامة الحدود وكثرة القتل بالحق، وهذا كجدِّه على كثرة القتل بريء من الإثم، لأنه يقتل بالحقِّ في إقامة الحدِّ.
[ ٢ / ٣٢٠ ]
(له رحمةٌ تُحيي العظامَ وغضبةٌ بها فضلةٌ للجُرمِ عنْ صاحبِ الجُرْمِ)
قال أبو الفتح: يقول إذا أغضبه مجترم لأجل جرمٍ جناه، تجاوزت غضبته قدر المجرم، فكانت أعظم منه، فإما احتقره فلم يُجازه، وإمَّا جازاه فتجاوز قدر جرمه فأفناه.
قال الشيخ: ما هما بشيء، ومعناه: له رحمةٌ تحيي العظام لإفراطها، وغضبته تُفني المجرم، فإذا أهلكت صاحب الجرم فضلت فيه فضلةٌ منها لذلك الجرم، فأهلكته، وأفنته مع المجرم، فلا يُقدم على ذلك الجرم بعده أحد، فيفقد الجرم مع المجرم.
وقال في مطلع قصيدة:
(أحقُّ عافٍ بدمعِكَ الهِممُ أحدثُ شيءٍ عهدًا بها القِدَمُ)
قال أبو الفتح: ليس العافي هاهنا الطالب والقاصد، وسألته عن معنى هذا البيت، فقال: أحقُّ ما صرفت عليه بُكاءك همم الناس، لأنها قد ذهبت ودرست، فصار أحدثُها عهدًا قديمًا.
قال الشيخ: العافي هاهنا الدَّارس لا غير، والدليل عليه المعنى الذي حكاه المتنبي.
[ ٢ / ٣٢١ ]
وقال في قصيدة أولها:
(فُؤادٌ ما تسلِّيه المُدامُ . . . . . . . . . . . . . . .)
(ولو لم يَرْعَ إلاَّ مُستحِقٌّ لرتُبتهِ أسامَهمُ المُسامُ)
قال أبو الفتح: يقول فالذي يدبِّر أمور الناس، يحتاج إلى من يدبِّره، وهو مُخلى بلا ناظر في أمره، فلو لم يلِ الأمر إلا من يستحقه لخلَّى الناس من خُلِّي وإياهم، لأنه لا يستحق أن يلي عليهم أمورهم.
قال الشيخ: لا اشتغل بنقصه، فإني إذا شرحته فضحته، فتبينت فساده. الرجل يقول: لو لم يكن يرعى إلا مستحق لرتبته أن يرعى غيره لأسام القوم المسام، أي المواشي والبهائم
ولرعى الرُّعاة والرَّعية، فإن البهائم في سهلها أحق برتبة الرَّعي من رُعاتها، فإنهم أجهل منها وأضلُّ وأولى بأن يكونوا مسامين لا مُسيمين، والرعايا أخلق برتبة الولاية من وُلاتها، فإنها على خيالها واختلالها وانحلالها أولى بالأمر من حماتها.
(وما كلّ بمعذورٍ ببُخْلٍ ولا كلِّ على بُخلٍ يُلامُ)
[ ٢ / ٣٢٢ ]
قال أبو الفتح: هذا كقول أبي تمَّام:
لكلِّ مِن بني حوَّاَء عُذرٌ ولا عُذرٌ لطائيٍّ لئيمِ
قال الشيخ: ما أعرفه بهذا المعنى، وعندي أنه عُذر المعدم وملامة البخيل المنعم، وما كلٌّ بمعذورٍ ببخلٍ، هذا واجدُ غير جائدٍ، ولا كل على بخلٍ يُلام، وهذا جائد غير واجدٍ.
(ولا ندعوكَ صاحَبهُ فترضَى لأنَّ بصُحبةِ يجبُ الذِّمامُ)
قال أبو الفتح: الوجه لأنه بصحبةٍ يجب الذِّمام، وحذف الهاء جائز في ضرورة الشعر، يقول: إذا كنت لا ترضى بأن ينسب هذا المال إليك وعطاياك تفرِّقه وتمزِّقه، فلمَ هذا المال؟
قال الشيخ: ما أدري ما هذا المقال غير أن المعنى أنك لا ترضى بأن تدعى صاحب المال، لن الصُّحبة تُوجب الذِّمة، والذِّمة تُوجب المحاماة عليه والمراعاة له وحفظه وحراسته وجمع شمله وحياطة جمعه، وأنت تناقض قضايا هذه الأحكام فيه، فمن
[ ٢ / ٣٢٣ ]
هناك لا ترضى بأن تُدعى صاحبه، فيجب بصحبته حقٌّ عليك، وأنت لا ترعاه فيه، ولا تستبقيه، وهو يقول:
وبيننا لو رَعيتُم ذاكَ معرفةٌ إنَّ المعارفَ في أهلِ النُّهى ذِممُ
وقال في قصيدة أولها:
(تَرى عِظَمًا بالبينِ والصَّدُّ أعظمُ . . . . . . . . . . . . . . .)
(سلامُ فلولا الخوفُ والبخلُ عندَهُ لقلتُ: أبو حَفْصٍ علينا المُسلِّمُ)
قال أبو الفتح: أي قال لي: سلامٌ، فلولا خوفي من مفارقته أو معاتبته على نومي، ولولا بخله لأنه لا حقيقة لزيارته، لقلت: المسلِّم عليَّ أبو حفصٍ، يعني الممدوح إجلالًا لخيال حبه.
قال الشيخ: العبارة عن بخله، لأنه لا حقيقة لزيارته فاسدة، وكذلك الخوف من معاتبته على نومه، ومعناه: لولا الخوف من فراقه والبخل الذي في أخلاقه لقلت: هو هو الممدوح
لهيبته، وكلُّ حبيبٍ جليلٌ في عين محبِّه كما قيل:
أَهابُكِ إجلالًا وما بكِ قدرةٌ عليَّ ولكن ملءُ عينٍ حبيبُها
[ ٢ / ٣٢٤ ]
(صُفوفًا لليثِ في ليوثٍ حُصونُها متونُ المذاكي والوشيجُ المقوَّمُ)
قال أبو الفتح: أي برزن له صفوفًا، لأن عاتق ها هنا في معنى جماعة كما تقول: كم من جل جاءني، فالرجل هنا جماعة، ويجوز أن تكون الصفوف هي الكتائب.
