وقال في قصيدة أولها:
(ما سدِكتْ عِلَّةُ بمورودِ . . . . . . . . . . . . . . .)
(وإنْ صَبَرْنا فإنَّنا صُبَرٌ وإنْ بكيْنا فغيرُ مردودِ)
قال أبو الفتح: أي إن صبرنا فالصبر سجيتنا، وإن جزعنا فلعظم مصابنا.
قال الشيخ: معنى المصراع الأول كما فسر، وأما الثاني فلا، فلأنه يقول: وإن بكينا فغير مردود، وما هو عبارة عن عظم مصابنا، وإنما هو عبارة عنه غير مردود إلينا الجزع، إن جزعنا، يعني أبا وائل، كقول عمرو بن معدي كرب:
ما إنْ جزِعتُ ولا هلِع تُ ولا يردُّ بكايَ زيدًا
وكما يقول:
علينا لكَ الإسعادُ إن كانَ نافعًا بشقِّ قلوبٍ لا بشَقَّ جُيوبِ
[ ١ / ١٠٦ ]
(وإنْ جزِعْنا لهُ فلا عجبٌ ذا الجَزْرُ في البحرِ غيرُ معهودِ)
قال أبو الفتح: أي إنما يُعرف الجزر في غير البحر، وإذا جُزر البحر فذاك أمر عظيم. ضرب ذلك مثلًا شبه موته بجزر البحر، ويجوز أن يكون المعنى البحر يجزر، أي: يجزر ما يتصل به، ولكن مثل هذا الجزر العظيم لأي: الأحوال تنتقل؟ والمعنى إن المصائب قد تقع، ولكن على مثل هذه المصيبة ما رأينا.
قال الشيخ: في الفصل الأول خللان، وذلك أنه قال: إنما يعرف الجزر في غير البحر، والجزر إنما يعرف في البحر لا في غيره، فإذا جُزر فذلك أمر عظيم، وما جزره بأمر عظيم، فإن البحر بجزر كل يوم مرتين، حتى قيل في أهل البصرة: (إن البحر يزورهم كل يوم مرتين فإن شاءوا آذنوه وإن شاءوا حجبوه). والذي ذكره بعد هذا الفصل الأول عندي لغط لا غلط، وبعيد من معنى البيت، فإن ما فسره نفي وإثبات ونقض وإبرام، ولفظ هراء بل هباء بل هواء. والمعنى أنه يقول: إن جزعنا له فلا عجب، قال: ذلك البحر، وأراد بالبحر: سيف الدولة، غير معهود، أي: لم تجسر الحوادث على العبور ببابه والمرور بجنابه، فكيف بانتقاص أقاربه وأصحابه؟ فلا عجب من جزعنا له، فإنَّا نرى ما لم نعهده ولم نعتده، وشديد على الإنسان ما لم يُعود.
[ ١ / ١٠٧ ]
وقوله: (ذا الجزر) إشارة إلى موت أبي وائل، وإذا كان الجزر ذلك، كان البحر سيف الدولة لا غير.
(لا ينْقُصُ الهالكونَ منْ عددِ منهُ عليٌّ مُضَيَّقُ البِيدِ)
قال أبو الفتح: أي إذا هلك هالك من عددٍ منه عليٌّ سيف الدولة لم ينقص ذلك العدد، لأن البيد تضيق عنه، أي: عن كرمه وبُعد وصيته، فإذا سلم فلا تُبل من مات.
قال الشيخ: هذا كما فسره إلى قوله: (لأن البيد)، وبعده من المعنى بعيد. وقوله: (مضيق البيد) ليس بكرمه وبُعد وصيته بل كفاءته وجنوده، كما قال فيه:
فربَّ كتابٍ عن جوابٍ بعثتَه وعنوانُه للنَّاظرينَ قَتامُ
حروفُ هجاءِ النَّاس فيه ثلاثةٌ جوادُ ورمحُ ذابلُ وحسامُ
تضيقُ به البيداءُ من قبلِ نشرهِ وما فُضَّ بالبيداءِ عنهُ خِتامُ
[ ١ / ١٠٨ ]
وبعد، فإن البيد لا تُوصف بالضيق عن الكرم وبُعد الصيت، وإنما يوصف الزمان به والعمران.
(مهما يُعزَّ الفتى الأميرُ بهِ فلا بإِقدامه بالبيداءِ ولا الجودِ)
قال أبو الفتح: أي إذا سلم له إقدامه وجوده هان فقد ما سواهما.
قال الشيخ: يقول إذا عُزِّي سيف الدولة بأبي وائل فإنما يُعزَّى لقرابته منه لا لعدمه جوده وإقدامه، فإن عدمه إياه غير مؤثر في معاليه، فإن جوده وإقدامه خلَّفًا عن كل تالف وعوضًا عن كل ماضٍ.
وقال في قصيدة أولها:
(عواذلُ ذات ِ الخالِ فيَّ حواسدُ . . . . . . . . . . . . . . .)
(وتُسعِدُني في غَمرَةٍ بعدَ غَمرَةٍ سَبوحٌ لها منها عليها شواهدُ)
[ ١ / ١٠٩ ]
قال أبو الفتح: وقوله لها منها عليها شواهد، كأنه من كلام الصوفية، وهو صحيح،
أي: إنه إذا نظر أحد إلى استواء خلقها وتناسب أعضائها علم أنها كريمة سابقة، فكأنه قال: لها شواهد من خلقها على كرمها.
قال الشيخ: عندي أنه يصفها بالعتق والإقدام وخوض الغمرات واقتحام الهبوات وشدة المراح والصبر على الجراح، فيقول: تُساعدني سبوح بهذه الصفات، لها من تلك الغمرات شواهد عليها، أي: على عتقها وصبرها على مض الجراحات ووقع الضربات والطعنات والرشقات، وقيل لها: للغمرة من السبوح على الغمرة شواهد بخوضها لها وحسن بلائها فيها، وقتل فارسها من أنيابها وأسره من إنشائها وخروجه عنها، وإذا كان فارسها بها ملك حتى أهلك وقدر حتى صدر فكأنها تفعلها، ولعمرك هي شواهد صوادق، وقيل لها، أي للغمرة، من السبوح على السبوح شواهد نحو منها لها ولقاؤها الشدائد فيها ومعاناتها لنزاع البلايا في مجاريها وخروجها بكثرة جراحها عنها، وهذا هو الأول غير أن الهاء في الأول راجع إلى السبوح، وفي هذا القول راجع إلى الغمرة والجميع حسن جميل. ويدلك على صحة ما يتلوه: تثنى على قدر الطعان، أي: تدربت به وتجربت ومرنت عليه واعتادته حتى عرفته، فهي تتعطف على
مقاديره، وقوله:
إذا لم تُشاهد غير حُسنِ شِياتها وأعضائِها فالحُسنُ عنكَ مُغَيَّبُ
[ ١ / ١١٠ ]
يدلك عليه أيضًا، لأن حُسن الخيل في عتقها وكرمها وإقدامها وصبرها على الجراح واقتحامها دون شياتها وأعضائها.
وقرأت في كتاب (التاجي) أن فرس ذي القرنين، المعروف بذي الرأسين، كان يقاتل بيده حين قتاله عليه، وإنما سُمي ذا الرأسين لأنه كانت به ملقة في جنبه الأيسر تُشبه رأس الفرس، وكان كُميتًا، وقلنا: إن لكل قائل في كل بيت غرضًا واحدًا لا زيادة. وعندنا أن الوجه الأول من الوجوه الثلاثة التي ذكرناها في هذا البيت هو المقصود، لكنا ذكرنا الوجهين لمقاربة بعضها بعضًا.
(وألحقَ بالصَّفصافِ سابورَ فانهوَى وذاق الرَّدى أهلاهُما والجلامدُ)
قال أبو الفتح: الصفصاف وسابور حصنان لهم معروفان،
[ ١ / ١١١ ]
وقوله: فانهوى، يقال: هوى النجم، وانهوى غريبة، أي: ألحقت هذا الحصن بالأول قبله، فهلكت أهلاهُما والجلامد، لأنك طحنت بعض الصخر ببعض لكثرة الرمي وشدته، أي: أهلكت الصخر أيضًا.
قال الشيخ: هذا التفسير ليس ببعيد، إلا أن فيه زيادة، وانهوى سابور حتى لحق بالصفصاف من الانهواء والانهدام، وهلك أهلاهما والجلامد التي بُنيا عليها، وكانت حواليها برضِّ الخيل لها، والجلامد التي بُنيا منها، لأنها رُضت بالمجانيق حتى صارت رقاقًا في الطريق كقول القائل:
بجمعٍ تضلُّ البُلقُ في حُجُراتهِ ترى الأُكمَ فيه سُجّدًا للحوافرِ
(فإنَّ قليل الحبِّ بالعقلِ صالحٌ وإنَّ كثيرَ الحبِّ بالجهلِ فاسدٌ)
قال أبو الفتح: أي أنا أحبك بعقل، فتنتفع بي وغيري يحبك بجهلٍ، فلا تنتفع به.
