وقال في قصيدة أولها:
(أمُساورٌ أم قرنُ شمسٍ هذا؟ . . . . . . . . . . . . . . .)
(جَمَدتْ نُفُوسُهمُ فلَمَّا جئْتَها أجريتَها وسقيتَها الفُولاذا)
قال أبو الفتح: أي قست قلوبهم، وصبروا، وشجعوا، واشتدوا كالشيء الجامد، وقوله: أجريتها أي: أسلت دماءهم على الحديد، فصارت بمنزلة الماء الذي يُسقاه الفولاذ.
قال الشيخ: المعنى عندي نقيضه، فإنه وصفهم بالشجاعة والصبر والثبات وما هو كذلك. والرجل يقول: لما رأوك جمدت نفوسهم وبردت دماؤهم فلم تملك حراكًا، ولم تجد مساكًا من خوفك، فلما جئتها أجريتها بحر الضَّرب، فسقيتها الحديد. وفي الخبر: حر السيوف محَّاءٌ للذنوب، وأنباك أن للضرب حرًا يُذيب النفس الجامدة، وكأن فيه شطرًا مما قيل:
فأتوكَ من تبكى الأكفِّ كأنَّما جمدت سيوفُهمُ على الأجفانِ
[ ١ / ١٦٤ ]
وقال في قطعة أولها:
(اخترتُ دَهماَء تينِ يا مطَرُ . . . . . . . . . . . . . . .)
(فاضحُ أعدائهِ كأنَّهمُ له يقِلُّونَ كلَّما كثُروا)
قال أبو الفتح: أي لما كثروا فُوزنوا به زاد عليهم، فكأن كثرتهم سبب لقلتهم، ومعنى له: من أجله. ويجوز أن يكون أراد أنهم كلما اجتمعوا عليه وتألبوا، قصدهم وأفناهم.
قال الشيخ: ما أدري ما هذا الميزان؟ ومن هذا الوزَّان؟ غير أن المعنى عندي: أن يفضحهم بصحة العزائم وشدة الهزائم، فكأنهم كلما ازدادوا كثرة ازدادوا في عينه قلة، فكان عليهم أقدر وبهم أظفر.
وقال في قطعة أولها:
(ظلمٌ لذا اليومِ وصفٌ قبلَ رؤيتهِ . . . . . . . . . . . . . . .)
[ ١ / ١٦٥ ]
(قدِ استراحتْ إلى وقتٍ رقابُهمُ منِ السُّيوفِ وباقي النَّاسِ ينتظرُ)
قال أبو الفتح: أي قد اندفع عنهم القتل إلى وقت، لأنهم يراسلونك، وإنما يتعللون، ويدفعون الشر عنهم بمراسلتك، وباقي الناس من أعدائك ينتظر خيلك أن تغزوه، لأنها قد انصرفت عن الروم.
قال الشيخ: أصاب في فصل المُراسلة والإنظار، ولم يُصب في تفسير الانتظار، لأن
المعنى عندي: وما في الناس من أعدائك أيضًا ينتظر عفوك لا غزوك، فإن الخير يُنتظر والشر يُخاف، وهو قوله:
(اليومَ يرفعُ مَلكُ الرُّومِ ناظَرهُ لأنَّ عفْوَكَ هذا عنده ظفَرُ)
كأنه أجابه إلى هدنة، وأنظرهم إلى مدة، فهو يقول: وما في الناس من أعدائك ينتظر ما نالوه من استبقائك وإمهالك.
(وقدْ تبدِّلُها بالقومِ غيرَهمُ لكي تجِمَّ رقابُ القومِ والقَصَرُ)
[ ١ / ١٦٦ ]
قال أبو الفتح: أي أنت أبدًا غازٍ لأعدائك فتارةً تميل إلى قوم منهم فتُبيرهم، وتارة تُغبهم ليطمئنوا ويتناسلوا، ثم تعود إليهم فتهلكهم، وتجمُّ: يكثر، والهاء في تبدلها تعود على السيوف أي: تُبدل السيوف رقاب القوم، أي تأخذ قوماُ، وتدع قوماُ.
