وقال في قصيدة أولها:
(مبيتي من دمشقَ على فراشِ . . . . . . . . . . . . . . .)
(ورائعُها وحيدٌ لم يُرعْهُ تباعُدُ جيشهِ والمُستجاشِ)
قال أبو الفتح: رائعُها مفزِّعُها، يعني أبا العشائر، لم يفزعه انفراده من جيشه، لأنه قاتلهم وحده، ويعني بالمستجاش: سيف الدولة.
قال الشيخ: هذا وجه وعندي أن المستجاش: الاستجاشة هاهنا، ألا ترى قوله: تباعد جيشه؟
أي: وتباعد استجاشته لهم، فإنه إذا كان بعيدًا جيشه كان بعيدًا استجاشته، وهذا أظهر من أن يخفى، ولو قال قائل: يعرف تباعد جيشه بتباعد استجاشته، فإذا عُمل على سيف الدولة أحسن، إذ يحصل به معنيان: تباعد الجيش وتباعد سيف الدولة، قيل: له الأولاد والخدم والعبيد والأصاغر لا يظهرون عجزهم لمواليهم وسادتهم ما وجدوا فيه فسحة وعنه نُدحة، وجيش الرجل بحاله بقاٍ لم يهزم ولم يزحم، وإنما انفرد عنهم لبعد همته وفرط جرأته، وكانوا أقرب إليه من سيف الدولة، فكيف كان يستجيشه، وجيشه باقٍ بحالهم، ولم يعجزوا عمَّا دهمه؟
[ ١ / ١٩٠ ]
(فما خاشيكَ للتَّكذيبِ راجٍ ولا راجيكَ للتَّخْييبِ خاشِ)
قال أبو الفتح: أي ليس يرجو من يخشاك أن يلقى من يكذِّبه ويُخطئه في خوفك، لأن الناس مجتمعون على خوفك وخشيتك، ومعنى راجٍ: خائف.
قال الشيخ: هذا التفسير جعله مخوفًا بواسطة فقط، وليس كذلك فإن الرجل يصفه بأنه
يُخشى ويُرجى، وما في أحدهما خلاف، الذي يخشاك لا يرجو أن يكذب خوفه، بل يوقن أن يوقع به، والذي لا يرجوك لا يخشى أن تخيب رجاءه، بل يتيقن أن تحقق أمله، فإنك جدٌّ في جميع الأحوال كقوله:
فتىً كالسَّحابِ الجونِ يُخشى ويُرتجى . . . . . . . . . . . . . . .
وهذا المعنى يتردد في شعره وشعر غيره.
(يَقُودُهمُ إلى الهيجا لَجوجٌ يُسِنُّ قتالُه والكَرُّ ناشِ)
قال أبو الفتح: أي لجوجٌ لا ينثني عن أعدائه، ولا يزال يغزوهم،
[ ١ / ١٩١ ]
وأراد: ناشئٌ، فترك الهمز بدلًا، ويُسن: أي يكبر ويعظم قتاله، والكرُّ ناشٍ، أي: في أوله كما بدأ، أي: هو في آخر القتال، والكرُّ ينشأ شيئًا فشيئاُ.
قال الشيخ: ما أدري ما هذا التفسير، فإن فهمه عسير، وعندي يقول: يقودهم إلى الحرب لجوجٌ، لا يسأمها، ولا ينثني عنها، يُسن قتاله، أي: تطول مدته في قتاله كما تطول مدة من يُسن في تصاريف أحواله، وكرُّه بعد ناشئ في مقتبل عمره وعنفوان أمره وحدة شبابه وجدة شبيبته لم تقصر قصور المُسن عن آرائه، ولم يفتر عن اقتداره، أي: يطول قتاله، لا قتاله وكرُّه كما كان في أول حاله. وناهيك به مدحًا في البأس والإقدام الثابت على الدوام، وفي سيف الدولة يقول، وبين البيتين من القرابة ما بين الممدوحين:
وفينا السَّيفُ حملتُه صَدوقٌ إذا لاقى وغارتُه لَجوجُ
(تُزيلُ مخافةَ المصبورِ عنهُ وتُلهي ذا الفِياشِ عن الفياشِ)
قال أبو الفتح: ومعناه أنت تستنقذ الأسير من حبسه، وتُلهي صاحب الفخر عنه، لأن مثلك لا يُطمع في مفاخرته.
قال الشيخ: معناه وهذا التفسير في طرفي نقيضٍ، لا يلتقيان في تصريحٍ
[ ١ / ١٩٢ ]
ولا تعريضٍ، فإن المفسر ظنَّ أنه يُخاطب أبا العشائر، فحمله على ما عنده، وأفسد المعنى بعده، ولم يراجع ديوانه حتى يتبين مكانه، وقبله:
إذا ذُكرِت وقائُعه لحافٍ وشِيكَ فما يُنكِّسُ لانتفاشِ
تُزيلُ مخافةَ المصبورِ عنهُ وتُلهي ذا الفِياشِ عن الفياشِ
أي: تلك الوقائع تشجع من تحدث عنها، فإن من سمع آثار بلائه فيها استفاد جرأة بها،
وهان عليه بذل نفسه لمثلِها، فزال خوفه عن نفسه بها.
وقيل: المصبور: المحبوس، وقيل: المُقدَّم لضرب عنقه، وتُلهي تلك الأخبار النَّفَّاخ المفتخر بالباطل عن أباطيله وأكاذيبه بالإصاخة إليها والإنصات لها والإمساك عما يتصلف به، ويفتخر من آثاره مختلفًا مخترقًا حياء عنه وخجلًا. ورجل فيَّاش وفيوش وصاحب مفايشة، إذا كان نفَّاخًا بالباطل، وليس عنده طائلة.
يتلوه في الجزء الآخر: قافية الضاد
وقال في قصيدة أولها:
مضى اللَّيلُ والفضلُ الذي لكَ لا يمضي . . . . . . . . . . . . . . .
على أنَّني طُوِّقتُ منكَ بنعمةٍ شهيدٌ بها على بعضي لغيري على بعضي
إن شاء الله ﷿، الحمد لله والصلاة على رسوله ونبيه محمد وآله.
[ ١ / ١٩٣ ]
الجزء الثاني
بسم الله الرحمن الرحيم
ربِّ أعنْ
الحمد لله خير ما أفتتح به القولُ وأختتمْ، وصلَّى اللهُ على محمَّدِ وآلهِ وسلَّمْ.
قال الشَّيخُ العميد أبو سهل محمد بن الحسن بن علي رحمةُ الله عليه.