وقال في قصيدة أولها:
(غيري بأكثرِ هذا النَّاس ينخدعُ . . . . . . . . . . . . . . .)
(يَذري اللُّقانُ غُبارًا في مناخرِها وفي حناجرِها منْ آلسٍ جُرَعُ)
قال أبو الفتح: اللُّقان موضع ببلد الروم، وآلس: نهر هناك أيضًا، أي: لا تستقر فتشرب، وتطمئن إنما هي تختلس الماء اختلاسًا لما هي فيه من مواصلة السير والمجاولة، ويجوز أن تكون شربت قليلًا لعلمها بما يعقب شربها من شدة الركض، وهكذا يفعل كرامُ الخيل.
قال الشيخ: كلاهما فاسد وعن المراد متباعد، فإن الرجل يصف خيله وسرعة طي
[ ٢ / ٢٠٠ ]
المسافة وبلوغ المقاصد البعيدة بأقرب الأوقات، وبين آلس واللُّقان مسافة، فهو يقول: شربت من نهر آلسٍ، والماء لم يصل بعد بتمامه إلى أجوافها، وهي قد وصلت إلى اللُّقان حتى يذري غبار أرضها في مناخرها وفي حناجرها بعد جُرعٌ من ماء آلسٍ لم ينزل إلى أجوافها كما يقول:
فكأنَّ أرجلَها بتربةِ منبجٍ يطرحنَ أيديَها بحصنِ الرَّانِ
(أجلُّ مِنْ ولَدِ الفُقَّاسِ مُنكتِفٌ إذْ فاتهنَّ وأمضى منه منصرعُ)
قال أبو الفتح: ولد الفُقَّاس الدُّمستق الذي كان لقيه حينئذ، لأنه أفلت وأُسر من أصحابه نيفٌ وثمانون رجلًا، فيقول: إن كان الدُّمستق قد فاته فقد ظفر من أصحابه بمن هو أمثل منه.
قال الشيخ: ما أدري كيف ارتضى لنفسه مع جلالة قدره وتقدمه في العلم، التكلم بمثله. الدُّمستق صاحب جيش الروم، ومن يُؤسر من الجيش يكون أجلَّ وأمثل من صاحب
الجيش، وما أبعد معناه عما حكاه، فإن الرجل يقول: هذا الأسير المكتوف والقتيل المصروع أجلُّ من الدُّمستق وأمضى إذا ثبتا وقاتلا حتى كتَّف الأخيذ وأتلف الوقيذ، ولم يؤثر تقنُّع العار على تجرُّع البوار ووصمة الفرار على قصمة الدَّمار كما آثر صاحب جيش الروم، والأسير أجل قدرًا منه لثباته، والصَّريع
[ ٢ / ٢٠١ ]
أمضى رأيًا وعزمًا منه لبذل حياته، كقوله:
فموتي في الوغى عيشي لأنِّي رأيتُ العيشَ في أربِ النُّفوسِ
وقوله:
والعارُ مَضَّاضٌ وليسَ بخائفٍ من حتفهِ مَن خافَ ممَّا قِيلا
ويدلُّك عليه قوله بعده:
وما نجا من شِفارِ البيضِ مُنفلِتٌ نَجا ومنهنَّ في أحشائهِ فزَعُ
يُباشرُ الأمنَ دهرًا وهوَ مُختَبلٌ ويشربُ الخَمرَ حولًا وهوَ مُمتَقَعُ
أي: وهو وإن اختار هجنة الفرار ورضي لنفسه بهذا الشَّنار، فليس معها بناجٍ من شفارِ السيوف مع ما في قلبه من الفزع المنغِّص عليه عيشه المختبل عقله بعد مباشرة الأمن دهرًا المغبِّر لونه بعد شرب الخمر حولًا.