قال الشيخ: فسره فعسره، فإن الرجل يقول: أحبك لفضلك لا لنيلك، وذلك الحب
[ ١ / ١١٢ ]
حب العقل الذي قليله خيرٌ من كثير حب الجهل، فإن قليله نافع، وكثير ذلك ضائر، وهو شطر مما يقول الناس: عدوٌّ عاقلٌ خيرٌ من صديقٍ جاهلٍ. وليس يقول: أحبك حبًا قليلًا، يقول: أحبك من طريق العقل الذي قليلُ حبه صالح، فكيف كثيره؟
وقال في قصيدة أولها:
(لكلِّ امرئٍ مِن دهرهِ ما تعوَّدا . . . . . . . . . . . . . . .)
(وربَّ مريدٍ ضرَّه ضرَّ نفسَه وهادٍ إليه الجيش أهدى وما هدَى)
قال أبو الفتح: هاد: أي قائد، وباعث إليه الجيش، فإنما أهداه إليهم من الهدية.
لا من الهداية، ولم يرشد الجيش بل أضله، ببعثه إياه وقصد سيف الدولة.
قال الشيخ: ما في البيت ولا معناه إضلال، وإن كان في لفظ الهداية والضلال تطبيق فقوله: بل أضله لغوُ، فإن معناه: رب من أراد لسيف الدولة ضرًا، وهيأ أسبابه، فناله الضرر دونه ونابه، ورب مرشد إليه جيشه، فكان مُهديًا إليه الجيش لا هاديًا، ومُغنمًا له ذلك لا باعثًا كقوله:
أغرَّكمُ طولُ الجيوشِ وعَرضُها عليٌّ شَروبُ للجيوشِ أَكولُ
[ ١ / ١١٣ ]
(فإنِّي رأيتُ البحرَ يعثرُ بالفتى وهذا الذي يأتي الفتى متعّمِّدا)
قال أبو الفتح: أي ليس إغناء البحر من يغنيه عن قصد وتعمد، وهذا يتعمد بالغنى
من يغنيه، وذلك لفظ العرب الذي يُعتاد في ذكر الخير والشر.
قال الشيخ: فسر نصفًا، وأغفل نصفًا، وبه يختل المعنى، فلا يستبين بتمامه، ولا يستنير عن أكمامه، فإنه يقول: فإني رأيت البحر يعثر بالفتى، أي: يعثره ويفرقه، وهذا يغني متعمدًا له متصورًا لما يعلمه.
(ذَكيٍَ تظنِّيه طليعةُ عينهِ يرى قلبُه في يومهِ ما ترى غدا)
قال أبو الفتح: أي لصحة رأيه وفرط ذكائه إذا ظن شيئًا رآه بعينه لا محالة. ويجوز أن يكون معنى البيت غير هذا، أي يحفظ نفسه مخافة الحديث الباقي.
[ ١ / ١١٤ ]
قال الشيخ: المعنى هو الأول، لكنه غير مشبعٍ ولا مستوفىً. والثاني وجوه: أحدها أن يقول: يرى في يومه بالفكر ما يرى في غده بالبصر، فكيف ترى عينه الحديث الباقي، وهو عين الثاني على أن الحديث من أخبار السمع دون العين؟ ومعناه أنه يرى في يومه الكائن في غده. وروايته: (طرفه).
(عرضتَ له دونَ الحياةِ وطرْفِهِ وأبصرَ سيفَ اللهِ منكَ مجرَّدا)
قال أبو الفتح: أي لما رآك لم تسع عينه غيرك لعظمك في نفسه، وحلت بينه وبين حياته فصار كالميت في بطلان حواسه إلا منك.
قال الشيخ: هذا التفسير عندي فاسد، لأنه لو حال بينه وبين حياته لأهلكه، ومعلوم أنه نجا سالمًا في هذه الكرة. والقصيدة ناطقة به، ولو بطلت حواسه لما
[ ١ / ١١٥ ]
انقطعت أنفاسه، ولو لم يدرك بها شيئًا سيف الدولة. والمعنى عندي، إنه يقول: عرضت دون حياته وطرق نجاته سيف الله مجردًا كاد يهتك جثته ويسفك مهجته حتى احتال في لبس المسموح والمشي بالعكاز ودخول الدير كالراهب المنحاز ونزل إلى القنوات، وانساب بينهما انسياب الحيات حتى نجا بحُشاشته، وطاب نفسًا عن أبنه وجيشه بجراحته.
(فأصبح يجتابُ المسوحَ مخافةً وقد كان يجتابُ الدِّلاصَ المُسَرَّدا)
قال أبو الفتح: يجتابُها: يدخل فيها ويلبسها، لأنه ترهب. درع دلاص وأدراع دلاص، فأراد بالدلاص هنا الجمع من الدروع، فلذلك ذكر، ويجوز أن يكون أراد الدرع الواحدة، لأنه يذكر ويؤنث. أي: ترك الحرب، وهرب إلى الترهب.
قال الشيخ: هذا شرح ما ذكرناه. وما ترهب، بل تزيا بزيهم حتى أفلت وذهب.
(فذا اليومُ في الأيَّامِ مثلُكَ في الوَرى كما كنتَ فيهم أوحدًا كانَ أوحدا)
[ ١ / ١١٦ ]
قال أبو الفتح: أي أوحدك الناس، فتركوك وحدك.
قال الشيخ: لا والله ما درى ما التفسير والخطب العسير. والمعنى إنه يقول: هذا اليوم في الأيام مثلك في الأنام، فكما لا شبيه لك فيهم لا شبيه له فيها.
(هوَ الجَدُّ حتَّى تفضلَ العينُ أُختَها وحتَّى يكونَ اليومُ لليومِ سيِّدا)
قال أبو الفتح: أي بلغ من حكم الجد أن تفضل العين أختها، وإن كانت في الأصل سواء، ويسود اليوم اليوم، وكلاهما ضوء الشمس لما يعرض هناك، فكذلك هذا اليوم ساد الأيام التي قبله، لأنه عيد، وإنما خص العيد دون الأيام المشتملة عليه، لأن العيد اجتمع له أمران: أحدهما، وهو الأكبر يشتمل عليه كالأيام، والأخر: إنه يوم العيد، وأراد به التنبيه على اختلاف حظوظ أهل الدنيا.
قال الشيخ: المعنى كما ذكر أولًا وأخرًا دون إخلاط في البين، غير أنه أغفل نكتة فضل العين على أختها بحال ما كانتا سواء، والأصل أن الجد بالجد والحظ بالبخت، والأمور عليه تدور حتى تفضل أختها، ويسود اليوم مثله وإلا فلا موجب له. لكن المتنبي لم يحسن الاستشهاد عليه بالعين، فإنها لا تفضل أختها إلا بآفةٍ وما الأيام مثلها.
[ ١ / ١١٧ ]
(فوا عَجَبا مِن دائلٍ أنتَ سيفُه أما يتوقَّى شفرتَي ما تقلَّدا؟)
قال أبو الفتح: الدائل أسم الفاعل من دال يدول، ويريد هنا الدولة، فتعجب من عظم همة الدولة إذا تقلدته، ومعناه في الحقيقة الخليفة، ويجوز أن يكون أخرج الدائل مخرج التَّامر واللابن، أي ذو دولة.
قال الشيخ: ما أدري والله ما تراءى له في هذا المعنى الواضح حتى أبهمه، تخطاه وما أفهمه، والرجل يتعجب من صاحب دولة تقلد سيفًا صارمًا لا يحذر غربيه ولا يتوقى حديه أن يوقعا به. يعظم شأنه ويُفخم سلطانه ويشيد بقدرته وكثرة عدته وأنه أعلى يدًا من متخلفه وأبعد في الأمر أمدًا من متألِّفه، ولو أراد لبهره وقهره واستأثر دونه بالأمر، وكان صاحب العصر، ويدل عليه:
(ومَنْ يجعلِ الضِّرغامَ للصيَّدِ بازّهُ تصيَّده الضّرغامُ فيما تصيّدا)
[ ١ / ١١٨ ]
قال أبو الفتح بعدما ذكر ما فيه من النحو: أي إنك فوق من تُضاف إليه يا سيف الدولة.
قال الشيخ: مضى شرحه قبله، وما هذا بشيء ولعله تحامى تفسيره بحضرة الخلافة، وإن لم يكن على عهد ذلك الخليفة، وإلا فمعناه لا يذهب على صبي، فكيف على إمامٍ رضيٍّ؟
(رأيتُكَ محضَ الحلم في محضِ قُدرةٍِ ولو شئتَ كانَ الحلمُ منكَ المُهنَّدا)
قال أبو الفتح: أي حلمك عن الجهَّال عن قدرة، ولو شئت لسللت عليهم السيف.
قال الشيخ: المعنى ما ذكره غير أن هذا مبني على النسق الأول ومعناه، وهذه الأبيات متناسبة متناصفة متواصلة متراصفة دالة على أنه كان ورد على سيف الدولة من حضرة الخلافة ما رأته من ملامة أو عتاب أو استبطاء في باب أو مؤاخذة بمالٍ ضمانٍ أو مضايقةٍ في شأنٍ وما أشبهه، فالرجل يقول: رأيتك حليمًا قادرًا تجر على أمثالها أذيال حلمك واحتمالك، ولو شئت لدفعتها ببأسك وقتالك، فما بك عجز عن دفعها، ولكن حلم يستأني بك عن قطعها.