قال الشيخ: ما تصنع النساء بمصافَّة الرجال، وهل هو إلا عين المُحال وصفوفًا حالُ كم من كتيبة الملك الطاغي تُساير من الممدوح حتفها، وهي تعلم كقوله:
وكم من مريدٍ ضرَّه ضرَّ نفسَه . . . . . . . . . . . . . . .
(فعشْ لو فَدى المملوكُ ربًّا بنفسهِ من الموتِ لم تُفقَدْ وفي الأرضِ مُسْلِمُ)
[ ٢ / ٣٢٥ ]
قال أبو الفتح: أي المسلمون كلهم عبيدك، فكيف غيرهم من أهل الذِّمة؟
قال الشيخ: ما قال إلى قوله: عبيدك صحيح، وما بعده سقيم، ويجب أن يكون بعده، وفدوك بأنفسهم، ولم تُفقد وفي الأرض مسلم، أي فداك بعمره.
وقال في قصيدة أولها:
(لا افتخارُ إلاَّ لمنْ لا يُضامُ . . . . . . . . . . . . . . .)
(واقفًا تحت أخْمَصَيْ قدرِ نفسي واقفًا تحتَ أخمصيَّ الأنامُ)
قال أبو الفتح: أي نفسي عالية في السماء، وإن كان جسمي يُرى بين الناس، فجسمي واقف تحت قدر نفسي، والأنام وقوف تحت أخمصي، ونصب واقفًا واقفًا على الحال.
قال الشيخ: فسره إلى قوله: والأنام وقوف تحت أخمصي هباء وهذرًا. ما في البيت منه شيء ولا فيه من البيت شيء، ومعناه: ضاق ذرعًا زماني، بأن أضيق به ذرعًا، واقفًا تحت أخمصي قدر نفسي واقفًا الأنام تحت أخمصي، معناه: يضجر زماني بضجري عنه ومرامي منه ما لم يبلغه، ويقول: ماذا يبغي، هذا الرجل فيَّ ومني، وقد بلغ بفضله المحل الذي جعلني تحت أخمصي قدر
[ ٢ / ٣٢٦ ]
نفسه، والأنام تحت أخمصيه؟ فماذا يريد بعده وزيادة عليه؟ وهذا ينظر إلى قوله:
أريدُ من زمني ذا أن يبلِّغني . . . . . . . . . . . . . . .
وسمعت أنه أراد: ضاق ذرعًا زماني بأن أضيق به ذرعًا لتقصيره في واجبي وبلوغه مدى
همتي وتوفيته استحقاقي وتكملته استيجابي، فيضجر لمعرفتي بها وبغيتي لها، وأني طالب منه ما ليس يُوجبه حقي، وسام ورام بهمتي ما لا يقتضيه قدري، وهو بنفسه واقف تحت أخمصي قدر نفسه، وأهله واقف تحت أخمصي، فمن أين يجوز أن يضيق ذرعًا بأن أضيق ذرعًا به، وبأني لست أدرك منه حظي؟ وأخذ حظي، وبأني أعمله وأطلبه وأستوجبه أو لا أستوجبه، وأنا متوقف في ترجيح أحدهما على الأخر منذ سمعتُهما وأديتُهما كما وعيتها ليختار منهما المختار ما يريد، وكان هذا المعنى ينظر إلى قوله:
وكلُّ ما قد خلقَ اللَّ هُ وما لمَ يَخلُقِ
مُحتَقَرٌ في همَّتي كشَعرةِ في مَفَرِقي
وقال في مطلع قصيدة:
(ألا لا أَرى الأحداثَ حمدًا ولا ذَما فما بطشُها جهلًا ولا كفُّها حِلْما)
[ ٢ / ٣٢٧ ]
رواه أبو الفتح بضمِّ الألف وكسر الرَّاء.
قال الشيخ: روايتي أرى، أي لا أراها موضع حمدٍ وذم.
(منافعُها ما ضرَّ في نفعِ غيرها تَغذَّى وتَروَى أن تجوعَ وأن تَظْمَا)
قال أبو الفتح: أي منافع الأحداث أن تجوع وأن تظمأ، وهذا ضارٌّ لغيرها، ومعنى جوعها وظمئِها أن تهلك الناس، فتخلَّى منهم الدُّنيا كقوله:
. . . . . . . . . . . . . . . كالموتِ ليس لهُ رِيٌّ ولا شِبَعُ
ويجوز أن يكون عنى بذلك أن جدَّته قليلة الحظ من الأكل والشُّرب عفَّة وظَلَفًا كقوله:
يكفيه حزَّة فلذٍ. . . . . . . . . . . . . . . . . .
وروى هذا البيت قبل قوله:
عرفتُ اللَّيالي. . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٣٢٨ ]
قال الشيخ: ما في هذين المعنيين من الفساد والقُبح أبين من فلق الصُّبح، فإنه قال في الأول: معنى جوعها وظمئها أن تهلك الناس لتخلّى منهم الدُّنيا، وليس في البيت شيء من الهلاك وإخلاء الدُّنيا عن الناس لا تصريحًا ولا تعريضًا، وأطرف من هذا قوله: إن جدَّته قليلة الحظِّ من الأكل والشُّرب عفَّة وظلفًا، وأنه مضرَّة لغيرها في قلَّة أكلها وشربها.
وعندي أن أهل الكوفة بأسرهم لو لم يُطعَموا حذاقةً، ولم يشربوا أبدًا صبابة ما استضر
بذلك أحد من العالمين غيرهم فضلًا عن المتنبي وأسرته وأهله وعترته وأمِّه وجدَّته عجبًا من ذلك العالم كيف استجاز لفضله الإسفاف إلى مثله ولقرب معناه ما قلبه؟
عرفتُ اللَّيالي قبلَ ما صنعت بنا . . . . . . . . . . . . . . .
أي: منافع الليالي مضارُّ أبنائها، فهي تغذّى بجوعنا، وتروى بعطشنا، أي: تراغمُنا أبدًا، وتبلونا بالضُّر والعيش المُرِّ، فكأن غذاءها في جوعنا لسعيها له، وريُّها في عطشنا لجدِّها فيه. وروايتي أن نجوع وأن نظما بالنون.