قال الشيخ في هذا التفسير إبهام، وليس إيضاح تمام، وعندي أنه يقول: وقد تُبدل السيوف غير الروم كي تكثر رقابهم وقصرهم بضربك لها، ثم تعاودهم، وروايتي: كم تجمُّ رؤوس القوم والقصر.
وقال في قصيدة أولها:
(طوالُ قَنًا تُطاعنُها قِصارُ . . . . . . . . . . . . . . .)
[ ١ / ١٦٧ ]
(جيادٌ تَعجِزُ الأرسانُ عنها وفرسانٌ تضيقُ بها الدِّيارُ)
قال أبو الفتح: أي لكثرتها لا توجد أرسان تكفيها، ويُحتمل أن يكون المعنى أنها لا تُضبط، يريد لميعتها بالأرسان لصعوبتها وشدة رؤوسها.
قال الشيخ: الأول سقيم، وهذا صحيح يريد لميعتها ومرحها وعزة نفوسها تعجز الأرسان عن ضبطها.
(وكانت بالتَّوقُّفِ عن رَداها نُفوسٌ عن رداها تُستشارُ)
قال أبو الفتح: أي كان سيف الدولة بتوقفه عن قصدهم وإهلاكهم كأنه يستشيرهم في قتله إياهم، وكانوا بتتابعهم في غيِّهم وعتوهم وإقامتهم على عصيانه كأنهم يشيرون عليه بأن يقتلهم.
قال الشيخ: هذه الاستشارة والإشارة بمرَّة، ينافيان العادات، ويناقضان العبارات، ومعناه عندي: أن سيف الدولة بتوقفه عن معاجلتهم وتمهُّله في مراسلتهم وقف على أنه كان يأخذ
عليهم أفواه مهاربهم، ويشد منافذ مشاربهم، وكيف يُحاط
[ ١ / ١٦٨ ]
بهم من جميع جوانبهم وكيف تُنصب الحبائل لاقتناصهم، ويملك عليهم طرق خلاصهم وأنه كيف تُقصد فتُحصد وتُمحن فتُطحن، وتُدرك فتُهلك، فكانت عامر بالتوقف عن رداها نفوسًا تُستشار كيف تُباد وتُبار وأنى تُؤتى فتتوى، فإن التوقف والمراسلات وقفٌ على مقاصدها ومراصدها.
(وجاءوا الصَّحصحانَ بلا سروجٍ وقدْ سقطَ العِمامةُ والخمارُ)
قال أبو الفتح: الصَّحصحان صحراء هناك معروفة، والصَّحصحان في غير هذا كل أرض فضاء واسعة.
وقوله: العمامة والخمار، أي: العمائم والخُمر، فاكتفى بالواحد عن الجمع، وقوله بلا سروج، أي لشدة الهرب، أي: قد طرحوا سروجهم وعمائمهم وخُمر نسائهم طلبًا للخفة والهرب.
قال الشيخ: قوله طرحوا إلى والهرب محل تأباه العقول السليمة وتعافه العادات المستقيمة، ولم نسمع بفارس نزل عن فرسه في الهزيمة، وألقى سرجه واعروراه هاربًا، فإن الطلب لا يمهله، ولو لم يكن وراءه طلب لأخذ فرسه
[ ١ / ١٦٩ ]
عنه كل فارس يمر به من رفقائه وأعدائه، والرفس لا يعمل ولا يحمل فرسخين حتى تدبر صهوته وتخونه خطوته، وأي ثُقل وخفة في عمامة وخمارة؟ ولم نسمع بإلقائهما في الهزائم، قد تُلقى الأسلحة طلبًا للخفة كالمناطق والتِّرسة والبيض والدروع والجواشن والتَّجافيف لثقلٍ فيها، فأما القُمص والعمائم والخُمر فلا. ومعنى البيت: أن الخيل دهمتهم فجأة فلم يُفسح لهم في الإسراج والإلجام، فاعروروا أفراسهم في الانهزام، وجدَّ وراءهم الطلب في المرام، وجدوا في الركض والإجذام حتى سقطت عمائمهم في شدة ركضهم وخُمر نسائهم في حثهم لها على الركض وحضِّهم. والرجل يقول: قد سقط العمامة والخمار، وليس يقول: وقد طرح العمامة والخمار حتى جاز أن يفسر بأنهم طرحوا سروجهم وعمائمهم وخُمر نسائهم طلبًا للخفة.