[ ١ / ١١٩ ]
وقال في قصيدة أولها:
(أهلًا بدارٍ سباكَ أغيدُها . . . . . . . . . . . . . . .)
(أشدُّ عصْفِ الرِّياحِ يَسبقُه تحتِيَ منْ خطوِها تأيُّدُها)
قال أبو الفتح: يريد شدة عدوه.
قال الشيخ: لا بل شدة مشيه، وما للعدو هنا وجه.
(لهَ أيادٍ إليَّ سابقةٌ أُعَدُّ منها ولا أُعدِّدُها)
قال أبو الفتح: أنا إحداها كقول الجمَّاز:
لا تنتفنِّي بعدما رشتَني فإنَّني بعضُ أياديكا
[ ١ / ١٢٠ ]
يريد أنه قد وهب له نفسه، وليس يحصي مواهبه كثرة. قال الشيخ: ليس كما فسره، لأنه إذا وهب له نفسه كان ذلك هبة منه إلى الممدوح لا من الممدوح له، وهذا أوضح من أن يحوج إلى بيان، لكنه يقول: أُعد من تلك الأيادي لأني فيها تربيت وبها عشت وتمنيت ووفيت وأبيت، فنفسي تُعد من تلك الأيادي إذ هي إحداها بهذه الصفة.
(إذا أضلَّ الهُمامُ مهجتَه يومًا فأطرافُهنَّ تَنشُدُها)
قال أبو الفتح: أي إذا فقد الهمام مهجته، فإنما يسأل أطراف هذه السيوف عنها، لأنها مغراةٌ بها.
قال الشيخ: لست أعرف ما هذا الشرح الشائن والفسر المتباين، أي سؤال هاهنا لفظًا ومعنى؟ والرجل يقول: إذا فقد الهمام مهجته، فأطراف سيوف الممدوح تنشُدها، أي تعرفها، وتقول: هي عندنا ونحن أخذناها، ولا نخاف عقباها.
وقال في قصيدة أولها:
(كم قتيلٍ كما قتلتُ شهيدِ . . . . . . . . . . . . . . . .)
[ ١ / ١٢١ ]
(أهلُ ما بي منَ الضَّنا بَطَلٌ صِيْ دَ بتصفيفِ طُرَّةٍ وبجيدِ)
قال أبو الفتح: أي أنا أهل ذلك وحقيق به لحسن ما رأيت، وأنا بطل صيد بتصفيف طرة وبجيد، ويجوز أن يكون (أهل) مرفوعًا بالابتداء، و(بطل) خبره.
قال الشيخ: ليس كذلك، فإنه لو أراد أنه حقيق بذلك الضنا لحسن ما رأى لما قال بعده: بطل صيد بكذا وكذا، فإنه لا يلائمه بحال، وإنما يعير نفسه ويوبخها، فيقول: أنا حقيق بما بي من الهزال حتى لم يُصد بطل مثلي من الأبطال بطُرَّة وجيد.
ولعلِّي مؤمِّلٌ بعضَ ما أب لُغُ باللُّطفِ منْ عزيزٍ حميدِ
قال أبو الفتح: أي في عزمي أن أبلغ أمرًا عظيمًا والآن لعليّ مؤمل بعض ذلك الذي أبلغه.
قال الشيخ: هذا جائز، والأحسن عندي غيه أنه يُحمل على القلب، أي: لعليّ بالغ
[ ١ / ١٢٢ ]
بعض ما
أؤمل، فإن استعمال لعل فيما يؤمل أحسن منه هو من القلب والنفس، والدليل عليه قوله:
أبدًا أقطَعُ البلادَ ونجمي في نُحوسٍ وهمَّتي في سُعودِ
وقال في قصيدة أولها:
(اليومَ عهدُكمُ فأينَ الموعدُ؟ . . . . . . . . . . . . . . .)
(أبرجتَ يا مِرضَ الجفونِ بِمُمْرَضٍ مرضَ الطَّبيبُ له وعِيدَ العُوَّدُ)
قال أبو الفتح: أبرحت، أي: تجاوزت الحد، ويعني بالممرض جفنها، ومرض الطبيب له وعيد العود مثلٌ، ولا طبيب هناك ولا عود، ولكنه لما جعل للجفون مرضًا، جعل لها طبيبًا وعودًا، أي: إذا نظر الإنسان إلى عينها مرض من عشقها، أي: تجاوزت يا مرض الجفون الحد حتى أحوجته إلى الطبيب والعود، يبالغ في شدة مرض جفونها.
[ ١ / ١٢٣ ]
قال الشيخ: هذا التفسير كله فاسد، لأنه وصفه بمرض الجفون، فما معنى صفته بأنه يُمرض جفونه؟ فكيف يبرح بجفونه؟ ومرض الجفون لا يحتاج له إلى الطبيب والعود، فإنه فتور فيها مستحب لا مرض، وإنما المرض فيها لفظ مستعار كناية عن الفتور والضعف، فإنهما من صفات الممرض، وإنما يقول للرجل: أبرحت ببمرضٍ، أي: أوقعته في برحٍ، والبرح: الشدة، وأراد بالممرض: نفسه، لأنه أدنفه بحبه، ثم وصف شدة حال الممرض، فقال: مرض طبيبه وعُوَّاده حتى عيدوا.
(في كلِّ معتركٍ كُلىً مفريَّةٌ يذمُمْنَ منه ما الأسنَّةُ تَحمَدُ)
قال أبو الفتح: أي يذممن منه جودة الشق، وهو الذي تحمده الأسنة.
قال الشيخ: المعنى قريب، والعبارة فاسدة،، ولا فائدة في ذكر جودة الشق، فإن الكُلى لا يحتاج معها إلى كل هذا الإجادة في الشق، وإنما يقول: يذممن منه، أي: يده التي تقربها، والأسنة تحمدها لأنها تستقيها.
(حتَّى انثَنوا ولوَ أنَّ حرَّ قُلوبهمْ في قلبِ هاجرةٍ لذابَ الجملدُ)
قال أبو الفتح: أي لذاب الصخر لشدة الحر، وجعل للهاجرة قلبًا لما ذكر قلوبهم تمثيلًا.
[ ١ / ١٢٤ ]
قال الشيخ: ما وفى حقه، فإنه يقول: حتى رجعوا بحر غيظٍ لو كان ذلك الحرُّ في قلب هاجرة لذاب صخرها، وما صبر عليه. وأراد بقلب الهاجرة: وسطها، وهو أشد حرًا من طرفيها، وما هو كما قال: وجعل للهاجرة قلبًا لما ذكر قلوبهم، لأن له معنى مفيدًا، وكما أن
مكان الغيظ من الإنسان قلبه كذلك مكان أشد الحر من الهاجرة قلبها ووسطها.
(بقَيتْ جموعُهمُ كأنَّك كلُّها وبقيتَ بينهُمُ كأنَّك مُفرَدُ)
قال أبو الفتح: أي كنت وحدك مثلهم كلهم، لأن أبصارهم لا تقع إلا عليك، فشغلت وحدك أعينهم، فقمت مقام الجماعة، وقوله: مفرد، أي: نظير لك فيهم، فكأنه لا أحد معك منهم.
قال الشيخ: عندي أنه يقول: بقيت جموعهم حيارى حواليك خوفًا وغيظًا وحسدًا وكمدًا كأنهم أشباح ما لها أرواح، كأنك كلها، لأن إمارات الحياة لم تكن إلا معك ولك. وبقيت كأنك مفرد بينهم، لأنك كنت الحي فيهم، وهم كالأموات بهذه الصفات، ولا يكون هو مثلهم، لأن أبصارهم لا تقع إلا عليه، وبأن يشغل هو وحده أعينهم، لا يقوم مقام الجماعة، وبأن لا يكون نظير له فيهم لا ينبغي كون أحد معه منهم.
[ ١ / ١٢٥ ]
(كنْ حيثُ شئتَ تسرْ إليكَ ركابُنا فالأرضُ واحدةٌ وأنتَ الأوحدُ)
قال أبو الفتح: يقول: الأرض واحدة، أي للسفر علينا مشقة لإلفنا إياه.
قال الشيخ: كيف ذهب عليه الشرح على اتضاحه وإسفار صباحه، وليس تبطل مشقة السفر بكون الأرض واحدة، ولا الإلف يُبطلها زيادة، وعندي أنه يقول: كن كيف شئت دانيًا أو قاصيًا أو قريبًا أو بعيدًا تسر إليك ركابُنا فالأرض واحدة، يهون قطعها للقائد، وأنت الأوحد فيها، لا قصد إلا إلى فنائك ولا أمل إلا في جنابك.
(وصُنِ الحُسامَ ولا تُذِلهُ فإنَّه يشكو يمينَك والجماجمُ تشهدُ)
قال أبو الفتح: يشكو يمينك، أي: من كثر ما تضرب به، والإزالة ضد الصون وقوله: صنه، أي: به يدرك الثأر، ويُحمي الذِّمار.