(تعجَّبُ من خطِّي ولفظي كأنَّما ترى بحروفِ السَّطرِ أغربةٌ عُصْما)
[ ٢ / ٣٢٩ ]
قال أبو الفتح: شبَّه البياض بين حروف السطر بالبياض في الغُراب الأعصم.
قال الشيخ: ألا يرى هذا المفسر قوله: تعجب من خطي ولفظي، فالبيت يكون منسوقًا على مفتتحه، ويجب أن يؤيد آخره أوله؟ فما معنى قوله: شبه البياض بين حروف السطر بالبياض في الغُراب الأعصم؟ إنما يقول: تعجب من خطي ولفظي إمَّا استحسانًا لهما وإمَّا طول عهدٍ بهما وبأسًا عنهما، ثم قال: كأنها ترى لفرط تعجُّبها منها أغربة عصمًا لعوزها وقلة وجودها وتعذُّر رؤيتها وتجُّب من يراها منها، فإنها لا تُرى.
وقال في قصيدة أولها:
(أنا لائمي إن كنتُ وقتَ اللَّوائمِ . . . . . . . . . . . . . . .)
(وذي لَجَب لا ذو الجناحِ أمامَه بناجٍ ولا الوحشُ المُثارُ بسالمِ)
قال أبو الفتح: أي الجيش يصيد الوحش، والعقبان فوقه سائرة، فتخطف الطير أمامه. قال الشيخ: لا والله ما الفسر من البيت وما البيت من الفسر، وأي مدحٍ للجيش وصاحبه في اختطاف العقبان الطير؟ ولعله ذهب إليه من قوله:
سحابٌ من العِقبان تزحفُ تحتها . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٣٣٠ ]
وهو وضع العقبان موضعه، ولم يذكر أن العقبان تخطف الطير أمام الجيش وفوقه، وإنما أراد أن الطير لا تنجو من رماته والوحش من فرسانه، فالطائر غير ناجٍ من مرامهم بسهامهم، والثائر غير سالم على طرادِهم واصطيادهم.
(كريمٌ نفضتُ النَّاسَ لَّما بلوتُه كأنَّهمُ ما جفَّ من زادِ قادمِ)
رواه أبو الفتح: ما جفَّ بالجيم.
قال الشيخ: روايتي خفَّ بالخاء، لأنه يرمي بما يخفُّ لا بما يجفُّ.
وقال في قصيدة أولها:
(لهوى القلوبِ سريرةٌ لا تُعلَمُ . . . . . . . . . . . . . . .)
(يا أختَ مُعَتنِقِ الفوارسِ في الوغَى لأخوكِ ثَمَّ أرقُّ منكِ وأرحمُ)
[ ٢ / ٣٣١ ]
قال أبو الفتح: يرميه بأخته وبالابنة، وقوله: ثم إشارة إلى المكان الذي يُخلى فيه للحال المكروهة.
قال الشيخ: لا والله ما أدري كيف أسفر عن وجوه فساده على كثرة ضروبه وتزاحم أمداده؟ معتنق الفوارس مدحٌ على كل حالٍ لا هجوٌ، وكيف يكون المهجو ممدوحًا في مصراع بيت ومهجوًا في المصراع الثاني؟ وفي قوله: يا أخت معتنق الفوارس، أي دليل على رميه بها؟ فإني لا أرى فيه تصريحًا ولا تعريضًا ولا إيماءً ولا إبهامًا ولا إيحاءً، ولو اشتغلت بعد خلاَّته أضعت الوقت في إثباته، وهذا تشبيب بحبيبة قاسية القلب جافية غليظة الكبد جاسية منيعة رفيعة كقوله:
ويُضحي غُبارُ الخيلِ أدنى ستورهِ . . . . . . . . . . . . . . .
وقوله:
وما شرَقي بالماءِ إلاَّ تذكُّرًا . . . . . . . . . . . . . . .
فقال: يا أخت معتنق الفوارس: البطل الذي يعتنق الفوارس في الوغى، فيقلعُهم عن سُروجهم بباعه لأخوك ثَمَّ، أي في الوغى، في ذلك المكان وحال اعتناقه
[ ٢ / ٣٣٢ ]
الفرسان، وهي الحال التي كلٌّ فيها محامٍ على روحه ومهجته غير مُبقٍ على أحدٍ ولا مواسٍ له أرق منك وأرحم، أي: أعطف على الناس وأرأف بالأرواح وأحسن إبقاء عليها منك على العشاق.
وقال في قصيدة أولها:
(فِراقٌ ومَنْ فارقتُ غيرُ مُذمَّمِ . . . . . . . . . . . . . . .)
(فسَاقَ إليَّ العُرفَ غيرَ مكدَّرٍ وسُقتُ إليه الشُّكْرَ غيرَ مُجمجَمِ)
قال أبو الفتح: أي لم يكدِّره عليَّ كغيره، يعرض بمن سواه، وغير مجمجم، أي: ليس فيه عيب ولا إشارة إلى ذمٍّ، وهذا المعنى أيضًا يشهد بما ذكرته من طيِّه مديحه على الهجاء.
قال الشيخ: ما طواه على شيءٍ، ولا تعرض فيه بسيف الدولة، وإنما قال: ساق إليَّ العُرف
صافيًا، وسقت إليه الشُّكر وافيًا. وجمجم فلان في كلامه ومجمجمه: إذا لاكه، ولم يُفصح به.
[ ٢ / ٣٣٣ ]
(لِمَنْ تَطْلُبُ الدُّنيا إذا لم تُرِدْ بها سُرورَ محبٍّ أو مَساَءةَ مُجرمِ؟)
قال أبو الفتح: كأنه خاطب نفسه كقول الأعشى:
ألم تغتمض عيناكَ ليلةَ أرمدا؟ . . . . . . . . . . . . . . .
وكقراءة من قرأ: (قالَ: اعلَم أنَّ اللهَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ). وهو أيضًا في النحو الذي ذكرته من رمزه، كأنه خاطب كافورًا، إلا تراه خلطه بخطابه إياه فيما قبل؟ ثم خاطبه أيضًا فيما بعد، فقال:
(وقد وصلَ المُهرُ الذي فوقَ فَخذهِ منِ اسمِكَ ما في كلِّ عُنقٍ ومِعصَمِ)
قال الشيخ: لم يخاطب به نفسه لا حقيقة ولا تشبيهًا، وما فيه رمزٌ، ولكنه من الرُّقى التي ذكرها، فقال:
وشعرٌ مدحتُ به الكركدنُّ . . . . . . . . . . . . . . .