(وجيشٍ كلَّما حاروا بأرضٍ وأقبلَ أقبلتْ فيها تَحارُ)
قال أبو الفتح: أي صبَّحهم بجيش، إذا شرف هؤلاء الهُرَّاب على أرض واسعة
[ ١ / ١٧٠ ]
فحاروا، أي: تحيروا فيها لسعتها، ثم أقبل الجيش وانثال أقبلت تلك الأرض أيضًا تتحير به، أي: من كثرته.
قال الشيخ: هذا وجه حسن، ومعناه عندي فصبَّحهم سيف الدولة برأي لا يُدار وبجيش كلما
حاروا بأرض من تلك المهامه لسعتها، وأقبل سيف الدولة حارت تلك الأرض في سيف الدولة لكماله وجماله وبهائه وغنائه.
(فكانوا الأُسْدَ ليسَ لها مَصالٌ على طيرٍ وليس لها مَطارُ)
قال أبو الفتح: أي كانوا قبل ذلك أشداء، فلما غضبت عليهم وقصدتهم لم تكن لهم صولة لضعفهم، ولم يقدروا أيضًا على الطيران، فأهلكتهم.
قال الشيخ: هذا التفسير على اختلاله وافتضاح حاله ومعناه أنهم كانوا أسادًا في البسالة والقِراع على خيلٍ كالطير في الإسراع غير أنهم لم يقدروا معك على المصال ولا خيلهم على الاستعجال، وهذا قريب من قوله في هذه الوقعة أيضًا:
[ ١ / ١٧١ ]
ولكَن ربُّهم أسرى إليهم فما نفَعَ الوقوفُ ولا الذَّهابُ
وقوله:
ولا ليلٌ أجَنَّ ولا نَهارٌ ولا خيلٌ حملنَ ولا رِكابُ
(ومالَ بها على أَرَكِ وعُرْضٍ وأهلُ الرَّقَّتينِ لها مَزارا)
قال أبو الفتح: أي قريت خيله من أهل الرَّقَّتين حتى لو هم بزيارتها لما بعُد ذلك عليها.
قال الشيخ: أخل بشرح المصراع الأول، واختل المصراع الثاني، لأنه يقول: ومال بها، أي: بالخيل على أركٍ وعُرضٍ، فدمرها، واجتازت بأهل الرَّقَّتين حتى صار مزارًا لها، فكأنها زارتهم.
[ ١ / ١٧٢ ]
(فهمْ حِزّقٌ على الخابورٍ صرعَى بهم من شربِ غيرهم خُمارُ)
قال أبو الفتح: معنى البيت أنهم ظنوا أنه قصدهم، فهربوا من بين يديه فتقطَّعوا.
قال الشيخ: سبحان ما أبعد هذا الصوب عن الصواب، وليت شعري كيف غلط فيه، وكان يرى؟ فهم حزقٌ صرعى، ومعناه أنهم قُتلوا وجُِّلوا بالخابور، وهو نهر بقرب الموصل، فهم جماعات صرعى هنالك، بهم من شرب غيرهم خمارٌ، أي: من جناية غيرهم دمارٌ، وهو كقوله في هذه الوقعة:
وجرمٍ جرَّه سَفَهاءُ قومٍ وحلَّ بغيرِ جارمهِ العِقابُ
(وأنتَ أبرُّ مَنْ لوعُقَّ أفنى وأعفى مَنْ عقوبتُه البَوارُ)
قال أبو الفتح: أنت أبر وأعفى القادرين.
قال الشيخ: هذا كما فسره، لكن اختصره، ولو بسطه قليلًا لكان شرحًا جميلًا، وبيانه أن سيف الدولة أبر الملوك القادرين وأبر من إذا عُق أفنى أقاربه، فإن القوم
[ ١ / ١٧٣ ]
الذين أوقع بهم سيف الدولة أقاربه، فلما قدر عليهم عفا عنهم، وهو أعفى من إذا عاقب أبار، وهذا المصراع كالأول.