قال الشيخ: النصف الأول من تفسيره صحيح، والثاني سقيم، لأن قوله: يدرك الثأر، ويحمي الذِّمار لا يُوجب صيانته، فإن السيف لهما ولمثلهما يُراد، وفيهما يُذال
[ ١ / ١٢٦ ]
ويُهان، ولا يُدَّخر عنهما، ولا يُصان، فما هو بمرآة الفردوس ولا سلوة النفوس إلا من هذه الجهة كما قيل:
. . . . . . . . . . . . . . . ففي السِّيفِ مولىً لا يَنامُ وصاحِبُ
وكما قيل:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . والسَّيفُ يحميه منَ الجِيَفِ
وكما قيل:
. . . . . . . . . فنفَرةٌ إلى سلَّةٍ من صارمٍ الغَرِّ باتِكِ
وكما قيل:
ويركبُ حدَّ السَّيف من أن تضيمَه إذا لم يكن من شفرةِ السَّيفِ مَرحَلُ
وقوله:
أيقُتُلني والمشر فيُّ مضاجعي ومسنونةٌ زرقُ كأنيابِ أغوالِ؟
في أشباه لها كالليل والسيل. وعندي أنه يقول: صُن الحسام من أعدائك ولا تذله بهم، فإن غيظهم منك وخوفهم عنك ينوبان عن الحسام في اجتياحهم وإتيان دونه على أرواحهم، فما حاجتك إلى إذالته بهم، كما قال:
[ ١ / ١٢٧ ]
يرى في النَّومِ رُمحَكَ في كُلاهُ ويخشى أن يراهُ في السُّهادِ
وقوله:
شننتَ بها الغاراتِ حتَّى تركتَها وجفنُ الذي خلفَ الفرنجةِ ساهدُ
وقوله:
فإن كان خوفُ القتلِ والأسرِ ساقَهُم فقد فعلوا ما القتلُ والأسرُ فاعِلُ
فخافوكَ حتَّى ما لقتلٍ زيادةٌ وجاءوكَ حتى ما تُرادُ السَّلاسلُ
وقوله:
لا يأملُ النَّفَسَ الأقصى لمهجتهِ فيسرقُ النَّفَسَ الأدنى ويغتنمُ
وكما قيل في الأمثال:
فلانٌ ميتٌ كمَدَ الحُبارى . . . . . . . . . . . . . . .
(حيٌّ يُشارُ إليكَ ذا مولاهُمُ وهمُ الموالي والخليقةُ أعبُدُ)
[ ١ / ١٢٨ ]
قال أبو الفتح: جلهمة حي يُشار إليك أيها المخاطب بأن شجاعًا هذا الممدوح مولاهم، وهم مع هذا موالي الخلق والناس عبيدهم، وهم عبيده.
قال الشيخ: يقول: جلهمة حي يشار إلى الممدوح أنه مولاهم، وهم مواليه وعُتقاؤه والناس عبيده، جعلهم من حيث أنهم قومه وعشيرته مواليه، والناس عبيده، فجعله للأقارب فضلًا عن الأباعد، والذي فسره من هذا المعنى أبلغ في المدح وإن كان أبعد من الحق.
وقال في قصيدة أولها:
(ما الشَّوقُ مقتنعًا منِّي بذا الكَمَدِ . . . . . . . . . . . . . . .)
(ولا الدّيارُ التي كانَ الحبيبُ بها تشكو إليَّ ولا أشكو إلى أحدِ)
قال أبو الفتح: أي لم يبق في فضل للشكوى، ولا في الديار أيضًا فضل لها، لأن الزمان أبلاها، ألا تراه قال ما بعده:
ما زالَ كلُّ هزيمِ الودقِ يُنحِلُها لشَّوقُ يُنحُلني حتَّى حكت جسدَي
[ ١ / ١٢٩ ]
قال الشيخ: هذا معنى محتمل، وعندي أنه يقول: ما الشوق مقتنعًا مني بهذا الكمد، ولا الديار التي كان الحبيب بها تقتنع مني به. ثم قال: تشكو إليّ الديار زيادة في منّي وفي كمدي ببلائها ودروسها، ولا أشكو أنا إلى أحد، وأنفرد ببثي وحزني، فيجتمع عليَّ كمد العشق وصبابة الشوق وشكوى الديار والتفرد بها وترك الشكوى لها.
وقال في مطلع قصيدة:
(أُحادٌ أم سداسٌ في أُحادِ لُيَيْلُتنا المنوطةُ بالتَّنادِ؟)
قال أبو الفتح: كأنه قال: أواحدة ليلتنا أم ست، لأن ستًا في واحدة ستٌّ؟ والمشهور عنهم أن هذا البناء لا يتجاوز به الأربعة، نحو أحادٍ وثناءٍ وثلاثٍ ورُباعٍ، وقيل: العشار. وصغر ليلة على لفظها، ومعنى التحقير هنا التعظيم لطولها. والتنادي، يريد: تنادي أصحابه بما يهم به، وحذف همزة الاستفهام.
[ ١ / ١٣٠ ]
قال الشيخ: لست أرى فيما ذكره تفسيرًا، وما معنى قوله: واحدة ليلتنا أم ست؟ فماذا فيه من جميع المعاني؟ وهل هو إلا باطل وكلام عاطل؟ وتفسير التنادي شر من هذا. وعندي أنه يقول: هذه الليلة واحدة أم ست مع واحدة لتمام الأسبوع، وهو ما تركَّبُ عنه الشهور والأعوام إلى يوم القيامة، وحاصل المعنى أن هذه الليلة ليلة واحدة أم ممتدة إلى يوم التنادي لطولها، كقوله:
من بعدما كانَ ليلي لا صباحَ لهُ كأنَّ أوَّلَ يومِ الحشرِ آخرهُ
(أفكِّرُ في معاقرةِ المنايا وقَوْدِ الخيلِ مُشرفَةَ الهوادي)
قال أبو الفتح: أي طالت هذه الليلة بما أفكر في ملازمة المنايا وقود الخيل إلى الأعداء، ومشرفة الهوادي: طول الأعناق.
قال الشيخ: ما بين ليلته والتفكير علاقة، وإنما التفكير ابتداء فيما ذكره.
وقال في قصيدة أولها:
(أحُلمًا نرى أم زمانًا جديدًا؟ . . . . . . . . . . . . . . .)
[ ١ / ١٣١ ]
(رَأينا ببدرٍ وآبائهِ لبدرٍ وَلُودًا وبدرًا وليدا)
قال أبو الفتح: البدر الأول في هذا البيت: اسم الممدوح، والبدران القمران، والولود: الوالد، والوليد: المولود. أي: لما رأينا بدرًا، هذا الممدوح وأباه رأينا أباه قد ولد منه قمرًا في الحسن والبهاء، فكأنه قد صار للقمر والدًا، وتقديره ولودًا لبدرٍ، أي: والدًا له، وهذا طريف، لأن القمر لا يكون مولودًا، لكنه أراد الإغراب في قوله وحُسن صنعته وتداخلها، فكأنه بعد هذا قال: أنت قمر، وأبوك أبو القمر.
قال الشيخ: خلط الصواب بالخطأ في هذا التفسير، فإنه جعل أباه قمرًا، ولد قمرًا، وما هو كذلك بحال، وإنما قال: رأينا ببدرٍ، أي: بهذا الممدوح الذي أسمه بدرًا، وآبائه، أي: لبدر، أي: لهذا الممدوح ولودًا أو قمرًا وليدًا، وليس أبوه بمثابة بدرٍ ولا في هذا البيت ما يدل على ذلك.
[ ١ / ١٣٢ ]
(مُهَذَّبةٌ حلوةُ مُرةٌ حقرْنا البحارَ بها والأُسُودا)
قال أبو الفتح: حلوة، أي: كل أحد يعشقها ويستحسنها، ومرة: لأن الوصول إليها صعب لبذل المال والمخاطرة بالنفس، وحقرنا البحار لإفراط سخائك والأسود لإفراط إقدامك.
قال الشيخ: النصف الأول سقيم، وهو تفسيره حلوة ومرة كما فسرهما، وهما عندي كما قيل:
ممقرٌ مُرٌّ على أعدائهِ وعلى الأدنين حُلوٌ كالعسل
وقوله:
وله طعمانِ أريٌ وشَريٌ . . . . . . . . . . . . . . .
وكقوله:
. . . . . . . . . . . . . . . أغرَّ حلوٍ مُمِرٍّ لِّينٍ شَرِسِ
[ ١ / ١٣٣ ]
وقوله:
تحلو مَذَاقُته حتَّى إذا غضِبا . . . . . . . . . . . . . . .
وأما قوله: الوصول إليها صعب لبذل المال والمخاطرة بالنفس فعندي فاسد.
وقال في قصيدة أولها:
(أقلُّ فَعالي بَلْهَ أكثرَه مجدُ . . . . . . . . . . . . . . .)
(إذا شئتُ حفَّتْ بي على كلِّ سابحٍ رجالٌ كأنَّ الموتَ في فمِها شَهْدُ)
رواه أبو الفتح في بعض النُّسخ التي خطه عليه: (خفت) بالخاء المعجمة.
قال الشيخ: روايتي بالحاء غير معجمة، فلعله أراد بقوله: خفت بالخاء
[ ١ / ١٣٤ ]
معجمة حملت بحملتي على الأعداء، وفي معناه وهن، وهو أنهم يخفون به في الحملة لا هو يخف بهم، وهذا عيب ونقص في الشجاعة. وأما بالحاء فمعناه: أحدقت بي أعوان وأنصار، هذه صفتها.
