قال من مقطعة، وهو أولها:
(أنا عينُ المُسَوَّدِ الجَحْجاحِ هجَّنتْني كلابكُم بالنُّباحٍ)
قال أبو الفتح: أي لطختموني بالعار، ولست من أهله.
قال الشيخ: ليس يقول: لطختموني بالعار، بل يقول: نبحتني كلابكم، أي: رمتني سفهاؤكم بكلمتهم العوراء من طعن في نسبتي الغرَّاء، فإن بقيت نسبتني لهم أسنَّة الرماح.
وروايتي (هيجتني) من الهيج، ونباح الكلب يهيج الإنسان، ولا يهجِّنه إلا أن تحمل التهجين على نسبه ورميه إياه بالهُجنة في نسبه فحينئذ يتضح ويصح.
وقال في قصيدة أولها:
(جَلَلًا كما بي فليكُ التَّبريحُ . . . . . . . . . . . . . . .)
(وفَشتْ سرائرُنا إليكَ وشَفَّنا تَعريضُنا فبدا لكَ التَّصريحُ)
[ ١ / ٩٩ ]
قال أبو الفتح: أي لما عرضنا لك بهواك قام مقام التصريح منا لك، ويجوز أن يكون عرضنا بمودتك، فصرحت بالهجر والبين وإظهار حزنك لما جهدك الهوى، ويجوز أن يكون المعنى لما جهدنا التعريض استروحنا إلى التصريح، فانهتك الستر، وهذا أقوى هذه الأوجه عندي، وقد جاء في الشعر مجيئًا واسعًا.
قال الشيخ: قد قلنا مرارًا أنه لا يكون لقائل البيت إلا غرض واحد، فما عداه تعسف وغباوة به، وما ذكره في الفصلين الأول والثاني فاسد، والثالث أقرب إلى المراد لكنه ناقص، لأن الرجل يقول: ضاق صدري بحبك حتى لم يسعه، ولم يُغن عنه التعريض، فصرحت به تنفيثًا عن الصدر وتفريجًا عن الكرب ورجاء عاطفةٍ لك على مهجتي الهالكة بك وفيك، وكأنه ينظر إلى بيت الحسن بن هانئ:
فّبُح باسمِ من تهوى ودهني منَ الكِنَى فلا خيرَ في اللَّذَّاتِ من دونها سِترُ
وإلى بيتي القائل:
كَتَمتُكَ حِينًا ما أقاسيهِ في الهوى وصابرتُه دهرًا فعيلَ بهِ الصَّبرُ
وباحت بأسرارِ الفُؤادِ مدامعٌ فأبصرتَ ما بي فاستوى السِّرُّ والجَهرُ
[ ١ / ١٠٠ ]
(لَّما تقطَّعتِ الحُمولُ تقطَّعتْ نفْسي أسىً وكأنهنَّ طُلوحُ)
قال أبو الفتح: يريد أصحاب الأحمال.
قال الشيخ: هي عندي الجمال بما عليها من الهوادج، وليس أصحاب الأحمال وحدها، كما قال امرؤ القيس:
بعينيكَ ظعنُ الحيِّ لَّما ترحَّلوا على جانب الأفلاجِ من جنبِ تَيمَرا
فشبَّهتهم في الآل حين دهاهُم عصائبَ دومٍ أو سفينًا مقيَّرا
أو المكرعاتِ من نخيلِ ابن يامِنٍ دُوَينَ الصَّفا اللاَّئيَ يَلينَ المُشَقَّرا
(شِمْنا وما حَجبَ السَّماَء بروقَه وحرَى يجودُ وما مرتْهُ الرِّيحُ)
[ ١ / ١٠١ ]
قال أبو الفتح: أي شمنا بروقه، ولم تحجب السماء، لأنه ليس غيمًا فيسترها،
لأنه ليس هناك غيم في الحقيقة، وإنما أراد مخائل عطاياه. ومرته: استدرته، أي: هو حري بأن يجود، وإن لم تمره الريح، يفضله على السحاب، لأن السحاب يستر حسن السماء ولا يدر، إلا إذا استدرته الريح.