وقال في مطلع قصيدة:
(غاضتُ أناملُه وهُنَّ بُحورُ وخَبتْ مكائدهُ وهنَّ سَعيرُ)
قال أبو الفتح: أي لما مات بطلت أفعاله إلا من الذكر الشريف.
قال الشيخ: ليس في البيت شيء من ذكر الشريف، وإنما أراد أن أنامله كانت بحارًا في السخاء، فغاض ماؤها، ومكائدها كانت نارًا في الأعداء فخبا ذُكاؤها.
وقال في قطعة أولها:
(ألآلِ إبراهيمَ بعدَ مُحمّدٍ . . . . . . . . . . . . . . .)
[ ١ / ١٧٤ ]
(طارَ الوُشاةُ على صَفاءِ ودادِهمْ وكذا الذُّبابُ على الطَّعامِ يطيرُ)
قال أبو الفتح: قوله طار الوشاة على صفاء ودادهم كلام جيد، والمصراع الثاني دونه جدًا، ومعنى طار ذهبوا، وهلكوا لما لم يجدوا بينهم مدخلًا.
قال الشيخ: لا أدري ما هذا التفسير؟ ومناه عندي: طار الوشاة على صفاء ودهم ليكدروه بنمائمهم ووشاياتهم فطُردوا، وكذلك الذُّباب يطير على الطعام لينقصه فيُطرد، فشبه الوشاة بالذُّباب في الحقارة والذِّلة والخُبث والخساسة.
وقال من مطلع أبيات:
(مَرَتْكَ ابن إبراهيمَ صافيةُ الخمرِ وهُنِّئتَها منْ شاربٍ مسكرِ السُّكْرِ)
قال أبو الفتح: أراد مرأتك، أي تغلب السُّكر، إما لأنك ممن لا يغلبه مخلوق، فإذا لم يغلبك السُّكر، ومن عادته أن يغلب كل أحدٍ، فكأنك قد غلبته، وإما لأنه استحسن شمائلك لحسنها.
[ ١ / ١٧٥ ]
قال الشيخ معناه عندي أن السُّكر لا يملك عقله، فإذا خامره غلب عقله فردَّه عاجزًا عنه قاصرًا دونه حتى كأنه أسكره، وفعل به ما يفعل بالناس بقوة عقله وثبات لبه كقوله:
تعجَّبتِ المدامُ وقد حساها فلم يسكر وجادَ فما أفاقا
وقال في قصيدة أولها:
(عذيري مِنْ عذارى مِنْ أمورِ . . . . . . . . . . . . . . .)
(عدوِّي كُلُّ شيءٍ فيكَ حتَّى لخِلتُ الأُكْمَ مُوغرةَ الصُّدورِ)
قال أبو الفتح: موغرة الصدور يحتمل أمرين، أحدهما أن يريد أن الأكم تنبو به، ولا يستقر فيها، ولا تطمئن به، فكان ذلك لعداوة بينهما، والآخر وهو الوجه، أن يكون أراد شدة ما يُقاسي فيها من الحر، فكأنها موغرة الصدور من شدة حرارتها، ويؤكد هذا قوله في هذه القطعة أيضًا:
. . . . . . . . . . . . . . . وأنصبُ حُرَّ وجهي للهجيرِ
[ ١ / ١٧٦ ]
قال الشيخ: ما أبعدهما عن الصواب، الأكم تنبو بكل من يقطعها، لأنه وحده، وهو لا يستقر فيها قاطع لها، ولا تطمئن له وحده، فإن كان هذا عداوة، فالعالمون فيها شرعٌ. وليس يُقاسي فيها من الحر ما يُقاسيه في غيرها من الطُّرق، فلِم خص الأكم بوغر الصدور دون غيرها من السهل والوعر؟ وقوله:
. . . . . . . . . . . . . . . وأنصبُ حُرَّ وجهي للهجيرِ
إنما يصف نفسه بالشدة والصبر على الهجير كقوله:
ذراني وَالفلاةَ بِلا دليلٍ ووجهي والهجيرَ بلا لثامِ
ومعنى البيت أنه نفقت له في تلك الأكم فرس وبغلة، فقال: عدوي كل شيء فيك يا دهر، وتمسني بضُرٍّ حتى خلتُ أن هذه الأكم أيضًا مُحفظةٌ عليَّ لقتلِها دوابي.