(ويأمنُه الأعداءُ مِنْ غيرِ ذِلَّةٍ ولكنْ على قَدرِ الذي يُذنبُ الحِقدُ)
قال أبو الفتح: أي ليس يؤاخذ المذنب بقدر جرمه، وإنما يؤاخذ على قدر المذنب نفسه، ولا قدر عنده لمن أجرم، فهو لا يعبأ بأحدٍ من أعدائه، لأنه أكبر قدرًا من أن يعاقب مثلهم.
قال الشيخ: هذا هو والله محض الهجاء، لأنه عدم الحمية والإباء والإغضاء على اعتراض الأقذاء، والمتنبي يصفه بالعدل والنزاهة عن الاعتداء، أعداؤه تأمنه ما لم تبدر منهم زلة، فإن بدرت فحقده على قدر ذنبهم، ولا يُعاقب غير المذنب، ولا يُجاوز بالعقاب قدر المذنب. وروايتي: (من غير ذلة) و(يُذنب).
وقال:
(أمَّا الفراقُ فإنَّه ما أهدُ هوَ توأمي لو أنَّ بينًا يُولَدُ)
[ ١ / ١٣٥ ]
قال أبو الفتح: أي لم يولد معه آخر فيضعفه، وقوله: لو أن بينًا يُولد تحرُّز واحتياط في الصنعة، ولو أطلقه، ولم يقيِّده لكان معروفًا.
قال الشيخ: لا والله ما درى ما فسره غير أن معنى البيت أنه ولد هو والفراق معًا، فهما توأمان لا يفترقان، لو كان الفراق يولد، لأنه منذ ولد صاحبه.
وقال في قصيدة أولها:
(لقدْ حازَني وجدٌ بمَنْ حازَهُ بُعْدُ . . . . . . . . . . . . . . .)
(بمَنْ تشخَصُ الأبصارُ يومَ ركوبهِ ويُخرَقُ منْ زخْمٍ على الرَّجُلِ البُرْدُ)
قال أبو الفتح: أي يزدحم الناس للنظر إليه لجلالته. وبمن متعلقة إن شئت بتروي، وإن شئت بينبت، والتقدير بجود من أو بسبب من.
[ ١ / ١٣٦ ]
قال الشيخ: ما أغنى الناس وهذا البيت عن هذا الإغراب في الإعراب، ومعناه: يتزاحم الناس على رؤيته لجلاله وجماله حتى يكثر الاضطراب، وتُخرق فيه الثياب.
(وعندي قًباطيُّ الهُمامِ ومالُه وعندهمُ ممَّا ظفِرتُ بهِ الجَحْدُ)
قال أبو الفتح: وقوله وعندهم مما ظفرت به الجحد دعاء عليهم بأن لا يُرزقوا شيئًا، حتى إذا قيل لهم: هل عندكم خيرُ أو برٌّ من هذا الممدوح؟ قالوا: لا، فذلك هو الجحد، لأن لا حرف نفي هنا، أو لجحد ما رُزقوا إن كانوا رُزقوا شيئًا ليكون ذلك سبيلًا لانقطاع الخير عنهم.
قال الشيخ: هذا المعنى معطوف على ما قبله، وهو قوله:
فلا زلتُ ألقَى الحاسدينَ بمثلِها وفي يدِهم غَيظٌ وفي يديَ الرِّفدُ
وعندي حباء الممدوح وماله، وعندهم جحد ما أُعطيته وإباء الإقرار به من الغيظ، وما فيه دعاء عليهم بأن لا يُرزقوا ولا يُرزقوا.
[ ١ / ١٣٧ ]
وقال في أرجوزة، أولها:
(وشامخٍ منَ الجبالِ أقودِ . . . . . . . . . . . . . . .)
(يَنشُدُ من ذا الخِشْفِ ما لمْ يفقِدِ وثارَ منْ أخضرَ ممطورٍ ندِ)
قال أبو الفتح: ينشد: أي يطلب من هذه الخشفان مل لم يفقده، فوضع الخِشفَ مكان الخشفان، أي: فثار من مكان أخضر.
قال الشيخ: ما معنى وضع الواحد مكان الجمع، ولم يذكر إلا واحدًا؟ وما هذا التعسف؟ وهو يقول: يطلب من ذا الخِشفَ ما لم يفقده، فإن النِّشدان للضالة والمفقود، وهذا الكلب ينشده، ولما يفقده.
(كأنَّه بَدْءُ عِذارِ الأمردِ فلمْ يكدْ إلاَّ لحتفٍ يهتدي)
[ ١ / ١٣٨ ]
قال أبو الفتح: أي كأن نبت هذا الموضع شعر في خد أمرد، أي: فهو مُحيِّن، فلا يهتدي إلا لحتفه، فكأنه يطلب حتفه لسرعة مُضيه إليه.
قال الشيخ: شبه خضرة ذلك المزار بخضرة بدء العذار، وتفسير الثاني فاسد، لأنه إن كان
يصف به الكلب، فهو لا يجوز بحالٍ، فإن الخشف لولا الكلب ما اهتدى لحتفٍ، وإن كان يصف الخشف لم يمض إلى الكلب، وإن أراد سرعة الكلب، فهو أفسد، فأنه بلا كأنه يطلب حتفه، ويُسرع إليه. ومعناه: إن الخشف لم يكد يهتدي لما ثار من مريضه إلا لحتفه وحينه إذ صاده الكلب، وما اهتدى لنجاةٍ وخلاص.
وقال في قصيدة أولها:
(أَودُّ منَ الأيَّامِ ما لا تَودُّهُ . . . . . . . . . . . . . . .)
(بِوادٍ به ما بالقُلوبِ كأنَّه وقدْ رَحلُوا جْيدٌ تناثرَ عِقْدُهُ)
قال أبو الفتح: أي قد بقي الوادي عُطلًا متوحشًا لرحيلهم عنه كالجيد إذا
[ ١ / ١٣٩ ]
سقط عقده. وقوله: ما بالقلوب، أي: قد قتله الوجد لفقدهم، كقوله:
لا تحسبوا ربعَكُم ولا طلَله . . . . . . . . . . . . . . .
ويجوز أن يكون شبه تفرق الحُمول والظعن بدّرٍّ قد تناثر، فتفرق.
قال الشيخ: لم يبعُد من المعنى إلا أنه لم يحسن العبارة، وهو يقول: بوادٍ، فيه من الكآبة والوحشة والألم لفراقهم ما بالقلوب، وذلك أنه كان آهلًا مؤنسًا بحلولهم، فصار قفرًا موحشًا برحيلهم، وكانوا زينة ذلك الوادي وحليته، وكالعقد للجيد، فتناثرت جواهره بفراقهم.
(تولَّى الصِّبا عنِّي فأخلفتَ طيبَه وما ضرَّني لَّما رأيتُكَ فَقْدُهُ)
قال أبو الفتح: أي سروري بك سروري بأيام الصِّبا، فإذا رأيتك فما أُبالي إن زال عني الصِّبا.
قال الشيخ: ليس فيه شيء من المبالاة، ومعناه: إذا أخلفت عليَّ من الميعة والنشاط والمرح والاغتباط ما ذهبت به الأيام
[ ١ / ١٤٠ ]
مع الصبا، وما ضرني فقد الصبا لما رأيتك، لأن فوائده حصلت لي بلقائك، فما ضرني توليه، وقد أخلفت عليَّ مما حمدته فيه.
(فإنْ نلتُ ما أمَّلتُ منكَ فربَّما شربتُ بماءٍ يُعجزُ الطَّيرَ وِردُهُ)
قال أبو الفتح وجه المدح في هذا البيت: إنني بعيد المطالب شريفُها، فجئتك لأنك غاية الطالب، فإذا وصل إليك الطالب، فقد بلغ غاية المطلوب، وغير منكر لي أن أنال المطالب الشريفة حتى إنني لأقدر على شُرب ماء، لا يصل إليه الطير. والماء والمرعى إذا بعُدا، فإن ذلك أجمُّ لهما وأحمد لورودهما.
قال الشيخ: ما أدري هذا التفسير الذي لا يقبله عقل سليم، ولا اشتغلت بوجوه فساده لطال الكلام في إيراده، وإذا بيَّنَّا معناه تبين كل ما عناه، وهو يقول: فإن نلت أملي منك فبعد شدائد مارستها في قصدك ولابستُها حتى وصلت إليك وربما شربت بماءٍ تعجز الطير عن وروده في المهامه التي جُبتُها حتى وصلت إليك، كقوله: حلَّت الخمر، وكانت حرامًا،
[ ١ / ١٤١ ]
يصف المكاره التي أصابها والمهالك التي جابها حتى وصل إليه، ويجعلها حقًا له عنده وذريعة إلى نيل أمله منه.
وقال في قصيدة أولها:
(حسَمَ الصُّلحُ ما اشتهتْهُ الأعادي . . . . . . . . . . . . . . .)
(وأشارتْ بما أتيتَ رجالٌ كنتَ أهدى منها إلى الإرشادِ)
قال أبو الفتح: أي أشار قوم عليك بالشِّقاق فعصيتهم، وكنت أرشد منهم.