وقد خاطب به كافورًا بلا كأنه، ويدلُّك عليه قوله قبله:
قد اخترتُك الأملاكَ فاختر لهم بِنا حديثًا، وقد حكَّمتُ رأيَكَ فاحكمِ
[ ٢ / ٣٣٤ ]
فأحسنُ وجهٍ في الورى وجهُ مُحسِنٍ وأيمنُ كفٍّ فيهمُ كفُّ منعمِ
وأشرفُهم مَن كانَ أشرفَ همةً وأكثرَ إقدامًا إلى كلِّ مُعظَمِ
ثم قال:
لمن تُطَلبُ الدُّنيا إذا لم ترد بها . . . . . . . . . . . . . . .
وقد وصلَ المُهرُ الذي فوقَ فَخذهِ منِ اسمِكَ ما في كلِّ عُنقٍ ومِعصَمِ
قال أبو الفتح: أي أنت مالك كل حي فرسًا كان أو إنسانًا، وقد فسر هذا بقوله بعده:
لك الحيوانُ الرَّاكبُ الخيلَ كلُّه وإن كانَ بالنِّيرانِ غيرَ موَسَّمِ
قال الشيخ: هذا تفسير البيت الذي بعده الذي استشهد به، أما معنى هذا فإنه يقول: وقد وصل المهر الذي فوق فخذه من سمتك ما في كل عنقٍ ومعصمٍ، من سمتك: أي قد وسمت الأعناق بالأطواق والمعاصم بالأسورة والمِسك، فتلك سمات الأعناق، وهذه سمات المعاصم.
وقال في قطعة أولها:
(من أيَّةِ الطُّرْقِ مثْلَكَ الكَرَمُ؟ . . . . . . . . . . . . . . .)
[ ٢ / ٣٣٥ ]
(ما أقدرَ الله أنْ يَجْزِي خليقتَه ولا يصدّق قومًا في الذي زعموا)
قال أبو الفتح: ما صدقوا، وللقد قامت الأدلة على كذبهم، والحمد لله سبحانه.
قال الشيخ: روايتي بالخاء لا بالجيم.
وقال في قصيدة أولها:
(حتَّامَ نحنُ نُساري النَّجمَ في الظُّلَمِ؟ . . . . . . . . . . . . . . .)
(تبدو لنا كلَّما ألقَوا عمائمهَمْ عمائمٌ خُلقتْ سُودًا بلا لُثُمِ)
قال أبو الفتح: سودًا، أي شُعور رؤوسهم، وبلا لُثُم، أي: هم مُردٌ، يريد غلمانه.
قال الشيخ: ليس كذلك، وليس يريد المُرد بنفي اللُّثُم، لكنه لَّما ذكر العمائم ذكر اللُّثم،
[ ٢ / ٣٣٦ ]
لأنها معها ولازمة في العرب، فقال: تبدو كلما ألقوا عمائمهم عمائم من شعورهم: رؤوسهم ولمُمهم بلا لُثُم، لنه لا يكون مع تلك العمائم لُثم، والدليل عليه أن الأمرد يلتثم كالملتحي، فإن اللِّثام يُشد لدفع البرد أو الحر، أو الحياء والتَّنكير، والملتحي والأمرد فيهما سواء، ويدلُّك على هذا الموجب اللِّثام قوله:
وأوجهُ فتيانٍ حياءً تلثَّموا عليهنَّ لا خوفًا منَ الحَرِّ والبَردِ
(صُنَّا قوائمَها عنهم فما وقعتْ مواقعَ اللُّؤمِ في الأيدي ولا الكزَمِ)
قال أبو الفتح: الكزم: القِصَر، أي: أيديهم قصارٌ للُّؤم.
قال الشيخ: هذا الذي ذكره ما يعرب عن معنى البيت شيئًا كما ترى، ومعناه عويص، فإنه متعلق بما قبله غامض من حيث يقول: المجد للقلم:
حتَّى رجعتُ وأقلامي قوائلُ لي: المجدُ للسَّيفِ ليسَ المجدُ للقلمِ
اكتب بنا أبداُ بعد الكتابِ بهِ فإنَّما نحنُ للأسيافِ كالخدمِ
أسمعَتني ودوائي ما أشرتَ بهِ فإن غفلتُ فدائي قِلَّةُ الفَهَمِ
منِ اقتضى بسوى الهنديِّ حاجتَه أجابَ كلَّ سؤالٍ عن هلٍ بلمِ
توهَّمَ القومُ أنَّ العجزَ قرَّبنا وفي التَّقرُّبِ ما يدعو إلى التُّهَمِ
[ ٢ / ٣٣٧ ]
ولم تزل قِلَّةُ الإنصافِ قاطعةً بينَ الرِّجالِ وإن كانوا ذوي رحِمِ
فلا زيارةَ إلاَّ أن تزورَهمْ أيدٍ نشأنَ معَ المصقولةِ الخُذُمِ
من كلِّ قاضيةٍ بالموتِ شفرتُه ما بين منتقَمٍ منه ومنتقِمِ
ثم قال: صُنَّا قوائمها عنهم بترك محاربتهم لعوائق تعوق وعوادٍ تعدو، فما وقعت قوائمها مواقع اللُّؤم والكزم من أيديهم في حربنا وقتالنا، فإنهم جبناء في القتال لؤماء في الأحساب بخلاء بالنوال، فما يقع في أيديهم مواقع اللُّؤم والكزم، والعوادي التي تعدو عن قتالهم قلَّة موافقة الزمان وكثرة خلاف الإخوان وعوز مساعدة الأنصار والأعوان كقوله:
وحيدٌ منَ الخُلاَّنِ في كُلِّ بلدةٍ إذا عَظُمَ المطلوبُ قلَّ المُساعِدُ
ويدلُّك عليه قوله:
(هوِّنْ على بصرٍ ما شقَّ منظرُهُ فإنَّما يقظاتُ العينِ كالحُلُمِ)
قال أبو الفتح: شقَّ بصر الميت شقوقًا، فمعنى البيت: هوِّن على بصرك شقوقه
[ ٢ / ٣٣٨ ]
ومقاساة النَّزع والحشرجة للموت، فإن الحياة كالحلم يبقى قليلًا، فيزول، وقد قال أبو تمَّام:
ثمَّ انقضت تلكَ السِّنونُ وأهلُها فكأنَّها وكأنَّهم أحلامُ
قال الشيخ: سبحان الله ما أبعده عن الصواب، فكيف يتصور فيه شقوق البصر، والإنسان إذا بلغ شقوق بصره فقد مات، وفات التَّهوين وغيره على النفس؟ ولهذا قيل: شقَّ بصر الميت، ومنع من أن يُقال: شقَّ الميت بصره، لأنه يكون ويحلُّ به من غير أثر فيه وقدرة عليه، والرجل يقول: هِّون على بصرك ما شقَّ منظره عليه، ولم يسمع البيت عليه، فإنما اليقظة كالحلم تمرُّ وتنقضي، ويدلُّك عليه قوله:
كلامُ أكثرِ مَن تلقى ومنظرهُ ممَّا يشقُّ على الآذانِ والحدَقِ
ومعناه كقوله:
لا تلقَ دهرَكَ إلاَّ غيرَ مكترثٍ ما دام يَصحبُ فيه روحَكَ البدنُ
فما يديمُ سرورًا ما سُررتَ بهِ ولا يردُّ عليك الفائتَ الحَزنُ
لباب المعنى وما يصله بما تقدمه أن يشكو الزمان وأبناءه، وأنه لا علاج لهذا الخطب غير السيف ومناصبة الحرب، ولا سبيل إليه لقلة المساعد على طلب الملك، ثم جع إلى وعظ النفس وتسليتها بهذا البيت.