(وجدتُموهمْ نيامًا في دِمائِكمُ كأن قتلاكُم إيَّاهمُ فَجَعوا)
قال أبو الفتح: حدَّثني أبو الطيب، قال: لَّما هزم سيف الدولة الدُّمستق، وقتل أصحابه جاء المسلمون إلى القتلى يتخلَّلونهم، وينظرون من كان فيهم به رمق قتلوه، وكانوا يقولون لهم: رُميس رُميس ليوهموهم أنهم من الروم، فإذا تحرك أحدهم أجهزوا عليه فبينا هم كذلك أكب المشركون عليهم لاشتغال سيف الدولة عنهم فلذلك قال:
[ ٢ / ٢٠٢ ]
وجدتموهم نيامًا في دمائكم، أي: في دماء قتلاكم، وكأن قتلاكم فجعوهم، وهم قعود بينهم يتوجعون.
قال الشيخ: بعضه صحيح، وبعضه سقيم، فالصحيح ما رواه، والسقيم ما رآه، وذلك أنه يقول: وجدتموهم نيامًا في دمائكم لا قعودًا فيها، وكانوا كما روى، تخلَّلوا صرعى سائلين عنهم بلغة الروم، فمن وجدوا له حسًا وحركة أجهزوا عليه، فلما أظللَّهم جيش الروم تلطخوا بدمائهم، وتشحَّطوا فيها، وناموا في خلال القتلى كالقتلى حتى يُظنَّوا قتلى، فلم تُغن عنهم الحيلة، وأُسروا، فهو يقول: كأن قتلاكم فجعوها حتى ضرَّجوا وجوههم بدمائهم، وتشحَّطوا
فيها جزعًا عليهم، وتوجُّعًا وتهالكًا فيهم وتفجُّعًا ن وهكذا فعل الجازعين على قتلى الأعزة من تضريج الوجوه والاستغشاء بثيابهم المضرَّجة بسيما النِّساء.
(رضيتَ منهم بأنْ زُرتَ الوغى فَرأَوا وأنْ قرَعتَ حَبيْكَ البَيضِ فاسْتَمَعُوا)
قال أبو الفتح: يعرض بأضداده من الشعراء وغيرهم، أي: أنا أضرب معك بالسيف، وهم يتخلفون عنك.
[ ٢ / ٢٠٣ ]
قال الشيخ: (سبحانَك هذا بُهتانٌ عظيمٌ). الرجل يصفه بالثبات وقت انهزام أصحابه وإسلامهم له في المعركة، فيقول: ما كنت تُجشِّم جيشك مظاهرتك على العدو، بل كنت راضيًا منهم بأن يثبتوا، فرأوا خوضك الغمرات، واستمعوا صليل قرعك البيض بالمرهفات، ولكن لم يثبتوا، ويدلُّك عليه قوله قبله:
لم يُسلمِ الكرُّ في الأعقابِ مهجتَه إن كان أسلَمَها الأصحابُ والشَّيَعُ
ليتَ الملوكَ على الأقدارِ معطيةٌ فلم يكن لدنيٍّ عندها طمَعُ
رضيتَ منهم بأن زرتَ الوغى وأن قرعتَ حَبِيكَ البّيضِ فاستمعوا
ويعلم أن سيف الدولة لم يكن يقاتل الشعراء حتى يتصور فيه ما فسر بيته به، ويدلُّك على ما قُلنا ما قبل هذه الأبيات، وهي:
وفارسُ الخيلِ مَن خفَّت فوقَّرها في الدَّربِ والدَّمُ في أعطافِها دُفَعُ
وأوحدته وما في قلبهِ قَلقٌ وأغضبتهُ وما في لفظهِ قذَعُ
بالجيش يمتنعُ السَّاداتُ كلُّهمُ . . . . . . . . . . . . . . .
وقال في قصيدة أولها:
(أركائبَ الأحبابِ إنَّ الأدْمُعا . . . . . . . . . . . . . . .)
(مُتكشِّفًا لعداتهِ عن سطوةٍ لَوْحَكَّ مَنكبِهُا السَّماَء لزعزعا)
قال أبو الفتح: أي يُصارح أعداءه ويُجاهرهم بالعداوة لجرأته وإقدامه وفضله.