قال الشيخ: إن كانت روايته أبيت بالباء من الإباء، فالتفسير صحيح كما فسره، وإن كانت كروايتنا بالتاء معجمة فتفسيره نقيض ما قاله الشاعر وعناه، فإنه صالح وما حارب، وأولها ينبئك عنه:
حسَمَ الصُّلحُ ما اشتهتْهُ الأعادي . . . . . . . . . . . . . . .
أي: أشار عليك قوم بالصلح الذي أتيت، وكنت لأمتن رأيًا وأثقب بصيرة وأقوم بالإرشاد عنهم.
[ ١ / ١٤٢ ]
(أو يكونَ الوليُّ أشقى عدوٍّ بالذي تَذخرانهِ منْ عَتادِ)
قال أبو الفتح: أو أن يقتل بعضكم بعضًا بما تدَّخرون من السلاح ما يقع بينكم من الحرب فيصير من يشقى به عدوًا، لأنه إنما يُعد السلاح للعدو لا للولي، فإذا قتل به بعضكم بعضًا صرتم أعداء.
قال الشيخ: لم أفهم والله ما هذا التفسير، وعندي أنه يقول: أعوذ بكما أن تستعملا عتادكما وسلاحكما بينكما، فإن رجالكما أولياء دولةٍ وأغصان دوحةٍ، فيصير الولي أشقى عدوٍّ.
وقال في قصيدة أولها:
(عيدٌ بأيَّةِ حالٍ عدتَ يا عيدُ؟ . . . . . . . . . . . . . . .)
(لم يتركِ الدَّهرُ من قلبي ومنْ كبدِي شيئًا تتيِّمُه عينٌ ولا جيدُ)
قال أبو الفتح: أي فقد زال الغزل عني، وأفضت بي الأمور إلى الجد والتشمير.
قال الشيخ: هذا معنى،
[ ١ / ١٤٣ ]
وعندي أنه يقول: أفنى الدهر بضروب صروفه ومنكوده دون معروفه قلبي وكبدي، وأكلهما حتى لم يبق فضل فيهما للعشق، وكأنه ينظر إلى قوله:
رماني الدَّهر بالإزراءِ حتَّى فُؤادي في غشاءٍ من نبالِ
فصرتُ إذا أصابتني سِهامٌ تكسَّرتِ النِّصالُ على النِّصالِ
والدليل عليه قوله بعده:
يا ساقييَّ أخمرٌ في كؤوسكما؟ أم في كؤوسكما همٌّ وتسهيدُ؟
أصخرةٌ أنا مالي لا تُغيِّرني هذي المدامُ ولا هذي الأغاريدُ؟
وهذه ليست من الجد في شيء.
(مِنْ كلِّ رِخوِ وِكاءِ البطنِ منفتقٍِ لا في الرِّجال ولا النِّسوانِ معدودُ)
قال أبو الفتح: الوكاء ما يُشد به القربة ونحوها، ومنفتق، أي رخوُ مسترخٍ بُدنًا وترارةً. ورفع معدودًا على أنه من جملة ثانية، كأنه قال: لا هو معدود في الرجال ولا النساء.
[ ١ / ١٤٤ ]
قال الشيخ: هذا الاسترخاء الذي ذكره صحيح في وكاء البطن والانفتاق أيضًا، فأما في البُدن والترارة فلا، وقد يكون في السُّودان بُدن، فأما الترارة فلا، فإنها السمن في البضاضة ونضارة اللون، وشتان الحبشية والنُّوبة، وهذه الصفة محبوبة. وقد صرح المتنبي ما أورده. ولعل الشيخ أبا الفتح تنزه عن شرح ذلك، وإلا فهو أبين من أن يرتاب فيه، فقد وصفه برخاوة وكاء البطن وإنفتاقه حتى لا يقدر وكاؤه على إمساك ما فيه وإيثاقه، فهو يسيل دائمًا بما فيه، وقد يكثر في الخدم مثله.
وقال في قصيدة أولها:
(جار نيروزُنا وأنتَ مُرادُه . . . . . . . . . . . . . . .)
(ينثني عنك آخرَ اليومِ منهُ ناظرٌ أنتَ طرْفُه ورقُادُهْ)
قال أبو الفتح: أي إذا انصرف عنك في آخر اليوم خلف عندك طرفه ورقاده، فبقي عندك بلا لحظٍ ولا نومٍ إلى أن يعود إليك.
[ ١ / ١٤٥ ]
قال الشيخ: ليس يريد تخليف الطرف والرُّقاد، فإنه محال، وإنما يرجع عنك ناظر منه آخر اليوم، أنت لحظته وسنته وراحته، فيبقى بعدك حيران بلا تصرف ولا مستلذ حتى يعود
إليك، وفي شعره:
مضى اللَّيلَّ والفضلُ الذي لكَ لا يمضي ورُؤياكَ أحلى في الجفونِ منَ الغُمضِ
وللبحتري:
فإن تكلَّفتُ صبرًا عَنك أو مُنيت نفسي به فهوَ صبرُ الطَّرفِ عن وَسَنِه
(نحنُ في أرضِ فارسٍ في سرورٍ ذا الصَّباحُ الذي يُرَى ميلادُهْ)
قال أبو الفتح: أي فكأنه لنا في كل يوم ميلاد، فنحن كل يوم في سرور، لأن الصباح كل يوم يُرى. يريد اتصال سروره.
قال الشيخ: عندي أن معنى البيت مما ذكره على أبعد مسافة، فإن شرحه له أحاديث خرافة، ولست أفهم معنى قوله، أي: فكأنه لنا في كل يوم ميلاد، ولا معنى قوله: لأن الصباح كل يوم يُرى، فخياله مما خبط فيه وافترى.
[ ١ / ١٤٦ ]
ومعناه عندي: أنا في سرور بفارسٍ للنيروز وإقامة آيينه والمتاع بتزايينه، ثم قال: ذا الصباح، أي: صباح يوم النيروز ميلاد هذا السرور.
كيف يَرتدُّ منكبي عنْ سماءٍ والنِّجادُ الذي عليه نِجادُهْ؟
قال أبو الفتح: كان قد حمل إليه فيما حباه به سيفًا ذا قيمة نفيسًا. يريد طول حمائل سيفه لطوله.
قال الشيخ: هذا والله طول فاحش بارد. سمعت لأبي نؤاس:
وموفٍ على هامِ الرِّجالِ كأنِّما يُناطُ نجادا سيفهِ بلواءِ
ولم أسمع: نجادا سيفه بسماء. إن كان هذا طول ابن العميد، فيا له من طول، وإن طال المتنبي بتقلد سيفه، فيا له من كلام مدخول ومعناه عندي: إن منكبي لا يرتد عن سماء ومزاحمتها عزًّا ومنعةً وشرفًا وأبَّهةً، وحمالة سيفه عليه كم يُقال: فلان يأخذ عنان السماء، ويزاحم منكب الجوزاء في نظائر لها.
[ ١ / ١٤٧ ]
(مثَّلُوهُ في جفنهِ خَشيةَ الفقْ دِ ففي مِثْلِ أُثْرهِ إغمادُهْ)
قال أبو الفتح: كان جفن السفينة مغشى فضة منسوجة عليه، فكأنهم حلوه بهذه الفضة التي على جفنه صونًا له من الفقد لئلا يأكل جفنه، أي: هو يُغمد من الفضة في مثل أثره.
قال الشيخ: قوله إلى حيث قال: (صونًا له) سديد، ثم ما بعده من المعنى بعيد، لأن قوله: يأكل جفنه عبارة عن صيانة الجفن لا عن صيانة السيف، ومعنى قوله: خشية الفقد، أن
ذلك السيف يُعرف بجفنه المُحلى كفرنده فيما بين سائر السيوف، فيُصان ولا يُذال ولا يُهان، ويحرس عن وصول الافتقاد إليه والضياع والاستراق وسائر أنواع الافتراق، فيبقى بمكانه لنفاسته وتفرده بجفنه لحراسته.
(فرَّستْنا سوابقٌ كنَّ فيهِ فارقتْ لِبْدَهُ وفيها طِرادُهْ)
[ ١ / ١٤٨ ]
قال أبو الفتح: أي جعلتنا فرسانًا وسوابق، يعني خيله التي قادها إليه. وقوله: كن فيه، أي: في نداه، أي: كان في جملة ما أعطانا خيل سوابق، وفارقت لبده، أي: انتقلت إلى سرجي، وفارقت سرج ابن العميد، وفيها طِراده، أي: صرت معه كأحد من في جملته، فإذا سار إلى موضع سرت معه، وطاردت بين يديه، فكأنه هو المطارد عليها، لن ذلك بأمره، وطلب الحظوة عنده قوله فيها، أي عليها.
قال الشيخ: هذا التفسير إلى قوله: (وفيها طِراده) سديد، وما بعد الطراد طرادٌ طريد، ومعناه عندي: فارقت سرجه ولبده، وفيها أدبه ورياضته كقوله له:
وقد علَّمتُ نفسي القولَ فيهم كتعليمِ الطِّرادِ بلا سنانِ
وكقوله:
تثنَّى على قدر الطِّعان كأنَّما مفاصُلها تحتَ الرِّماحِ مراودُ
[ ١ / ١٤٩ ]
(هل لُعذري إلى الهُمامِ أبي الفض لِ قَبولٌ سَوادُ عيني مِدادُهْ؟)
قال أبو الفتح: أي قد رضيت أن يجعل المداد الذي يكتب به قبول عذري سواد عيني حبًا له وتقربًا منه واعترافًا له بالتقصير.