[ ٢ / ٣٣٩ ]
القافية النُّونية
وقال في قصيدة أولها:
(الرَّأيُ قبلَ شجاعةِ الشُّجعانِ . . . . . . . . . . . . . . .)
(يتقيَّلونَ ظِلالَ كلِّ مطهَّمٍ أجَلِ الظَّليمِ ورِبْقةِ السِّرحانِ)
قال أبو الفتح: أي يتبعون آباءهم سبَّاقين إلى المجد والشرف كالفرس المطهَّم الذي إذا رأى الظَّليم، فقد هلك، وإذا رأى الذئب كان فكأنه مشدود بحبل في عنقه، والعرب إذا مدحوا إنسانًا شبهوه بالفرس السَّابق، ويحتمل أيضًا أن يكون معناه أنهم يستظلُّون بأفياء خيلهم في شدَّة الحرِّ. يصفهم بالتَّغرُّب والتَّبدِّي.
قال الشيخ: المعنى هو الثاني، وليس الأول بشيءٍ، ولا بجائز، ومتى يجوز أن يُشبه ملك ابن ملوك وآباءهم بالبهائم؟ فكيف يحسن فيه وفي آبائه أجل الظَّليم وربقة السِّرحان؟ ولو تعجرف فيه وتعسَّف وأراده لما استعمل فيه الظِّلال، فإنها ليست من التَّقيُّل في شيءٍ، لا يُقال: فلانٌ يتقيَّل ظلَّ فلانٍ أو أبيه، ولو أراده لوضع موضعها خلال كل مطهَّمٍ وخصال كل مطهَّمٍ وفعال كل مطهَّمٍ فتبيَّنه.
[ ٢ / ٣٤٠ ]
(يَغشاهمُ مطَرُ السَّحابِ مُفَصَّلًا بمهنَّدٍ ومثقَّفٍ وشنانِ)
قال أبو الفتح: يعني بالسَّحاب الجيش، وشبهه به لكثافته قال الرَّاجز.
كأنَّهم لَّما بدوا مِن عَرعَرِ مستلئمينَ لابسي السَّنوَّرِ
نشءُ سحابٍ صّيِّفٍ كَنَهوَرِ
قال الشيخ: كلا ما أراد به غير مطر السحاب. يقول: يغشاهم أي: يغشى الرُّوم في الانهزام مطر السحاب مفصَّلًا لا مجملًا كما يكون القطر، بل يقع أولًا على ما يظلُّهم من سيوفك ورماح خيلك التي ركبت أكتافهم، فتفرِّقُها وتفصِّلها هذه الأسلحة التي تكون فوق ظهورهم وهامهم في إحجامهم وانهزامهم، ثم يغشاهم بعدما تفرَّقت وفصِّلت كل قطرة منها سيفًا أو سنانًا، وفيه صفةٌ لكثرتهم وتضايق الهواء عن أسلحتهم، ويدلُّك على أنه في الهزيمة قوله قبله:
فَرموا بما يرمونَ عنه وأدبروا . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٣٤١ ]
(حُرموا الذي أمَلُوا وأدركَ منهمُ آمالَه من عاذَ بالحرِمانِ)
قال أبو الفتح: أي حرموا الظَّفر بك، وأدرك آماله منهم من سلَم منك، لأنه حينئذ أمَّلَ
بالنَّجاة، فرجع بما أمَّله منها، وإن كان قد حرم ما كان قديمًا أمَّله من الظَّفر بك.
قال الشيخ: سلم منك، ليس في البيت، وإنما حرموا آمالهم في الظَّفر بك كما فسره، وأدرك منهم آماله من عاذ بالحرمان، فرضي به إذ أدرك مأموله: لأنه قد حُرم أولًا. وروايتي: عاذ بالذَّال.
وقال:
(كأنَّه زادَ حتَّى فاضَ مِنْ جسدي فصارَ سُقْمي به في جسمِ كِتماني)
[ ٢ / ٣٤٢ ]
قال أبو الفتح: كأنه، أي كأن الكتمان، فأضمره، وإن لم يجرِ له ذكر، لأنه إذا قال: كتمت دلَّ على الكتمان، وما علمت أن أحدًا ذكر استتار سقمه، وأن الكتمان أخفاه غير هذا الرجل، وهو من بدائعه.