وقال في قصيدة أولها:
(أطاعنُ خيلًا. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .)
(إذا الفضلُ لم يرفعْكَ عن شكْرِ ناقصٍ على هبةٍ فالفضلُ في مَنْ له الشُّكرُ)
[ ١ / ١٧٧ ]
قال أبو الفتح: أي إذا اضطرتك الحال وشدة الزمان إلى شكر أصاغر الناس على ما يُتبلَّغ به إلى إمكان الفرصة، فالفضل فيك ولك لا للممدوح المشكور.
قال الشيخ: هذا وجه، وسمعت فيع ما هو نقيضه، وذلك أنه يقول: إذا الفضل لم يرفعك بمساعدة وسعة الإمكان ونيل الأماني بل ألجأتك رقة الحال وضيق المجال وضر الإقلال والاختلال إلى مدح ناقص وخدمته وترجي الوقت بمعونته فالفضل فيه لا فيك إذا استعبدك له ماله، ولم يرفعك فضلك عن شُكره، إذا أتتك هبته ونواله فقد بان فضله عليك في جدواه،
ولم يبن فضلك عليه في معناه.
(فجئناكَ دونَ الشَّمس والبدرِ في النَّوى ودونَك في أَحوالِكَ الشَّمسُ والبدرُ)
أي: كنت أقرب علينا مطلبًا من الشمس والبدر، وهما دونك في الشرف والفضل. قال الشيخ: لا والله ما أدري ما قوله: كنت أقرب علينا مطلبًا من الشمس والبدر؟ فهذا يعلمه الصبي والغبي، والعالمون فيه شرعٌ، وليس له في العقل والطبع مدفع، وما فيه مدح، وإن أراد غيره فلا أدري،
[ ١ / ١٧٨ ]
ومعناه: سرنا النهار وسرينا الليل تحت شمس النهار في الحر وتحت برد الليل في البرد، فجئناك، وهما دونك في الإشراق والجلال وكرم الخصال والجمال والعلو والكمال والبهاء والأفضال، وأنت تفوقهما قدرًا في هذه الأحوال.
(كأنَّك برْدُ الماء لا عيشَ دونه ولو كنتَ بردَ الماءِ لم يكنِ العِشْرُ)
قال أبو الفتح: يقول لو كان برد الماء مثلك لما وردت الإبل العشر، وهو أن ترد الإبل يومًا وتغب ثمانية أيام، وترد اليوم العاشر. أي كانت تتجاوز المدة في العشر لغنائها ببردك وعذوبتك.
قال الشيخ: لو كنت برد الماء لكان الورد رِفهًا أبدًا يرده من شاء فيما شاء لإعراضه للواردين وعرض نفسه عليهم كما يرد اليوم نوالك من شاء متى شاء لإعراضه للراغبين وعرض نفسه عليهم. والشيخ أبو الفتح شد ما بَّرد الممدوح بغناء الإبل ببرده من الماء حتى تجاوز العشر ولا تعطش، فإن رضي الممدوح بهذا التبريد فما حمله من مزيد. وعندي أنه يقول: كأنك بردُ الماء الذي هو ملاك العيش وقوام الحياة وطراوة الروح وطيب النفس، ولو كنته لكان عامًا يسع العالم وما فيه، فلم يكن إلا ظمأً، كما أن فضلك الآن عامًّا يشمل العفاة والفقراء، فلا ميقات له.
[ ١ / ١٧٩ ]
(دعاني إليكَ العلمُ والحلمُ والحِجَى وهذا الكلامُ النَّظمُ والنَّائلُ النَّثْرُ)
قال أبو الفتح: أي دعاني إليك ما فيك من هذه الفضائل، وما تنظمه من كلامك في شعرك وما تنثره وتأتيه على غير نظامٍ لكثرته وإفراطه من نائِلك.
قال الشيخ: هذا عندي نقيض التفسير، فإنه يقول: دعاني إليك ما فيك من العلم والحلم والعقل وهذا الكلام المنظوم الذي مدحُتك به وحملته إليك والنائل المنثور لك في الدُّنيا.