قال الشيخ: هذا الذي ذهب إليه لا بأس به لو لم يكلف الممدوح أن يكتب إليه بقبول عذره، فيكون سواد عينه مداد كتبه قبول عذره. وهذا مع ما فيه من امتهان الممدوح أساطير الأولين على أن عبارة التفسير بعيدة من البيت. والمعنى عندي أنه يقول: على وجه الدعاء سواد عيني كان مداده عذري إليه عن تقصيري في خدمته ومدحته.
(رُبَّ ما لا يُعبِّرُ اللَّفظُ عنه والذي يُضمِرُ الفُؤادُ اعتقادُهْ)
قال أبو الفتح: أي ورب حسن من لفظك لا يلحقه لفظي، وإن كنت أقرُّ به بقلبي.
قال الشيخ: لفظ البيت لا يؤدي شيئًا مما ذكره. البيت في وادٍ وتفسيره في وادٍ،
[ ١ / ١٥٠ ]
وعندي أنه يقول: ربما لا يعبر اللفظ عن ذات نفسه ولا يفصح بودائع صدره، فيكون اللفظ قاصرًا
بعينه على أداء تمام العبارة واعتقاد الفؤاد ما يضمره. والمعنى: إن لفظي قاصر عن أداء الواجب في وصف فضائلك واعتذاري عن قصوري في خدمتك، فاللفظ لا يبين عنه فيورده، والقلب يضمره ويعتقده.
(عَددُ عشتَه يَرى الجسمُ فيه أَرَبًا لا يراهُ فيما يُزادُهْ)
قال أبو الفتح: أي والأربعون عدد السنين التي إذا تجاوزها الإنسان نقص عما يعهد من أحواله في جسمه وتصرفه، فلذلك اخترت أن جعلت هذه القصيدة أربعين بيتًا، ولم أزد على ذلك.
قال الشيخ: سقت إليك من الأبيات عدد سنِّك في السنوات، وهي عدد اجتماع الأشد، يرى الجسم فيه أربًا من الصحة والقوة والمنعة والشدة والنهية والقدرة وجودة الخاطر وحدة الذكاء، ما لا يراه فيما يُزاده عليها، فإن وراءها نقائض هذه الأحوال، فاقتصرت في مديحك عليها لما لها من الفضائل وفي الزيادة عليها من النقائض.
[ ١ / ١٥١ ]
وقال في قصيدة أولها:
(نَسيتُ وما أنسى عِتابًا على الصَّدِّ . . . . . . . . . . . . . . .)
(فإمَّا تريْني لا أُقيمُ ببلدةٍ فآفةُ غِمدي في دُلوقِيَ منْ حدِّي)
قال أبو الفتح: الدُّلوق سرعة انسلال السيف، وسيف دلوق ودالق، إذا كان سريع السَّلَّة، أي: إن الذي ترينه من شحوبي وتغيري إنما هو لمواصلتي السير وتطواف البلاد لبعد همتي وتنائي مطلبي كما أن السيف الحاد إذا كثر سلُّه وإغماده أكل جفنه.
قال الشيخ: ما كنت أتعرض لرد اللُّغات المدخولة في هذا الكتاب غير أنه إذا رأيت ما يناقض موضوعه عليه فلابد من ذكري صحته وصوابه، وهو يقول: الدُّلوق سرعة انسلال السيف، وسيف دلوق إذا كان سريع السَّلَّة. وليس في موضوع اللغة ولا شيء من السَّل والانسلال، وإنما الدَّلق والدُّلوق خروج الشيء من مخرجه سريعًا، يُقال: دلق السيف من غمده، إذا خرج وسقط من غير أن يُسل، واندلق السيف من جفنه إذا شقه حتى يخرج منه، وتهذيب اللغة ناطق به، والرجل ليس يقول: فإما تري شحوبي وتغيُّر لوني، فإنما يقول: إما تري قلة مقامي ببلدةٍ، وما في هذا مما ذكره شيء،
[ ١ / ١٥٢ ]
ومعناه عندي أنه لا تسع همتي بلدة، بل تضيق عنها حتى أرحل منها. وما في تلك البلدة عيب ولا آفة غير أنها لا تحتمل همتي،
فتضيق عنها كما أنه ليس لغمد السيف الدُّلوق آفة، وإنما آفته مضاءُ السيف وحدَّته.
(وليسَ حياءُ الوجهِ في الذِّئبِ شيمةً ولكنَّه مِنْ شيمةِ الأسَدِ الوَرْدِ)
قال أبو الفتح: أي وحياء الوجه ليس بمزرٍ بهم ولا غاضٍّ منهم كما أنه لا يعيب الأسد حياؤه، وإنما القِحة في الذئب لخبثه، يصفهم بشدة الإقدام مع إفراط الحياء.
قال الشيخ: ما في هذا البيت من معناه شيء من الإزراء والغض فنفاه عنهم، وما كان الحياء مزريًا بأحد قط، وهي من الأخلاق المحمودة، ولهذا قال النبي ﷺ: (الحياءُ منَ الإيمانِ). وقيل:
فلا واللهِ ما في العيشِ خيرٌ ولا الدُّنيا إذا ذهبَ الحياءُ
[ ١ / ١٥٣ ]
ومعناه استشهاد لما تقدم إذ يقول:
وأوجهُ فتيان حياءً تلثَّموا . . . . . . . . . . . . . . .
ثم قال: حياؤهم لكرمهم وإقدامهم كحياء الأسد ورئاسته بخلاف قحة الذئب وخساسته.
(إذا ما استحينَ الماَء يعرضُ نفسَه كرَعْنَ بِسبْتٍ في إناءِ من الوّرِدْ)
قال أبو الفتح: يقول إذا مرت هذه الإبل بالمياه التي غادرتها السيول فلكثرتها صارت كأنها تعرض أنفسها عليها، فتشرب منها، فكأنها مستحيية منها لعرضها نفوسها عليها، وإن كان لا عرض هناك ولا استحياء في الحقيقة. وكرعن: شربن من إدخال أكارع الشَّاربة في الماء للشرب، ويعني بالسِّبت: مشارفها للينها ونقائها، وجعل الموضع المتضمن للماء لكثرة الزهر فيه كإناء له من ورد.
قال الشيخ: في هذه الرواية خطيئتان فاحشتان، إحداهما استحين، وهو استجبن لا غير،
[ ١ / ١٥٤ ]
والثانية بسبتٍ، وهو بشيبٍ لا غير. والشيخ أبو الفتح لم يسمع منه (العميديَّات) وما بعده، لأنه لم يلقه بعد خروجه من بغداد، إلى فارس، فهاتان وأخواتهما وقعت من هذه الجهة، فكيف يتصور الاستحياء من الإبل، ولِم إذا عرض نفسه وجب أن يستحي منه هذا الاستحياء؟ من أين يلزم الإبل للماء؟ وأين الإبل من الاستحياء؟ والرجل يقول: إذا ما استجبن عارضًا نفسه عليها كرعن بشيبٍ فيه، وهو صوت مشافر الإبل عن الشرب، وعرض الماء نفسه عليها اعتراضه لها في طريقها، كأنه يدعوها إلى نفسه باعتراضه لها، واستجابتها له ورودها مناقعه المحفوفة بزهر الربيع، فهذا معنى العرض والدعاء والإجابة،
والشِّيب كثير في وصف شرب الإبل، كما قال ذو الرُّمَّة:
تداعينَ باسمِ الشِّيبِ في مُتَثَلَّمٍ جوانبهُ من بَصرَةٍ وسِلامِ
في نظائر لها كثيرة.
(وتنسُبُ أفعالُ السُّيوفِ نفوسَها إليهِ وينسُبْنَ السُّيوفَ إلى الهنْدِ)
قال أبو الفتح: الهاء في نفوسها تعود إلى الأفعال، وذلك أن أفعال السيوف أشرف من السيوف، أي: من هذه الحدائد، فأفعال السيوف تتشبه بأفعاله في مضائه وحدته. وينسُبن السيوف إلى الهند، أي: ينسبن هذا الحديد إلى الهند، إلا ترى أنه
[ ١ / ١٥٥ ]
يقال: سيف هندي، ووسيف يمانٍ، وفعل السيف أشرف منه، فكذلك أنت أشرف من الهند.
قال الشيخ: قوله فأفعال السيوف تتشبه بأفعاله في مضائه وحدته مشتبه عليَّ، لا أعرف معناه، ولست أفهم ما أراد بما أفرده وأبداه، غير أن المعنى عندي أن ضرباته تُباين ضربات غيره حتى كل من رآها عرف أنه صاحبها، فكأنه لشهرتها تُنسب إليه، فهذا معنى نسبته أفعال السيوف نفوسها إليه. وينسبن، أي: هذه الأفعال تُنسب سيوفها إلى الهند لجودة مضائه وجودة الضربات وسعة الجراحات، فكل من رآها تبين أن الضربات عميدية، والسيوف هندية، فكأن تلك الضربات تعرف ضاربها ومضاربها.