[ ٢ / ٢٠٤ ]
قال الشيخ: لم يُفسر إلا شطرًا من البيت، وأعرض عن الشطر الأهم، وما معناه المصارحة بالمكاشفة ولا المصاحرة بالمكاشحة، وإنما معناه أنه منطوٍ لهم على تحري القتال دون الاحتيال والاغتيال والمكر والغدر والختل والختر، فإذا أراد أن تكشف لهم عن سطوةٍ تزعزع السَّماء شدَّة صدمه وعظمة وقعه، وذلك أن الأرض تزلزل وتزعزع، والسماء
ممتنعة عليها، فلهذا خص السماء بالزَّعزعة، والدليل على أنه مما قلنا في التكشف لا ما زعمه قول البحتري.
وتبسَّمت عن لؤلؤٍ فتكشَّفت عن واضحاتٍ لو لُثِمنَ عِذابِ
إنها ليست تصاحر الناس بذلك التكشُّف، ولكنها صاحبة ثغرٍ كاللُّؤلؤ، فإذا تبسَّمت تكشفت عنه.
(إنْ كانَ لا يُدعَى الفتى إلاَّ كذا رجُلًا فسمِّ النَّاسَ طُرًّا إِصبَعا)
قال أبو الفتح: رجلًا منصوب لأنه مفعول ثانٍ ليُدعى، وهو الذي يقال له: خبر ما لم يُسمَّ فاعله كأنه قال: إن
[ ٢ / ٢٠٥ ]
لا يُدعى الفتى رجلًا حتى يكون هكذا مثلك، فسمِّ الناس، أي: جميع الناس إصبعًا، لأنهم لو وُزنوا بإصبعك ما وفوا بها.
قال الشيخ: ما في إضافة الإصبع إلى الممدوح معنى، لأنها غضٌّ من قدره، وأنه يقول: إن كان لا يُدعى الفتى رجلًا إلا إذا كان مثله، فعدَّ جميع الناس إصبعًا في جنبه لكماله وجلالة خصاله وفخامة أفعاله وقصورهم عن غاياته في المعالي وسقوطهم عن نهاياته في المساعي.
(إنْ كانَ لا يَسعى لجُودٍ ماجدٌ إلاَّ كذا فالغيثُ أبخلُ مَنْ سعى)
قال أبو الفتح وهذا البيت أيضًا نحو الذي قبله، أي إن لم يصح سعي ماجدٍ لجودٍ حتى يفعل مثل فعلك وجب أن يكون الغيث أبخل السَّاعين لبُعد ما بينك وبينه ووقوعه دونك، فإن قيل: لم جعل الغيث إذا قصر عن جوده أبخل السَّاعين؟ وهلاَّ كان كأحدهم؟ فإنما جاز هذا له على المبالغة كما يقول، فالغيث لم يمرر بشيءٍ من الجود.
قال الشيخ: ما ادري ما يقول في تفسيره واستشهاده، والرجل يقول: إن كان لا يسعى ماجدٌ لبذل النَّوال وتفرَّق الأمور في تحقيقٍ إلا كما يسعى هذا
[ ٢ / ٢٠٦ ]
الممدوح، فالغيث الذي هو المثل في الجود والسخاء والنِّهاية في الفيض والعطاء والمشَّبه به في الإيلاء وموالاة الآلاء أبخل من سعى بالقياس إلى فيض يديه وتبذير ما لديه.
وقال في قصيدة أولها:
(الحزنُ يُقلقُ والتَّجمُّلُ يردعُ . . . . . . . . . . . . . . .)
(فاليومَ قَرَّ لكلِّ وحشٍ نافرٍ دمُه وكانَ كأنَّه يتطلَّعُ)
قال أبو الفتح: يقول كان يقنص الوحوش في الطرد، وقوله: يتطلع، أي: كان كأنه يهم بالظهور والخروج من غير أن يظهر ويخرج خوفًا وجزعًا ونحو هذا، أن الحمار إذا أروح الأسد، فاشتد جزعه طلبه وقصده دهشًا وتحيُّرًا.
قال الشيخ: ما أدري ما يزعم، وعندي أن الرجل يقول: فاليوم قرَّ لكل وحش دمه في بدنه، فإنه كان يسفحه، وكان ذلك الوحش يتطلع أن يُسفح دمه ويراق لاعتياد الوحش ذلك لطول الزمان عليه، وهذا ينظر إلى قوله:
يُطِّمعُ الطَّيرَ فيهم طولُ أكلِهمُ . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٢٠٧ ]