(كأنَّ المعاني في فصاحةِ لفظِها نجومُ الثُّريَّا أو خلائقيَ الزُّهرُ)
[ ١ / ١٨٠ ]
قال الشيخ: يستحيل أن يُشبه شعر الممدوح بأخلاق نفسه على تفسير من فسره على رواية خلائقي، وإنما يُشبه شعر نفسه بخلائق الممدوح، وروايتي: خلائقك الزُّهر، ولا أقل من هذا ليكون للممدوح في البيت نصيب ولا يكون كلُّه في مدح شعره.
(وما أنا وحدي قلتُ ذا الشِّعرَ كلَّه ولكنْ شعري فيك منْ نفسهِ شِعرُ)
قال أبو الفتح: هذا من قول العرب: شعرٌ شاعرٌ وموتٌ مائتٌ، أي كان الشعر له شعرٌ لجودته وحسنه، وفي قوله: من نفسه شعر، نكتٌ غريب، وذلك أنه ليس للشعر شعرٌ في الحقيقة كما أن للشاعر شعرًا، وإنما هو في نفسه جيد، فكأنه شاعر ذو شعر، ولا شعر للشعر غير نفسه، فقارب هذا قولهم: إن السَّوادَ سوادٌ بنفسه، والبياضَ بياضٌ بنفسه، لا بمعنى هو غيرهما، لأن الأعراض لا تحل في الأعراض، وكذلك الشعر عرض، فلا يكون له شعرٌ في الحقيقة، لأن العرض لا يحل إلا في جوهرٍ، فيقول: أعانني على
[ ١ / ١٨١ ]
مدحك شعري لأنه أراد مديحك كما أردت أنا.
قال الشيخ: ما أدري ما هذا التطويل؟ ومعناه: إن شعري يجود فيك ويجيء بلا تكلف وعناء وتجشمٍ واقتضاء، فكأنه لابتداره إليّ وازدحامه عليَّ يشعر معي لك كما يقول:
وأخلاقُ كافورٍ إذا شئتُ مدحَه وإن لم أشأ تُملي عليَّ وأكتبُ
وقريب منه قول غيره:
وبعثتَ لي في الشِّعر أفكارًا أرى ما بينَ قلبي وقعَها ولساني
يُملي الفُؤادُ على اللِّسانِ بدائعًا يَذلقنَ عن حفظي وعن إتقاني
وقال في قصيدة أولها:
(بادٍ هواكَ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .)
(يَقِيانِ في أحدِ الهوادجِ مُقلةً رحلتْ وكانَ لها فُؤادي مَحجِرا)
قال أبو الفتح: أي كانت ضياء قلبي بمنزلة عين القلب، فما زالت عني عمي قلبي، والتبس عليَّ أمري، وفقدت ذهني، فبقي كمقلةٍ ذهبت، وبقي المحجر.
قال الشيخ: هذا التفسير عجيب جدًا، فإنه في وادٍ، والبيت في واد،
[ ١ / ١٨٢ ]
والرجل يقول: كانت هذه المقلة في سواد فُؤادي كالعين في المحجر، فلما رحلت رحل معها فؤادي، فإنه كان محجرًا، والمحجر لا يُزايل العين، وسمعت في معناه أنه أراد أنها رحلت، ولكن سكنت
قلبي، وما فارقته كما تسكن المقلة المحجر ولا تُفارقه، كما قال:
فإن تكُ في قبرٍ فإنَّك في الحشا . . . . . . . . . . . . . . .
وكما قيل:
يا غائبًا من سوادِ عيني سكنتَ من قلبي السَّوادا
ومعناه عندي الأول دون الثاني.
(وسمعتُ بَطْليموسَ دارسَ كُتْبهِ متملِّكًا متبدِّيًا مُتحضِّرا)
[ ١ / ١٨٣ ]
قال أبو الفتح: أراد أنه قد جمع الملوكية والبدوية والحضرية، ونصب دارسًا على الحال.
قال الشيخ: هذا وجه، وعندي أنه يقول: وسمعت بطليموس دارس كتبه، أي ابن العميد دارس قديم كتب بطليموس الذي هو بمثابته وبمنزلته في العلوم، ومربى عليه في التملك والتبدِّي والتحضر ليبين المفعول الثاني بسمعت.
[ ١ / ١٨٤ ]