قال الشيخ: ما أدري ما هذا العمى المصَّمت، والهدى المصمت؟ وما أدري ما أقول غير أن أشرح معناه، فانظر فيه وفيما أتى به يبِن لك المحال الواضح من الشرحين، والكتمان إذا زاد حتى فاض عن الجسد فقد ظهر واشتهر. يقول الرجل:
كتمتُ حبَّك حتَّى عَنكَ تكرِمةً قُمَّ استوى فيكَ إسراري وإعلاني
أي ظهر لك لشدته وعجزي عن مكاتبته، فعلمتُه كأنه زاد أي: كأن الحبَّ لا الكتمان، فإن الحبَّ يزيد وينقص، والكتمان لا يزيد ولا ينقص حتى فاض من جسدي لعجزي عن كتمانه، فصار سَقمي بالحبِّ في جسم كتماني، فأضعفاه، وأعجزاه، وغلباه حتى ضعُف جسم كتماني عن احتمالهما، فسقط عنهما، وظهر الحبُّ.
[ ٢ / ٣٤٣ ]
وقال في قطعة أولها:
(إذا ما الكأسُ أرعشتِ اليدينِ . . . . . . . . . . . . . .)
(أغارُ على الزُّجاجةِ وهْيَ تجري على شفةِ الأميرِ أبي الحُسّيْنِ)
قال أبو الفتح: وهذا أيضًا من بدائعه في شعره، كأنه كنى به عن عشقِه له، كان كذاك أو لم يكن.
قال الشيخ: ما سمعنا من فسره لمعانيه بأبدع من عشق المتنبي لأمير مثله في السِّن أو قريب منه، يمدحه، وهذا الرجل يقول: أغار على الزجاجة ومحلها من شفتيه، ويودُّ لو كان زجاجة مثلها وينال مكانها لا عشقًا بل طلب خدمةٍ له وزُلفى منه، وهذا كثيرٌ في الأشعار
جدًا، وقريب منه قوله:
ليتَ أنَّا إذا ارتحلتَ لك الخي لُ. . . . . . . . . . . .
وقوله:
وللحسَّادِ عذرٌ أن يشِحُّوا . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٣٤٤ ]
ويصرِّح بمعناه بما قيل. أي: أغار لبلدةٍ مسكونةٍ بيدي سواك ودرهمٍ مستخرجٍ، وما قبلُ:
أغارُ على ما بيننا أن تنوبَهُ صُروفُ اللَّيالي أو يغيِّرَ حاليا
وليس في جميع هذا تصريح بالعشق ولا تعريضٌ منه.
وقال في قصيدة أولها:
(الحبُّ ما منعَ الكلامَ الألسُنا . . . . . . . . . . . . . . .)
(وتوقَّدَتْ أنفاسُنا حتَّى لقدْ أشفقتُ تحترقُ العواذلُ بيننا)
قال أبو الفتح: أراد أشفقت أن تحترق، فحذف أن، ووجه الإشفاق على العواذل لئلا يرتابهنَّ أو ينمَّ احتراقُهنَّ على ما كانا فيه من حرارة أنفاسهما واحتدام موقعهما.
قال الشيخ: لفظ الإشفاق هنا ليس بلفظ حقيقي، إنما هو مجاز كقول عنترة:
إنِّي لأخشى أن تقولَ ظعينتي: هذا غبارٌ ساطعٌ فتَلبَّبِ
[ ٢ / ٣٤٥ ]
وليس معناه الخوف، إنما معناه توقُّع كون الشيء لا إشفاق عليهم من الاحتراق لطلب ديةٍ أو شيوع سرٍّ في مقةٍ، وهذا أوضح من أن يُشرح.
(وكأنَّه والطَّعنُ مِنْ قُدَّامهِ متخوِّفٌ من خلفهِ أنْ يُطعنا)
في بعض روايات أبي الفتح: متحرِّفٌ. قال الشيخ: وروايتي متخوِّف بالتاء والخاء والواو، أي: لا يولِّي ظهره البتة كقوله:
تقي جبهاتُهم ما في ذَراهم . . . . . . . . . . . . . . .
وإذا تحرَّف من خلفه، فقد تعطَّف وولَّى.
(مَنْ ليسَ مِنْ قتلاهُ من طُلَقائهِ مَنْ ليسَ ممَّنْ دانَ مِمَّنْ حيَّنا)
[ ٢ / ٣٤٦ ]
قال أبو الفتح: يقول من أفلت من سيفه فهو طليقه، والذي لا يطيعه فهو أحد المحيّنين.
قال الشيخ: ما وفى بقسم الناس فيه حقه، فالناس بين قتيلٍ له وطليقٍ ودائنٍ وحائنٍ، فلا تخلو من هذه الأقسام الأربعة.
(فطِنَ الفُؤادُ لما أتيتَ على النَّوى ولما تركتَ مخافةً أنْ تَفطَنا)
قال أبو الفتح: أي قد عرفت ما كان مني من شكرك والثناء عليك في حال غيبتك، ولم أتعرض لضدِّ ذلك لئلا ينمُّ إليك، أي: فلو لم أتركه إلا لهذا لتركته، وكان وشي به إليه، فكأنه مع هذا قد اعترف بتقصير كان منه ألا تراه يقول بعد:
أضحى فراقُكَ لي عليه عقوبةً . . . . . . . . . . . . . . .
قال الشيخ: هذا التفسير فاسد، لأنه يقول: قد عرفت ما كان مني من شكرك والثناء عليك في حال غيبتك، وهذا ليس مما يعبر عنه بالفطنة، إنما يعبر عنه بالسَّماع والعلم والعرفان، والبيت ناطق بالفطنة، وقوله: لم أتعرَّض لضدِّ ذلك لئلا ينمُّ إليك، أي: فلو لم أتركه إلا لهذا
[ ٢ / ٣٤٧ ]
فتركته أفسد وأسمج من الأول، لأن ضد الشُّكر الشِّكاية وضد الثناء الهجاء، ولا يُقال الممدوح: لم أتعرَّض لشكايتك وهجائك لئلا يبلغك، ولو لم أترك هجاءك إلا تخوُّفك لتركته، هذا ليس بكلام المكلَّفين، وهذا البيت يتعلَّق بقصة بينهما، لم أسمعها، ولا أعرف معناه لاشتباه قصته على غيره. أن هذا التفسير ليس بشيء.
وقال في قصيدة أولها:
(أفاضلُ النَّاسِ أغراضٌ لذا الزَّمَنِ . . . . . . . . . . . . . . .)