إذا الشُّرفاءُ البيضُ مَتُّوا بقَتْوهِ أتى نسَبٌ أعلى منَ الأبِ والجَدِّ
قال أبو الفتح: أي إذا انتمى الكرام إلى خدمته كان أشرف لهم من انتمائهم إلى آبائهم.
قال الشيخ: المعنى ما ذكره، غير أنه عرج عن إظهاره بتمامه، فكأنه أراد به شرف النسب، والعبارة عن الشرفاء بالكرام فاسد، وقد قيدها بالأب والجد، وهذا لا يُخفى على أحد.
[ ١ / ١٥٦ ]
(يُغيِّرُ ألوانَ اللَّيالي على العِدا بمنشورةِ الرَّاياتِ منصورةِ الجندِ)
قال أبو الفتح: من عادة الليل أن يكون أسود، فإذا سار فيها بعساكره وائتلق بريق الحديد عليه بما يُسايره من النيران إما للاستضاءة وإما لإحراق ديار أعدائه، فانجابت الظلُّمة، فتغير لون الليل ببريق الحديد. وقوله على العِدا، أي: يقصد بجيوشه ديار عدوه.
قال الشيخ: فسر من البيت نصفًا، وأغفل نصفًا، وأراد بالليالي هاهنا: الليالي والأيام ليس الليالي وحدها كما قال ابن الرُّومي:
خصيمُ اللَّيالي والغواني مُظلَّمُ وعهدُ الغواني واللَّيالي مذمَّمُ
فظُلمُ اللَّيالي أنَّهنَّ أشَبنَني لعشرينَ يحدوهنَّ حولٌ مجرَّمُ
وظلمُ الغواني أنَّهنَّ صرمنَني لظلمِ اللَّيالي إنَّني لمظلَّمُ
وكقول المتنبي:
ونرتبطُ السَّوابقَ مُقرَباتٍ وما يُنجينَ من خَبَبِ اللَّيالي
وهذا كثير في الكلام فاشٍ، فتغيير ألوان الليالي ما فسره غير أن ائتلاق الحديد
[ ١ / ١٥٧ ]
وبريقه فاسد، فإن الحديد لا يأتلق في الظلام بتةً، فأما النيران فنعم كما ذكره. تُضيء الليالي بكثرة نيران عسكره نزولًا
كما قال الأول:
وما خطبنا إلى قومٍ بناتِهمُ إلاَّ بأرعنَ في حافاتهِ الخَرَقُ
وكثرة مشاعلهم وشموعهم سفرًا، والأيام تغير ألوانها بكثافة الغبار وإثارة العجاج وكثرة الدخان كما قال:
والباعثُ الجيشِ قد غالت عجاجتُه ضوَء النَّهار فصارَ الظُّهرُ كالطَّفَلِ
وكما قال:
ليُلها صُبحها منَ النَّار والإص باحُ ليلٌ منَ الدُّخانِ تِمامُ
(حَثَتْ كلُّ أرضٍ تُربةٌ في غُبارهِ فهُنَّ عليهِ كالطَّرائقِ في البُرْدِ)
قال أبو الفتح: أي إذا مرَّ هذا العسكر بأرضٍ سوداء علاه غبار أسود، وإذا مرَّ بأرضٍ حمراء علاه غبار أحمر، وإذا مر بتربة غبراء علاه غبار أغبر، فقد صارت عليه هذه الألوان
[ ١ / ١٥٨ ]
كطرائق وألوان في بردٍ، ويصفه أيضًا ببُعد السرية، لأنه يمر بأرضين وتُربٍ مختلفة الألوان.
قال الشيخ: قارب المعنى وفارقه، ثم سفسفه فخالفه، والرجل يقول: جيشه يعم المشرقين ويشمل الخافقين، فتثور تربة كل أرض بلونها من حوافر خيله، فترتفع في الهواء، فتصير عليه كطرائق البُرد كما قال:
خميسٌ بشرقِ الأرضِ والغربِ زحفُه وفي أُذُنِ الجوزاءِ منه زمامُ
وكما قال:
تَساوت به الأقطارُ حتَّى كأنَّما . . . . . . . . . . . . . . .
وقال في قصيدة أولها:
(أَزائِرٌ يا خيالُ أم عائِدْ؟ . . . . . . . . . . . . . . .)
(وممطرَ الموتِ والحياةِ معًا وأنتَ لا بارقٌ ولا راعدْ)
[ ١ / ١٥٩ ]
قال أبو الفتح: أي كنت تقتل أعداءك وتُحيي أولياءك، فكأنك سحاب تبرق وترعد، وليس في الحقيقة سحابٌ.
قال الشيخ: ليت شعري، ماذا في البرق والرعد من الإماتة والإحياء؟ وإن كان فيهما، فلمَ لم يشرح حالهما؟ ومعناه: إنك تمطرهما ولا تبرق ولا ترعد كالبارق: الرامي بالصواعق والراعد: الماطر للخلائق. وقريبٌ منه قوله:
فتىً كالسَّحابِ الجونِ يُخشى ويُتَّقى يُرجَّى الحيا منه وتُخشَى الصَّواعِقُ
(سوافِكٌ ما يدعنَ فاصلةً بينَ طريِّ الدِّماءِ والجاسِدْ)
قال أبو الفتح: كأنه قال: ما يدعن بضعة ولا مفصلًا إلا أسلنه دمًا.
قال الشيخ: لم أفهم تفسيره، ومعناه عندي: إن رماحه تسفك مُهج أعدائه دائمًا، ما يتركن فاصلة بين الدم والطَّري والجامد، بل يسفحنها دائمًا بلا إجمام.
[ ١ / ١٦٠ ]
(إذا المنايا بدتْ فدعوتُها أُبدلَ نونًا بدالهِ الحائدْ)
قال أبو الفتح: أي يصير الحائد حائنًا، أي: إذا جاءت المنية صار بُعدك عن الموت سببًا للوقوع فيه، ولم يكن لك بد من لقائه، فضعَّف أولًا رأي وهسوذان، ثم رجع كأنه يعذره بأنه إذا أتت المنية لم يكن منها بد، ولم يتجه لأحدٍ دفعها، وقوله فدعوتها، أي: هذا قولها استعار ذلك، ولا قول لها.
قال الشيخ: الذي فسره وجه، لكن عندي أن معناه إذا بدت المنايا كان دعاؤها أن يكون الحائد فيها حائنًا بها.
(يُقلقُهُ الصُّبحُ لا يَرَى مَعَه بُشرى بفتحٍ كأنَّه فاقدْ)
قال أبو الفتح: معناه إذا أصبح، ولم يرد عليه من يُبشره بفتحٍ، قلق، كأنه امرأة، فقدت ولدها.
قال الشيخ: عندي أن تشبيهه بامرأة فاقدٍ قبيح فاسد، وتشبيه الملوك بالنساء غير جميل ولا
جائز، وهو إذا أصبح لا يُبشر بفتحٍ قلق، كأنه فقد شيئًا عزيزًا عليه.
[ ١ / ١٦١ ]
(فالأمرُ للهِ رُبَّ مجتهدٍ ما خابَ إلاَّ لأنَّهُ جاهدْ)
قال أبو الفتح: أي ما أهلكك إلا أنك طلبت المُلك بتعرضك لهؤلاء القوم كما أنَّا قد نرى من يكون سبب خيبته اجتهاده في طلب الشيء.
قال الشيخ: ليس في شيء من الهُلك، فأما طلب المُلك فمعناه ينبئ عنه، والرجل يقول: الأمر لله والرزق والحرمان إليه وبيديه، (قل اللَّهم مالكُ المُلكِ) الآية. ثم قال: رب مجتهد كانت خيبته في اجتهاده وحرمانه في حرصه على مراده، كما قال: الحرصُ شُؤمٌ والمحروصُ محرومٌ.
وقال في قطعة أولها:
(سيفُ الصّدودِ على أعلى مُقَلَّدهِ . . . . . . . . . . . . . . .)
(قالتْ: عنِ الرِّفدِ طِبْ نفسًا فقلتُ لها: لا يصدرُ الحُرُّ إلاَّ بعدَ موردْهِ)
[ ١ / ١٦٢ ]
قال أبو الفتح: أي ليس مثلي من طلب أمرًا، فرجع عنه غير ظافرٍ به، فلابد لي إذًا من بلوغ ما أطلبه.
قال الشيخ: مدح المادح تفسيره، والمعنى عندي مدح الممدوح، والرجل يقول: أمرني أهلي بالقعود وطيب النفس عن طلب العطاء،، فقلت: لا صدر للحرِّ إلا بعد مورد الممدوح، فإنه يُغني الكرام عن اللئام والأحرار عن العبيد، والحرُّ لا يهدأ إلا بعد أن يعزَّ بوروده ويستغني بجوده، فإن نفس الحرِّ لا تصبر على الذُّل والضُّر، كأنه ينظر إلى قول القائل:
فلا زلتَ تلقَى عن كريمٍ يدَ امرئٍ لئيمٍ وتُغني عن أخِ النَّقصِ فاضِلا
[ ١ / ١٦٣ ]