قال الشيخ: أصاب في بعضه، وعندي بعضه ليس يرضي، وهو أنه يقول: شمنا بروق الممدوح، وهو ما حجب السماء كما تحجبها السحاب، فإن البرق شام بعد ستر السحاب السماء، وعلى هذه القاعدة قال: وحرى يجود بعطائه، ولم تمسحه الريح، فهذه سحائب لا تحجب ولا تمسحه الريح حتى يجود، وهو يجود بلا حجب السماء ولا مري الريح، وروايتي: وحرى يجود، وقوله: وحرى جدير بأن يجود، وليس فيه أنه يجود، وقوله: بِحرى، حاكم بالجود والحريان لا غير، وقوله: (شمنا بروقه) كناية عن ابتساماته، فهي مطعمة في هباته، كما أن البروق مطعمة في مطره، وهذا كقوله:
ولاحَ برقُكَ لي من عارضَي ملكٍ لا يسقَطُ الغيثُ إلاَّ حينَ يبتسمُ
[ ١ / ١٠٢ ]
(وزَكيُّ رائحةِ الرياضِ كَلامُها تبغي الثَّناَء على الحيا فتفوحُ)
قال أبو الفتح: أي وكأن رائحة الرياض كلام منها وثناء على الحياء، أي: أعطني لأشكرك.
قال الشيخ: المعنى عندي بخلاف هذا، وما يتلوه يؤيدني، والرجل يقول: الرياض على عجزها عن الكلام شكر الحيا يذكر ريَّاها، ويُثني على المطر بنشرها ما في نسيم صباها جهد المقل، إذ لا لسان لها ولا بيان، فكيف بمثلي إذا تُوليه خيرًا، واللسان فصيح؟ أي: كيف أسكت عن شكر عطائك لا عن انتظارك ورجائك؟ وبهذا البيت الثاني وضح بُطلان تفسيره وصح تبيان ما فسرناه، والثناء على الحيا بالجود الموجود كذلك شكر القائل للرفد المرفود، ولو كان الثناء لآتي المطر، وهذا الشكر لرفد المنتظر كان محالًا، لأن لا ثناء على انتظار الأمل، ولا شكر على الرجاء والتوقع.
وقال في قطعة أولها:
(وطائرةٍ تتبَّعُها المنايا . . . . . . . . . . . . . . .)
(كأنَّ الرِّيشَ منه في سهامٍ على جسمِ تجسَّم منْ رياحِ)
[ ١ / ١٠٣ ]
قال أبو الفتح: يجوز أن يكون شبه ريشه بالسهام للسرعة، ولأنها سبب القتل للطير، كما أن السهام سبب القتل، ويجوز أن يكون أراد صلابة ريشه، وتجسم من رياح، أي: من سرعة.
قال الشيخ: ما ذكره من إرادة السرعة فصحيح، وما ذكره من سائر الوجوه فسقيم، فإنه يصف البازي بسرعة إدراكه الصيد، فيقول: كان ريشه سهام مركبه في جسد مخلوق من الرياح والريش سهامًا فماذا ينجو منه؟ وما الذي لا يدركه إذا قصده؟
(كأنَّ رؤوسَ أقلامِ غلاظًا مُسِحْنَ بريشِ جُؤجُئهِ الصَّحاحِ)
قال أبو الفتح: شبه نقش جؤجئه، وهو صدره بآثار مسح رؤوس الغلاظ من الأقلام، والصَّحاح
بفتح الصاد مصدر الصحيح، وقالوا أيضًا: صحيح وصحاح وعقيم وعقام،
[ ١ / ١٠٤ ]
والصِّحاح بكسر الصاد جمع صحيح، ويجوز أن يكون وصفه بالمصدر، ويجوز أن يكون وصف الريش، فجمع.
قال الشيخ: هذا فسر يطول ويهول، إذا جمع فيه كتاب سيبويه بمصادره وقياساته وكثير من دلائله وآياته، وأنا أذكر ما عندي، فليختر المتأمل له منهما ما يرتضيه. تشبيه نفس المصدر كما فسره، والصِّحاح: نعت ريشه جمع صحيح لا غير، أي: هي صحاح لا عيب فيها ولا انكسار ولا انتشار ولا فساد ولا تمرُّط ولا تمعُّط.
[ ١ / ١٠٥ ]