(يستخبرونَ فلا أُعطيهمُ خبرَي ولا يطيشُ لهم سهمٌ منَ الظِّنَنِ)
قال أبو الفتح: مثل أول هذا البيت قول الرَّاجز:
وخبرٍ عن صاحبٍ لويتُ وقلتُ: لا أدري وقد درَيتُ
يقول: سترت عنهم أمري مع ما فيهم من الذَّكاء والفطنة. يعظم بها قدر مطلبه ومرامه.
[ ٢ / ٣٤٨ ]
قال الشيخ: أي يستخبرونني فلا أخبرهم بشيءٍ، وهم يقدِّرون فيَّ، ويرون آثار العظمة والكمال وكرم الخصال وشرف الأفعال، وما تطيش سهام تُهمِهم فيَّ علي مسايرتهم حالي.
وقال في مطلع قصيدة:
(قدْ علَّمَ البينُ منَّا البينَ أجفانا تدمَى وألَّفَ في ذا القلبِ أحزانا)
قال أبو الفتح: أي قد علَّم البين أجفاننا والفراق، فما تلتقي سهرًا وبكاءً. قال الشيخ: الرجل يقول: منَّا البين، وليس يقول: من عيوننا البين حتى يحسن فيه هذا التفسير، وإن فراقها للسهر والبكاء، ولو كان كذلك لكان كقول بشَّار:
جفِّت عيني عن التَّغميضِ حتَّى كأنَّ جفونَها عنها قصارُ
فلا تلتقي، وكذلك قول المتنبي:
بعيدةُ ما بينَ الجفونِ كأنَّما . . . . . . . . . . . . . . .
لا ولكنه يقول: قد علَّم الفراق أجفاننا فراقَّنا والبين عنَّا، ففارقتنا وبانت منَّا لكثرة البكاء كقول من تقدم:
استبقِ دمعَك لا يُودِ البكاءُ بهِ واكُفف مدامعَ مِن عينيكَ تستبقُ
ليس الشُّؤُونُ على هذا بباقيةٍ . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٣٤٩ ]
وكقوله:
وقد صارتِ الأجفانُ قرحى منَ البُكا وصار بهارًا في الخدودِ الشَّقائقُ
(تُهدي البوارقُ أخلافَ المياهِ لكم وللمحبِّ مِنَ التَّذكارِ نيرانا)
قال أبو الفتح: أي السحاب تسقيكم ويهيّج يرقُها تذكار المحب لكم.
قال الشيخ: فسر أوله، وأخلَّ بآخره، لأنه يقول: أهدت البوارق لكم الماء وللمحب من تذكاره بمعاهدكم ومرابعكم، أي: ودقها يسقيكم وبرقُها يملأ قلب العاشق نار الشوق إليكم.
وقال في قصيدة أولها:
(بمَ التَّعلُّلُ لا أهلٌ ولا وطنُ؟ . . . . . . . . . . . . . . .)
[ ٢ / ٣٥٠ ]
(تحملَّوا حملتْكمْ كلُّ ناجيةٍ فكلُّ بينٍ عليَّ اليومَ مؤتَمنُ)
قال أبو الفتح: هذا تشبيب قد أضمر في نفسه عتبًا، وكانت عادةٌ منه، وق ذكرتها.
قال الشيخ: هذا كقوله:
وفارقتُ الحبيبَ بلا وداعٍ وودَّعتُ البلادَ بلا سلامِ
وكقول من تقدمه:
وفارقتُ حتَّى ما أبالي من النَّوى البيتان. . . . . . . . . . . . . . .
وكقولهم:
رُوِّعتُ بالبين. . .
البيتان. . .
وكقولهم:
لا يمنعنَّك . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٣٥١ ]
وقوله:
سهرتُ بعد رحيلي وحشةً لكمُ ثمَّ استمرَّ مريري وارعوى الوَسَنُ
قال في قصيدة أولها:
(عدوُّكَ مذمومٌ بكلِّ لسان . . . . . . . . . . . . . . .)
(كأنَّ رقابَ النَّاس قالتْ لسيفهِ: رفيقُكَ قَيْسيٌّ وأنتَ يمانِ)
قال أبو الفتح: أي لما كثر تقطيعه رقاب الناس، أغرت بين سيفه وبينه ليفترقا فتسلم.
قال الشيخ: شرحه ما قبله، وهو:
برغمِ شبيبٍ فارقَ السَّيفَ كفُّه وكانا على العِلاَّتِ يصطحبانِ
وذلك أن سيفه سقط من يده حين أُرسلت على رأسه الصخرة، فهذا يول: كأن الرقاب قالت لسيفه: شبيب قيسي، وأنتَ يمانٍ، فكيف تصطحبانِ؟ وبين قيسٍ واليمن عداوة الأبد.
[ ٢ / ٣٥٢ ]
(أتُمسكُ ما أوليتَه يدُ عاقلٍ وتمسكُ في كفرانهِ بعنانِ؟)
قال أبو الفتح: يقول إذا كفر نعمتك من تُحسن إليه، لم تقبض يده على عنانه تخاذلًا وجُبنًا.
قال الشيخ: المعنى غير هذا عندي، وهو أنه يقول: العاقل لا يستجيز أن تمسك يده ما أوليته شبيبًا ويمسك بنانٌ في كفران ذلك إلا بلاه معاندًا ومكائدًا ومناصبًا ومحاربًا، وتصرَّف ذلك العنان في محاربة وليِّ نعمته جاحدًا كافرًا، وليس المعنى أنه لم يقبض يده على عنانه تخاذلًا وجُبنًا، فإن يد شبيبٍ قبضت على عنانه، وحارب كافورًا، فلم تتخاذل يداه، ولم يُجبر على ما نواه حتى قُتل.
(ثنى يدَه الإحسانُ حتَّى كأنَّها وقد قُبِضتْ كانتْ بغيرِ بنانِ)
رواه أبو الفتح: قَبضت بفتح القاف. قال الشيخ: يعني كفره نعمتك أدركه شؤمه حتى خذلته يده وقوته، فكأنها إذا قُبضت - بضم القاف - عن المدافعة والمكافحة لم يكن لها بنانٌ، فلم تقطع فتيلًا، ولم تُغنِ قليلًا.
[ ٢ / ٣٥٣ ]
(وعندَ منِ اليومَ الوفاءُ لصاحبٍ؟ شبيبٌ وأوفى مَنْ تَرى أخَوانِ)
قال أبو الفتح: أي من ترى الصَّاحب؟ يقول: أوفى الناس غادر، لأنه جعله وشبيبًا أخوين، والذي في كتابي، وكذا إن شاء الله قرأته، وأوفى من ترى بالتاء، أي ترى يا مخاطب.
قال الشيخ: أرى هذا التفسير قلقًا، وروايتي: وأوفى من يُرى بضم الياء، وأراد به كافورًا، لأنهما عاشا دهرًا كأخوين في وفاء كلِّ واحدٍ منهما لصاحبه، ثم غدر شبيبٌ به.
وقال في قصيدة أولها:
(مغاني الشِّعبِ طيبًا في المغاني . . . . . . . . . . . . . . .)
(ولكنَّ الفتى العربيَّ فيها غريبُ الوجهِ واليَدِ واللُسانِ)
[ ٢ / ٣٥٤ ]
قال أبو الفتح: يعني باليد أن سلاحه السَّيف والرُّمح وسلاح من بالشِّعب الحربة والتُّرس.
قال الشيخ: ليس كذلك، لأن الأسلحة، وإن تفنَّنت فنونًا، وتنوعت أنواعًا، فإن اليد في ممارستها واحدة، سواء كانت تعمل بالرُّمح أو بالحربة، فلا يُقال لمثلها: غريبٌ، وإنما يُقال: الغريب، لما لا يكون بينه وبين صاحبه فيه مجانسة ومؤانسة، والرجل يريد بغريب اليد: أنه كاتب، وأهل الشِّعب أُميُّون، ويدلُّك عليه قوله بعده:
ملاعبُ جِنَّةٍ لو سارَ فيها سُليمانُ لسارَ بترجُمانِ
أي: لِسنُهم ولغتُهم لا تُفهم، ولا تُعلم، وكذلك تكون كتابتهم فيكونون أمّيّين عنده.
(غدوْنا تنفضُ الأغصانُ فيهِ على أعرافِها مثلَ الجُمانِ)
قال أبو الفتح: يريد ما يقع عليها من خَلَل الأغصان من ضوء الشمس.
قال الشيخ: سبحان الله، ما الشبه بينه وبين الجُمان؟ إنما هو الطَّلُّ على الأغصان كالجُمان شكلًا وصفاءً ورقةً ولونًا، يكون متعلِّقًا من الأغصان، فإذا أصابتها حركة تساقط منه، وهذا كقول ابن الرُّومي:
والطَّلُّ مثلُ اللُّؤلؤِ المنثورِ من واقعٍ منها ومن محذورِ
[ ٢ / ٣٥٥ ]
(لها ثمرٌ تُشيرُ إليكَ منه بأشربةٍ وقفنَ بلا أوانِ)
قال أبو الفتح: يريد رِقَّة العنب، وهو نحو قول البحتري:
. . . . . . . . . . . . . . . في الكفِّ ماثلةٌ بغيرِ إناءِ
قال الشيخ: قالوا هذا هو العنب الرقيق القشر، وقالوا: الطَّلُّ شبهه على الأغصان بالثَّمر، وحبَّاتُه أشربةٌ عليها متدلِّيةٌ منها بلا أوانِ.
(فإنَّ النَّاسَ والدُّنيا طريقٌ إلى مَنْ مالهُ في النَّاسِ ثانِ)
قال أبو الفتح: هذا نحو قوله لكافور:
ولكنَّه طال الطَّريقُ لوم أزل . . . . . . . . . . . . . . .
قال الشيخ: لا يتشابهان بحالٍ، فإنه يقول في كافور:
وتذلُني فيك القوافي وهمَّتي كأنِّي بمدحٍ قبلَ مدحكَ مذنبُ
ولكنه طال الطريق، البيت
[ ٢ / ٣٥٦ ]
أي: كان من الواجب إلا أمدح غيرك حتى كأني مذنب عندي في مدح غيرك، ولكن كان الطريق طويلًا بيننا، وكنت أقوله، ويتناهبه الناس، وهاهنا يقول: عذلني حصاني بمفارقتي شعب بوَّانٍ، وقال: أعن مثل هذا المكان يُسار إلى الطِّعان؟ واحتجَّ عليَّ بآدم ومفارقته الجنَّة، فقلت: إذا رأيت أبا شجاع سلوت عن عباد الله وعن شعب بوَّان، فإن الدنيا وأهلها طريقٌ يُعبر إلى من ليس له في الناس ثانٍ، فلا يوقف على أحدٍ، ولا يُقام بمكانٍ حتى يُبلغ، فأي شبه بين البيتين؟ وشتان ما هما.
(دعتْه بموضعِ الأعضاءِ منها ليومِ الحربِ بِكرٍ أو عَوانِ)
قال أبو الفتح: أي دعته السيوف بمقابضها والرِّماح بأعقابها، لأنها مواضع الأعضاء منها، وحيث يُمسك الضارب والطَّاعن، ويُحتمل أن يكون أراد: دعته الدولة بمواضع الأعضاء من السيوف والرِّماح، ومعنى دعته: اجتذبته واستمالته.
[ ٢ / ٣٥٧ ]
قال الشيخ: ليس في تفسيره من الصواب إلا قوله: دعته الدَّولة، ثم أفسده بقوله: بمواضع الأعضاء من السيوف والرِّماح، وحياءً له ثم حياءً، وإنما دعته الدَّولة بموضع الأعضاء من نفسها يوم الحرب بكرًا كانت أو عوانًا. أي: ليست تدعوه عضدها وحدها، بل أعضاءها التي بها قوامه ونظامها كالسمع والبصر واللسان والعضد واليد، وما يكفي لها ويغني عنها، ويدلُّك عليه ما تقدمه من قوله:
بعضدِ الدَّولةِ امتنعت وعزَّت وليس لغيرِ ذي عضُدٍ يدانِ
ولا قَبضٌ على البِيضِ المواضي ولا حطٌّ منَ السُّمرِ اللِّدانِ
فيكون يوم الحرب عينها البصيرة وأذنها السميعة ولسانها الفصيح وعضدها القوي وساعدها الوفيَّ ويدها التي تضرب عنها بالصِّفاح، وتطعن دونها بالرِّماح.
[ ٢ / ٣٥٨ ]